منتديات الحوار الجامعية السياسية

شخصيات صنعت التاريخ

المشرف: بدريه القحطاني

صورة العضو الرمزية
By مهند مسمار 313
#53331
فارس الخوري

سياسي و مفكر و وطني سوري ولد في 20 نوفمبر 1873م في قرية الكفير التابعة حالياً لقضاء حاصبيا في لبنان. كان والده يعقوب بن جبور الخوري نجاراً و له بعض الأملاك الزراعية في قريتة. والدته حميدة بنت عقيل الفاخوري ابنة رجل قضى في مذبحة عام 1860 بين الدروز و المسيحيين. كانت مهتمة بابنها البكر فارس كل الاهتمام و تخطت كل المصاعب من أجل تعليمه.

تلقى فارس الخوري علومه الابتدائية في مدرسة القرية، ثم بالمدرسة الأمريكية في صيدا، و لما كان متفوقاً على أقرانه فقد عينه المرسلون الأمريكان معلماً في مدرستهم الابتدائية في زحلة. دخل فارس الكلية الإنجيلية السورية، و التي سميت بعد ذلك الجامعة الأمريكية في بيروت. و لكن المرسلين الأمريكيين لم يمكنوه من الاستمرار، فقد عينوه من جديد في مدرستهم بقرية مجدل شمس عام 1892، ثم نقلوه إلى صيدا، و في عام 1894 عاد للدراسة في الجامعة الأمريكية و حصل على شهادة بكالوريوس في العلوم عام 1897، و كانت هذه الشهادة في ذلك الحين شهادة ثقافية عامة ليس فيها اختصاص في أحد فروع العلوم و الآداب. عُين ترجماناً للقنصلية البريطانية (1902ـ 1908) حيث أكسبته وظيفته الجديدة نوعاً من الحماية ضد استبداد الحكم العثماني.

لم يترك فارس الخوري الدرس و التحصيل، بل ظل منكباً على الدراسة و المطالعة فدرس اللغتين الفرنسية و التركية لوحده دون معلم و برع فيهما، كما أنه أخذ يطالع الحقوق لنفسه، و امتهن المحاماة بدمشق، و تقدم بفحص معادلة الليسانس بالحقوق فنالها. في عام 1908م انتسب لجمعية الاتحاد و الترقي فكان هذا أول عهده بالسياسة.
نظم فارس الخوري الشعر و أولع به، فكان شعره وطنياً تناول فيه القضايا العربية، و كذلك كان أديباً حيث ملأت منظوماته الشعرية و كتاباته الصحف السورية و المصرية. إلا أن انشغاله في علوم السياسة و الاقتصاد و العمل الوطني و القومي و العلمي جعله ينصرف عن الشعر و لا يقوله إلا في المناسبات.

انتخب فارس الخوري سنة 1914 نائباً عن دمشق في مجلس المبعوثان العثماني. و في سنة 1916 سجنه جمال باشا بتهمة التآمر على الدولة العثمانية، لكنه بُرئ و نفي إلى استانبول، حيث مارس التجارة هناك. عاد فارس الخوري إلى دمشق بعد انفصال سوريا عن الحكم العثماني. و في عام 1919 عُين عضواً في مجلس الشورى الذي اقترح على الشريف فيصل تأسيسه، كما سعى فارس مع عدد من رفاقه إلى تأسيس معهد الحقوق العربي، و كان هو أحد أساتذته، كما اشترك في تأسيس المجمع العلمي العربي بدمشق.

تولى فارس الخوري وزارة المالية في الوزارات الثلاث التي تألفت خلال العهد الفيصلي في سوريا. و على إثر احتلال الفرنسيين لسوريا عام 1920 انصرف الخوري إلى العمل الحر كمحام. ثم انتخب نقيباً للمحامين و استمر خمس سنوات متتاليات، كما عُين حقوقياً لبلدية دمشق، و عين أستاذاً في معهد الحقوق العربي لتدريس مادتي أصول المالية و أصول المحاكمات الحقوقية. لفارس الخوري ثلاث مؤلفات في القانون هي: (أصول المحاكمات الحقوقية) و (موجز في علم المالية) و (صك الجزاء).

أسس فارس الخوري و عبد الرحمن الشهبندر و عدد من الوطنيين في سوريا حزب الشعب رداً على استبداد السلطة الفرنسية. و لما نشأت الثورة الفرنسية عام 1925 اعتقل فارس الخوري و آخرون و نفوا إلى معتقل أرواد.

