منتديات الحوار الجامعية السياسية

فليقل كل كلمته
#68087
بقلم : عثمان لحياني
خمسة أشهر تفصل الجزائر عن موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في إبريل المقبل ، لكن معالم الاستحقاق الرئاسي المقبل لم تتضح حتى الآن ، وقبل 45 يوما من استدعاء الهيئة الناخبة المقرر في التاسع من يناير المقبل ،مازال الغموض يطبع موقف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بشأن ترشحه لعهدة رئاسية رابعة، وتردد الأحزاب السياسية ، وتشتت الإسلاميين ، وفي ظل معطيات هيكلية جديدة في تركيبة النظام السياسي ، وتغير طفيف في أدوات صنع القرار في الجزائر ، على خلفية التغييرات الدقيقة التي أدراها الرئيس بوتفليقة في بنية الجهاز المخابرات والجيش .



بوتفليقة... عهدة الرابعة


لا يعطي الحراك السياسي الحاصل في الجزائر مشهد بلاد مقبلة على استحقاق سياسي في حجم الانتخابات الرئاسية ،حالة الجمود السياسي يسيطر على الساحة ، والتردد يحكم مواقف أغلب القوى السياسية بشأن المشاركة في الرئاسيات من عدمها.

لكن مبعث هذا التردد ، لا يتصل بالظروف والمناخ الذي ستنظم فيه الرئاسيات المقبلة بقدر ما يرتبط بغموض موقف الرئيس بوتفليقة بشأن إمكانية طرح نفسه كمرشح في الانتخابات، لعهدة رئاسية رابعة ،بعد فوزه بثلاث عهدات في رئاسيات 1999 و2004 و2009 ([1]).

في الثامن من مايو 2012 ، أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفيلقة عن نيته في التخلي عن السلطة، وقال في خطاب ألقاه بمدينة سطيف شرقي الجزائر " طاب جناني ( تعبير محلي يقصد به تعبت ولم أعد قادرا ) ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ، لكن هذا الإعلان لم يمنع تنظيمات مدنية وأحزاب سياسية موالية للسلطة من تجديد مطالبتها لاحقا للرئيس بوتفليقة بالترشح لعهدة رئاسية رابعة، لكن هذه المناشدات خفت مع تعرض الرئيس بوتفليقة لوعكة صحية في نهاية أبريل الماضي [2] استلزمت نقله للعلاج إلى باريس ، وطرحت معها أسئلة حول قدرة الرئيس بوتفليقة على استكمال عهدته الرئاسية الثالثة التي تنتهي في التاسع من أبريل المقبل.



الرئيس بوتفليقة وحده الذي أجاب على هذه التساؤلات عاد تدريجيا إلى ممارسة مهامه وأحدث " انقلابا " حكوميا ، في نهاية سبتمبر الماضي عندما أعلن عن تعديل حكومي واسع أطاح ب11 وزيرا ، وأقدم على تفكيك جهاز المخابرات الذي كان يسيطر على مفاصل الدولة ويتدخل في صناعة القرار ، واستخلص عددا من الهيئات من المخابرات )[3]( وأسندها الى قيادة أركان الجيش، التي أعلنت الولاء التام للرئيس بوتفليقة .

أحيت هذه القرارات الأمل لدى قوى الموالاة ، حيث أعلنت كبرى الأحزاب السياسية المشكلة للحكومة ، جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي والجبهة الشعبية الجزائرية وتجمع أمل الجزائر المنشق عن إخوان الجزائر، عن ترشيحها للرئيس بوتفليقة لعهدة رابعة في رئاسيات أبريل المقبل دون أن تحوز على إعلان نية من الرئيس بوتفليقة للترشح .

ومع كل هذه المعطيات التي تميل لصالح كفة ترشح الرئيس لعهدة رابعة ، إلا أن بعض

المتابعين للشأن السياسي في الجزائر ، يحتفظون بقدر ضئيل من الرهان على أن يختار الرئيس بوتفليقة "الخضوع لقانون الطبيعة "، والخروج من الحكم ، بحكم تقدمه في العمر (76 سنة ) ومتاعبه الصحية ، في مقابل أن يلعب هو الدور الأبرز في اختيار البديل الذي يستكمل سياساته .

