أ.د. أحمد محمد وهبان

السفسطائيون

كاتب الموضوع الأصلي: فهاد آل حشان 3332

السفسطائيون

في الوقت الذي كانت فيه المدارس الفلسفية تنمو خلال القرن الخامس، ظهرت جماعة من الناس كانت بمعنى ما على هامش الفلسفة، هؤلاء هم الذي يُطلق عليهم عادة اسم (السفسطائيين) الذين يشير إليهم سقراط بازدراء، بوصفهم أولئك الذين يجعلون الحجة الأضعف وكأنها هي الأقوى.

كيف ظهرت هذه الحركة وما هي وظيفتها في المجتمع اليوناني:

لم تبلغ الصلة الوثيقة بين الفلسفة وبين المجتمع في اليونان عند مذهب فلسفي كما بلغت لدى السوفسطائية لأنها حركة أظهرتها الظروف السياسية والاجتماعية في القرن الخامس قبل الميلاد، إذ سخر السوفسطائيون الفلسفة للخدمة العامة ولم يروا فيها رأي الأولين من نظر مجرد في الوجود.

لقد وصف شيشرون سقراط بأنه أنزل الفلسفة من السماء وأودعها المدن وأدخلها البيوت وجعلها ضرورية لكل بحث في الحياة والأخلاق، وتلك العبارة تصدق تماماً على السوفسطائيين، لأن سقراط يختلف معهم مذهباً ولكنه لا يختلف معهم في موضوع الفلسفة (الانسان والأخلاق والحياة).

كان الفكر الفلسفي قبل ظهور السفسطائيين متجهاً نحو العالم الخارجي مستغرقاً فيه، فجاء السفسطائيون واتخذوا الانسان وحضارته موضوعاً لهم، وشغلوا بجزئيات الحياة فكان منهجهم واقعياً تجريبياً. بينما شغل الفلاسفة السابقون بالوجود الخارجي ومشكلاته وانتهجوا منهج تأملي جدلي من أجل وضع مبادئ عامة لتفسير الوجود.

فغاية السوفسطائيين كانت عملية إذ يلقنون تلاميذهم ما يعينهم على الحياة. ولا سيما أن الديمقراطية الأثينية قد أوصلت إلى الزعامة أناساً أميين، وزادت القضايا أمام المحاكم وشاع الجدل القانوني والسياسي فنشأت الحاجة إلى تعليم الخطابة وأساليب الجدل واستمالة الجماهير ومن ثم إلى معلمي خطابة أو بلاغة أو بيان أو أي موضوع يتعلق بمشكلات الحياة العامة.

لذا فقد كان ظهور السفسطائيين تلبية لحاجة فكرية في المجتمع الاغريقي بعامة والأثيني بخاصة في القرن الخامس قبل الميلاد.

النواحي الإيجابية للسفسطائية:

كان السوفسطائيون ممثلي عصرهم بما فيه من تغير وصراع: القديم بقيمه وتقاليده، والجديد بآماله وأفكاره فكانوا أساتذو الجيل، غرسوا الشك بدلاً عن العقائدية الدجماطيقية ( أي النزعة التأكيدية أو القطعية بزعم الفيلسوف أو مذهبه هو الحق وأن سائر المذاهب خطأ) وكانوا معبرين عن روح حضارتهم في عصرهم تماماً كفلاسفة عصر التنوير في القرن الثامن عشر، فحل التسامح في قبول الرأي ونقيضه عن الحقيقة الموضوعية المطلقة.

مثال عن أحد فلاسفتهم:

يقول جورجياس صاحب القضايا المتعارضة : ما من دليل إلا وينهض مقابله دليل، وجعل هذا القول براعة السفسطائي تقاس بمقدرته على تدعيم أوهى الدعاوي.

سبب سوء سمعتهم:

يعد أفلاطون وأرسطو مسؤولين عن الفكرة السيئة التي شاعت عنهم، أنهم بائعو سلع عقلية لأنهم يتلقون أجراً على دروسهم، أو أنهم أدعياء الحكمة أو منتحلوها.

