منتديات الحوار الجامعية السياسية

فليقل كل كلمته
#5815
الغزو الأمريكى للعراق بين المبررات الدولية وواقع العراق2003الجزء الأول


مقدمة:
شهد العالم فصلا دراميا فى العقد الاخير من القرن العشرين ،تدور أحداثة حوا المأساة التى أرتكبها النظام العراقى فى حق الكويت فى 1990م ، والتى كانت لمغامراتة العسكرية الفاشلة أثار مدمرة على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية فى العراق، بعد أن عانى ويلاتها الشعب العراقى الذى وقع بين مطرقة نظامة الديكتاتورى البشع وسندان الغزو والمقاطعة والحصار.
ومنذ عام 1998م أصبح تغيير النظام مطلبا أمريكيا إن لم يكن يمثل اولوية للسياسة الخارجية الامريكية، وبوصول اليمين المتطرف أو المحافظيين الجدد الى سدة الحكم فى الولايات المتحدة الامريكية برئاسة جورج دبليو بوش فى عام 2001م تغيرت الاولويات ،وتراجع ارتباط مفهوم الاستقرار الاقليمى بعملية السلام، وتقدمت فكرة الحرب على العراق لتحتل قمة الاولويات، وأتاحت أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001م الفرصة التاريخية لنقل برنامج المحافظيين الجدد من وضع الحلم الى الوضع التطبيقى.
وبدأت الادارة الامريكية تداعب اعلامها الداخلى ،وتصور صدام حسين على أنة مصدر من مصادر الارهاب ،ومصدر الخطر القادم على الامن القومى الامريكى ،خاصة وقد قفزت الى السطح فكرة ربط امتلاك النظام العراقى لاسلحة الدمار الشامل بوجود صلات بينة وبين تنظيم القاعدة ، وتبلورت الفكرة داخل الادارة الامريكية وأصبحت الاداة التى حشدت من خلالها التأييد الدولى و الشعبى .
وعلى الرغم من أنة ثبت للمفتشيين الدوليين عدم امتلاك العراق لتلك الاسلحة ،الا أن الادارة الامريكية لم تلتفت الى وجهات النظر المعارضة، خاصة أنها استطاعت الحصول على تفويض من الكونجرس الامريكى بالمضى فى مشروع الحرب ، ليس هذا فحسب بل أنها لم تلتفت الى راى المنظمة الدولية ،والتى انقسمت الاراء حول البيان التى أصدرتة حيث كونة لا يتضمن تفويض باستخدام القوة ضد العراق، مما يشكك فى مشروعية هذة الحرب ، وبالتالى تعددت الاراء بين مؤيد للحرب ومعارض لها ورأى أخر يتبنى اتجاها وسطيا بين هذين الرأيين .
الا أنة يمكن القول أن الشعب العراقى وحدة هو الضحية، فهو يعيش حالة من التفكك والانهيار والتلاعب بمقدرات مستقبلة ، وأصبح ما تنادى بة الولايات المتحدة الامريكية بأرساء معالم الديمقراطية مجرد سلوك مبرر لما تقوم بة من تدخل فى الشئون الداخلية للعراق، وإن جاز التعبير ما تقوم بة من فرض هيمنتها داخل الانظمة العربية.

الهدف من الدراسة:
أولا:- أهداف مباشرة
1- رصد وجهات النظر المختلفة حول جدوى الغزو الامريكى للعراق .
2- دراسة أهمية نظريات الاتصال السياسى فى التأثير على كافة الاطراف.
ثانيا:- أهداف غير مباشرة
1-الكشف عن النسق البيئى الفكرى والسياسى المشكل لكل طرف من الاطراف المختلفة.
2-أتباع منهاجية نقدية موضوعية لوجهات النظر المختلفة .
3-النقد الذاتى للثقافة التى تبنتها بعض وجهات النظر والمقصود بها الثقافة ذات الاتجهات الاذدواجية .

أهمية الدراسة :-
تنبع الاهمية الموضوعية من ضرورة رصد التوجهات الايدلوجية والثقافية لوجهات النظر المختلفة حول جدوى الغزو الامريكى للعراق سواء على المستوى الدولى أو الاقليمى أو المحلى فى أطار المؤسسات السياسية الحكومية، أو التنظيمات السياسية غير الحكومية، أو على مستوى الافراد المثقفين، أو الاكادميين العرب أو الغربيين ،أومن خلال وسائل الاتصال الحديثة.

الاطار المنهاجى:-
تم الاستعانة ببعض المناهج التى تشكل فى تكاملها أدوات بحثية ومناهجية يمكن الاعتماد عليها وهى:-
1) المنهج المقارن
2) المنهج الوصفى
3) أداة تحليل المضمون

(1)المنهج المقارن :- وهو يعد خطوة هامة لعملية استخراج قواعد للمقارنة بين المفاهيم الفلسفية للايدلوجيا التى يبناها الاطراف المختلفة فى تفسيرهم للغزو الامريكى للعراق، وتمكن هذة المنهاجية فى معرفة الثوابت التى تدور حولها اختلاف وجهات النظر .
(2) المنهج الوصفى:- يتمثل فى وصف للادوار والمهام التى تبنتها وجهات النظر المختلفة وهو يحقق بذلك عدة أهداف وهى:-
- التعرف على التوجهات الفكرية للاطراف المختلفة والكشف عن مواقفهم وردود أفالهم.
- البحث فى الظروف الموضوعية المحيطة بكل طرف على حدى.