شارك فارس الخوري و عدد من الوطنيين في تأسيس الكتلة الوطنية، و كان نائباً لرئيسها يضع القرارات و يكتب منشوراتها، و هذه الكتلة قادت حركة المعارضة و المقاومة ضد الفرنسيين، و كانت من أكثر الهيئات السياسة توفيقاً و فوزاً مدة تقارب العشرين عاماً.

على أثر الإضراب الستيني الذي عم سوريا عام 1936 للمطالبة بإلغاء الانتداب الفرنسي تم الاتفاق على عقد معاهدة بين سوريا و فرنسا، و يقوم وفد بالمفاوضة لأجلها في باريس، فكان فارس الخوري أحد أعضاء هذا الوفد و نائباً لرئيسه.

انتخب فارس الخوري رئيساً للمجلس النيابي السوري عام 1936 و مرة أخرى عام 1943، كما تولى رئاسة مجلس الوزراء السوري و وزيراً للمعارف و الداخلية في تشرين أول عام 1944. و كان لتولي فارس الخوري رئاسة السلطة التنفيذية في البلد السوري المسلم و هو رجل مسيحي صدى عظيم فقد جاء في الصحف: (... و أن مجيئه إلى رئاسة الوزراء و هو مسيحي بروتستنتي يشكل سابقة في تاريخ سورية الحديث بإسناد السلطة التنفيذية إلى رجل غير مسلم، مما يدل على ما بلغته سورية من النضوج القومي، كما أنه يدل على ما اتصف به رئيس الدولة من حكمة و جدارة). و قد أعاد تشكيل وزارته ثلاث مرات في ظل تولي شكري القوتلي رئاسة الجمهورية السورية.

كان فارس الخوري متجرداً في أحكامه، عميقاً في تفكيره، صائباً في نظرته، و قد جره هذا الإنصاف لأن يقول عن الإسلام الذي درسه و تعمق فيه أنه محققاً للعدالة الاجتماعية بين بني البشر. فمن أقواله في الإسلام: (.. يمكن تطبيق الإسلام كنظام دون الحاجة للإعلان عنه أنه إسلام). ـ (… لا يمكننا محاربة النظريات الهدامة التي تهدد كلاّ من المسيحية و الإسلام إلا بالإسلام). ـ (… لو خيرت بين الإسلام و بين الشيوعية لاخترت الإسلام). ـ (… هذا هو إيماني. أنا مؤمن بالإسلام و بصلاحه لتنظيم أحوال المجتمع العربي و قوته في الوقوف بوجه كل المبادئ و النظريات الأجنبية مهما بلغ من اعتداد القائمين عليها. لقد قلت و لا زلت أقول، لا يمكن مكافحة الشيوعية و الاشتراكية مكافحة جدية إلا بالإسلام، و الإسلام وحده هو القادر على هدمها و دحرها). و يؤثر عنه كثير ممن عاشره حبه للإسلام و تعلقه به عقيدة و شريعة، و كثيراً ما أسر باعتقاده هذا إلى زائريه و مخلصيه.
في عام 1945 ترأس فارس الخوري الوفد السوري الذي كُلّف ببحث قضية جلاء الفرنسيين عن سوريا أمام منظمة الأمم المتحدة، التي تم تأسيسها في نفس العام، حيث اشترك الخوري بتوقيع ميثاق الأمم المتحدة نيابة عن سورية كعضو مؤسس.
‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
انتخب فارس الخوري عضواً في مجلس الأمن الدولي (1947ـ 1948)، كما أصبح رئيساً له في آب 1947، إضافة لاهتمامة بوطنة سوريا اهتم بالقضية الفلسطينية اهتماماً خاصاً، و أكد رفض الدول العربية إقامة دولة لليهود فيها. كما شرح القضية المصرية و طالب بجلاء الإنجليز عن أراضيها، و أكد على السلام العالمي و طالب بإنهاء تنافس الدول الكبرى، و حذر من وقوع حرب ذرية مدمرة. و لطالما ضجت هيئة الأمم بخطبه و مناقشاته باللغة الإنجليزية من أجل نصرة الحق في القضية العربية.

