منتديات الحوار الجامعية السياسية

فليقل كل كلمته
#5811
صنع القرار السياسى فى مصر والصراع العربى الإسرائيلى(دراسة مقارنة)

المقدمة
تشهد الجماعة العلمية فى العلوم السياسية صراعا فكريا حول نظريات صنع القرار السياسى ،الا انة ومن الملاحظ تختلف عملية صنع القرار فى دول العالم الثالث عما عداها من دول العالم الاول أو حتى العالم الثانى .ففى العالم الثالث تعظم شخصية رئيس الدولة وتصبح محورا لتفاعلات المجتمع كلة.هذا الى جانب دور ضعيف للمؤسسات الموجودة ،والتى لا يخرج دورها عن إضفاء صفة الشرعية على قرارات وسياسات رئيس الدولة.1)
ولهذا يستهدف البحث دراسة صنع القرار السياسى فى مصر كحالة تطبيقية للدراسة وكنموذج تطبيقى واضح لدول العالم الثالث ويشير البحث الى تعاظم دور رئيس الدولة فى الدول الغير ديمقراطية فى دائرة صنع القرار والتى يتمحور القرار من خلال اهتماماتة وتوجهاتة الشخصية بما يعنى أن اخطر القرارات مصدرها هو رئيس الدولة وبالتالى فقد تم تقسيم البحث الى ثلاث مراحل الناصرية والساداتية وفترة الرئيس مبارك.
1)دائرة صنع القرار فترة الرئيس جمال عبد الناصر من 1952م- 1970م
2) دائرة صنع القرار فترة الرئيس السادات فى الفترة من 1970م-1981م
3) ) دائرة صنع القرار فترة الرئيس مبارك بداية من 1981م-2006م

وقد تم الاستعانة بالمنهج المقارن والذى يعد خطوة هامة للمقارنة بين الحقب الثلاثة من خلال دوائر صنع القرار فيها ،كى يمكن معرفة القواعد العامة التى تمكن من فهم العلاقة بين تغير المناخ السياسى سواء الداخلى أو الاقليمى أو الدولى وما يصاحبة من تغيرفى السلوك السياسى لدى صانع القرار.
وبما ان تلك الحقب تموج بالكثير والكثير من القرارات الهامة التى كان لها صداها على المستوى الداخلى والاقليمى والدولى فقد تم التركيز فى هذا البحث على رؤية كل من الرؤساء الثلاثة لتسوية الصراع العربى الاسرائيلى
.وقد تم تقسيم البحث الى خمسة أقسام :-
القسم الاول:- يتناول التأصيل النظرى لعملية صنع القرار السياسى .
القسم الثانى :-الصراع العربى الاسرائيلى فى فترة الرئيس عبد الناصر 1952م-1970م.
القسم الثالث:-التوجهات السياسية وصنع القرار للرئيس السادات فى ادارة الصراع العربى الاسرائيلى .
القسم الرابع :- السياسة الخارجية فى فترة الرئيس مبارك ودوائر صنع القرار السياسى.
القسم الخامس:-الخاتمة.

المبحث الاول
التاصيل النظرى لعملية صنع القرار السياسى
ذاد الاهتمام بالقرارت كعنصر اساسى فى العملية السياسية منذ الحرب العالمية الثانية وكمحور دارت حولة العديد من الدراسات ففى علم الاجتماع أشار دافيد إيستون "David Easton" بأن القرارت تعد مخرجات outputs للنظام السياسى تحدد فيها القيم سلطويا داخل المجتمع وفى نفس الاطارأشار بعض علماء علم النفس عن الدوافع الحركية للقرارت التى تتخذ على مستوى الافراد والاسباب التى تصعب من خلالها صنع القرار عند بعض الافراد عن البعض الاخر. وفى أطار علم الاقتصاد والادارة فقد اهتم الاقتصاديون بدراسة صنع القرار كسلوك لدى المستهلكين والمستثمرين وغير هؤلاء ممن يكون لاختياراتهم أثر على الاقتصاد أما دارسو إدارة الاعمال فقد اجتهدوا فى تنمية كفائة المديريين فى تنظيم صنع القرار . وقد استوحى علماء السياسة من هذة العلوم الكثير من المفاهيم والمنهج وحيث أن القرار السياسى يأتى فى اولويات القرارات بما لة من تأثير على المجتمع بمؤسساتة وجماعتة وافرادة.1)لذا فقد اتجة علماء السياسةإلى دراسة السلوك القرارى decision behavior لدى المصوتين والمشرعين والتنفيذين الحكوميين والسياسيين وقادة الجماعات من أصحاب المصالح وغيرهم هذا بالاضافة الى التطرق لدراسة صنع القرار فى السياسة الخارجية بإعتبارة يدل على قطاع خاص فى الظاهرة السياسية العامة.
ويرى الاستاذ الدكتور عبد المنعم عمارة أن صنع القرار يعنى "عملية إختيار بين البدائل المتاحة التى تتسم بعدم التأكد أو اللايقين فى نتائجها وهذا لايعنى ان نموذج صنع القرار يكون جاهزا امام المسئول السياسى وهو يضع امامة سلسلة من البدائل ويشرع فى دراسة أثار كل منها طبقا لمقاييس محددة".
إذ أنةفى السياسة الخارجية تحكم متخذ القرار الاوضاع السياسية العالمية وتوازن القرارات المتخذة ربما أكثر من السياسة الداخليةحيث أن عدد البدائل المتاحة يكون محدودا بل قد لا يكون هناك بدائل فجوهر عملية صنع القرار هو الاختيار بين عدد من الممكنات لا على اساس نظرى ولكن على اساس عملى يرتبط بالظروف القائمة ونادرا ما يجد السياسى نفسة أمام وضع لا مجال لة فى الاختيار أذ احيانا لاتتوفر عدة بدائل. 2)
ويجدر الاشارة إلى أن صنع القرار السياسى لا يعد من المداخل الجديدة فى فهم السياسة الدولية الا أنة يعد تحول كبير عن التحليل السياسى التقليدى فى محاولة لفهم وتحليل سلوك صانع القرار فى موقف معين كى يمكن التعرف على طبيعة النظام السياسى السائد و ادراك السياسة العامة للدولة.
وبهذا توصف نظرية صنع القرار بإنها تحليل للجزء أكثر منة تحليل للكل فالتركيز فى نظرية صنع القرار يكون على شىء أصغر بكثير من النظام السياسى ككل أو بتعبير أخر وحدة قرارية decisional unit محدودة و محددة جيدا.1)
وتتمحور مناهج تحليل عملية صنع القرار السياسى حول منظورين أساسين :-
1)المنظور الموضوعى فى صنع القرار:- . من أنصار هذا المنظور والذى يطلق علية ايضا المنظور البيروقراطى سنايدر وهالبريين وأليسون وروزنو ولوفيل وروبنسون وبهجت قرنى وأخرون، ويرون أنة يحلل صنع القرار من زاوية فهم الجوانب الموضوعية المحيطة بالقرار أى محاولة تحليل بناءات صنع القرار فى سياق الظروف المجتمعية المصاحبة للقرار وقد وجهوا أنتقاداتهم للمنظور النفسى ألى انة يختزل الظروف الموضوعية المصاحبة للقرار مركزا على شخص رئيس الدولة وسماتة الشخصية دون مراعاة للمحيط المجتمعى ما يؤدى إلى ضعف التحليل ومحدوديتة وعدم دقة نتائجة.
