منتديات الحوار الجامعية السياسية

فليقل كل كلمته
#69362
إنه لجدير بنا الآن أن نفخر ونتباهى بثقافتنا العربية الحديثة، من حيث إنها قد أخذت مكانها بين الثقافات العالمية المعاصرة في ثقة وكبرياء، وعزة وإباء، ومن حيث إنها قد جلبت إلينا المستشرقين من كل مكان في العالم بصورة مضاعفة عما كانت عليه، لينهلوا من سحرها وأصالتها النبيلة.
وأستعرض على سبيل المثال مقال الألمانية الدكتورة «ريجينا غرشولي» عن انعكاسات الثقافة العربية المعاصرة على المرايا الألمانية ليرى القارئ العربي أين موقع ثقافتنا الآن من الثقافات العالمية وهل احتلت مكانها بجدارة أم لا؟
تقول د.ريجينا:
لقد صدر أخيراً الكتاب الذي يحمل عنوان: «الثقافة العربية المعاصرة». ولا شك أن تطلع المهتمين بالثقافة العربية لصدور هذا الكتاب له ما يبرره، إذ إنه لم يصدر من قبل باللغة الألمانية عمل مشابه. صحيح أن القارئ تمكن من الاطلاع باستمرار على تطورات الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلدان العربية سواء عن طريق الكتب العديدة التي تصدت لهذه التطورات أم عن طريق الصحافة الدورية، كما أنه أصبح متابعا لما نشر حول قضايا متفرقة في فروع الثقافة العربية في ماضيها وحاضرها على حد سواء.
ولكن: ما هي الفعاليات الثقافية الجديدة التي فجرها العالم العربي بعد الحصول على الاستقلال الوطني وما هي المسائل الأساسية التي واجهتها البلدان العربية ولم تزل تواجهها في هذا المجال الحيوي؟
مثل هذه التساؤلات لم يتصد لها حتى يومنا هذا مؤلف بهدف الإجابة عنها بشكل شمولي ومحاولة منحنا تعميمات نظرية معمقة حولها.
مما لاشك فيه أن للدكتور «ديتر بلمان» مؤلف هذا الكتاب الجديد، شرف الريادة في التصدي لهذا الموضوع المهم بهذه السعة والشمولية. والدكتور بلمان اسم لم يعد معروفاً في الأوساط المختصة في ألمانيا الديموقراطية فحسب بل خارج حدودها أيضا بصفته أحد المختصين بالثقافة العربية أو المتفانين في سبيل دراستها ونشرها، وليس مستغربا أن يطلق عليه أصدقاؤه اسم «أبو حسن» وفق التقليد العربي، فإن هذه التسمية ليست تسمية مجازية فقط بل إن للدكتور بلمان ابنا اسمه «حسن» وهو باعتباره أستاذاً في جامعة كارل ماركس بلايبزغ لا يقدم لطلبته معلومات مجردة وحسب بل يعمل جاهدا وباستمرار على دفعهم لتفهم التعقيدات التي واجهها تطور الثقافة الغربية وعلى زرع الحب والاحترام في قلوبهم تجاه منجزات هذه الثقافة العريقة.
يقدم لنا المؤلف ثمرة بحث طويل دؤوب، ولقد تمكن من إلقاء الضوء في صفحات يبلغ عددها 453 صفحة على عالم واسع الأرجاء ومنح القارئ نظرة عامة شاملة على ثقافة الوطن العربي إضافة إلى إفراد فصل خاص عن حركة التحرير الفلسطينية، هذا وقد تم بناء الفصول وفق منهج موحد مما ييسر قراءة العمل ويمنحه وضوحاً كبيراً.. فالمؤلف يلقي في بداية كل فصل نظرة عامة على التطور الثقافي في بلد معين وعلى السياسة الثقافية فيه اضافة إلى معالجة الأمور النظرية المتعلقة بهذا التطور وينتقل بعدئذ لمعالجة فروع الثقافة كالأدب والمسرح والسينما، والفن التشكيلي والموسيقى كل على حدة.