وإن كانت الفلسفة الحقة تدين الشك الهدمي ذلك أن الحكمة الأصلية لا تهدف إلا إلى تحري الحقيقة ذاتها، فإن الحياة العملية تقتضي أسلوب السوفسطائيين ولا يُعنى بذلك أن يسعى المتقاضي إلى كسب دعواه حقاً كان أم باطلاً أو إلى إثارة الشك في القيم، حقيقة كان مما يؤخذ عليهم أن ألبسوا الباطل ثوب الحق كما كانوا يطفئون الجد في الجدل بالهزل ويضيعون متعة الهزل باصطناع الجد، ومع ذلك كله فإن علماً كالتأريخ قد أفاد من منهج السوفسطائيين.

الآثار الإيجابية للسوفسطائية:

1- أول من نبه إلى قيمة التربية وأهميتها في إرشاد النشئ، لقد كان الاثينيون يعتقدون أن الأخلاق ميل طبيعي ولكن بروتاغوراس أكد امكان ترويض النفس البشرية ونزع نزعات الشر كما يمكن للطبيب علاج أمراض الجسم وإن العقاب يقصد به الردع لا الإنتقام.

2- لفتوا النظر إلى أهمية اللغة في الجدل وضرورة تحري دقة الألفاظ.

3- حددوا بعض موضوعات علوم السياسة والاجتماع والتاريخ، هل الدولة أو المجتمع نظام طبيعي تلقائي أم وضعي تحكمي؟

4- كانت الحافز وراء ظهور أكبر المدارس الفلسفية في بلاد اليونان، فإن كثيراً من نظرياتهم لا سيما في الأخلاق والسياسة إنما جاءت ردوداً على آراء السوفسطائيين.

***

النظرية و الممارسة في العلاقات الدولية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الخطابي 32