2)منظور القيادة السياسية الحاكمة:- وينطلق من زاوية تحليل البيئة النفسية للقيادة الساسية الحاكمة والتى تتمثل فى شخص رئيس الدولة وقد تمتد الى النخبةالمحدودة المحيطة بة.أى رؤية رئيس الدولة للواقع المجتمعى وقراءتة الذاتية لهذا الواقع.2). و يوجة أنصار المنظور النفسى مثل بريتشر وهولستى وسبراوت وداويشا وغيرهم انتقادات للمنظور الموضوعى على اساس انة يتجاهل البعد الشخصى ومضامينة الشعورية وكأن عملية صناعة القرار هى مجرد مؤسسات وأطر بيروقراطية وعلاقة ألية أو ميكانيكية دون ان يكون للبشر القائمين على هذة المؤسسات والاجهزة شعور وان يتأثرون بمن حولهم أو يؤثروا فيهم ويردون على أصحاب المنظور الموضوعى بأنهم حينما تبنوا التوجة النفسى فى تحليل القرار والذى يركز على دور القيادة السياسية ابرزوا دور الشخصية الحاكمة لصناعة القرار فإنهم لم يتجاهلوا العوامل الموضوعية المحيطة بها.كما أن الامر يتوقف على مدى ادراك صانع القرار للبيئة الواقعية بأبعادها المختلفة.
ودون الخوض فى مدى جدوى احدهذين المنظورين دون الاخر يمكن أن نطرح سؤالا غاية فى الاهمية الا وهو اى المنظوريين يمكن ان يطبق فى دول العالم الثالث؟
فدول العالم الثالث تتضح فيها ظاهرة شخصنة السلطة والتى تعنى تركز السلطة فى يد شخص رئيس الدولة بجانب الفئة المحدودة المحيطة بة كما تختفى فكرة دوران السلطة بين النخب والاحزاب السياسية ،علية فإن عملية صنع القرار تتركز فى شخص رئيس الدولة وإن شئت قل ينفرد بها خاصة فى المجال الخارجى على خلاف الاوضاع الداخلية.وبالتالى اتجهت الدراسات الاكاديمية فى تحليل السياسة الخارجية فى دول العالم الثالث عامة ومصر خاصة بالتركيز على رئيس الدولة ودورة المحورى فى صنع وتنفيذ السياسة الخارجية لبلادة.1)واتجهت بالتالى الى التركيز على نمط تفكيرة وتوجهاتة الفكرية والعوامل التى أسهمت فى تكوينة والتى بدورها أثرت على نظرتة للعالم المحيط بة داخليا وإقليميا ودوليا. فضلا عن تنشئتة السياسية والاجتماعيةوتطور عملة الوظيفى وسماتة الشخصية وقدراتة فى التعامل مع المحيطين بة.1)
ووفقا لأليات النظام الديمقراطى يسعى كل حزب سياسى لكسب ثقة الجماهير حتى يحصل على تأييد الغالبية منهم لكى يتولى السلطة وفى اتون هذا التنافس السيايى بين كافةالقوى السياسيةالمتجسدة فى أحزاب رسمية غالبا تتولد القيادات السياسية من رحم الصراع السياسى بين المتنافسين وتظهر الكوادر التى تتوفر لديها الرؤية الشاملة للنهوض بالمجتمع حال تولى السلطة فى ضوء ثقة الغالبية من الجماهير.3)ونتيجة لحداثة تقاليد الديمقراطية فى هذة البلدان4)وعدم تبلور تقاليد واضحة للصراع السياسى والممارسة السياسية فى الواقع العملى تعانى دول العالم الثالث من ظاهرة عدم الاستقرار السياسى بالاضافة الى عراقة فى المؤسسات السياسية مما يؤدى الى عدم وجود أنظمة مستقرة لصنع القراروعدم وجود شبكات اتصالية راسخة يمكن التعرف عليها لتحليل القرارت. وينطبق هذا الكلام على مصر شأنها شان دول العالم الثالث.
مما سبق يتضح أهمية موضوع الشخصية فى عملية صنع القرار فى مصر ودول العالم الثالث والتى يمكن دراساتها من خلال 1-التحليل النفسى لصانع القرار بشكل فردى
2-دراسة شخصية صانع القرارت من خلال نتائج القرارت التى أتخذها.
3-أثر البيئة الداخلية والخارجية فى عملية صنع القرار. 1)
وبالتالى ستحدد الدراسة التوجهات السياسية المصرية فى إطار إدارة الصراع العربي الاسرائيلى.
ويعتبر الصراع الاسرائيلى نمطا فريدا من الصراعات الاقليمية .فقد نشأ هذا الصراع مخططا من قوى دوليةويمكن القول أن الصراع العربى الاسرائيلى مر بمراحل مختلفة:-
أولا:-شهدت الفترة من1917م اى منذ وعد بلفور وقيام دولة اسرائيل فى 1948م صراع بين دولة اسرائيل وعرب فلسطين حتى تمكنت إسرائيل من إعلان دولتها واعتراف كل من أمريكا وروسيا بها فور قيامها.تلك المرحلة اتسمت بصراع سياسى وحرب عصابات بين يهود اسرائيل وعرب فلسطين.
ثانيا:- الفترة من بداية قيام ثورة يوليو 1952م وحتى 1970م وهى الفترة التى شهدت ادارة الصراع العربى الاسرائيلى وتأثير عبد الناصر كزعيم مصرى قومى فى اطار تجييش العالم فى مواجهة اسرائيل .وكيفية اتخاذ القرارات السياسية ودوائر صنع القرار فى مواجهة اسرائيل تلك المرحلة انتهت بحرب الاستنزاف.
ثالثا:-تم ادارة الصراع بأسلوب أخر فى الفترة من 1970م حتى 1981م والتى جاء فيها صنع القرار بأسلوب مختلف قبل وبعد حرب أكتوبر 1973م وبرؤية جديدة حتى داخل المؤسسات.
