منتديات الحوار الجامعية السياسية

قسم مختص بالطلاب و اسهاماتهم الدراسية

المشرف: صفيه باوزير

#64035
قد نقنع أنفسنا بتصور أوّلي ـ وبطبيعة الحال سطحي ـ للمفاهيم أعلاه بأن نقول: إنّ الحداثة (modernity) كموضوع غربي، وجدت طريقها إلى الظهور باختراق التراث أو التقليد Tradition، وشنّ الحرب ضدّه.. وأنّ التنمية كحصيلة للحداثة، أو على الأقل ملازمة لها، هي بمثابة هدف استراتيجي للبلدان الواقعة خارج نطاق النظام الفكري والحياتي الغربي. ومن هذه المقدمات الأولية يمكن التوصل إلى النتيجة السطحية الآتية: من أجل تحقيق التنمية، ينبغي أن نكون حداثويين، ولا تتحقّق الحداثة إلاّ في محاربة التراث والتقليد.

بيد أنّ كل هذه، تصورات بعيدة عن الواقع، وليس باستطاعتها سوى إرضاء أصحاب الأفكار العاجزة وغير المسؤولة تجاه الإنسان أو مصيره ، ذلك أن المسألة أعقد بكثير من أن تُحَلّ بهذه السهولة. فلا التقليد يتغير ببساطة بمجرد التمني وإصدار الأحكام الوهمية، ولا الحداثة تتحقق بسهولة. إذا ما لم يتغير الأفراد، لن يظهر أي تحول مصيري في حياتهم الاجتماعية، لأن التغيير عملية شائكة جداً، ويبدو أن ليس جميع عناصرها طوع إرادة الانسان.

إنّ بحثنا في هذا المجال إن استطاع أن يفتح نافذة ولو صغيرة أمام الأذهان الباحثة صوب الأفق المضيء، فينبغي أن نكون مسرورين.

إنّ مصطلحات من قبيل التراث والحداثة والتنمية، غامضة ومعقدة، ولا يوجد حتّى الآن تعريف محدد ومتفق عليه لها، وقد لا يظهر مثل هذا التعريف. وإنّ هذا الغموض الّذي هو وليد الفهم المتباين للباحثين ومقدماتهم الفكرية واهتماماتهم المختلفة، والناشئ عن اختلاف آفاق الرؤية الّتي تتسق وطبيعة الموضوع الّذي تهتم به ، أضحى مصدر سوء فهم كبير أيضاً. وللتقليل من سوء الفهم إلى أدنى حد ممكن، يتحتم على الباحث أن يبين بوضوح ـ أولاً وقبل كل شيء ـ تصوّره ومراده من هذه المصطلحات. ولهذا سأحاول توضيح المبادئ التصورية لموضوع البحث كخطوة موفقة أولى في مسيرتنا الفكرية هذه.

ماذا أفهم من الحداثة والتراث ؟

عندما نتحدث عن الحداثة، لا شكّ أننا نعني بها ظاهرة أو منظومة من الظواهر الجديدة. ولكن هل تعتبر كلّ ظاهرة جديدة في حياة الانسان حداثة ؟ أم أن الحداثة سمة محدّدة لعصر أو مرحلة تاريخية ما ؟.

إن المجتمع البشري ـ حتّى في أبسط صورة ـ عرضه للتغيير والتحول دائماً، إذ تحلّ ظواهر جديدة محل الظواهر القديمة في نظام حياة الانسان.. إنّ الفارق الجوهري بين العالم القديم والعالم الجديد ليس في الثبات المطلق للأول، والتغيير المطلق للثاني، بل هو في بطء حركة التغيير في الأول، واكتسابها سرعة متزايدة في الثاني. على إننا لا نطلق كلمة «حداثة» على كلّ تحوّل وبروز ظواهر جديدة في المجتمع، وإن كانت أساسية وباهرة.

في تصوّري، إنّ الحداثة مصطلح يطلق على التحولات الّتي ظهرت في الغرب في العصر الأخير من تاريخ الانسان. بتعبير آخر: يمكن اعتبار الحداثة روح الحضارة الجديدة والثقافة المنسجمة معها.

وبعض النظر عن البحث الشائك في العلاقة بين الحضارة والثقافة، واعتبارهما وجهين لحقيقة واحدة، أو أمرين يرتبط أحدهما بالآخر ، فمن المسلّم به أن كل ثقافة تنسجم مع حضارة معينة. ونحن نعلم أن الحضارة الحديثة وجدت استقرارها على انقاض الحضارة السابقة، ومن الطبيعي ان تروج إلى ثقافة تنسجم معها. وفي العصر الجديد ظهرت ثقافة جديدة تتسق مع الحضارة الجديدة، حلّت محل الثقافة السابقة. وتعتبر الحداثة روح هذه الحضارة وهذه الثقافة.