ويضاف إلى الجهد البالغ الذي بذله المؤلف، المنطلقات النظرية التي صاغها المؤلف في المقدمة المسهبة التي استهل بها كتابه، والتي تستند على مقولة أساسية مفادها: أن الثقافة الفكرية تشكل فعالية من فعاليات الإنسان الإبداعية، المرتبطة ارتباطا وثيقا بالثقافة المادية التي تنبثق عنها بالتالي القيم والمعايير المشروطة بالشرط التاريخي، ومن ثم فإن الطريقة التي يتم من خلالها الاحتفاظ بهذه القيم والمعايير وبثها وتطويرها إنما هي التي تحدد في نهاية المطاف مدى الغنى الفكري والإبداع الثقافي والوعي الاجتماعي لشعب من الشعوب. وبكلمة أخرى فإنه من غير الممكن النظر إلى الثقافة بمعزل عن التطور الاجتماعي والوطني. «فالقيم الحضارية، الفكرية والخلقية، إنما تعكس كذلك العلاقات الاجتماعية وتؤثر فيها وتجعل أواصر الصلة بين سكان هذه المنطقة متينة في نضالهم من أجل التحرر الوطني والاجتماعي بعضهم ببعض من ناحية وبالنضال العالمي من أجل تقدم البشرية من ناحية أخرى».
ومن خلال اتباعه هذا المنهج المتكامل تمكن المؤلف من الكشف عن الاتجاهات العامة التي تحدد طابع التطور الثقافي للبلد المعني وللمنطقة برمتها والتي تعتبر نموذجية بالنسبة لهذا التطور. ثمة أمر آخر يلعب دورا مهما في هذا المجال: هو أن الدكتور بلمان يمثل باتباعه لأسلوب التحليل الشامل الذي يوضح عملية التفاعل بين الثقافة والمجتمع وبين التقدم الثقافي والتقدم الاجتماعي اتجاها في البحث يختلف اختلافا بينا عن التقويمات والأحكام المسبقة التي كثيراً ما نجدها لدى المستشرقين الأوروبيين البورجوازيين، بهذا يتخذ كذلك موقفاً تضامنياً مع نضال الشعوب العربية من أجل هويتهم القومية.
يركز الكتاب وهذا ما نستشفه من العنوان، على التطور الثقافي المعاصر وبشكل خاص في الستينيات والسبعينيات غير أن هذا التطور لا يحدث بالطبع من فراغ، إذ إن له جذوره في التطورات السابقة كما أنه يحمل بذور الاتجاهات المستقبلية.
يشير «ديتر بلمان» إلى هذه الحقيقة في العنوان الإضافي الذي وضعه لكتابه: «مراجعات» لرصد «آفاق المستقبل» فهو يسلط الضوء دون أن يكون ذلك مقحماً على القوى المحركة للتطور الثقافي إذ يكشف عن العلاقة التي تربط ظواهر النهوض الثقافي الكبير في العالم العربي بالتغيرات الاجتماعية والسياسية العميقة التي تبعث الاستقلال الوطني ويلخص وجهة نظره هذه في الموضوعة الأساسية التالية التي نجدها في الصفحة الأولى «إن النضال من أجل التحرر الوطني والاجتماعي أدى وما زال يؤدي وبشكل مباشر إلى تسريع عملية تفتت البنى الثقافية وإلى تطور مفاهيم ثقافية تقدمية جديدة في البلدان العربية».
إن هذا المنطلق الشمولي لا يعني بحال أن المؤلف لم يهتم بجزئيات التطور الثقافي. بل على العكس من ذلك فإن الكتاب يضم كمية كبيرة من الوقائع والمعلومات والاحصائيات وذلك حول المنظمات والمؤسسات الثقافية، وحول الاتجاهات الثقافية وأهم ممثليها، وحول العلاقات بالثقافة الأوروبية. وهو يستند إلى هذه الأمور في تحليله العلمي لموضوع البحث. ولابد لنا من الإشارة إلى الجهد المبذول الذي يضم فيما يضم سجلاً للأسماء الواردة في الكتاب مرتبة وفق الحروف الهجائية مع ذكر الصفحات التي ورد فيها الاسم. ونحن نجد في هذا السجل أسماء في شتى فروع الثقافة مثل: «أدونيس، الشيخ إمام، جرجي زيدان، محمد الديب، ألفريد فرج، دريد لحام، نجيب محفوظ، سعدالله ونوس، علي عقلة عرسان، محمود مختار، أم كلثوم… وذلك على سبيل المثال طبعا لا الحصر لأن عدد الأسماء يتجاوز الألفي اسم.
ونحن مع د.ريجينا في أن هذا الكتاب وهو بهذه الصورة، لا يهم المختصين ويغني معارفهم فحسب، بل هو يشق الطريق لجمهور واسع في أرض ثقافية بكر واكتشاف كنوز مدهشة، بارك الله في ثقافتنا ومثقفينا وعلومنا وإعلامنا وأدبنا وأدبائنا.

فاضل خلف