. اما مرحلة ما بعد معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية 1979 و التى نقصد بها مرحلة تولى الرئيس مبارك الحكم والتى بدأت فى 1981م تلك المرحلة تضمنت العديد من اتفاقيات التسوية والتى سارت فى اتجاة ضبط النفس وتجنب افتعال الازمات خاصة من الجانب الاسرائيلى.وبالتالى فإن كل مرحلة تعكس السمات المميزة لعملية صنع القرار السياسة فيما يختص بكيفية ادارة الازمة.2)

المبحث الثانى
الصراع العربى الاسرائيلى فى فترة الرئيس عبد الناصر من 1952محتى1970م

أولا الجذورالفكرية للرئيس جمال عبد الناصر
كان لعبد الناصر نسقة الفكرى والعقائدى الواضح وهو نسق تأثر عبر مراحل تطورة المختلفة بالعديد من التيارات الفكرية والايدلوجية والتى كانت تموج بها مصر بل الثورة خاصة القومية منها والاشتراكية.وقد شارك عبد الناصر فى مرحلة الشباب معظم الاحزاب السياسية وتفاعل مع معظم التيارات الفكرية النشطة والصاعدة فى حقبة الاربعينيات ويرجح أن يكون قد ارتبط تنظيميا ببعضها فى مراحل زمنية مختلفة وان كانت قصيرة و خاصة بمصر الفتاةوالتى تبنت الفكر الاشتراكى والاخوان المسلمين والذين اعتبروا أن الاسلام عقيدة وشريعة ومصحف وسيف والشيوعيين الذين رأوا أنة لابد من تمكين طبقة البرولتاريا وغيرهم.ومن اللافت للنظر حرص عبد الناصر عند تشكيلة للتنظيم السرى للضباط الاحرار على تجنييد عناصر تنتمى لكل القوى والتيارات الفاعلة فى المجتمع المصرى مما جعل هذا التنظيم أقرب ما يكون إلى شكل الجبهة الوطنية التى تضم كل اطياف التوجهات السياسية فى مصر من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار منة إلى شكل الحزب او التيار السياسى.1)ويمكن القول ان شخصية عبد الناصر قد تبلورت انعكاسا للتطورات المادية التى لحقت بالمجتمعات العربية منذ بداية القرن العشرين وللظروف السياسية التى عايشاتها تلك المجتمعات فى ظل الحقبة الاستعمارية وحتى فترة ما بعد الاستقلال وهى بذلك تعبر عن التطلعات العربية وامالها فى مستقبل اكثر اشراقا تستطيع فية ان تتخلص من الازمات والمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تعيشها فى ظل الاوضاع الراهنة2) ولا يمكن ان نتغاضى عن مرحلة التكوين الشخصى للرئيس عبد الناصر فى فتراتها المبكرة فقد كان من المشتغلين بالسياسة وهو لا يزال طالبا بالمدرسة الثانوية كذلك لا يمكن ان ننكر وعية الثقافى والمعرفى من خلال قراءتة المتعددة واالتى اصبحت مصدرا مهما من المنابع التى نهل منها فى تلك المرحلة المبكرة3) ويمكن القول ان تلك الحصيلة قد شكلت فكرة ولفتت نظرة الى موقع مصر واهميتة ودورها فى المنطقة العربية وعمقت مفاهيم عن ضرورة وجود زعامة قوية مستنيرة تنقذ تلك المنطقة من عثراتها.1)
2- أزمة 1967م
من خلال رصد للاحداث التى كانت تموج بها تلك الفترة يتضح ان البيئة الادراكية للرئيس جمال عبد الناصر على المستوى الداخلى والخارجى كان لها انعكاساتها على مسار أزمة 1967م.
أولا:-البيئة الادراكية الداخلية
عاشت مصر مرحلة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة والتى مرت بها منذ 1952م الى ان اندلعت أزمة 1967م تلك التحولات القت بظلالها على النظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى القائم. بداية كان قانون الاصلاح الزراعى الذى أصدرتة ثورة يوليو فى 9 سبتمبر1952م من أخطر الاجراءات التى قلبت الاوضاع فى الريف المصرى وجعلت للفلاحين قيمة اجتماعية وانسانية لم يشعروا بها يوما طوال قرون عديدة .ثم كان قرار 1956م بتأميم قناة السويس فقد لعب عبد الناصر دورا رئيسيا فى عملية صنع هذا القراروالذى كان له انعكاساته على المستوى الدولى خاصة انة يمثل تحدى لكل من بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية وعلى المستوى الاقليمى والداخلى مما أكسب شخصية عبد الناصر سمة الكاريزمية و جعلتة بطل قومى على مستوى الوطن العربى.الا انة وعلى الرغم من دراسة عبد الناصرلهذا القرار وحسابة للمخاطر التى سوف تترتب علية واخيارة للبدائل واستعانتة بكبار المسئوليين عن القناة والمتخصصين فى هذا المجال الا انة كانت لة اليد الطولى فى اتخاذ قرار التأميم مما كان سببا مباشرا فى حرب 1956م.
وعلى المستوى الشعبى فقد ذادت مشاعر الكراهية والتى كان يكنها الشعب المصرى تجاة اسرائيل حيث عمق عدوان 1956م تلك المشاعر ولم يكن الانتصار السياسى الذى تحقق كافيا لازالة طعم المرارة الذى ترسب فى نفوس الجموع بسبب اضرار مصر لقبول مرور السفن والبضائع الاسرائيلية عبر خليج العقبة ومرابطة قوات الطوارى الدولية فى شرم الشيخ وعلى حدودها الشرقية كثمن لانسحاب اسرائيل من سيناء2)
مما يبرهن على ان عبد الناصر كشخصية كارزمية1) ودورة كقائد ملهم كان لها صدى عميق فى نفوس جموع الشعب المصرى فقد كان من خلال خطبة وتصريحاتة يبرز اسرائيل كقاعدة للعدوان وكدولة توسعية تشكل خطرا على دول المشرق العربى وعلى مصر .
ومن هنا تتجلى السمة التعبوية والحشدية التى اتجهة اليها عبد الناصر خاصة من خلال خطبة، فقد حظى عبد الناصر بتأييد الشعب المصرى والالتفاف حولة حيث ان احساس الشعب المصرى بأن مقاليد الامور فى مصر ولاول مرة منذ قرون طويلة قد الت لزعامة مصرية وطنية حميمة.
إلا أن صراع الاجنحة بين اليمين واليسار داخل النظام قد بدء يبرز بشكل علنى ويدخل مرحلة مقلقة, وظهرت المؤسسة العسكرسة وكانها تخضع لقيادة عسكرية مستقلة عن القيادة السياسية ومنشغلة بأمور اخرى غير مهمتها الاساسية وهى اعداد الجيش للدفاع عن أمن الوطن ولمواجهة عسكرية محتملة ضد اسرائيل .ومن الغريب ان عبد الناصر قد دفع الازمة لمرحلة مواجهة عسكرية حتمية بدلا من تهدئتها واحتوائها فى الوقت الذى لم يكن مقتنع فية بصلاحية المشير عامر للقيادة وبهذا لا يمكن ان نحمل عبد الحكيم عامر وحدة مسئولية ما حدث عسكريا فى 1967م.2)
هذا وقد مثلت تلك المرحلة لعبد الناصر مرحلة رفض لمراكز القوى خاصة اعضاء مجلس الثورة.3) فقد اعتبر نفسة مركز القرار المتمثل فى قمة السلطة التنفيذية ومن هنا يتضح ان البيئة الادراكية الداخلية كان لها أثرها على مسار أزمة 1967م.
