صفحة 1 من 1

السلطان العثماني عبد الحميد الثاني

مرسل: السبت ديسمبر 15, 2012 10:31 pm
بواسطة إبراهيم العيد 1-2
شخصية تاريخية أثارت جدلًا كثيرًا؛ حيث ينظر إليه البعض على أنه مُصلح عادل، حكم دولة مترامية الأطراف متعددة الأعراق بدهاء وذكاء، ومدَّ في عمر الدولة والخلافة العثمانية، ووقف ضد الأطماع الاستعمارية الغربية لاقتسام تركة «رجل أوروبا المريض»، مستفيدًا من تضارب هذه الأطماع، فضلًا عن موقفه الحازم والرافض لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

بينما ينظر إليه آخرون على أنه مستبد ظالم ديكتاتور، حكم هذه الإمبراطورية الشاسعة لمدة 33 عامًا حكمًا فرديًّا، كانت كلمته هي الأولى والأخيرة؛ واضطهد الأحرار، وقتل بعضهم، وطارد البعض الآخر، ولم يسلم منه إلا مَن خضع له.

الاسم:

هو عبد الحميد خان الثاني بن عبد المجيد خان، وأمه هي تيرمزكان قادين أفندي زوجة السلطان عبد المجيد الثانية، والتي توفيت وهو في السابعة من عمره.

المولد والنشأة:

ولد عبد الحميد الثاني يوم الأربعاء (16 شعبان 1258هـ-21 سبتمبر 1842م)، ونشأ وترعرع في دار الخلافة العثمانية التي كانت محط أنظار المسلمين، الخلافة التي كانت للمسلمين نعم العون والسند، يجتمعون تحت رايتها، ويحتمون بها من شرور أعداء الإسلام.

وهو ابن السلطان عبد المجيد الأول، الذي يُعد أول سلطان عثماني يضفي على حركة التغريب في الدولة العثمانية صفة الرسمية، وعُرف عهده بعهد التنظيمات؛ حيث إنه كان يعنى بتنظيم شئون الدولة وفق المنهج الغربي.

أما أمه فقد توفيت عن 33 عامًا، ولم يتجاوز ابنها عشر سنوات، فعُهد بعبد الحميد إلى زوجة أبيه «بيرستو قادين»، التي اعتنت بتربيته، وأولته محبتها؛ لذا منحها عند صعوده للعرش لقب «السلطانة الوالدة».

حياته:

لم ينل السلطان عبد الحميد في صباه قدرا كافيا من التعليم إلا أنه كان ذكيا فطنا وماهرا فقد تعلم عبد الحميد اللغة العربية والفارسية التركية والفرنسية، ودرس الكثير من كتب الأدب والدواوين الشعرية، والتاريخ، والموسيقى، والعلوم العسكرية والسياسية، وهذا على عكس ما صوّره أعداؤه بأنه كان شخصًا جاهلاً لا يعرف القراءة والكتابة.

وكان أيضًا يحب مهنة النجارة ويقضي فيها الوقت الكثير، وما تزال بعض آثاره النجارية موجودة في المتحف.

توفي والده وعمره 18 عامًا، وصار ولي عهد ثان لعمه: عبد العزيز، الذي تابع نهج أخيه في مسيرة التغريب والتحديث، واستمر في الخلافة 15 عامًا شاركه فيها عبد الحميد في بعض سياحاته ورحلاته إلى أوروبا ومصر.

التقى عبد الحميد في خلافة عمه بعدد من ملوك العالم الذين زاروا «إسطنبول». وعُرف عنه مزاولة الرياضة وركوب الخيل، والمحافظة على العبادات والشعائر الإسلامية، والبعد عن المسكرات، والميل إلى العزلة، وكان والده يصفه بالشكاك الصامت.

قُتل السلطان عبد العزيز في مؤامرة دبرها بعض رجال القصر، واعتلى العرش من بعده مراد الخامس شقيق عبد الحميد، ولكنه لم يمكث على العرش إلا 93 يومًا فقط، حيث تركه لإصابته باختلال عقلي.

بُويع عبد الحميد بالخلافة في (9 شعبان 1293هـ- 31 أغسطس 1876م)، وكان في الرابعة والثلاثين من عمره، وذلك بعد أن أصدر شيخ الإسلام في دار الخلافة العثمانية فتواه التاريخية بعزل السلطان مراد الخامس، وتعيين شقيقه الأصغر عبد الحميد الثاني خليفة على المسلمين. و قبل أن يباشر السلطان مهامه الجديدة، صلَّى لله تعالى ركعتين شكرًا في جامع أبي أيوب الأنصاري، وهناك تسلم من شيخ الإسلام سيفَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو سيف الخلافة، وبدأ موكب السلطان الجديد يسير في شوارع العاصمة «إسطنبول» ... تنثر الزهور، وتنشر الرياحين من شرفات المنازل ابتهاجًا بالسلطان الجديد، حتى إذا مرَّ الموكب بقبر والد السلطان ومقابر أجداده الفاتحين، نزل السلطان عبد الحميد ليدعو لهم بالرحمة والمغفرة وفاءً وعرفانًا.

