منتديات الحوار الجامعية السياسية

محاضرات مكتوبة خاصة بالمقررات الدراسية

المشرف: رجاء الرشيد

#63125
يؤكد العلاّمة ابن خلدون "1332-1406" أن أهم خصائص المجتمع البشري وهو التضامن الاجتماعيSocial Solidarity والذي ينشأ نتيجة للضرورة necessity ، إذ لا يستطيع الفرد في الطبيعة أن يحيا بمفرده ما لم يكن في رفقة الآخرين لعدم قدرته على صنع أو إنتاج كل ما يحتاجه من الأدوات والسلع، ولكي يضمن الفرد إدامة نوعه وحصوله على السلاح والغذاء لابد أن يتعاون مع أبناء جنسه، غير أن التعاون هذا يؤدي أيضاً إلى اتساع حاجة المجتمع إلى استحداث الضوابط التي تحول دون قيام النزاع بين الأفراد بحكم وجود الطبيعة العدوانيةNatural Aggressiveللإنسان، فالأسلحة التي تصبح في متناول أفراد المجتمع تؤمن حمايتهم من أخطار الحيوانات الوحشية، لكنها لا تكفل حمايتهم من اعتداء بعضهم على بعض، كما لا تصلح أن تكون ضابطاً لسيطرة الزعامة عليهم مادامت في حوزتهم جميعاً، وإلى جانب ذلك فإن الضبط الاجتماعي لا يمكن توفيره عن طريق الحيوانات لقصورها من الناحية العقلية، وعلى هذا فليس أمام المجتمع إلاّ أن يحصر سلطة الضبط بيَد شخص واحد ليتولى حماية الأفراد من بطش بعضهم ببعض.

وتأسيساً على ذلك فإن السلطةAuthority هي خاصّة من خصائص الإنسان لملاءمتها لطبيعته ولأنه لا يستطيع أن يستغني عنها لإدامة بقائه. وإن الدولةState بالنسبة للمجتمع هي كالشكل بالنسبة للمادة، فكما يحفظ الشكل وجود المادة تحفظ الدولة وجود المجتمع، من هنا جاء ظهور النظم السياسية Politicil Institution التي تعد جزء من التنظيم العام للمجتمع والتي تهتم بإقامة وإدامة سيادة النظام في المجتمع عن طريق الممارسة المنظمة لسلطة رادعة من خلال استخدام القوة المادية، والقوة المادية تعني القدرة على إحداث أمر معيّن أو تأثير فرد أو جماعة على سلوك الآخرين بأساليب مقصودة، وقد يقُصد بها أيضاً السيطرة على الآخرين والتحكّم فيهم والتدخل في حرياتهم وإجبارهم على العمل بطريقة معينّة. وذلك لن يتم بطريقة عقلانية إلاّ من خلال السلطة التي تعني القدرة القانونية على ممارسة نفوذ فرد أو جماعة، ومن وسائلها إصدار الأوامر والنواهي مِمّن يملكها إلى الخاضعين لها ومراجعة أعمالهم وإثابتهم أو معاقبتهم.

متى ظهرت الدولة؟

وهناك اتفاق عام على أن السلطة السياسية بوصفها ظاهرة اجتماعية حديثة النشوء نسبياً إذ إنها ظهرت بنشوء المدنية.

لقد كان الإنسان في العصور البدائية يخضع لنظم قبَلية تستند على صلات القرابة، وكانت العلاقة بين الجماعة ورئيسها علاقة طوعية مبنية على الاحترام والثقة والمصالح المشتركة والولاء الطوعي، وتشد هذه العلاقة روابط القرابة والعصبية القبلية.

إن ظهور الدولة جاء مع زيادة حجم المجتمع وتعقّد الحياة فيه، وقد تعدّدت الآراء حول أسباب نشوء الدولة. فهناك من يشير إلى أنها نشأت نتيجة للحروب والنزاعات وتغلّب فئة على فئةٍ أخرى فيسيطر الغالب على المغلوب فتتكون بذلك الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة فيستغل الحاكم المحكوم. ونتيجة لهذا الوضع ينشأ الصراع الذي لابد أن يقترن بوجود سلطة عليا تقوم بالتنسيق والتجانس والتعاون بين الأفراد وبين الجماعات المختلفة، ففي البداية تكون السلطة مزيجاً من التنظيم الديني والاقتصادي والعسكري ثم تنتهي بالسلطة السياسية التي وصفت بأنها تجسيدٌ لممارسة السلطة نيابةً عن المجتمع.