2-البيئة الادراكية الخارجية
يتعاظم دور البيئة الادراكية الخارجية كمحرك رئيسى لاتخاذ القرار لدى صانع القرار ،ويشير الواقع أن الرئيس عبد الناصر كان لدية ادراكا بالواقع السياسى والتوجهات السياسية الخارجية منذ بداية الثورة حيث أشار فى أهم وثيقة لثورة يوليو كتابة فلسفة الثورة الى ثلاث دوائر رئيسية:-اولا الدائرة العربية :- فقد شهدت تلك الفترة محاولات متعددة لتوحيد الصف العربى وتجسيد فكرة الوحدة العربية والتى كان ابرزها تجربة الوحدة المصرية السورية ودعم العمل العربى المشترك فى اطار التاكيد على القومية العربية والتى تعد القضية الفلسطينية جزء هام فى تلك المنظومة.ثانيا الدائرة الافريقية:- ادراك عبد الناصر أهمية التحرك على الصعيد الافريقى من خلال منظمة الوحدة الافريقية والتى تجسدت على ارض الواقع فى 1963م حيث ان توحيد القارة الافريقية سياسيا واقتصاديا وتقريبها من بعضها البعض فكريا وثقافيا واجتماعيا تعد من اهم المبادىء الثورية التى داعبت خيال عبد الناصر فقد اشار فى كتاب "فلسفة الثورة 1953" الى ان الدائرة الافريقية تعد من اهم الدوائر لانطلاقة العمل السياسى الوطنى.ولا يمكن ان نتجاهل دور عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة فى أعطاء السودان حق تقرير المصير والاستقلال.
وبالتأكيد فقد حرص على امتداد العلاقات مع دول حوض النيل خاصة أثيوبيا هذا بالاضافة الى رؤيتة الخاصة لدور الاستعمار واطماعة فى الدول الافريقية وضروة انطلاق حركات التحرر الوطنى.وعلى الصعيد الاسلامى فقد كانت توجهاتة تصب فى اتجاة ان مصر تجمعها مع شعوب الدول الاسلامية قبلة واحدة وعقيدة واحدة.
أما على الصعيد الدولى:- فقد حاول عبد الناصربناء صداقة قوية ومتينة ليس فقط مع الدول الافريقية بل اتجة نحو العمق الاسيوى /الافريقى من خلال مؤتمر باندونج والذى أرست مبادئة العشر أساسا لنمط جديد من العلاقات بين الدول قوامة التعايش السلمى بغض النظر عن الاختلافات فى النظم الاجتماعية وكبديل لسياسة الحرب الباردة.وبهذا استطاع عبد الناصر تكوين علاقات قوية ليس فقط مع دول عدم الانحياز ولكن مع دول المعسكر الشرقى بصفة عامة والاتحاد السوفيتى بصفة خاصة، وبهذا فرضت مصر تحديا عالميا من خلال كسر احتكار الغرب للسلاح من خلال ضمان الحصول على امدادات السلاح من الاتحاد السوفيتى وعلى اقصى قدر من الدعم العسكرى والسياسى ولكن دون تفريط فى استقلال الارادة أو المساس بسياسة عدم الانحياز.هذا الى جانب تحدىسياسة الاحلاف والمحاور الغربية.
كما انة لم تغيب عن مدركاتة صورة اسرائيل كخادم للمصالح الاستعمارية التقليدية ودورها فى المنطقة .وعلى الرغم من ادراكة لتلك الحقيقة لم يكن سلوك عبد الناصر وممارستة فى تلك الفترة تشير الى انة قد وضع فى حساباتة احتمال ان تعطى الولايات المتحدة الامريكية لاسرائيل الضوء الاخضر للقيام بالعمل العسكرى بهذا الحجم ضد ثلاث دول عربية ومن بينها الاردن.2)
ومن المهم ان نشير أن علاقة جمال عبد الناصر لم تكن وطيدة بالولايات المتحدة الامريكية بل سارت فى الاتجاة المعاكس فى الوقت الذى كان يتسابق فية المعسكر الشرقى والغربى على فرض نفوذة فى المنطقة.فقد ضاقت امريكا بسياسات عبد الناصر لدرجة انها وضعت خطة للتخلص منة بعد ذلك عرفت بأسم "خطة اصطياد الديك الرومى "وفى سياق تلك الاتجاهات التقت مصالح اسرائيل مع المصالح الامريكية وعلى الرغم من انة لم تكن هناك معلومات متاحة لدى عبد الناصر عن هذا التواطىء الا ان خطابة السياسى قد زخر بمضامين تؤكد علمة بهذا التقارب.1 )
وعلى الرغم من ان عبد الناصر كانت نواياة الحقيقة تتجة فى اتجاة تجنب المواجهة العسكرية مع اسرائيل 2) ، فعلى حسب رواية الاستاذ محمد حسنين هيكل فى كتابة انفجار يقول "كان جمال عبد الناصر فى الاساس لا يؤمن بالحرب الا كملجأ أخير ليس منة بد، وفى هذة الحالة يجب أن تكون حسابات الحرب دقيقة " 3). الا ان رد فعلة تجاة الحشود الاسرائيليةامام الرأى العام العالمى كان مبالغا فية وبدا قرارة بسحب قوات الطوارىء الدولية غير مبرر كما بدا قرارة بإغلاق خليج العقبة امام الملاحة الاسرائيلية ايضا غير مبرر.الا ان بعض المحللين يرجعون تلك القرارات ونقصد بها قرار سحب قوات الطوارىء الدولية وقرار اغلاق خليج العقبة الى ان وجود مثل هذة القوات فى مصر والسماح لاسرائيل بالمرور فى خليج العقبة قد بدأ يشكل فى أجواء التصعيد – ومحاولة كل طرف عربى التنصل من مسئولياتة باتهام الاخرين بالتخاذل – موضوعا للمذايدة ووقودا فى الحرب الباردة العربية ،فقد بدأت أجهزة الاعلام العربية تتهم مصر بأنها تحتمى وراء القوات الدولية وتترك غيرها يتعرض للعدوان الاسرائيلى دون أن تفعل شيئا غير التاييد بالكلمات .4)
الا انة وعلى أى حال تناقضت ظواهر أفعال عبد الناصر والتى بدت هجومية مع حقيقتة السياسية والتى كانت فى جوهرها دفاعية ولم يكن بإستطاعتة أن يقنع العالم بإنة ضحية على عكس ما حدث فى 1956م وعلية فقد خسر معركتة إعلاميا قبل ان يخسر الحرب عسكريا فى 1967م.
هذا بالاضافة الى حالة الانحدار فى مشروعة القومى خاصة تجاة الدول العربية ففقد لاحت بوادر تلك الحالة بداية بإنتهاء الوحدة بين مصر وسوريا كما ظهرت على السطح الخلافات فى نظم الحكم السياسية والخارجية لكل دولة عربية وهذا معناة أنة لا يجود تضامن عربى من الناحية السياسية واوضح دليل على ذلك فشل مؤتمرات القمة العربية وأصبحت القيادة العربية الموحدة قيادة رمزية.