والسلطان عبد الحميد هو الخليفة السابع والعشرون في الخلفاء العثمانيين، وتولَّى العرش مع اقتراب حرب عثمانية روسية جديدة، وظروف دولية معقدة، واضطرابات في بعض أجزاء الدولة، خاصة في منطقة البلقان.

بدأ السلطان عبد الحميد الثاني بدايةً طيبةً تدل على اعتزازه بدينه الإسلامي وفخره بتعاليمه، فكان أول ما أصدره من قرارات، أن أقرَّ الدستور الذي يكفل المساواة بين جميع الناس من خلال المجالس الشرعية، كما أصدر أوامره بحرية القضاء؛ لتكون كلها نافذة من خلال النظام الإسلامي للدولة، فظل الإسلام في عهده منبع القوانين ودستورها، كما عرف السلطان للعلماء حقهم، فكان لا يقطع أمرًا دونهم، ويحرص على استشارتهم والأخذ بآرائهم.

السلطان عبد الحميد والدول الكبرى:

كان السلطان شخصًا غير مرغوب فيه بالنسبة للدول الأوروبية؛ لأنه يمسك في قبضته ملايين المسيحيين، وبصفته خليفة للمسلمين؛ فإن له نفوذًا وسلطانًا روحيًّا على رعايا الدول الأوروبية المسلمين.

لم يكن من الممكن لأي من الدول الكبرى أن تقتطع أجزاء من الدولة العثمانية في أوروبا أو البلقان في ظل وجود عبد الحميد الثاني؛ لذا أخذت فكرة إسقاطه تكتسب ثقلًا كبيرًا في لندن وباريس.

كما أن سياساته فيما يتعلق بالجامعة الإسلامية وسكة حديد الحجاز وبغداد، ونجاحه في تشييد سكة حديد بغداد برأسمال ألماني (وبذلك استطاع إدخال ألمانيا إلى قائمة الدول المتنافسة في منطقة خليج البصرة الغنية بالبترول، وضمن عدم اقتراب بريطانيا، وحماية السكة الحديد باعتبار ألمانيا صاحبة امتيازها) كل ذلك أقلق إنجلترا، وأثار عدم ارتياح روسيا، وخلق صلابة في التصميم الأوروبي على ضرورة التخلص من هذا الخليفة الماكر الذي استطاع بدهائه تحييد القوى الأوروبية.

السلطان عبد الحميد واليهود:

كان الحادث المهم الذي أثار أوروبا ضد السلطان عبد الحميد، هو رفضه إسكان وتوطين المهاجرين اليهود في فلسطين، فقد كانت أوروبا المسيحية تريد تصدير مشكلة اليهود التي تعاني منها إلى الدولة العثمانية.

ففي (المحرم 1319هـ- مايو 1901م) حاول اليهود عن طريق زعيمهم الماكر «هرتزل» رئيس الجمعية الصهيونية، استمالة السلطان عبد الحميد الثاني، حتى يسمح لهم بإقامة وطن لليهود في فلسطين «بيت المقدس»، فعرضوا عليه مبلغًا ضخمًا في ذلك الزمان البعيد يقدر بثلاثة ملايين من الجنيهات، بالإضافة إلى دفع مبلغ كبير للدولة العثمانية -سنويًّا- مقابل أن يصدر السلطان عبد الحميد قرارًا يسمح فيه لليهود بالهجرة إلى فلسطين والتوطن فيها، وهنا أدرك السلطان أن «هرتزل» يقدم له رشوة من أجل تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وبمجرد تحقيقهم لأكثرية سكانية سيطالبون بالحكم الذاتي، مستندين إلى الدول الأوروبية ... فأخرجه السلطان من حضرته بصورة عنيفة.

يقول السلطان عبد الحميد في مذكراته عن سبب عدم توقيعه على هذا القرار: «إننا نكون قد وقَّعنا قرارًا بالموت على إخواننا في الدين».


وفاة السلطان عبد الحميد:

ظل عبد الحميد الثاني في منفاه حتى لقي ربه في (28 ربيع آخر 1336هـ- 10 فبراير 1918م) عن ستة وسبعين عامًا، بعد أن أدار شئون الدولة العثمانية لمدة أربعة وثلاثين عامًا، فكان من أطول سلاطين الدولة العثمانية حكمًا، كما كان من أكثر السلاطين الذين تمَّ الافتراء عليهم زورًا وبهتانًا، واشترك في تشييع جنازته الكثير من المسلمين، ورثاه كثير من الشعراء.