إبعاد المخابرات...وتشتت المعارضة

ما الذي شجع قوى الموالاة على تزكية بوتفليقة لعهدة رابعة برغم الظروف الصحية ..؟ المراقبون يعتقدون أن هذه الأحزاب شديدة الارتباط برئاسة لا تعلن عن مواقف سياسية بريئة ، لكنها تتبنى في العادة مواقف مبنية على إشارات تتلقاها من محيط الرئيس بوتفليقة خاصة في ظل تغير موازين القوى وانقلابها لصالح كف الرئاسة على حساب دوائر أخرى كانت تتدخل في صنع القرار كالمخابرات والجيش .

يقول الناشط السياسي محمد أرزقي فراد لـ" العربية نت" أن "هذه الأحزاب ليست كيانات مستقلة، أو قوى سياسية تعمل بشكل مؤسسي لكنها عبارة عن أجهزة تعتمد عليها السلة لتوفير الإطار السياسي للتعبئة الشعبية وتنشيط الحملات الانتخابية والدعائية، بدليل أنها لم تقدم مرشحا عنها للانتخابات الرئاسية منذ أول انتخابات تعدية جرت في الجزائر في عام 1995، وظلت تدعم المرشح الذي تشير به المؤسسة العسكرية ، بصفة "مرشح الإجماع " ، كما حدث مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في آخر ثلاث انتخابات رئاسية.

ليس تقلص نفوذ المؤسسة العسكرية وجهاز المخابرات ، ولو بقدر أقل مما كانت عليه ، وحده هو العامل الذي يفتح الباب واسعا أمام الرئيس بوتفليقة لرسم السيناريو والمخرج الذي يريد لرئاسيات 2014، فهناك عامل آخر يضع السلة في أريحية سياسية، فهشاشة وضعف قوى المعارضة وتشتت مواقفها يقلص عليها مساحات التحرك و يضيق حظوظ امتلاكها لزمام المبادرة السياسية، في مواجهة خيارات السلطة.

قبل أسبوع اجتمعت قوى المعارضة في تكتل سياسي ضم 20 حزبا سياسيا وشخصية سياسية مستقلة، بينهم "حركة مجتمع السلم" ([4] ) كبرى الأحزاب الإسلامية في الجزائر، حزب تجمع من أجل الثقافة والديمقراطية كبرى الأحزاب العلمانية وحركة النهضة و حزب" جيل جديد " المعارض ، كما ضم التكتل أيضا عددا من الشخصيات السياسية المستقلة، بينها المرشح للرئاسيات رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور والمرشح للرئاسيات جيلالي سفيان والناشط السياسي أرزقي فراد ووزير الاتصال السابق عبد العزيز رحابي ([5]) والضابط السابق في الجيش أحمد عظيمي.

وبرغم أن رئيس كبرى الأحزاب الإسلامية عبد الرزاق مقري يعتبر اجتماع "فاتحة لتشكيل جبهة سياسية موسعة بغرض التغيير والإصلاح السياسي سيعمل الجميع على ثباتها واستمرارها لاتخاذ مواقف مشتركة في الانتخابات الرئاسية ومواصلة المقاومة السياسية بعد الانتخابات "، إلا أن الثابت على الأرض أن هذه الكتلة من المعارضة التي تفتقد لأدوات الضغط على السلطة لم تتجاوز حدود في حراكها توجيه بيان سياسي يطالب الرئيس عبد العزيز بوتفيلقة بإرجاء تعديل الدستور المقرر قبل نهاية السنة الجارية، إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية لعدم توفر الشروط والظروف الملائمة لتعديل توافقي يستجيب لتطلعات الشعب والطبقة السياسية ، وبإنشاء لجنة المستقلة توكل لها مهمة تنظيم وإدارة الانتخابات الرئاسية " .