(3) أداة تحليل المضمون:- تتضح الاهمية العلمية لتحليل المضمون فى ضرورة الاستخدام المتكامل لادواتة البحثية للوصول للمعانى المستترة فيما وراء العبارات والكلمات والمضمون الذى تحملة الرسائل الاتصالية ، وتمر هذة الاداة بالمراحل الاتية :-
- عمل التساؤلات البحثية
- اختيار العينة
- اختيار فئات وحدات التحليل
- الصدق والثبات
- التحليل الاحصائى
- نتائج البحوث .
وبالنسبة لاختيار العينة فقد تم استخدام اسلوب العينة العمدية من خلال:
- عينة تشمل بعض المؤسسات الحكومية وغير الحكومية.
- فئات المثقفين والاكادميين ( كتاب ومفكريين ومحللين واساتذة جامعات).
تساؤلات الدراسة :- تطرح الدراسة العديد من الأسئلة تدور حول إشكاليات الموضوع وننتهى كنتيجة للتحليل للإجابة عليها.
- هل يمكن تحديد الحقائق والثوابت التى ثار حولها الخلاف فى وجهات النظر المختلفة فى الغزو الامريكى للعراق؟
- ماهى الابعاد الثقافية والايدلوجية الفكرية التى ثؤثر على وجهات النظر المختلفة فيما يتعلق بجدوى الغزو الامريكى للعراق؟
- هل يمكن القول أن المصالح الأمريكية كانت أحد الدوافع الأساسية لهذة الحرب؟
- لماذا وقف العالم العربى بين مؤيد للحرب ، ومتحفظ،ورافض ؟
تقسيمات الدراسة:-تقسم الدراسة الى ثلاث مباحث يمكن من خلالها الاجابة عما ورد من اسئلة فى تساؤلات الدراسة:-
المبحث الاول:-النظام العالمى الجديد ونظريات الاتصال الحديثة.
المبحث الثانى:- الغزو الأمريكى للعراق بين الواقع الفعلى والدوافع الاأمريكية
المبحث الثالث:- وجهات النظر المختلفة فى جدوى الغزو الامريكى للعراق.

المبحث الاول
النظام العالمى الجديد ونظريات الاتصال الحديثة.

مفهوم النظام العالمى الجديد
يعيش النظام الدولى مرحلة تاريخية هامة من التحولات والمستجدات السريعة والمتلاحقة ذات أبعاد عديدة، تترك أثارها الواضحة على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقضايا الحرب والسلام ، وعلى العلاقات الدولية العامة.
إلا أنة هناك خلط من قبل الباحثين والدارسين العرب بين مفهومى النظام الدولى الجديد والنظام العالمى الجديد، ومن هنا تبرز الحاجة للتمييز بين مفهومى النظام الدولى والنظام العالمى بغرض فصل الخلط الشائع بين وجود منظورين لمفهوم النظام العالمى،وفيما يتعلق بالتمييز بين مفهومى النظام الدولى والنظام العالمى.
أولا:النظام الدولى يشير بعض الباحثين إلى أنه يقوم على أساس العلاقات والتفاعلات وأنماط توزيع مصادر القوة والنفوذ بين الدول القومية التى يتكون منها هذا النظام، وبالتالى تعد الدولة القومية "nation state"(1) هى وحدة العلاقات والتفاعلات فى النظام الدولى.
ثانيا: النظام العالمى يرى البعض أن هذا النظام أكثر شمولا من ذلك حيث يضم إلى جانب الدولة القومية فاعليين اخريين مثل الشركات الدولية النشاط والمنظمات الدولية غير الحكومية ، وكل ما يتخطى حدود الدولة ، وبهذا المعنى يعتبر النظام الدولى جزءا من النظام العالمى ، ولعل شيوع استخدام مفهوم النظام العالمى الجديد أنما يشير إلى ذيادة العوامل والظواهر التلى تتخطى حدود الدولة القومية فى الوقت الراهن .
ومن الملاحظ أيضا تعدد الرؤى لدى بعض المحللين بالنسبة للفظ" جديد" ،فالبعض يرى أنه يعبر عن مرحلة الإنتقال من الثنائية القطبية الى نظام القطب الواحد والبعض يرى أنة يدل على درجة التعاون المتبادل بأشكالة المختلفة ، ويرى اخرون أن الجديد مرهون بصعود القضايا الكونية الخاصة بالبيئة ،أما البعض الاخر يرى أنة يستند إلى المنظمات الدولية والقانون الدولى.
على اى حال يمكن القول ان لفظ "جديد" سوف يتحدد برؤية المتغيرات الجوهرية، والتى تشكل تعديلا او تغيرا أساسيا فى نمط التكونولوجيا السائدة، وعلاقات القوى بين الاطراف الدولية وغير الدولية ، وما يركز علية النظام من قضايا يعتبرها أساسا لنشاطة وتطورة.(2)
ويعد مصطلح العولمة Globalization من المصطلحات التى تدل على هذا النظام العالمى،الا أنة التاصيل العلمى لهذا المصطلح (العولمة او العالمية) يعود الى تلك الصيحات والدعوات التى أطلقت فى الستينات (3)، حيث ولدت مجموعة ال 77 داخل الامم المتحدة لتتبنى سياسات تنموية جديدة تضم العالم الثالث المهتم بقضايا التنمية والتحرر والاستقلال على المستوى العالمى.