يحبذ معظم باحثوا العلوم الاجتماعية رؤية مساهمة أعمالهم في حل أبرز المشكلات ، بالنسبة لباحثي العلاقات الدولية فمن المؤكد عدم وجود نقص في القضايا التي تحتاج منهم الى معالجة : النزاعات الإثنية والدينية ، تسيير عالم الاقتصاد الهش ، الارهاب الكوني ، التغيّر المناخي ، انتشار أسلحة الدار الشامل ، أزمة اليورو الخ … فالقائمة غير منتهية . تجعلنا هذه التعقيدات المتزايدة و استمرار الخلافات المتعلقة بالنظام العالمي نعتقد أن الخبرة الاكاديمية بخصوص الشؤون الدولية تحظى بتقدير عال ، سنتصور المنظرين الأكاديميين و هم يعملون لساعات إضافية لأجل إيجاد الحلول العملية لكثير من مشكلات العالم الحقيقي كما يلعبون دورا بارزا في النقاشات العامة حول السياسة الخارجية . لكن لا يبدو في هذه الآونة بأنّها محورا لاهتمام أغلبهم . يتذمر صناع السياسة الأوائل من المعرفة الأكاديمية فإمّا يرونها غير ذات أهمية و إمّا أنّها صعبة الإدراك ، فعادة ما تجدها محصورة ضمن دائرة ضيقة من النقاشات الاكاديمية ، و قد ادعى أحد الاكاديميين مؤخرا أن : ” الباحثين صاروا أكثر تركيزا على عالمهم الأكاديمي من العالم الحقيقي ” .
لم يكن هذا هو الوضع الذي كنتُ أتوقعه لما قررت متابعة الدكتورة في العلوم السياسية ربيع سنة 1976 ، حينها كانت الدراسة آنذاك ضمن برنامج جامعة ستانفورد الخارجي ألى برلين بألمانيا . لقد كانت العلاقات الدولية هي تخصصي الأساسي – الأوّلي- و قد كنتُ حينها مشتتا بين الدراسات العليا في العلوم السياسية أو متابعة الدراسة القانونية هروبا من المجازفة . محاضرة حول المثقفين في حقبة فايمار ألقاها المؤرخ جوردن كرايغ رجّحت الموازين : لقد حاجج كرايغ بأنّ العديد من المثقفين الألمان انسحبوا في تلك الحقبة من الحياة العامة – معتبرين السياسة شيء فاسد و دنيء – و قد ساعد تخليهم هذا على تمهيد الطريق أمام نشأة النازية . كنتُ حينها شابا و مثاليا ” أو ساذجا كما يقول البعض ” إذ عزمتُ الحصول على الدكتورة لأحاول بعدها اعتماد البحث الأكاديمي بهدف التأثير على أهم قضايا السياسة العامة .
مرّت قرابة الثلاثين سنة منذ حصولي على الدكتورة ، في هذا الوقت صرتُ مقتنعا بإمكانية منظومة البحث العلمي على التحقق و التأكد من الحقائق النهائية و الكشف عنها كذلك ، تلك الحقائق المتعلقة بالسياسة الدولية و السياسة الخارجية ، و من شأن هذه الكشوفات أن تصنع سياسة مجتمعية جيدة بإمكانها أن تستوعب المجتمع بسرعة فتبني على أساسها وصفات صحيحة . بمرور الوقت اكتسبتُ احتراما كبيرا لحدود ما يمكن أن تقدمه العلوم الاجتماعية و تقدير آخر لقدرة السياسة المجتمعية على عقلنة الخطاب ، خصوصا بالولايات المتحدة . حتى و إن كان للباحثين قدرة على إنتاج تحليلات أكثر إقناعا متجاوزة بذلك المصالح الراسخة التي ترسم ما يختاره صناع السياسة القيام به ، فليست المسألة بالأمر الهيّن .