أمّا بالنسبة للتراث أو التقليد:

التراث أيضاً، اجمالاً، أمر يتعامل مع الماضي أو القديم. (لا يصح أن ينعت كلّ أمر قديم بالتراث. ففي المصطلح توجد دلالة على السنن الإلهيّة والطبيعية ونظائرها. ومن يؤمن بالسنّة الإلهيّة أو الطبيعية يعتبرها ثابتة. إذ ان هذه السنن بحد ذاتها تحكي عن أمور ثابتة كلما وجدت، وجدت السنّة أيضاً. وإن القوانين الحاكمة على الوجود هي سنة الهيّة أو طبيعية. من الممكن أن يخطئ الانسان في اكتشاف هذه النواميس ويدرك خطأه فيما بعد. غير أن الّذي يتغير هنا ليس أصل القانون، بل فهم الانسان وتصوره له. فنحن وإن آمنا بمبدأ التغيير وعدم الثبات في طبيعة العالم، كما آمن صدر المتألهين ـ أحد كبار فلاسفة المسلمين ـ بـ «الحركة الجوهرية»، أو الماركسيون الّذين يعتبرون العالم يحمل في داخله تضاداً، وبالتبع تكون الحركة والتحوّل صفة ذاتية ومستمرة للعالم. إلاّ أن الجميع يتفقون على أن مبدأ التغيير سنّة ثابتة وغير متغيرة). ولكن لا شكّ في انّه ليس المراد بالتقليد أو التراث ـ في مقابل التجديد أو الحداثة ـ كل أمر قديم، فإن الناس جميعاً أذعنوا عملياً لسلسلة من الأمور الثابتة والقديمة في جوانب من حياتهم، دون أن يتهمهم أحد بالتقليد أو الماضوية.

إذن ما المقصود بالتراث أو التقليد ؟

في تصوري، التقليد هنا شأن انساني له علاقة بفهم الانسان الفكري والعاطفي ، وبتعبير آخر: انّه عبارة عن الرؤية والضابط والسلوك المتعارف في المجتمع والمتصل بالماضي. والتقليد بهذا المعنى يتفق بالسنخية مع الثقافة وفي كثير من الأحيان يعد مظهراً لها، إلاّ انّه لا يمكن أن نطلق على كلّ ثقافة تقليداً أو أمراً تقليدياً. بل التقليد عبارة عن الثقافة الموجود في المجتمع الّذي امتلك في يوم ما حضارة ثمّ بادت، وبقيت تلك الثقافة ـ أو على الأقل آثارها البارزة ـ في أعماق أرواح النّاس.

وان ما أعنيه بالحضـارة ليس بالضرورة الصورة المعقدة أو الراقية والمتطـورة لها ، بل النمط الخاص للمعيشة(1) بالمعنى العام للكلمة، وهو حصيلة ايجاد علاقة خاصة مع الوجود، ويتجلى في الاجابة عن التساؤلات وتلبية الاحتياجات الّتي تظهر إلى الوجود بوحي من هذه العلاقة. وبناء على هذا المعنى، فللبدو أيضاً نوع من الحضارة. كما أن الانسان منذ أن عاش بصورة جماعية ـ ويبدو انّه كان هكذا دائماً ـ كان يتمتع بصورة من صورة الحضارة أيضاً.

انّ حضور ثقافة الماضي في العصر الحاضر ـ في وقت اضمحلت فيه الحضارة الّتي هي أساس الثقافة وتوأمها والملازمة لها ـ أمر ممكن ، ذلك أن جذور الثقافة تمتد في أعماق أرواح النّاس، ومن الطبيعي أن تكون أكثر دواماً من الحضارة نفسها ومعالم الحياة العملية ومراكز الأنظمة الاجتماعية ونمط تعامل الانسان مع العالم ومع الآخرين (الّتي تمثل الحضارة). فكم من المعالم الثقافية تستمر لقرون بعد اضمحلال الحضارة، في أعماق نفوس الأفراد الّذين كانت لديهم في يوم ما تلك الحضارة. بتعبير آخر ، التقليد هو تجلي ثقافة الأمس وتجسيد لها في حياة اليوم، في وقت تحولت تلك الحضارة وتبدلت.

فإذا ما ظهرت الحضارة الجديدة، وترسخت الثقافة المنسجمة معها أيضاً، فإن اولئك الّذين كانوا في يوم ما أصحاب حضارة أخرى وتلاشت الآن. أو آلت إلى الانحطاط بيد أن الثقافة المنسجمة معها أو معالمها الثقافية البارزة باقية في أعماق أرواحهم ، ان مثل هذه الأمة، ونظراً لأنها تقف في معرض حضارة وثقافة جديدة، تبتلى بالتضاد والتناقض. فمن جهة يتأثر واقع الحياة بمتطلبات الحضارة الجديدة ومعطياتها. ومن جهة أخرى تبقى النفوس والأرواح محيطة بالتصوّرات والقيم الّتي هي، على الأقل في الوهلة الأولى، على نقيض مع القيم والتصورات المنسجمة مع الحضارة الجديدة.