ولم تكن هذه المطالب جدية وواقعية بالقدر الذي يفتح شهية السلطة للاستجابة لهكذا مطالب على سبيل استدراج المعارضة إلى المشاركة في انتخابات تعرف سلفا أنها محسومة لصالح مرشح السلطة - كان الرئيس بوتفليقة أو شخصية أخرى - لكون مسألة تعديل الدستور تعد التزاما سياسيا للرئيس بوتفليقة، وتأجيله لا يخدم رصيده السياسي ويعني إخلال الرئيس بتعهداته أمام الرأي العام ، والمطلب الثاني يستدعي تعديل قانون الانتخابات والوقت لم يعد كافيا لذلك على مقربة 40 يوما من استدعاء الهيئة الناخبة، ذلك أن عوامل تخلي السلطة الحالية عن مقاليد الحكم في الجزائر ليست متوفرة في الوقت الحالي ، بسبب تعقيدات تتصل ببنية وطبيعة النظام السياسي في الجزائر.

رئيس الحكومة السابق والمرشح للانتخابات الرئاسية أحمد بن بيتور[6] يؤكد في تحليله للوضع السياسي الراهن أن " مكونات السلطة القائمة في الجزائر خلقت تقاليد سياسية سيئة بحيث توفر ظروف لدفع كل رئيس إلى صياغة دستور على مقاسه، يضع فيه الصلاحيات بالطريقة التي يريدها ".

ويطرح الناشط السياسي محمد أرزقي فراد مشهد السياسي القائم قائلا " الجزائر تملك الآليات كالبرلمان والمجالس المنتخبة ، لكن السلطة تفتقد إلى الفكر وروح الديمقراطية ، ليس هناك أي رغبة في التداول السلمي على السلطة وهذا مقتل الديمقراطية في الجزائر".

رئيس بالوكالة... رئيس بالنيابة

ما هو المخرج إذن من مأزق الرئاسيات في ظل مناشدات لرئيس مريض بالترشح ومعارضة هشة عاجزة عن المنافسة وتقديم بديل وتبدل جزئي لمراكز صناعة القرار في الجزائر ..؟

يجتهد المراقبون لتطورات الشأن السياسي في الجزائر في وضع ملامح السيناريوهات المطروحة لمأزق رئاسيات أبريل المقبل ، يطرح في هذا السياق سيناريوهين، "رئيس بالنيابة "، أو "رئيس بالوكالة "، ويشترك السيناريوهان في عامل واحد، يكون فيه الرئيس بوتفليقة هو الفاعل السياسي والممسك بزمام القرار الحسم .

في حالة " رئيس بالنيابة" ، يكون الرئيس بوتفليقة مرشحا لعهدة رئاسية رابعة، ولأن وضعه الصحي لا يتيح له تنشيط حملات انتخابية عبر كل المحافظات، فإنه سيعتمد على شخصية يكون قد استخلصها، تنوب عنه لتنشيط الحملة الانتخابية والدعائية، على أن يتم تعيينه نائبا للرئيس ، بموجب التعديل الدستوري الذي يعتزم الرئيس بوتفليقة طرحه قبل نهاية السنة، وفقا للتي أعلنها في وقت سابق ، وهذا السيناريو يوفر مخرجا للرئيس بوتفليقة وللسلطة من توجس الرأي العام و الانتقادات الحادة التي توجهها قوى المعارضة بشأن عدم قدرة الرئيس بوتفليقة على إدارة شؤون البلاد ([7]) عبر توفير منصب دستوري يمنح لنائب الرئيس صلاحيات هامة ، ويحيل إليه صلاحيات الرئيس في حال تعقد الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة أو حدثت تطورات أخرى .

في الحالة الثانية "رئيس بالوكالة " ، يقوم هذا السيناريو على احتمال خضوع الرئيس بوتفليقة "لقانون الطبيعة " ، والقبول بالتخلي عن منصبه لصالح مرشح بديل للسلطة، لكن هذا الأمر سيكون مشروطا من قبله بأن يشرف بنفسه على انتقاء المرشح البديل من بين الكوادر المتواجدين في كرسي احتياط السلطة يضمن من خلاله (الرئيس بوتفليقة) استمرار سياساته ، وبقائه في الواجهة السياسية للبلاد.

وإذا كان السيناريوهين السابقين قيد الاحتمال ، فإن ما ليس متوقعا حدوثه ، هو تخلي الرئيس بوتفليقة عن السلطة وتنظيم انتخابات مفتوحة ، يسلم بعدها السلطة إلى رئيس جديد حدث، كما حدث مع سلفه الرئيس ليامين زروال الذي سلمه السلطة في أبريل 1999 ، بما قرر طواعية التخلي عن السلطة .