بالرغم من أن هذا الموضوع لم يطبع مساري الأكاديمي بأي طريقة واعية ، إلا أنّه يمكن أن يُتتبع من خلال عملي . لقد كان عملي الأساسي –الأول- عن تشكّل الأحلاف ” أصول الأحلاف ، 1987 ” يسعى لإيجاد حلول لبعض المعضلات النظرية التّي تتمحور في قلب النقاشات السياسية المتكررة حول استخدام القوة في السياسة الخارجية الأمريكية . حاججتُ حينها أنّ الإدعاء القائل بأنّ الدول تميل إلى سياسة الانضمام to bandwagon “التحالف مع الطرف الأقوى أو مع القوى المُهدِّدة ” كان عادة ما يُستعمل لتبرير استخدام القوة بشكل واسع مُحافظةً على مصداقية الولايات المتحدة و الحيلولة دون انشقاق الحلفاء و انضمامهم إلى الكتلة السوفياتية . إذا كانت الدول في مقابل ذلك تسعى إلى التوازن في مواجهة التهديد فلن تكون مصداقية الولايات المتحدة ذات أهمية ، كما أنّه لن يكون من الضرورة الدخول في حروب قتالية مُكلفة في محيطها . لقد كان التدخل الأمريكي مبرَّرا أيضا بالحاجة المتصوّرة و ذلك للحيلولة دون اكتساب الحكومات اليسارية عنصر القوة انطلاقا من الإيمان بأنّ هذه الأنماط من الأنظمة تتجه إيديولوجيا للتحالف مع موسكو .
بيّنت أبحاثي أنّ سياسة التوازن كانت أكثر شيوعا من سياسة الانضمام , و قد كانت خلاصتي السياسية الأولية أنّه وبسبب كون الولايات المتحدة تحظى بأفضلية جيوبوليتيكية هائلة على الإتحاد السوفياتي فإنّها لن تكون في حاجة إلى التدخل في دول العالم الثالث بدواعي المصداقية و بالتالي بوسعها أن يكون لها على العموم نظرة أكثر أريحية بخصوص احتياجاتها الأمنية . لقد حظي الكتاب بترحيب جيّد في العالم الأكاديمي كما استرعى انتباها متواضعا داخل الدوائر السياسية مع ذلك فإنّه من الصعوبة بمكان أن نميّز تأثيرا مباشرا له على السياسة الخارجية الأمريكية .
قام العمل اللاحق “الثورة و الحرب ، 1996 ” بتفعيل نظرية توازن التهديد حتّى يفسّر لم تقود الثورات الداخلية إلى تزايد التنافس الأمني و تُصعّد خطر الحرب . كانت البداية مرّة أخرى مع معضلة سياسية : لمِا كان صناع السياسة الأمريكيون على أهبة الاستعداد بخصوص الثورات الداخلية ، و لما كان لواشنطن علاقات فاترة مع ثوريي روسيا ، الصين ، كوبا ، إيران و غيرهم … ؟ لقد وجدتُ أنّ الثورات تقوم بصياغة حسابات توازن القوة بطريقة أكثر تعقيدا ، تُطلق العنان لسوء الإدراك المتبادل و الذّي يجعل استخدام القوة يبدو ضروريا و مُغريا و عادة ما يُصعّد من مستويات التنافس الأمني ، كما يزيد من خطر الحرب . حاججتُ حينها بأنّه من المحتمل أن تكبح استراتيجيات ” التغاضي عن الخيّرين ” ” benevolent neglect ” من التأثيرات ، و تُمّكن الولايات المتحدة “وغيرها” من احتواء تأثير الانقلابات والاضطرابات الثورية بشكل أقل تكلفة و خطرا . وبغّض النظر عن مزايا هذه الحجج فإنّ مؤشرات التأثير السياسي كانت بين ضعيفة و منعدمة .