ومن هنا يتضح انة بغياب الاسترتيجية العليا فى الدولة نتيجة الخلل الهيكلى الذى كان يعانى منة نظام الحكم والذى انعكس بدورة على أداء النظام فى مجال وتنفيذ السياسات الخارجية هذا بالاضافة الى الابتعاد الفكرى بين القيادة السياسية والعسكرية وبين القوات المسلحة باعتبارها احد اجهزة الدولة صاحبة الثورة واداة التغيير فى الدولة قد ادى الى حدوث فجوة بين الاطار النظرى والفكرى وبين الاطار الاسترتيجى لادارة الازمة تلك الفجوة لم توفر المناخ الصحى للتعامل مع معطيات الازمة مما كان سببا فى هزيمة1967م.

المبحث الثالث
التوجهات السياسية وصنع القرار للرئيس السادات فى ادارة الصراع العربى الاسرائيلى

شهدت فترة حكم الرئيس أنور السادات أخطر قرار سياسى فى تاريخ مصر الحديث وهو قرار حرب أكتوبر 1973والذى ترتب علية قرار يوازى فى خطورتة قرار الحرب الا وهو اتفاق السلام بين مصر واسرائيل (معاهدة كامب ديفيد). .وقد تعددت الرؤى حول تلك القرارات وتلك الرؤى قد تكون متضاربة بين مؤيد ومعارض الا انة يمكن القول أن القرارات التى اتخذها الرئيس السادات قد قوبلت بعاصفة من التأييد كقرار حرب أكتوبر وبعاصفة أخرى من الرفض كقرار اتفاق السلام بين مصر واسرائيل ومن المهم ان نشير الى موجة الصراعات التى عصفت بالمنطقة والاحكام التى صدرت من الناس والدول سواء المتفقة معة او المخالفة لة ويتعين علينا ان نكون أكثر موضوعية عن قراءتنا لشخصية الرئيس السادات.


التحليل النفسى لشخصية السادات
عاش السادات حياة خشنة قد أعدتها المقادير لة تلك الحياة جعلتة يقضى معظم أوقاتة وهو صغير منعزلا عمن حوله سواء فى غرفتة أو منكمشا فى احد الاركان المظلمة وفى رواية للكاتب محمد حسنين هيكل عند تحليلة لشخصية السادات فى مرحلة الطفولة والنشأة يقول"هكذا بدأ يتراجع الى داخل نفسة ولم يكن امامة للهرب مما هو فية الا ان يخلق لنفسة عوالم من الخيال يهرب اليها". 1)وقد بدأ السادات شبابة السياسى ضابطا بسلاح الاشارة برتبة يوزباشى مفصولا من الجيش بسبب اعمال معادية للاستعمار البريطانى ومعتقلا بقرار من الانجليزثم هرب من السجن وبدا ينغمس فى العمل السياسى السرى الى ان سقطت عنة الاحكام العرفية وإنتهى إعتقالة الا انة اعيد اعتقالة مرة اخرى اثر اغتيال أمين عثمان الذى تولى وزارة المالية طوال حكم النحاس بإيعاز من الانجليز وتعد تلك المرحلة ونقصد بها مرحلة سجنة بالزنزانة "54" من اهم المراحل التى ساهمت فى اعادة تفكيرة السياسة وتعد نقطة فارقة بين ما كان يقوم بة السادات من نشاط سياسى خفى وبين البداية الحقيقة للعمل السياسى الرسمى من خلال دورة كعضو فى مجلس قيادة الثورة فقد كانت هناك أكثر من علاقة وأكثر من تقارب بين السادات وجمال عبد الناصر منذ ان كانا معا فلاى الكلية العسكرية هذا بالاضافة الى دورة كأمين عام لمنظمة المؤتمر الاسلامى الى ان وصل الى أن يكون نائبا لرئيس الجمهورية ثم رئيسا لجمهورية مصر العربية فى 17 أكتوبر 1970م. وقد كانت السياسة برأية هى فن بناء مجتمع يحقق ارادة اللة من خلق هذا الكون وهى العمران ففى هذا المجتمع يجب ان تكون حرية الفرد مطلقة لا يحدها سوى ما تعارف علية المجتمع من قيم انسانية اصيلة نبتت من المجتمع نفسة فهى ثمار حضارتة ". ومفهومة للسياسسة هذا يعطينا فكرة عن طبيعة تفكيرة ومدى ثقافتة.2)ومن المهم ان نشير الى ان السادات كان من اشد المعجبين بالشيخ حسن البنا وكان يحضر لة ندوات كان يخطب فيها الشيخ بعض الوحدات بالجيش المصرى الا ان السادات وباللرغم من تأثرة وإعجابة الشديد بالشيخ فإنة لم يدخل العمل السياسى من خلال الاخوان المسلمين الا انة يمكن القول ان هذا التفاعل قد ترك أثرا فى عقلية السادات كانت لها انعكاساتها فيما بعد. وعلى اى حال فلم تتيح الظروف التى كانت تحيط بالسادات الفرصة الكافية لكى يتعلم أو يعلم نفسة بطريقة جادة ومنتظمة الا ان تلك الظروف ونقصد بها ظروف انغماسة بالعمل السرى وعلاقتة بالجواسيس الالمان ومناوراتة أثناء الاستجواب هذا بالاضافة الى هروبة من السجن ثم حبسة بالزنزانة 54 وتدرجة فى الوظائف والاعمال من يوزباشى بالجيش ثم حمالا على عربية لورى ثم عملة فى شق الترع ثم عودتة مرة أخرى للجيش قد أكسبتة قدرة على المناورة .
الا ان بعض المحللين يرون ان تلك الظروف قد أسهمت فى تكوين شخصية سيكوباتية1) تجمع بين طياتها الكثير من المتناقضات التى تفاعلت وتناسقت لتكون وحدة دينامية ميزتة عن غيرة وسهلت لة التكيف والتعامل مع الظروف . ويرى بعض المحللين أيضا ان السادات كان يخفى متناقضاتة من خلال مظاهر التعويض التى كان يتكلف بها فيقول محمد حسنين هيكل فى خريف الغضب "ان السادات كان مولعا وهو يتصور نفسة خليفة لواحد من ملوك مصر الفرعونية بالوقوف امام عدسات التصوير حاملا عصاة المارشيلية وكأنها صولجان "حيث يصور مصر كقطر أعمق حضارة وثقافة من باقى الاقطار العربية والتى هى اقرب لة ثقافيا الى اوربا والغرب منها الى الوطن العربى وهذا ايضا يفسر من وجة نظر هؤلاء المحليين اتجاهة للزواج من السيدة جيهان التى تنتمى لعائلة لها أصوا أجنبية.