وبإنهيارالمعسكر الشرقى- الاتحاد السوفيتى- فى 1991م وإنفراد الولايات المتحدة بالمسرح الدولى ، والتى سعت إلى هيكلة كل شىء من قيم وأفكار ومعتقدات وثقافة وسياسة وإقتصاد وإجتماع بما يتفق والقيم الغربية دون اى مقاومة ، تأكد إنتشار هذا المفهوم - العالمية- بالعنى الجديد.(4)


وقد أشار المفكر الامريكى اليابانى الاصل" فرانسيس فوكوياما" فى كتابة نهاية التاريخ ، الى هذا المصطلح ومظاهرة ومبادئة، ويرى المؤلف أن أنتصار السوق والنظام الرأسمالى الاقتصادى وقرينة السياسى هما اللذان يمثلان الإختيار النهائى للإنسانية فى سعيها التاريخى إلى تحقيق ما يصبو إلية أى مجتمع من التنمية المستدامة والتقدم المستمر والاستقرار، وبذلك ينتهى التاريخ.(1)

وبهذا تعد العولمة(2) من اهم المتغيرات التي يشهدها العالم فى هذا العصر، والذى اطلق علية بعض الكتاب "عصر العولمة "، وتتغلل العولمة فى كافة مناحى الحياة، بحيث تكون جزء من عملية دولية تساهم فى إثبات جدارة هذا النظام العالمى الجديد.فعلى سبيل المثال ترتبط العولمة ذات الجانب الاعلامى او ما يقصد بها العولمة الاتصالية، بالتطور الهائل فى الثورة التكنولوجية والثورة المعلوماتية، التى قربت بين الافراد وجعلت العالم قرية كونية صغيرة.
ومن الناحية السياسية يستخدم البعض مفهوم (الهيمنة) كمرادف لمفهوم العولمة، كما يقرن البعض العولمة بالأمركة، أى صياغة العالم حسب النموذج الامريكى، وعلى الرغم من عدم دقة ربط تلك المفاهيم على المطلق، الا أنة طالما إنطلق مفهوم العولمة من رحم الولايات المتحدة الامريكية فإن الامر يتعلق بالدعوة الى توسيع النموذج الامريكى والترويج لة ،بل و إفساح المجال لة ليشمل العالم كلة.وهذا ما يجعل مفكرا مثل "ريجيس روبرية"يرى ان العولمة التى تتم الدعوة إليها اليوم تعد "عولمة زائفة" على حد تعبيرة، فالحيز المطروحة فية أمريكى والنمط السياسى والثقافى ما هو الإ نمط الحياة المريكية والفكر الامريكى.(4)

ومما لا شك فية أن تلك التغيرات التى نشأت نتيجة للعولمة لم تقتصر على جانب العلاقات الدولية فقط، وإنما إمتدت أيضا لتشمل الأوضاع الداخلية ، وثارت قضايا جديدة تتعلق بتركيبة النظم السياسية وما يرتبط بها من إشكاليات جديدة هى بمثابة تداعيات لهذة التغيرات الحادثة فى الواقع الدولى.ومن هذة الإشكاليات ما يتعلق بإنعكاس الثورة التكنولوجية على مفهوم الدولة وكيانها وسيادتها بل وشرعيتها وهنا تتأثر قضايا مستقبل الحدود بين ماهو عالمى وما هو داخلى .فمن الملاحظ أن هناك تراجعا لدور الدولة ومؤسساتها التقليدية أمام تلك الهيمنة التى تسعى للسيادة التامة فى ظل هذة الكونية وثقافتها العالمية.(1)


الرأى العام ونظريات الإتصال السياسى
لاشك ان هذا القرن قد شهد تطورا ضخما فى الثورة التكنولوجية وثورة المعلومات ،وإن جاز التعبير يمكن أن نقول أن المتغيرات والتحولات العالمية التى تجرى فى الوقت الراهن تتم فى أطار ما يطلق علية بالثورة الصناعية الكبرى، والتى تتمثل فى التقدم التكنولوجى الهائل فى مجالات الاتصال والفضاء والمعلومات والحاسب الالى بأجيالها المختلفة والالكترونيات الدقيقة والهندسة الوراثية .(2) وبالتالى فإن تلك الثورة الهائلة سوف يكون لها تأثيراتها الهائلة على صعيد نشر القيم و الأفكار، حتى تستطيع الدول الرأسمالية المسيطرة على النظام العالمى بإعتبارها الدول القائدة فى هذة المحاولات أن تنشر قيمها وأطرها الفكرية وتسبغ عليها طابعا عالميا.ولا شك أن الأدوات التى تمتلكها تلك الدول والمقصود بها وسائل الإتصال الجماهيرى تعد أحد القنوات الهامة للتأثير فى الرأى العام سواء الداخلى أو العالمى فى ظل تلك الثورة –ثورة التكنولوجيا-.
ويمكننا فهم "الرأي العام" كمفهوم اجتماعي يعبر عن تشكيل اتجاهات التفكير واتخاذ المواقف والتعبير، وأيضا كمفهوم سياسي يعكس علاقة المجتمع والدولة.
ويمكن فهم الرأي العام من خلال اقترابين:
الأول: تمييز مفهوم "الرأي العام" عن المفاهيم المقاربة والمشابهة والمتداخلة مثل: الميول السياسية، والاتجاه السياسي، الموقف السياسي، الحكم السياسي، الحشد العام. وبالتمييز بين "الرأي العام" و"الاتجاهات أو الميول" و"الفعل السياسي" أو السلوك، والأحكام؛ فالرأي العام يختلف عن الاتجاه والميل؛ ففي حين يكون الأول معلنا ومعبرا عنه نجد أن الثاني استجابة داخلية مبكرة. والرأي دليل على وجود الاتجاه أو الميل، ولكن العكس ليس حتميا؛ فالميل لا يشترط أن يتحول إلى رأي يتم الإفصاح عنه؛ فما يميز الرأي العام عن الرأي الشخصي هو درجة العمق والاستقرار، والتراكم الجمعي، ثم العلانية.