“في ترويض القوة الأمريكية : الاستجابة الكونية للصدارة الأمريكية” ، سعيتُ في هذا الكتاب –الصادر سنة 2005″- إلى شرح و تفسير طريقة استجابة الأصدقاء و الأعداء كذلك ، للتمركزات غير العادية للهيمنة و التّي باشرتها الولايات المتحدة عقِِب زوال الإتحاد السوفياتي . ما سبب توجّس حلفاء الولايات المتحدة من التفوق الأمريكي و ما هي الإستراتيجيات التّي وظّفها هؤلاء الحلفاء و الخصوم لتحاشي القوة الأمريكية أو لاستغلالها خدمةً لغاياتها الخاصة ؟ فبالرغم من عدم اقتصار هذا العمل على المفاهيم الخالصة للواقعية إلاّ أنّه عكس مع ذلك أساسا ذلك الحس الواقعي : حتّى و إن كانت السياسة الخارجية الأمريكية مدفوعة بأهداف نبيلة فقد لا تأخذها الدول الأخرى على أنّها كذلك ، أهدافا نبيلة . فلتقليص مناوئة التفوق والصدارة الأمريكية وضمان المشاركة العادلة لحلفاء الولايات المتحدة الأساسيين في تحمّل أعباء الأمن الجماعي المشترك حاججتُ لأجل تبني إستراتيجية كبرى قائمة على “التوازن خارج المجال” “offshore balancing” والتّي بإمكانها أن تُقلص الوجود العسكري الكوني للولايات المتحدة ، كما تجنّبها أيضا حروبا طويلة ومُكلفة في مناطق ذات أهمية إستراتيجية هامشية . لقد غدت هذه الوصفة أكثر قوة و مُحاججةً عقِب الأزمة المالية سنة 2007 وبعد فشل الحملة العسكرية على كل من العراق وأفغانستان ، كانت هذه الأحداث هي ما دفعت الولايات المتحدة باتجاه تبني إستراتيجية كبرى أكثر ذكاءً و ليست بلاغة كلماتي .
أخيرا كان عملي المشترك مع جون ميرشايمر عن تأثير اللوبي الإسرائيلي و الذّي انبثق عن تحليل واقعي محض وأحد الأعمال الناذرة التّي عكست أصولنا الواقعية المشتركة . من وجهة نظرنا المشتركة فإنّ “العلاقات الخاصة و المتميّزة” بين الولايات المتحدة و إسرائيل لم تكن من قبيل المصالح الإستراتيجية للدولة في منظورها البعيد ، وبالتالي لم تكن متّسقة مع المبادئ الأساسية للواقعية ، لذلك و بالنسبة للواقعيين فإنّ التأييد المسرف و الغير مشروط الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل ما هو إلاّ شذوذ يحتاج إلى تفسير . جادلنا آنذاك بأنّ ذلك راجع مبدئيا إلى نفوذ و تأثير قوى خاصة ، مجموعات مصالح معينة داخل الولايات المتحدة . لقد حظي الكتاب آنذاك بأعلى المبيعات و ساعد على فتح نقاش طال انتظاره حول هذا الموضوع ، مع ذلك فلا يبدو أنّ هذا العمل قد أحدث تأثيرا واسعا أو بعيد المدى على أي من اللوبي أو هذه العلاقات الخاصة المتميزة .
بما تُوحي لي هذه الخبرات و غيرها فيما يتعلق بمسألة العلاقة بين النظرية و الممارسة ؟ أوّل الدروس استخلاصا –مع بعض الإحباط- هو ذلك التأثير النسبي الضئيل للنظريات الأكاديمية –بما فيها عملي الخاص- سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر على سلوك الدولة الراهن . قد يحدّث الباحثين أنفسهم أنّهم ” يقولون الحقائق للسلطة” لكن في معظم الأحيان فإنّ السلطة لا تُصغي إليهم . فلنضرب مثالا واضحا و الذي كنتُ على صلة به ، لم تحظى جهود مجموعتين بارزتين لباحثين في الدراسات الأمنية بأي تأثير ملموس في معارضتها لقرار غزو العراق سنة 2003 ، إذ لم تتمكن من التأثير على إدارة بوش في توجّهها نحو الحرب ، في حين ساند كثير من الديمقراطيين بحماسة بالغة مسعى الرئيس بوش .
لما تحظى الكتابات الأكاديمية في موضوع السياسة الخارجية بمثل هذا التأثير المحدود ؟ للإجابة عن هذا السؤال فلننظر أوّلا فيما يمكن أن تساهم به النظرية ، ثمّ لنبحث بعدها عن سبب هذا التأثير النسبي المتواضع .