مؤثرات اتخاذ القرار فى فترة السادات
كان نتيجة للانتماءؤات الطبقية للقيادات التى قادت الكثير من الاقطار العربية تطلعات الى امتيازات الطبقة العليا إما بالمصاهرة من العائلات التى كان لها تارخ أو بإستعمال السلطة للوصول الى هذة الامتيازات وبحكم الانتماء الثقافى اتجهت الى قوالب العمل الغربى دون إدارك أنة ثوب فضفاض وليس صالحا للوطن العربى سواء فى جانبة السياسى أو الاقتصادى ومن هذة الرؤية الفوقية كانت عملية اتخاذ القرارات التى كان يتخذها السادات تتم دائما على صعيد المستوى الاعلى أما وظيفة المؤسسات فقد كانت مقتصرة دائما على تأييد تلك القرارت زكان السادات يظهر وكانة يسلك طريق ذو شقين:-1)عزل نفسة عن مصادر المعرفة سواء من يحيطون بة ويحتك بهم من مستشاريين ومثقفين أو علماء ومفكريين .2)إعتمادة على الرأى الاجنبى حيث أنة من المعروف إعجابة الشديد بقادة وزعماء العالم الغربى التاريخيين ورؤيتة لذاتة كواحد منهم.2)
ولنا أن نتسأل كيف أستطاع السادات فى الاطار الفكرى للتحليل ان يخلق العلاقة الثابتة بين عملية صنع السياسة الخارجية وعملية صنع القرار السياسى الخارجى؟ وللاجابة على هذا التساؤل نركز على ثلاث أدوات تمثل مسالك التلاحم بين صنع السياسة وصنع القرا وهى :-1-القيادة 2-الادراك 3-الاعلام وانطلاقا من تلك الادوات يمكن ان ندرك كيفية أمتلاكة لها وتوظيفها لاتخاذة قرار حرب أكتوبر 1973م والذى قادة الى النصر.
الاوضاع الداخلية فى مصر وأثرها على صنع القرارات السياسية
كانت الاوضاع الداخلية فى مصر تموج بالكثير من التحولات فقد أصدر السادات الدستور الدائم فى سبتمير 1971م والذى تشكل من خلالة الاطار النظرى لنظام الحكم و عملية صنع القرار السياسى التى تركزت فى قمة السلطة التنفيذية متمثلة فى شخص رئيس الدولة الا أنة ومن خلال دراسة أجهزة صنع القرارما بين الدور الفعلى والدور الرسمى لها فإنة يمكن القول أن عملية صنع القرار خاصة الخارجى قد تركزت فى:
1)أجهزة المعلومات وتتمثل فى وزارة الخارجية والمخابرات العامة.
2)أجهزة المشورة وتشمل وزارة الخارجية والمؤسسة العسكرية ومجلس الامن القومى بالاضافة الى رياسة الجمهورية.1)
3) أجهزة خاصة بالتأيد اضفاء الشرعية متمثلة فى مجلس الشعب والتنظيم السياسى أو الحزب الحاكم والذى كان ينحصر دورة بجانب التاييد الى أنة أداة لتعبئة الجماهير لتأييد قرارات الحاكم.
وبالنسبة للاوضاع الامنية فقد كانت الشوارع المصرية محتقنة تنادى بضرورة خوض الحرب ضد اسرائيل و بدا السادات بالتخلص من مراكز القوى ادراكا منة أنها سبب مباشر من أسباب هزيمة 1967م.هذا بالاضافة الى انها تؤدى الى نوع من الفوضى الداخلية فى الوقت الذى كان يريد ان يدعم فيى دعئم سلطتة. وبدأت تظهر على السطح تيارات مختلفة لم تكن موجودة من قبل حيث كان الاتجاة اليسارى هو المسيطر على أفكار غالبية الشعب المصرى خاصة بين الطلبة الا انة بدأ يتنامى التيار اليمينى والتيار المسيحى2) تلك التيارات اوجدت نوع من الحراك السياسى والضغط فى اتجاة ضرورة قيام الحرب لمحو عار الهزيمةوالتخلص من حالة اللاحرب واللاسلم.
وعلى الصعيد العربى كان التقارب العربى على اعلى مستوى من مستويات التنسيق خاصة على المستوى الثنائى تجاة الاطراف السورى أو الاردنى أو السعودى.3) و ظهر سلاح البترول كأحد الاسلحة الاستراتيجية الهامة والتى تعد نقطة ارتكاز لاضعاف الطرف الامريكى تلك الاستراتيجية تهدف الى حظر تدريجى يحذر امريكا من مغبة التأييد الاعمى لاسرائيل واحتلالها الاراضى العربية. 1)مما يبرهن على أن المخططات الامريكية تسير فى اتجاة المصلحة الامريكية حتى لو ضد مصلحة الاطراف المناوئة لها.
وقد استوعب الرئيس السادات تلك المنظومة واستطاع ان يستثمر الموارد المتاحة لتحقيق الهدف المرجو من خلال التحرك على مستويين احدهما سياسى علنى والاخر عسكرى غير معلن.
الاول:-النحرك النشط على مستوى الخبراء والسياسين من اجل التوصل الى تسوية سلمية للصراع العربى الاسرائيلى بمساندة أمريكية ، بداية من مبادرة روجرز1970م2). وقد كان السادات فى تلك الاونة يتبادل الرسائل مع جميع رؤساء العالم لكى يشرح لهم الموقف المصرىالمطالب بالسلام ويحمل من خلال تلك الرسائل العالم كلة مسئولية الاضطرار الى الحرب وسفك الدماء 3)
الثانى:-أعداد الجيش اعدادا جيدا يقوم على اساس مهنى متميز هذا الى جانب ان السادات كان يشرف بنفسة على الاستعداد العسكرى خطوة بخطوة .
ومن القرارات الهامة التى أخذها السادات فى تلك المرحلة هى طرد الخبراء السوفيت وعلى الرغم من أن القرار كان منفردا فى ظروف بالغة التعقيد الا انة كان لة ابلغ الاثر فى علاقة مصر بالطرف السوفيتى والتى اتسمت بالتذبذب صعودا وهبوطاالى ان انتهت بسحب السفير المصرى من موسكو وطلب مصر تخفيض عدد العاملين بالسفارة مع قطع العلاقات مع عدد كبير من دول اوربا الشرقية الموالية للاتحاد السوفيتى واستمر هذا التأزم باستمرار الحملات الاعلامية الهجومية المتبادلة بين الطرفين حتى أكتوبر 1981 حين أغتيل الرئيس السادات.
الا أنة يمكن القول إن تكامل منظومة التنسيق على المستوى السياسى والعسكرى قد كتبت النجاح فى قرار حرب اكتوبر والتى تعد حربا غيرت تاريخ الفكر الاسترتيجى المعاصر فقد عكست استراتيجية مصرية خالصة كان من ابرز سماتها أن الجهد السياسى المخطط قد استوعب الظروف الداخلية والاقليمية والدولية وطوعها لخدمة الهدف العسكرى. 4)



المبحث الرابع
السياسة الخارجية فى فترة الرئيس مبارك ودوائر صنع القرار السياسى
حكم عملية صنع القرار السياسى فى فترة الرئيس مبارك العديد من المعطيات منها التوجهات السياسية الخارجية والتى يمكن القول ان البيئة الداخلية كان لها تأثيرها على هذة التوجهات ويضاف الى ذلك الاوضاع الاقليمية والدولية.