وهناك رأي آخر يقول إن الدولة جاءت نتيجة لاجتماع الأفراد وتعاقدهم على إيجاد سلطة تعمل على تنظيم حياتهم وسد حاجاتهم نتيجة للفوضى التي كانت سائدة في ظل الحركة المطلقة للأفراد، وإذا ما أخلَّ صاحب السلطة بهذا العقد فالأفراد لهم الحق في عزله واختيار غيره، وهناك من يعزو نشوء الدولة إلى النزاع والصراع الطبقي واستغلال الطبقة القوية للطبقة الضعيفة وهو ما يسمى بالتفسير الماركسي للدولة.

إن الدولة بمفهومها الحديث عدد كبير من الناس يعيشون في إقليم معين بصورة دائمة ويتمتعون بالشخصية المعنوية والنظام والاستقلال. وهذا يعني أن الدولة تتكون من العنصر البشري المتمثل بالشعب، ومن وجود منطقة جغرافية محددة "الأرض" يسكنها الشعب بصورة دائمة، حيث لا يمكن أن تكون جماعة متنقلة دولة معينة، إذ لابد من وجود أرض ذات حدود معينة. أمّا الركن الآخر للدولة فهو السلطة، إذ لابد أن يكون لهؤلاء الناس الذين يقيمون في أرض معينة تنظيمٌ اجتماعيٌ من سلطة تمارس الإدارة والتوجيه فيه. وتعد السيادة أو الاستقلال من العناصر المكملة لكيان الدولة، وأضاف القانون الدولي عنصر الاعتراف بالدولة من قبل دول العالم، لكن هذا الاعتراف في الواقع لا ينشئ الدولة من العدم وإنما يقرر وجودها. أمّا الحكومة فهي عبارة عن جهاز سياسي منظم له إجراءاته ووسائله وعناصره البشرية التي تتعاون لتطبيق القواعد والتنظيمات المقنّنة في تلك الدولة، بمعنى أن الدولة لا يمكنها فرض سلطتها على أفرادها دون وجود حكومة تملك الحق الكامل لتنظيم السلطة.
وظائف الدولة

يمكن الوقوف على أهم وظائف الدولة من خلال النقاط التالية:


1- المحافظة على النظام:

تقوم كثير من المؤسسات الاجتماعية بدورها في المحافظة على النظام فالأسر والمدارس تتولى تنشئة الأبناء، كما أن المنظمات تغرس المبادئ الخلقية في نفوس الناس إلاّ أن المسوؤلية النهائية في المحافظة على النظام تقع على كاهل الحكومة والقانون الوضعي حيث يتوليان هذه المهمة في حالة فشل عملية التنشئة الاجتماعيةSocialization والضغوط الاجتماعية Social Pressures غير الرسمية في أداء مهامها، وتتضّمن المحافظة على النظام جانبين هما:

أ‌- فرض المعايير الاجتماعية:

إنَّ كافة الحكومات تعمل على تعزيز معايير السلوك الحيوية التي تحقق الاستقرار والتماسك الاجتماعي- بطريقة أو أخرى- ففي المجتمعات التقليدية يتم ذلك عن طريق العادات والتقاليد والدين، أمّا في المجتمعات الحديثة فيلعب القانون دوراً مهماً في ذلك الشأن.

ب- فض النزاعات والخصومات التي تنشأ بين الأفراد لاسيما في ظل المجتمعات الحديثة المختلفة التي نجد فيها جماعات قومية ودينية وعرقية وطبقية تتطلب ضرورة التدخل الواسع من قبل الدولة للحد من الصراعات بين المصالح المختلفة، وتنظيم المنافسة والقضاء على الانحرافات وتوجيه المجتمع للعمل بتناسق وانسجام.