ووصف "العام" يعني أنه يقوم على أساس قضية معينة تخضع للنقاش العقلاني، في حين أن مفهوم الحشد الجماهيري يتميز بوحدة التجربة الوجدانية، لكنها قد تكون ظرفية وعشوائية، أو تكون من جهة أخرى موجهة وغير حرة أو عقلانية؛ كما في نماذج "التعبئة السياسية" في النظم السياسية السلطوية، ويصبح السؤال هو: كيف يمكن ضمان استقلال الرأي العام عبر عملية تشكلٍّ مدنية ترتبط بنمو الحركات الاجتماعية وفاعليتها؟ وعبر توظيف ما تقدمه ثورة الاتصالات والمعلوماتية والاستفادة منها في فهم ما يجري في السياسات العالمية، وأيضا استكشاف كيف يمكن -رغم هذه الإمكانات الاتصالية- أن تفلح دولة ما في خلق نوع من "الحشد الجماهيري" لتأييد العمل العسكري في السياسة الخارجية كأسلوب للتعامل مع الأزمات ولزيادة التأييد السياسي، وزيادة فرص الفوز في الانتخابات، في حين يتسم النظام السياسي بالليبرالية، وهي من تحديات فهم كيفية تطور وتشكل الرأي العام بشكل معقد ومركب.
ويمكن القول: إن المعايير التي يمكن من خلالها التمييز بين "العام" و"الخاص" قد غدت أكثر غموضا وهلامية؛ وأن هناك اتجاها متزايدا نحو "تعميم" الخاص النابع من الحضارة السائدة والمهيمنة؛ بحيث يكون عاما لجميع الثقافات والمجتمعات الأخرى المتميزة عنها والمختلفة معها، ويتزامن هذا مع تفكك العمومية وتشرذم الجماهير لتنوع قنوات الاتصال وتعددها واختلافها.
الثاني: كشف العناصر والمكونات الداخلية فيه؛ فالوحدة التحليلية هي "الأغلبية" بوصفها المجموع العددي أو الرقمي للأفراد المكونين لهذه الأغلبية التي يمكن قياسها والتي تمارس الحكم باسم هذه الأغلبية؛ لكن هناك تقسيمات داخلية للظاهرة على أساس معايير اجتماعية، واقتصادية، ومتغيرات مثل: الريف/ الحضر وأيضا العمر، وفي إطار هذا التركيب هناك مفهوم "قادة الرأي العام" بوصفه إطارا تحليليا متسعا يشمل أولئك الذين في مقدرتهم التأثير في آراء الآخرين أو تغيير رؤيتهم للقضايا المختلفة باعتبارها عملية تتكون من عدة مراحل متواصلة يكمل بعضها البعض الآخر: (المشكلة، والاقتراحات والحلول)، ومراحل تتطور من "الرأي" حتى نصل إلى القرار السياسي الذي هو محط اهتمام التحليلات السياسية باعتباره أرقى أشكال التعبير السياسي الجماهيري.(1)
وتشير الدكتورة "جيهان أحمد رشتى" حول هذا المفهوم فى دراساتها "الإعلام ونظرياتة فى العصر الحديث" عن دور وسائل الإتصال الجماهير فى التأثير على الرأى العام وتكوينة فتقول أن " أغلب أبحاث الإتصال تهدف الى (كيف وتحت أى ظروف تنجح حملات وسائل الاعلام فى التأثير على الراى العام والإتجاهات ) خاصة بعد أن ساد فى القرن العشرين رأى يقول أن وسائل الإعلام قوية جدا، وأنها قادرة على تحديد الفكر ودفع الأفراد الى التصرف وفقا لأسلوب معين تسعى إلى تحقيقة . بل و اعتبر البعض أن وسائل الإعلام قادرة على تقوية الديمقراطية وزيادة معلومات الجماهير، فى حين رأى البعض الاخر أنها قد تستغل فى تحقيق أهداف شريرة.(2)
ويعد جوبلز (3)من أبرز الشخصيات التى خططت وأدارت عملية الإتصال الجماهيرى السياسى فى عهد ألمانيا النازية، ومن مقولاتة "أن من يقول الكلمة الاولى للعالم على حق دائما".ويرى جوبلز أن هدف عملية الإتصال الجماهيرى لابد وأن يكون موجها فى المقام الاول إلى التأثير على سياسات الخصم أى مجموعة صنع القرار فى النخب الحاكمة ،بما يؤدى إلى عدم القدرة على أختيار البديل الأفضل من بين البدائل، وبنفس القدرة يجب ان يكون موجها أيضا إلى التأثير على سلوك الجماهير .