أولا:- السمات الشخصية للرئيس مبارك
من خلال تتبع السيرة الذاتية للرئيس مبارك يتضح ان هناك عدة عوامل قد اثرت على عملية صنع القرا السياسى خاصة فى السياسة الخارجية فقد نشأ الرئيس مبارك فى اسرة بسيطة وحياة بسيطة فى عمق الريف المصرى وفى منزل يغلب علية الطابع الدينى وقد دفعتة بساطتة هذة الى ان يكون شديد الصراحة والوضوح ويشهد الكثيرون ممن عايشوا الرئيس مبارك أنة كان مثالا للانضباط منذ صغرة هذا فضلا عن نشاتة العسكرية منذ ان كان طالبا فى الكلية الحربية وتدرج فى الوظائف العسكرية وأصبح قائدا للقوات الجوية فقد فرضت علية تلك النشأة الكثير من الحذر والهدوء وما يتطلبة هذا المجال من تفكير متسع فضلا عن التروى وهو ما ظهر من خلال تحليل الخطاب السياسى للرئيس مبارك ففى كثير من المواقف يؤكد على "انة عندما يصدر قرار ا فى قضية حاسمة فإنة يستمع أولا لمختلف الاراء ثم يقوم بدراسة كافىة المعلومات المسبقة لاتخاذ القرار والتوقعات التى تعقبة ".1)
وعندما تولى الرئيس مبارك اول وظيفة مدنية وسياسية كنائب لرئيس الجمهورية فى 1975م أستطاع ان يستوعب طبيعة التفاعلات السياسية فى الحياة المدنية وأصبح قريبا جدا من عملية صنع القرار السياسى والمشاركة فيها.ولم يقتصر دورة على الشئون الداخلية بل امتد ليكون مسئولا عن عدة ملفات على مستوى السياسة الخارجية ولا شك أن الملف العربى الاسرائيلى كان اهم هذة الملفات فقد كان أحد المنسقين للتمهيد لاتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية.هذا بالاضافة الى دورة الحزبى ودورة كعضو فى لجنة كتابة تاريخ الثورة2).واصبح وبالرغم من صغر سنة صاحب قدرات قيادية جعلتة على قدر عالى من تحمل المسؤلية وأهلتة لتولى منصب رئيس الجمهورية فى فترة صعبة بعد أغتيال الرئيس السادات فى 1981م.

محددات عملية صنع القرار السياسى فى فترة الرئيس مبارك
اتسمت فترة الرئيس مبارك بالعديد من القضايا التى كان يستوجب فيها اتخاذ قرار حاسم يؤثر على مستقبل الوطن لفترات طويلة تلك الفترة كان علية فيها ان يقوم بعدد من التوازنات الداخلية فكان علية ان يوازن بين الحرية السياسية المطلوبة وبين ضروريات الاستقرار الداخلى الذى يسعى الى تاصيلة كما كان علية ان يوازن بين سياسة الانفتاح الاقتصادى التى استفاد منها الاغنياء وبين سياسة الانفتاح التى يجب ان يستفيد منها الفقراء.وكان علية أيضا أن يحقق متطلبات العدل الاجتماعى هذا بالاضافة الى تحقيق التوازن بين الاحتياجات والموارد المتاحة حتى يقل الاعتماد على الخارج ليس هذا فحسب بل كان علية ان يواجهة مشاكل ضخمة كالانفجار السكانى وتدهور المرافق والبنية الاساسية وغيرها. 1) وفى سياق ما سبق يتضح ان المحددات الرئيسة لعملية صنع القرار السياسى لدى الرئيس مبارك تتركز فى :-
أولا:-التأنى والصبر فى اتخاذ القرارت
ثانيا:-الاصرار على عدم تغيير القرارت بعد اتخاذها
ثالثا:- توسيع درجة المشورة فى عملية صنع القرار
رابعا اتساع مساحة حرية الحركة لاجهزة صنع القرار التنفيذية
خامسا :- البعد عن أسلوب المفاجاة فى اعلان القرار ما يسمى بأسلوب الصدمات الكهربائية فى اتخاذ القرارت السياسية.
واذا تاملنا مسيرة السياسة الخارجية خلال الفترة من 1981م الى 2006م لاتضح انها سياسة يغلب عليه النمط العقلانى هذا النمط ظل سمة واضحة منذ البداية واستمر هذا الالتزام فى تصاعد دون تراجع.
وتأكيدا لذلك فإن مخرجات السياسة الخارجية ازاء عملية السلام العربى الاسرائيلى ابتداء من من استكمال تحرير سيناء وطابا وتنفيذ لاتفاقية كامب ديفيد ومرورا بالاتفاقيات الفلسطينية الاسرائيلية فى شرم الشيخ فى سبتمبر 1999م والمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية فى يوليو 2000م من اجل التوصل الى تسوية سياسية نهائية للقضية وانتهاءً بأنتفاضة الاقصى وتراجع الامل فى التسوية السياسية والعودة مرة اخرى الى اجواء السلام المسلح قد اتسمت بالعقلانية وتجنب افتعال الازمات . فقد مثل هذا السيناريو تذبذبا فى العلاقات المصرية الاسرائيلية من خلال رؤية الطرف المصرى وتأكيدا للمعادلة التى مازات مصر تصر عليها والتى ترتكز على مبادىء مؤتمر مدريد فى 1991م من خلال قرارت مجلس الامن أرقام242،338،425 أضافة الى مبدا الارض مقابل السلام .والتى كان رأى مصر ولا يزال أن الترجمة الحقيقة لتلك المبادىء لا ينبغى أن تغفل شيئا من البنود الرئيسية التالية وهى ضرورة انسحاب اسرائيل من الاراضى المحتلة العربية بما فيها القدس وحق الفلسطينين فى تقرير المصير الذى يتضمن حق اعلان الدولة وحق العودة للاجئين مع ضرورة حق جميع الاطراف بما فيها اسرائيل فى العيش فى سلام داخل حدود امنة بحيث لا تتعرض لاستخدام القوة او التهديد بة. 1)
ويتضح النمط العقلانى فى تعامل مصر مع الملف العربى الاسرائيلى طوال مسيرة استمرت حوالى 25 عاما خاصة على المستوى العالمى الذى تعرض خلال تلك الفترة لكثير من التحولات بداية من انتهاء الثنائية القطبية وانفراد الولايات المتحدة بالمسرح الدولى كقطب مهيمن فى ادارة النظام الدولى هذا بالاضافة الى الاستراتيجية الامريكية كطرف مساند لاسرائيل وهذا بالتالى يصعب دور مصر فى حفظ التوازنات المطلوبة كراعى لعملية التسوية السلمية ولا شك ان احداث الحادى عشر من سبتمبر 2001م قد فرضت واقعا جديدا أكثر تعقيدا تأكد من خلال استثمار اسرائيل لما جرى فى واشنطن ونيويورك والربط بينة وبين ما تقوم بة فصائل فلسطينية داخل اسرائيل مما مكانها من صياغة رؤيةتدعم بها علاقاتها مع الطرف الامريكى من خلال وضع كل تنظيمات المقاومة على اللائحة الامريكية للمنظمات الارهابية.2)