2- مكانة و دور النظرية في العملية السياسية :
نحن نعيش في عالم شديد التعقيد ، حريٌ فيه أن يحاول صناع السياسة كل يوم معرفةُ أيُّ الأحداث تستحق انتباههم أكثر و أيُّ الأشياء تحتمل بطبيعتها التأجيل ، كما يجب عليهم أن يختاروا أهدافهم البعيدة و كذا الأدوات السياسية التّي يعتقدون بأفضليتها في بلوغ تلك الأهداف . وللقيام بذلك كلّه فإنّهم يرتكزون على معرفة واقعية محضة –أي مستقاة من العالم الحقيقي- “مثلا : ما هو ميزان المدفوعات الراهن ؟ ، ما كمية اليورانيوم المخصّب الذي بحوزة إيران ؟ ” بل و حتّى تقسيمات بسيطة : ” مثلا : التعديليون في مواجهة قوى الستاتيكو ” ، فقواعد العمل تُستخلص انطلاقا من الخبرة العملية أو من مبادئ إمبريقية مستقِرة بشكل جيّد ، سواءً كانوا مدركين ذلك أم لا فإنّ صناع السياسة يستخدمون دوما ما تُقدمه النظريات بشكل ضمني أو صريح ، والتّي تسعى لتحديد ماهية العلاقات السببية بين متغيرين أو أكثر من متغيرات المصلحة .
لقد توقفت الحوارات السياسية اليوم عن مناقشة الإدعاءات النظرية بسبب الضعف النسبي لنظريات العلاقات الدولية المعاصرة ، فقد أثبتت التجارب العملية صعوبتها وعدم جدواها ، على سبيل المثال : ففي تسعينيات القرن المنصرم ظلّت الحجج المتباينة حول طريقة الاستجابة لحرب البلقان مرتهنة بمنافسة نظرية –بين النظريات- عن أسباب النزاع الإثني هناك . و اليوم فإنّ وصفات متباينة حول سُبل التعامل مع الصعود الصيني تظّل محصورة بين نظريات متنافسة في السياسة العالمية . بين تفضيل الواقعيين لتصميم و إعداد سلوكات وقائية لاحتواء التطلعات الصينية ، وبين دعاوي سياسية ليبرالية تُصمَّم بهدف تعزيز علاقات الاعتماد المتبادل ، وبين دعاوي بنائية تبحثُ عن طريقة “لتمدين” ” “socialize الصين إجتماعيا في معاييرها ومؤسساتها القائمة .
هذه نقاشات مهمة لأنّها تعتمد على نظريات “وهمية زائفة” ” relying on bogus theories ” بإمكانها أن تؤدّي بالدول إلى مشكلة عميقة . قبل الحرب العالمية الأولى جادل كتاب”خطر النظرية” للأميرال الألماني ألفريد فون تريبيتز بأنّ التوسع البحري بإمكانه أن يضع البحرية الملكية في خطر و يردع بريطانيا العظمي من مواجهة التطلعات الألمانية . لقد قادت هذه السياسة بريطانيا في حقيقة الأمر إلى اصطفاف جد مكلف مع أعداء ألمانيا . لقد ساعدت السمعة السيئة “لنظرية الدومينو” على تبرير كلفة التورط الامريكي في الهند الصينية وكذا للتدخلات الطائشة غير الحكيمة في أمريكا الوسطى ، مثلما أدّى كذلك الإيمان الساذج للمحافظين الجدد بإمكانية نشر الديمقراطية عبر القوة العسكرية إلى تمهيد الطريق أمام كارثة العراق .
وبالطبع فالعكس صحيح أيضا : فالنظريات الجيّدة عادة ما ينتج عنها نتائج سياسية جيّدة . لقد ساعدت نظرية ريكاردو عن التجارة الحرة في زيادة النمو الاقتصادي العالمي ، كما شكّلت نظرية الردع النووي التّي طُوّرت في خمسينيات القرن المنصرم العديد من أوجه السياسة الدفاعية لولايات المتحدة ، كما غالبا ما قلّصت في الوقت الراهن خطر حدوث حرب نووية .
أيُّ نظرية تُعّدُ نظرية جيّدة من وجهة نظر صنّاع السياسة ؟
ينبغي على أي نظرية جيّدة أن تكون متناسقة منطقيا و صالحة إمبريقيا . “مثلا ينبغي أن تحتوي برهانا متاحا” ، ينبغي أيضا أن تكون قادرة على مساعدة صناع السياسة في فهم الظواهر التي يمكن أن تكون غير مفهومة . “هذا ما نعنيه بالقوة التفسيرية للنظرية” . فالنظريات مفيدة جدّا لصناع السياسة حينما يتعاملون مع الظواهر المهمة , وكذا حينما تحتوي على متغيرات يكون لصناع السياسة عليها قدرا من النفوذ . أخيرا تكون النظريات أعظم إفادة حينما تُصاغ بوضوح , فالنظرية صعبة التّي تتّسم بصعوبة الفهم تأخذ وقتا أكبر ليستوعبها المستخدمين الأساسيين وعادة ما تكون عسيرة جدّا على التجربة و التحقيق .