وفى هذا السياق تمكن جوبلز من أخفاء التقارير الخاصة بإيضاح مدى انخفاض الكفاءة القتالية للقوات السوفيتية أثناء مواجهة القوات الألمانية لها، وأرسلت رسائل إلى الدول الإورببية المتحالفة عن كفائة ومقدرة القوات السوفيتية المرتفعة ومقاومتهاغير المحدودة للقوات الألمانية، الامر الذى قاد الحلفاء الى وضع حساباتهم الإستراتيجية بصورة خاطئة، كما صدقت شعوب الدول المتحالفة مدى تعثر القوات الألمانية أمام الجيوش السوفيتية، وخرجت من ملاجئها إلى المصانع والمرافق المختلفة، فكانت هدفا سهلا لغارات الألمان الجوية.(1)
مما سبق يتضح خطورة الدور الذى تقوم بة وسائل الإعلام فى خلق الوعى والتنشئة الإجتماعية ،خاصة فى المجتمعات التى تتعرض لتغيرات جديدة سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

التخصص والمهنية في مجال الإعلام
لا شك أن الإعلام الجماهيري قد فرض تطورا ضخما على طبيعة الظاهرة الاتصالية، يبرز بشكل واضح في الناحية المهنية التخصصية، فنلاحظ:
أ- الاتجاه إلى التخصص المهني الإعلامي، سواء من حيث الأداة أو من حيث المرحلة التي ينتمي إليها نشاطه في ديناميات عمليات الاتصال؛ (إعداد، صياغة أو نشر الرسالة).
ب- جعل الرقابة أو ضبط العملية الاتصالية في الإعلام الجماهيري مباشرة بواسطة ممثلي المهنة باسم الرقابة الذاتية، والتي تعني أن من ينتمي للعملية الاتصالية هو وحده الذي يستطع مزاولة الضبط، وهو ما يتناوله فيما بعد في نظرته لعملية الرقابة والتي سوف نتناولها في النقطة اللاحقة.
ويفترض هذا فهم عملية الاتصال كحقيقة هيكلية، وكذلك في أبعادها الديناميكية المختلفة؛ فالرسالة الاتصالية بمجرد أن تستقل عن مرسلها تملك وجودها الذاتي والهيكلي، لكنها لا تستقل عن الرسالة وظيفيا، وهذا ما نراه بخصوص ظاهرة رد الفعل التي تعني أن الرسالة إذا لم تحقق هدفها بشكل أو بآخر فلا بد أن تعقبها رسالة أخرى واحدة أو أكثر حتى تنتهي بتحقيق الهدف.
وتفترض عملية الاتصال أن هناك عاملا مشتركا من المفاهيم والرموز بين المرسل والمستقبل بحيث أن كلاهما ينتمي -ولو في قسط معين- إلى تقاليد تتحد فيها العناصر والمفاهيم المشتركة، وإن لم توجد هذه الدائرة فلا إمكانية لخلق وتحقيق عملية الاتصال.(2)
وتتنوع أشكال الاتصال؛ فقد يكون فرديا أو جماعيا من حيث المرسل، وقد يكون فرديا أو جماعيا من حيث المستقبل؛ أي له نماذج أربعة (فردي مرسل، فردي مستقبل، جماعي مرسل، جماعي مستقبل).
ومن الناحية الهيكلية الخاصة بتطور العملية الاتصالية نميز بين مراحل مستقلة وهي:
المرحلة الأولى: تتركز حول استعداد صاحب الرسالة لنقل حقيقة أو فكرة أو تصور للجمهور، وبسط مفاهيمها بحيث تحقق الأثر المطلوب. ويسعى المرسل لاكتشاف خير وسيلة وخير أداة تسمح بإرسال الرسالة، ويصوغ الرسالة في لغة قد تأخذ صورة الفعل المادي أو صورة التعبيرات القولية. وبهذا المعنى يصير الاتصال سلوكا؛ فهناك مرسل يلجأ إلى السلوك غير المباشر، وآخر يستخدم ألفاظا صريحة واضحة، وقد يفضل ثالث اللجوء للواقعة أو إلى الإشارة يعبر بها عن مفهومه وأهدافه.
المرحلة الثانية: انطلاق الرسالة؛ فالاتصال ليس حقيقة من جانب واحد بل من جانبين، بمعنى أنه لا يعبر عن رسالة تصدر من مرسل لمستقبلها، وإنما هناك رد فعل من جانب المستقبل يأخذ شكل رسالة أخرى من المستقبل تتجه إلى المرسل، وهذا الذي يسميه العلماء رد الفعل الذي يعني التعقيب على رسالة أولى تعود لنفس المصدر بحيث تتحدد على ضوء العودة مدى نجاح الرسالة الأولى من حيث النتائج وطبيعتها من حيث التفاعل، وهذا يعني نتائج معينة، فبداية الرسالة ليست حقيقة فردية؛ بل هي أساسا حقيقة اجتماعية ونجاحها يتوقف على ذلك. والرسالة يجب أن تقنن، ويجب خضوع فك عملية رموز التقنين، وهذه تتحدد بالحقيقة الاجتماعية؛ بمعنى أن المجتمع هو الذي يعطي لكل رمز في الرسالة معنى أو دلالة معينة، والرسالة بمجرد خروجها وانفصالها عن شخص المرسل فإنها تستقل هيكليا كما أسلفنا.
المرحلة الثالثة: تدرس الأثر المباشر للرسالة أو بعبارة أخرى تحليل عملية الاتصال من الناحية الديناميكية.(1)
وقد حاول العلماء وضع نماذج كثيرة لعملية الإتصال communication process،
الغرض منها محاولة إيجاد صور متعددة لعملية الاتصال الجماهيرى، ومحاولة معرفة: كيف يتم التأثير على الجماهير؟ وما هى الخطوات اللمية لهذة العملية ؟ ومن هذة النماذج :-
1- نموذج هارولد لازويل
2- نموذج شانون- ويفر
3- نموذج ولبر شرام
4- نموذج ديفيد برلو
5- نموذج الاتصال فى الاطار الشخصى
6- نموذج التحليل الوظيفى فى مجالات الاتصال الجماهيرى.