القرار السياسى فى أطار التوجة العربى
لم يخلو المشهد العربى من التطورات التى مرت بة خلال ال25 عام بداية من ضرورة اعادة الدور الاقليمى لمصر من خلال اعادة الروابط العربية بعد ان كانت قد تعرضت لحالة التمزق فى منتصف السبعينات فى عهد الرئيس السادات 3) وعودة مقر الجامعة العربية مرة أخرى الى القاهرة. ثم دور مصر ازاء أزمة الخليج الثانية والتى أكد على أن مخرجات السياسة الخارجية لمصر تجاة المنطقة العربية تكمن فى مواجهة ما يشكل تهديدا للامن القومى العربى والبقاء القومى .4)
وفى هذا السياق تجلى دور مصر لانهاء حالة الصراعات الداخلية أو الخارجية التى تتعرض لها بعض الانظمة فى المحيط الاقليمى ولم يخلو المشهد أيضا من ضرورة التعامل مع الغزو الامريكى-البريطانى للعراق فى 2003م وما ترتب علية احتلال العراق وتلاشى الجبهة الشرقية واقعيا .فقد فرض هذا الاحتلال معطيات جديدة انعكست بالتالى على ملف الصراع العربى الاسرائيلى وعلى كيفية التعامل مع هذا الملف على المستوى العربى والاقليمى فقد حدث تغير فى مواقف بعض القوى العربية والتى كانت تتبنى رؤى متشددة من الصراع العربى الاسرائيلى كاليبيا والسودان كذلك الضغوط التى تتعرض لها بعض الاطراف من جانب الولايات المتحدة الامريكية مثل سوريا هذا بالاضافة الى الضغوط التى تمارسها امريكا لادخال اصلاحات جذرية داخل الانظمة العربية فيما تنادى بة بمشروع الشرق الاوسط الكبير هذا أدى الى تجاوب عدد من الانظمة العربية تحت تلك الضغوط وكانت النتيجة المتوقعة هى الابتعاد عن اى مشاركة فى اى جهد تحت راية العمل العربى المشترك.1)
تلك المنظومة أوجبت على صانع القرار المصرى أن يتناولها بشىء من الحذر والتأنى الى جانب الاحتفاظ بسياسة التوازن المطلوب لتحقيق المصلحة القومية بالاضافة الى الحفاظ على حيوية القضية الفلسطينية وحمايتها من التأكل والتعامل مع تحديات السلام بالنهج العقلانى.
وكان نتاج الجهد الدائم الذى يقوم بة الرئيس مبارك هو توجية رسالة للمجتمع الدولى بأسرة وللقوة الاقليمية والدولية الفاعلة بضرورة الوعى والادراك بأن جوهر الصراع فى الشرق الاوسط ولا يزال وسيظل مصدرة القضية الفلسطينية وان السلام لن يصبح شاملا فى المنطقة الا بحل هذة القضية الرئيسية.






الخاتمة
يتضح من البحث أن القرار السياسى فى مصر خلال الحقب الثلاث المختلفة لكل من الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس السادات والرئيس حسنى مبارك من خلال رؤية كل منهما للصراع العربى الاسرائيلى والتركيز على بعض القرارت والتى تعد قرارات هامة فى هذا المجال يتضح أن هناك سمات مشتركة تعد محددات لعملية صنع القرار فى مصر هى ان رئيس الدولة هو صانع القرار الرئيسى ان لم يكن الوحيد فى مصر والى جانبة توجد هيئة استشارية قد يقل دورها أو يتعاظم وذلك حسب القيود المحيطة بالصانع الرئيسى الا انة يمكن القول ان هذة الهيئات فى اغلب الاحوال يتحدد دورها فى إضفاء روح التأييد على القرارات التى يتخذها رئيس الدولة .
هذا وتلعب الشخصية دورا بارزا فى عملية صنع القرار فقد كان عبد الناصر واسع التأثير فى الجماهير وعلى درجة عالية من الزعامة التى اهلتة لتعبئة الجماهير تجاة الاهداف التى سعى إلى تحقيقها واستمد شرعية قرارتة من قيادتة لثورة 23 يوليو بكل ما لها من تأثيرات داخلية وخارجية واسعة النطاق. بينما شرعية قرارت السادات أتسمت بمرحلتين :مرحلة ما قبل حرب أكتوبر 1973م و كانت أقل تأثيرا ومرحلة ما بعد حرب أكتوبر وكانت أكثر تأثيرا و كان يسعى لبناء تأثير شخصى لة بقراراتة المتعددة ولقائتة الصحفية وخطاباتة كثيرة العدد التى وصلت الى ما يقرب من ألف وخمسمائة حديث وخطاب على مدار حقبتة. أماالرئيس مبارك فتتسم شخصيتة بالمصارحة والواقعية وهذا يتضح من خلال خطاباتة الرسمية والتى تعكس أيضا الكثير من خبراتة العسكرية كقائد للقوات الجوية و باعتبارة طيار والتى أثرت بالتالى على سلوكة السياسى.
وبما أن دور الشخصية يتعاظم خاصة فى دول العالم الثالث فهذا يعكس ضعف المؤسسات والاجهزة التنفيذية بما يسمح بة رئيس الدولة –صانع القرار-من ادوار معينة سواء كانت ذات أبعاد كبيرة أو يسعى لتحجيمها وسواء يتفق والدور الفعلى طبقا للدستور أو القانون أو لاتتفق .
مما سبق يتضح ان عملية صنع القرا ر فى مصر تتسم بالمركزية الشديدة حيث تتركز فى السلطة التنفيذية وفى قمتها بعيدا عن المشاركة الواسعة من القاعدة الجماهيرية.1)
الا أنة ومن المهم أن نوضح بما أن رئيس الدولة هو صانع القرار الرئيسى فى المجاليين الداخلى والخارجى فى أغلب الاحيان وفى ضوء محددوية دور الاجهزة والمؤسسات فإن إحتمالات تعرض القرارت التى يمكن أتخاذها وتوقعها للفشل تصبح أكثر احتمالا من تعرضعا للنجاح والامر اذا يتطلب على الوجة الاشمل تطوير أليات الممارسة الديمقراطية من خلال توسيع دوائر صنع القرار بإفساح المجال للاجهزة المختصة بالمشاركة الجادة والقيام بدورها الحقيقى فى كل مراحلة هذا بالاضافة الى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية كأحد مقومات البيئة الموضوعية التى تقوم بتجسيد القرارت على ارض الواقع الفعلى وذلك من أجل تحقيق مشروع نهضوى قومى متكامل فى كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.2) ولذا ترى الباحثه ضرورة ان يكون هناك مذيدا من الديمقراطية وتعديلا للاصلاحات الدستورية والسياسية انعكاسا للصالح القومي ، على أن يتم التركيز فى اطار أعداد دستور جديد أوتعديلات دستورية خاصة فيما يتعلق بالمدة التى يقضيها رئيس الدولة فى السلطة حتى يتم تبادل السلطة بين الاحزاب المختلفة والتى يختارها الشعب بكامل ارادتة.