منتديات الحوار الجامعية السياسية

محاضرات مكتوبة خاصة بالمقررات الدراسية
By خالد الــشهراني
#67380
شكل نشر صواريخ نووية سوفياتية في كوبا قبل خمسين عاماً الأزمة الأسوأ في الحرب الباردة واللحظة الأكثر خطورة ربما في تاريخ البشرية.

وبعد الأزمة، أدرك الجانبان أن الحظ وحده حال دون اندلاع حرب نووية في العالم.

وعلى مدى عقود، أشير إلى الأداء المميز للرئيس الأميركي آنذاك، جون كينيدي الذي أشاد مؤيدوه بالطريقة التي حافظ فيها على برودة أعصابه وتفادى بالتالي اندلاع الحرب.

وغالباً ما يشار إلى أدائه على أنه مثال على القيادة تحت الضغوط وقارنت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون مقاربة الإدارة الحالية للملف النووي الإيراني بـ «سياسة كينيدي التي قامت على المجازفة».

إلا أن وثائق من أرشيف الاتحاد السوفياتي سابقاً والولايات المتحدة كشفت واقعاً أقل إثارة: فخلال 13 يوماً في أكتوبر/ تشرين الأول 1962 دخل كينيدي في صراع مع نظيره السوفياتي، نيكيتا خروتشيف للسيطرة على التصعيد في تسلسل الأحداث.

وكان خروتشيف القلق من التقدم الأميركي في صناعة الأسلحة النووية وجهودها للإطاحة بالنظام الكوبي الموالي لموسكو، قرر في مايو/ أيار 1962 إرسال أكثر من 40 ألف جندي والعشرات من الصواريخ المزودة برؤوس نووية إلى كوبا.

إلا أنه وفي الوقت نفسه كان يطمئن واشنطن على الدوام بأنه من غير الوارد نشر أسلحة سوفياتية هجومية في كوبا.

وتفاجأ القادة الأميركيون عندما علموا في 16 أكتوبر بوجود صواريخ سوفياتية في كوبا وذلك عبر صور التقطتها طائرة تجسس أميركية من طراز «يو-2».

وروى روبرت كينيدي الشقيق الراحل للرئيس لاحقاً أن «الشعور السائد كان الصدمة وعدم التصديق».

وبالفعل، الصدمة كانت كاملة فوكالات التجسس الأميركية عجزت عن رصد أي إشارات تحذيرية.

وعلى الرغم من حصول وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» على تقارير عدة من مخبرين كوبيين بشأن مواكب مشبوهة خلال الليل، إلا أن الوكالة استبعدت هذه التقارير المبهمة والتي تناقض الفرضية السائدة بأن موسكو لن تتجرأ على نشر قنبلة ذرية على مسافة قريبة إلى هذا الحد من الولايات المتحدة، بحسب المؤرخ مايكل دوبز مؤلف «وان مينوت تو ميدنايت» حول الأزمة.

وفي البيت الأبيض، أوصى كبار القادة العسكريين بشن غارات جوية يليها غزو ممكن لكوبا، بينما فضل وزير الدفاع، روبرت ماكنمارا وغيره من المسئولين الدبلوماسيين فرض حصار على الجزيرة لمنع السفن السوفياتية من إرسال أسلحة أخرى إليها.

وفي 22 أكتوبر، أطلع كينيدي الشعب الأميركي على الأزمة في خطاب وأصدر الأوامر إلى القوات المسلحة بأن تكون في حالة تأهب قصوى. وفضل كينيدي إقامة حصار على كوبا بدلاً من شن غارات جوية.

وانتظر البيت الأبيض مترقباً، بينما السفن الحربية الأميركية متمركزة في مواقعها بانتظار السفن السوفياتية الآتية إلى كوبا، إلا أن هذه الأخيرة عادت أدراجها وسط ارتياح دولي.

لكن في الكواليس، كان التوتر في أوجه.

فقد سعى كل من كينيدي وخروتشيف إلى إيجاد مخرج من المأزق إلا أن جهودهما اصطدمت باشتباك الخطوط وسوء التفاهم والسبل الدبلوماسية المعقدة التي لم تكن تتيح أي قناة اتصال مباشرة.

وفي مساء 26 أكتوبر، عرض السوفيات أن يسحبوا صواريخهم من كوبا مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم غزو الجزيرة. وفي اليوم التالي، تقدمت موسكو بطلب علني من الولايات المتحدة بسحب صواريخها من طراز جوبيتر من تركيا.

وفي 27 أكتوبر الذي بات يعرف بـ «السبت الأسود»، أسقطت طائرة تجسس أميركية من طراز «يو-2» فوق كوبا وتباحث مستشارو كينيدي عندها حول شن غارات جوية وبدا وكأن الأمر خرج عن السيطرة.

وكان «البنتاغون» يعتزم البدء بقصف مكثف الثلثاء يليه غزو من خلال 120 ألف جندي، في عملية شبيهة بإنزال الحلفاء أبان الحرب العالمية الثانية.

وكتب دوبز أن الولايات المتحدة لم تعلم سوى بعد ثلاثين سنة أن «السوفيات كان لديهم العشرات من الصواريخ الحربية المتوسطة المدى في كوبا وكلها مزودة برؤوس نووية قادرة على سحق أي قوة غزو».

وتوصل الجانبان إلى اتفاق في الوقت الذي بدت فيه الأزمة وكأنها تسير نحو التصعيد.

وتقوم التسوية على أن تتعهد الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا، وأن توافق سراً على سحب صواريخها من تركيا، بينما تتعهد موسكو بسحب صواريخها من كوبا.

وكان ماكنمارا صرح خلال مؤتمر في هافانا في العام 2002 عندما كان وزيراً للدفاع «لسنوات عدة، اعتبرت الأزمة الكوبية المثال الأفضل على حسن الإدارة الخارجية في نصف القرن الأخير».

وأضاف «لكنني استنتج اليوم أنه وبغض النظر عن طريقة إدارة الأزمة، فإن الحظ لعب دوراً كبيراً في تفادي اندلاع حرب نووية بعد تلك الأيام الـ 13».

أما المدير السابق للمكتب الكوبي التابع للـ «كي جي بي» (الاستخبارات السوفياتية)، نيكولاي ليونوف فاعتبر أن التوصل إلى تسوية سلمية كان أشبه بالمعجزة. وقال «وكأن قوة إلهية تدخلت لمساعدتنا على إنقاذ أنفسنا».