ودون الخوض فى تفاصيل هذة النماذج وغيرها لارتباطها بالدراسات الإعلامية المتخصصة الا إننا سوف نلقى الضوء على بعض منها:-
1- نموذج هارولد لازويل :
وضعة العالم السياسى الامريكى هارولد لازويل 1946م، والذى اقترح فية لتحديد مجالات أبحاث الإتصال أو شرح عملية الإتصال يجب الإجابة على الاسئلة الاتية :
- من who ؟ - ماذا يقول Say what ؟
- لمن To whom ؟ - بأى وسيلة In which channel ؟
- وبأى تاثير With what effect ؟
2- نموذج شانون –ويفر:
لايتناول هذا النوذج الاتصال البشرى بل يركز على الاتصال الإليكرونى ،ويحدد شانون ثلاث مستويات لمشاكل الاتصال :-
المستوى (ا) كيف يمكن نقل رموز الاتصال بدقة؟
المستوى (ب) ما مدى الدقة التى تنقل بها تلك الرموز المعنى المطلوب؟
المستوى (ج) كيف تؤثر المعانى التى تم استقبالها على السلوك بالطريقة التى يهدف اليها المرسل؟
2- نموذج ولبر شرام :
هذا النموذج يحدد عناصر الاتصال بثلاث عناصر هى :المصدر – الرسالة – المستقبل.
ومن النظريات الحديثة التى ظهرت فى هذا المجال لبيان مدى تأثير وسائل الإعلام على الجماهير نظرية "مارشال ماكلون"وهو أستاذ بجامعة تورنتو بكندا، وتتلخص نظريتة فى أن هناك أسلوبين للنظر الى وسائل الإعلام من حيث :
1- أنها وسيلة لنشر المعلومات والترفية والتعلم.
2- أوأنها جزء من سلسلة التطور التكنولوجى.
ويقول مارشال أن مضمون وسائل الأعلام لا يمكن النظر الية مستقلا عن تكنولوجية الوسائل الاعلامية، فالكيفية التى تعرض بها المؤسسات الاعلامية الموضوعات والجمهور الذى توجة الية كلامها يؤثران على ما تقولة لك تلك الوسائل، وأن طبيعة وسائل الاعلام التى لم يتصل بها الانسان تشكل المجتمعات أكثر مما يشكلها مضمون الاتصال.(1)
ومن المقولات المأثورة والتى تعد مثالا لمدى خطورة سيطرة اجهزة الاعلام على تشكيل إتجاهات الرأى العام :-
نجد هتلر يقول "ان الدعاية تحرك الجبال، وتحيل الابيض الى اسود والاسود الى ابيض".وقال أيضا:"لقد اتاحت لنا الدعاية أن نحتفظ بالقوة ولسوف تمنحنا الدعاية الوسيلة لغزو العالم ".
كما يقول لينين (2)للتأكيد على أعتماد الثورة الشيوعية على الاعلام والدعاية :" ان الامر الرئيسى هو التهيج والدعاية فى كل طبقات الشعب".
وهذا ما يؤكد فكرة ان أى اتجاة أو أى رأى يكتسب قوة وثبات فور تركيز أجهزة الإعلام المختلفة علية، وتوضيحة وتقديم الدلائل والحجج القوية على صحتة .(3)
وتشير الدراسات الميدانية الى ان وسائل الإعلام تختلف فيما بينها من حيث قوة إجتذابها للجماهير ودرجة ثأثيرها عليهم ،وهذا وتنقسم وسائل الاتصال من حيث النوع الى نوعين رئيسين :
الاول:وسائل اليكترونية Electronic Mass Media، ويندرج تحت هذا النوع الإذاعة والتليفزيون والسينما هذا بالاضافة الى الحاسب الالى، وما تقدمة لنا ثورة المعلومات من سهولة أنتقالالمعلومة عبر شبكات الإنترنت.
الثانى: وسائل مطبوعةPrinted Media ، وينصرف هذا النوع الى الصحافة والكتب والمجالات والدوريات والمطبوعات المختلفة.
ولسنا هنا بصدد مناقشة وسائل الاتصال بدرجة من التخصصية، بقدر ما يهمنا فى الاعلام السياسى هو كيفية وصول الرسالة عبر وسائل الاتصال المختلفة لكى يتحقق الهدف النهائى من عملية الاتصال السياسى الا وهى تحقيق المصلحة القومية للوحدة السياسية .


الرأي العام والدولة والسياسة
الدولة الحديثة نموذج فريد من نوعه، وهي تعلن أن واجب الدولة هو أن تدع شخصية الفرد تتكون وتتكامل ثقافته بحرية ودون قيود، ورغم ذلك فهي تشعر بأن واجبها أن تضع قنوات ثابتة ومنظمة تسمح لها بأن تشكل الإطار الفكري للمواطن بطريق أو بآخر، ولعل هذه الملاحظة تفسر أهمية تطوير نظرة نقدية للوظيفة الاتصالية في المجتمع المعاصر تنبع من تمكين المجتمع وتفعيل خصائصه.
