منتديات الحوار الجامعية السياسية

قسم مختص باستقبال أسئلة الطلاب
By سعود الحربي 0
#50568
إن مما لا شك فيه أن الثورات التي انطلقت من تونس واجتاحت العديد من دول المنطقة كانت ردة فعل على تراكمات هائلة من المظالم عاشتها المنطقة وأوصلت الشعوب إلى حالة الانفجار .

وإن المدقق في المطالب والشعارات التي رُفعت فيها، والشعور بالانتصار وتحقيق الأهداف عندما سقط الحكام، يدل دلالة واضحة على عدم وجود رؤية سياسية عند الثائرين لمرحلة ما بعد الثورة، فغلب على مطالب الثائرين النواحي الإجرائية، وليست تغيير السياسات .

وهذا يجعل الثورات عُرضةً للاختراق والاحتواء وحرف مسارها، أو بالاكتفاء بالترقيعات التي تعالج مشاكل الشعوب ولا تنهض بالمجتمعات، لأن النهضة تقوم على مبدأ عقيدة ينبثق عنها نظام شامل لجميع جوانب الحياة.

ومن الملاحظ أيضًا أن الحركات الإسلامية قد لحقت بهذه الثورات بعد تردد، وقد كان المأمول منها أن تعمل على ترشيد مسيرة الثورات، فتدرك واقع المشكلة، وتطرح البديل الإسلامي طرحا نقياً راقياً خاليا من أي شائبة كما نزل على الحبيب المصطفى " صلى الله علية وسلم " .

ومن المعلوم بداهةً أن المشكلات ناجمة عن تطبيق سياسات الكفر على أمة مسلمة من خلال أنظمةٍ فاسدة صاغ دساتيرها الكافر المستعمر وبرجال أكثر فساداً من هذه الأنظمة كرست نفوذ المستعمر ورعت مصالحهُ، فكان لابد من الإنعتاق من التبعية الغربية، وبالتخلص من النظام الغربي وجميع الأفكار والمفاهيم التي تُدار بها عجلة البلاد، وكذلك التخلص من الوسط السياسي الحارس الأمين لمصالح الغرب، إلاَّ أنَّ الأمر كان مختلفاً، فقد رأينا الحركات الإسلامية تٌعلن تحالفها مع العلمانيين ومع الوسط السياسي والعسكري الذي تربَّى على موائد الغرب بدل من العمل على التخلص منه لأنه صنيع الاستعمار وخادمه .

فبدلاً من طرح مشروع الإسلام أقامت الحركات الإسلامية أحزاباً على أساس غير الإسلام وقبلت أن تكون أحزاباً غير إسلامية تعمل وفق قوانين الأحزاب التي تَحظُر الأحزاب على أساس الدين وتعمل على المحافظة على الدساتير الوضعية والمشاركة في صياغتها، وتخلت عن تطبيق الشريعة وأعلنت قبول كل عفانة الرأسمالية، وقذارة الحريات ورجسها وما أنتجته الأنظمة الهالكة.

أخذت ترسل التطمينات المتلاحقة لدول الكفر الاستعمارية، فأعلنت أنها لا تريد تطبيق الشريعة، وإذا ما وصلت إلى الحكم فستحترم كل الاتفاقات الدولية وحقوق الأقليات، ولن تمنع الربا والخمور والسياحة ومتطلباتها القذرة، وستبقي على كيان يهودَ وسفاراته ومصالح الغرب، وستعمل على محاربة الإرهاب، والقائمة تطول من المطالب والتطمينات، حتى أصبحنا لا نفرق بين مطالب علماني أو شيوعي أو مطالب الإسلاميين .

وأخذوا يُسوّقون هذه التنازلات تحت عنوان السياسة الشرعية التي لم يحددوا مفهومها، ولا ما هي ضوابط السياسة الشرعية عندهم، وأخذوا يضعون القواعد التي تبرر عدم الالتزام بالأحكام الشرعية، كالتدرج والاستحسان والعُرف والمصالح وغيرها من القواعد التي تركوها عائمة من غير ضوابط شرعية.

وكذلك تذرعوا بصعوبة تطبيق الإسلام دفعة واحدة وصعوبة إلزام الناس بدولة اسلامية وخاصةً مع وجود غير المسلمين في بلادهم .
إن هناك مُغالطات مقصودة لتضليل الناس، كالاستدلال بحكم الخمر على التدرج، وكذلك الضرورات التي هي في باب الرخص الشرعية المحددة بأعذارها في النصوص، والتي لم يعللها الشرع ولا يجري فيها قياس، والأدهى من ذلك وأمر هو تقديم هذه الرخص على أنها أصل ولم تعد حالة استثنائية وإن الأمة أثناء سعيها للخروج من التخلف والانحطاط والإنعتاق من التبعية والتحرر من الاستعمار تحتاج لإعمال العزائم والإصرار على عظائم الأمور حتى تقتعد مكانتها كأمة رائدة، وليس الأخذ بالرخص والقعود عن العزمات ومعالي الهمم.

ومما لا شك فيه أن القواعد التي تُقدم للناس في هذه الأيام هي في غاية الخطورة وغاية الفساد .

أما موضوع صعوبات تطبيق الإسلام الآن في ظل الظرف الحالي فالقول به من باب التهويل وتضخيم العقبات التي تحول بين الإسلام والتطبيق وهذا أمرٌ مُبالغ فيه وخاصةً في هذا الوقت الذي يشهد تغييراً جذرياً على مستوى الشعوب الإسلامية وعلى مستوى الموقف الدولي وتأثير دوله.

فالعقبات في وجه التطبيق يمكن تقسيمها إلى قسمين :

1- أخطار داخلية: متمثلة في رفض المجتمعات للشريعة الإسلامية, وعند النظر في واقع مجتمعاتنا نجدها مُتعطشة لتطبيق الإسلام واندفعت ثائرة تريد الإسلام، والمعارضون لتطبيق الشريعة هم أضعف الشرائح في المجتمع .

بقيت شريحة القوة الكامنة في الوسط السياسي والعسكرْ، وهذه الشريعة تَتراجع خطرها كثيراً بعد الثورات، ويمكن التعاطي معه بحكمة، والتغلب علية إن وجدت الجدية وابتعدنا عن العقلية التي بُرمجت على حسابات الماضي التي لا ترى إلا سطوة الحكام وأجهزتهم الأمنية. والأهم من ذلك جميعا أن لا ننسى توفيق الله سبحانه وتعالى للعاملين. وإن الحكام أصبحوا الآن في حالة ضعفٍ واسترضاء للشعوب الثائرة، فلم يعودوا ذلك الخطر الذي يمنع تطبيق الإسلام ولا يمكن التغلب عليهم.

2- أخطار خارجية: تتمثل في القوى الدولية والاستعمارية ووسطها السياسي في بلادنا فإننا نؤكد أن الغرب في حالة عجز في كل قواه، ومأزوم في داخله، وإنَّ خياراته في مواجهة الدولة الإسلامية محدودة جداً ويمكن التغلب على هذا الخطر ببذل الجهد الصادق والعمل السياسي الراقي ومن هنا نقول وبكل تأكيد لا يوجد ما يمنع من تطبيق الإسلام وإعلان دولته إلاّ العقليات التي تشكلت على ثقافة الغرب وبرعاية الحكام ولا زالت تأتمر بأمره وتلبس لبوس الإسلام .

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشد يُعز به الإسلام وأهله ويذل به الكفر وأهله، ويعمل فيه بكتابك وسنة نبيك اللهم آمين آمين