عاد فارس الخوري إلى بلاده بعد انتهاء عضوية سورية في مجلس الأمن الدولي، و كان قد انتخب رئيساً للمجلس النيابي لعام 1947 عندما كان يمثل سورية في مجلس الأمن. و لكن عندما حل هذا المجلس على أثر الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم ثابر فارس الخوري على عمله في الحقل الدولي، و ترأس الوفود السورية إلى هيئة الأمم متابعاً نضاله و دفاعه عن القضايا العربية.

في عام 1954 طلب رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي من فارس الخوري تشكيل حكومة سورية، لكنها لم تستمر سوى أشهر معدودة، و كان من أهم الأمور السياسية أثناء توليه وزارته الرابعة، الصدى البعيد في المجلس النيابي، و في دوائر الحكومة وجماهير الشعب الذي أحدثه صدور الأحكام القاسية ضد الإخوان المسلمين في مصر. مما جعل سائر الحكومات العربية (بما فيها الحكومة السورية) تتوسط لدى القاهرة لتخفيف هذه الأحكام، و عرض الخوري وساطته الشخصية بالإضافة لوساطة حكومته والشعب السوري برئيس جمهوريته و مجلسه النيابي و فئاته و أحزابه، و واضعاً كرامته الشخصية كرجل يحفظ له المصريون أخلد الذكريات، لقاء تخفيف هذه الأحكام فلم يجد ذلك نفعاً، و نفذت أحكام الإعدام في ست من أقطاب الدعوة الإسلامية في وادي النيل. فكان لذلك أثر كبير في نفسه لم يزايله بقية عمره.

اعتكف فارس الخوري في منزله بدمشق. يذهب مرة كل عام إلى جنيف ليشترك في جلسات لجنة القانون الدولي التي هو عضو فيها. و أقيمت الوحدة بين سورية و مصر و لم يكن للأستاذ فارس الخوري أي رأي بقيامها أو بانهيارها.

في 22 شباط 1960، أصيب فارس الخوري بكسر في عنق فخذه الأيسر بغرفة نومه، و كان يعاني من آلام المرض الشديد في مستشفى السادات بدمشق، حينما منح جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية من قبل الرئيس جمال عبد الناصر بناء على توصية المجلس الأعلى للعلوم و الفنون.

من أحد المواقف المشهورة له أنه دخل إلى الأمم المتحدة حديثة المنشأ، بطربوشه الاحمر و بذته البيضاء الانيقة. قبل موعد الاجتماع الذي طلبته سوريا من اجل رفع الانتداب الفرنسي عنها بدقائق و اتجه مباشرة إلى مقعد المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة و جلس على الكرسي المخصص لفرنسا. بدء السفراء بالتوافد إلى مقر الأمم المتحدة بدون اخفاء دهشتهم من جلوس 'فارس بيك' المعروف برجاحة عقله و سعة علمه و ثقافته في المقعد المخصص للمندوب الفرنسي، تاركا المقعد المخصص لسوريا فارغا. دخل المندوب الفرنسي، و وجد فارس بيك يحتل مقعد فرنسا في الجلسة. فتوجه اليه و بدأ يخبره ان هذا المقعد مخصص لفرنسا و لهذا وضع أمامه علم فرنسا، و أشار له إلى مكان وجود مقعد سوريا مستدلا عليه بعلم سوريا و لكن فارس بيك لم يحرك ساكنا، بل بقي ينظر إلى ساعته. استمر المندوب الفرنسي في محاولة 'إفهام' فارس بيك بأن الكرسي المخصص له في الجهة الأخرى و لكن فارس بيك استمر بالتحديق إلى ساعته و بدأ صبر المندوب الفرنسي بالنفاذ و استخدم عبارات لاذعة و لكن فارس بيك استمر بالتحديق بساعته. و اهتاج المندوب الفرنسي، و لولا حؤول سفراء الأمم الأخرى بينه و بين عنق فارس بيك لكان دكه. و عند الدقيقة الخامسة و العشرين، تنحنح فارس بيك، و وضع ساعته في جيب الجيليه، و وقف بابتسامة عريضة تعلو شفاهه و قال للمندوب الفرنسي: "سعادة السفير، جلست على مقعدك لمدة خمس وعشرين دقيقة فكدت تقتلني غضبا و حنقا، سوريا استحملت سفالة جنودكم خمس و عشرين سنة، و آن لها ان تستقل." في هذه الجلسة نالت سوريا استقلالها.

كانت وفاة فارس الخوري مساء الثلاثاء 2 كانون الثاني 1962، في مستشفى السادات بدمشق