وجوهر الوظيفة الاتصالية للدولة الحديثة هي عملية تكوين الرأي العام وتشكيله، وذلك بجوانبها المختلفة أو وظائفها الفرعية. ومحورها: تكوين الرأي العام في مجتمع معين لكي يكون صالحا للقيام بأدواره أو وظائفه التي تحددها الدولة، سواء كان ذلك على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
ويتطلب فهم أبعاد علاقة الدولة بتشكيل الرأي العام تأسيس نموذج تحليلي لفهم الوظيفة الاتصالية وبيان موضعها من نظرية الدولة الحديثة، وتحليل الوظيفة الاتصالية وتطور العلاقة النفسية بين المواطن والدولة في المجتمع المعاصر، وفهم وسياسة العمل الاتصالي في أدوارها الأربعة كل منها تكمل الأخرى؛ (التكامل القومي، الترابط الحضاري، المساندة في السياسة الخارجية، ممارسة الغزو المعنوي).
والأصل أن تكون الدولة تعبيرا عن المجتمع، وتنبع وظائفها من مفهوم ثابت هو حماية القيم الحضارية. فالدولة أداة الاتصال بين الماضي والحاضر والمستقبل، وهي تعبير عن الماضي بلغة القيم، وعن الحاضر بلغة المصالح، وعن المستقبل بلغة الاستمرارية والثبات. وإن لم تستطع أن تحقق هذه الوظائف بهذا المعنى، وأن تخلق التوازن بين هذه الأبعاد المتعددة تصير دولة فاقدة شرعيتها حتى وإن استمرت بسلطة البطش والهيمنة في الواقع.
والتمييز بين الوظائف الأصلية والوظائف التابعة يجعل من فكرة الجزاء المدني والدنيوي أداة تسمح بحماية الوظائف الأصلية التي تدور حول احترام نظام القيم السائد في المجتمع السياسي، ونقله من لغة المثاليات إلى لغة الواقع ولو بنسبة معينة تفرضها طبيعة التطور والصعوبات المختلفة التي لا بد أن تواجهها الجماعة، والأداة الحاكمة في مرحلة من مراحل تطورها.
الوظيفة الاتصالية بهذا المعنى تصير إحدى الوظائف الأصلية التي تفرض على الدولة ألا تقف من المجتمع السياسي الذي تمثله، ومن المواطن الذي تسعى إلى سعادته، والأسرة الدولية التي تتعامل معها موقف السلبية وعدم الاهتمام.
وتتضح أهمية الدور الإعلامي للدولة عبر صنع حد أدنى من الترابط؛ بحيث إن جميع عناصر الجسد السياسي تشعر بأنها -بخصوص ذلك الحد الأدنى- تمثل قوة واحدة وكيانا واحدا، وتمكين الترابط الحضاري؛ فالدولة هي حقيقة حضارية، وبهذا المعنى تتحرك في النطاق الداخلي والنطاق الإقليمي والنطاق الدولي، والوظيفة الحضارية تنبع منها وظائف أخرى، وعلى وجه التحديد الوظيفة الثقافية السياسية. ويلعب الإعلام -أيضا- دورا في صنع مساندة للسياسة الخارجية.
ولا شك أن الدولة تستطيع أيضا توظيف آلة الإعلام في مواجهة القوى الخارجية، فترتفع الوظيفة الاتصالية إلى مستوى الغزو النفسي؛ حيث يصير الهدف من الاتصال ليس مجرد الإقناع والاقتناع وإنما تحطيم الخصم نفسيا وفكريا، أو على الأقل تشويه الصورة القومية لذلك الخصم. والغزو الاتصالي قد يتجه إلى الصديق وقد يتجه إلى العدو، ولكنه دائما يقوم على أساس تحسين صورة الذات وتشتيت صورة الآخر، والتلاعب بالحقيقة. والاتصال قد يصبح في تلك اللحظة عملية مدمرة تتجه أساسا إلى العالم الخارجي وتصير محورا لتعامل يفترض السعي نحو استئصال الوجود المعنوي بشكل أو بآخر.
الاتصال بهذا المعنى يصير مرادفا لفكرة الحرب النفسية؛ حيث هناك مواجهة عنيفة بين خصمين. ورغم أنه قد يتجه إلى الصديق بقصد تشويه صورة عدو لدى ذلك الصديق، إلا أن فكرة الصراع المعنوي تظل ثابتة في كلا التطبيقين. على أن الأعوام الأخيرة قدمت لنا نموذجا آخر اتفق الفقه على التعبير عنه باصطلاح "التسمم السياسي"؛ حيث الاتصال النقي يخفي في حقيقة الأمر هدفا ثابتا وهو تحطيم التكامل القومي من منطلق إعادة توزيع نظام القيم. والدولة التي تلجأ إلى حقن مجتمع معين بقيم غريبة عليه أو تضخيم قيم تابعة وثانوية ورفعها إلى مرتبة القيم العليا، هي في حقيقة الأمر تقوم بعملية إعادة تشكيل القيم ورفعها إلى مرتبة القيم العليا، الأمر الذي لا بد وأن يؤدي إلى خلق نوع من التفتت. (1)
ويتضح من خلال القراءة التحليلية للخطاب السياسى الامريكى، والدراسات المتعددة التى قدمتها مراكز البحوث الامريكية ذات الصلة بدوائر صنع القرار الامريكى، أن هناك إهتمام واضح بإعادة بناء الدولة فى العراق وفقا لنوذج معين، وهذا الاهتمام لة عدة اسباب ودوافع تتعلق برؤية الإدارة الأمريكية للمصالح الاسترتيجية الامريكية فى المنطقة، وكذلك لرؤيتها للنظام الدولى الجديد، وموقع الولايات المتحدة فى هذا النظام، ودورها كعنوان للهيمنة العالمية. ويتضح كذلك من خلال مراجعة تلك الدراسات، أن هناك تركيزا واضحا بخصوص ما يجب ان تقوم به الولايات المتحدة فى العراق ،وما يجب أن تتجنبة للوصول إلى هذا الهدف، مع الإستفادة بخبرات النجاح والفشل الامريكية المكتسبة من حالات مشابهة .(2)
وقد أستخدمت أمريكا كافة الوسائل الإعلامية للترويج لشن تلك الحرب ضد العراق ، إدراكا منها بأهمية دور الإعلام وعمليات الإتصال الجماهيرى فى حشد الرأى العام سواء الأمريكى أو العالمى وتجنيدة لمؤازرة تلك الحرب ،على غرار الحرب الأمريكية ضد العراق1991م والمعروفة "بعاصفة الصحراء" فى فترة رئاسة جورج بوش الأب للولايات المتحدة، وقد لخصت المؤرخة البلجيكية ان موريلى القوانين الأساسية لإطلاق حملة حربية فى عشر نقاط، وذلك من خلال قراءتها لكتاب الدبلوماسى البريطانى لورد بونسونبى، الذى ألف كتابا فى عام 1928 تحت عنوان "أكاذيب فى زمن الحرب "،هذه المبادىء هى ما تم ترجمتها فى أعمال إعلامية من برامج وأخبار وتصريحات سياسية خلال حرب الخليج الثانية على العراق .