2- المحافظة على الأمن الداخلي والخارجي

تقوم الدولة بأهم الوظائف الضبطية وهي حماية نفسها ضد الاعتداءات الخارجية عن طريق الحرب الاقتصادية والعسكرية. فالسياسة الاقتصادية تهدف إلى الحد من المنافسة الدولية حيث تتصارع الدول من أجل الأسواق الدولية للموارد الأولية والمنتجات الوطنية، وكذلك تضع الحواجز الكمركية وتعتمد أحياناً على المقاطعة الاقتصادية من أجل الوصول إلى أهدافها الاقتصادية الدولية، ويمكن أن تحمي الدولة نفسها ومجتمعها عن طريق الحرب أو التهديد بالحرب واللجوء إلى الاتحادات الدولية، هذا على الصعيد الخارجي.

أمّا على صعيد الأمن الداخلي فالدولة لها القابلية على إيجاد القواعد وفرضها في أعقد الظروف التي يمر بها المجتمع، ففي حالة الحرب مثلاً تفرض الدولة نوعاً معيناً من قواعد الضبط مثل وجوب الانخراط في الجيش والمشاركة في الحرب كذلك تستطيع السيطرة على الاقتصاد الوطني والسيطرة على وسائل الدعاية والنشر، كذلك الحال في حالة الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات وتفشي الأوبئة أو حدوث الأزمات الاقتصادية، فإن الدولة تصدر الأوامر المؤقتة وتفرض على المجتمع الانضباط بما تقتضيه هذه الأوامر، وكذلك الأمر في حالة الثورات، فالدولة تفرض قواعد جديدة في الأوقات الحاسمة للتحول الثوري وبعد أن تستقر الثورة ويصبح النظام الجديد أكثر رسوخاً تضع الدولة تشريعات جديدة لضبط النظام.

3- تمتلك الدولة سلطة القهر والإلزام والإشراف على تطبيق القواعد الاجتماعية والمناهج التربوية ودعم القواعد الاجتماعية من خلال سنّ القوانين التي تمنع تحدّي تلك القواعد حتى العرفية منها والقوانين التي تؤمن تطبيق القواعد الدينية مثل قوانين الأحوال الشخصية أو المدنية وغيرها من القوانين الأخرى ومراقبة تنفيذها ومعاقبة المخالفين لها، وتُقيم لهذا الغرض هيئات معينّة مثل الشرطة والمحاكم وهيئات التفتيش والمراقبة... الخ.

س: هناك من يرى أنَّ الدولة تمثل العبودية! وضح تلك العبارة؟

يعتقد بعض العلماء أن الدولة تمثل العبودية وهي شيء غير ضروري يقيّد الفقراء ويرضي الأغنياء، كما أنها لا تخدم أي هدف ولا وظيفة لها أبداً، كما يعتقدون أن الإنسان بطبيعته طيّب وعادل، وأن فساده جاء نتيجة لنظام الملكيةProperty وحماية الدولة له. فإذا ما ألغيت الملكية وترك الناس أحراراً فإن طبيعتهم الأساسية تدفعهم إلى التصرف بعقلانية وعدالة ومساواة وبذلك تتحقق المصلحة العامة للمجتمع.

إنَّ الواقع لا يؤيد مثل هذا الرأي، لأن الصراع موجود أينما وجد الإنسان وذلك بسبب اختلاف القيم والأهداف وأساليب تحقيقها، والصراعConflict والمنافسة Competion على القوة واتخاذ القرارات والتنظيم وغيرها من الأمور الموجودة دائماً وأبداً وفي كل المجتمعات البدائية والمتحضرة. كما أن هناك أفراداً- في كل مجتمع- لا يلتزمون بالقواعد والأساليب السائدة لقواعد السلوك الصحيح المحدّد لوحدة الجماعة وبقائها. فهم يهدّدون الحياة والأمن والاستقرار والملكية...الخ.

بالإضافة إلى ذلك هناك التهديدات الخارجية للمجتمع من قبل الدول الأخرى، كل هذا يجعل من الضروري وجود الدولة وحكومتها للعمل على تحقيق الضبط والحفاظ على وحدة المجتمع وبقائه.