و تتحدد النقاط العشر فيما يلى: 1- نحن لا نريد الحرب.2- المعسكر المعادى هو المسئول عن الحرب.3- رئيس المعسكر المعادى هو بمثابة الشيطان-4- ما ندافع عنه هو شىء نبيل وليس لنا مصالح معينة.-5- العدو يثير القلاقل والأعمال الوحشية وإذا اضطررنا إلى ارتكاب بعض التجاوزات فإنما سيكون ذلك إراديا وعن غير قصد .-6-العدو يستخدم أسلحة محظورة
-7- خسائرنا قليلة جدا مقارنة مع الخسائر الفادحة فى صفوف العدو 8-جميع المثقفين والفنانين يؤيدون الحرب. 9-كل الذين يشككون فى حملتنا خونة .10-قضيتنا تحمل طابعا مقدسا.(3)
وبدات الولايات المتحدة حملاتها الدعائية لشن الضربة العسكرية ضد العراق، بداية من معارضتها للمباحثات العراقية مع الامم المتحدة والمتعلقة بإمتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل ،و على الرغم من أن هانس بليكس – رئيس لجنة التفتيش الدولية على الاسلحة العراقية- كان أحد الاطراف المشاركة فى هذا الاجتماع ، الا ان الولايات المتحدة اخذت تروج لهذا الاجتماع إعلاميا من حيث كونة يؤكد موقف العراق من إمتلاكة لاسلحة الدمار الشامل.(4)
هذا وقد جاء تقرير هانس بليكس والذى قدمة لمجلس الامن الدولى والذى صرح بمحتواة لصحيفة نيويورك تايمز فى 30/1/2003م، حيث أكد أن المفتشين لم يسجلوا أية حالة من الحالات التى أدعاها السيد كولن باول من أمتلاك العراق لاى نوع من أنواع أسلحة الدمار، ولم يتم نقل مواد محظورة من داخل أو خارج العراق.وقد أعترض الدورى المندوب العراقى لدى الامم المتحدة على تصريحات وزير الخارجية الامريكى كولن باول، وأعرب عن أن تسويق فكرة الحرب ضد العراق دون أى مبرر أخلاقى أو قانونى أو سياسى هى المحرك الرئيسى وراء تلك التصريحات الامريكية.(1)
إلا أنه لم تتراخى الولايات المتحدة الامريكية فى تسويقها لتلك الفكرة، فعندما صرح" محمد البرادعى" رئيس الهيئة الدولية للطاقة الذرية أن تقريرة سوف يكون موضوعيا ،و أنة سوف يترك الامر بعدها للمجتمع الدولى فى كيفية المواد التى ستاتى فى التقرير، وقبل يوم واحد من رفع التقرير لمجلس الامن صرح كولن باول بأن بلادة على استعداد لخوض الحرب بمفردها ضد العراق، وان الوقت قد اخذ فى النفاذ فيما يتعلق بالتعاون والمفتشين الدوليين. واستمر تأكيد الولايات المتحدة على خوض مثل هذة الحرب حتى بعد ما جاء بالتقرير فى 14/2/2003م والذى يشير فية البرادعى الى عدم وجود أدلة تفيد أمتلاك العراق وتطويرة لاسلحة دمار شامل. (2)وفى خطاب ألقاة كولن باول فى مؤتمر دافوس بسويسرا، كرر فية اتهامة للعراق باللجوء للمراوغة والتسويف فى موقف المفتشين على الاسلحة، وقال أن بلادة لن تتراخى فى شن حرب ضد العراق للتخلص من اسلحة الدمار الشامل، مؤكدا على أن بلادة على استعداد لخوض الحرب بمفردها.كما أكد أن الادارة الامريكية ستبحث تقرير لجنة التفتيش قبل أى عمل ، مشيرا الى أن هناك 12 دولة مستعدة لدعم الولايات المتحدة فى استعمال القوة ضد العراق دون اللجوء الى تكليف من مجلس الامن الدولى.(3)