كيف تُساعد النظرية صناع السياسة على آداء مهامهم بطريقة أكثر فاعلية ؟
أولا ، بإمكان النظرية أن تساعدهم على تشخيص الوضعيات الجديدة بمجرد نشوءها , فحينما يحدّد صناع السياسة قضيتهم ، إمّا مسألة متكررة أو حادثة خاصة جديدة ، فإنّه يجب عليهم أن يُدركوا بشكل دقيق أي نوع من الظواهر هم بصدد مواجهتها . هل المفاوضات المسدودة جاءت نتيجة لانعدام عنصر الثقة أم أنّ ذلك راجع ببساطة إلى أنّ أطراف النزاع لا تزال بعيدة جدّا عن مرحلة عقد صفقة ؟
هل يرجع سعي الطرف الآخر للمحافظة على الستاتيكو-الوضع الراهن- إلى جشعه ، عدم الثقة ، تصوّر إيديولوجي خاص أم لوضع غير آمن ، وبالتالي محاولة تحسين وضعية ضعيفة ؟
وبتوسيع نطاق مجموعة التفسيرات المحتملة ، تزوّد النظريات صناع السياسة بمجموعة من التشخصيات وبإمكانها أيضا أن تساعدهم على تجنّب النهاية المبكرة أو الأشكال الخطيرة للصور النمطية .
ثانيا ، وبتحديد ماهية القوى المركزية التي تعمل في النظام الدولي –ما يسميه كينيث والتز “بصورة المملكة أو صورة العالم “- ” a “picture of a realm” ” فإنّ النظرية تساعد صناع السياسة على التنبؤ بالتطورات المستقبلية . وتكون هذه العملية قيّمة خصوصا حينما تتغيّر الظروف بسرعة ، ويكون المسار المنبثق من الماضي غير جدير بالثقة “خطر لا يمكن الاعتماد عليه ” . فلنأخذ مثالا واضحا ، إنّه لمن الحُمق أن نُحاول التنبؤ بالتحرك المستقبلي للصين من خلال النظر إلى تصرفاتها السابقة وحسب ، أو حتّى من خلال سلوكها الراهن ، لأنّه من المحتمل على القادة الصينيين أن يُعدّلوا أولوياتهم ووجهاتهم تبعا لقوتهم المتزايدة . مع ذلك فبإمكان النظرية الجيّدة أن تبيّن لنا كيف تُأثر تحولات ميزان القوى على السلوك الصيني كما تساعد على إعداد قادة سياسيين ذوي خبرة لمواجهة التطورات المستقبلية الخطيرة .
ثالثا ، تُعد النظرية أمرا أساسيا لتشكيل وصفات سياسية ، لأنّ الأفعال السياسية تعتمد أقل شيء على بعض من المفاهيم السببية الخام . بعبارة أخرى عندما يختار صناع السياسة التدابير أو البدائل : أ ، ب ، ج فذلك لإيمانهم بأنّه سيترتب عنها النتائج المطلوبة . فالنظرية تساعد صناع السياسة على اختيار أهدافهم ، توّجه اختيار الأدوات السياسية وكذا تحدّد ماهية الشروط الواجب توفيرها لهذه الوسائل لتؤدي عملها .
رابعا ، تلعب النظرية أيضا دورا نقديا ، وذلك لتفعيل التطور السياسي ، بمعنى أنّه في حالة ما إذا كانت سياسة معينة سياسة ناجعة فإنّه يجب على صناع السياسة تحديد ماهية المعايير الإجرائية-العملية- تجاه الأهداف المحدَّدة . نظريا فإنّ اختيار هذه المعايير ينبغي أن يرتكز على ما نظّن أنّنا نعرفه عن العلاقات السببية المتعلقة بإنتاج النتائج المرجوة. ترتكز الاستراتيجيات الكبرى على توجه نظري واقعي لتأكيد و ترسيخ المعايير التّي تقيس تحولات القوة النسبية ، مثلا ، حينما تنبثق الإستراتيجية عن مبادئ ليبرالية فإنّها تبحث عن تنامي جوانب الاقتصاد ، مستويات المشاركة الديمقراطية أو توسيع و تعميق المؤسسات العالمية .
أخيرا ، فبإمكان معظم نظريات السياسة الدولية أن تُبقينا محميين من مختلف أشكال التصورات النمطية الشوفينية . بالأخص النظريات الواقعية فهي تبرز أهمية الأمن في عالم يفتقد إلى سيادة سُلطوية مركزية ، كما تُسلط الضوء على كيفية ستتشكل وتندفع ” shape and shove” القوى البنيوية في وُجهات متماثلة حتّى مع التباين الكبير بين الدول ، لأنّها تُدرك ضرورة اعتماد الدول على مواردها الخاصة للدفاع عن نفسها . فالواقعيون أقل عُرضة –لداء- شيطنة الخصوم و أدنى احتمالا لقراءة الاستعدادات العسكرية للخصوم على أنّها مؤشر لنوايا عدوانية . و الواقعيون أقل تفاجئا أيضا إذا ما التمسوا تعارضا بين سلوكات الولايات المتحدة و قيمها الليبرالية أو التزامها المزعوم لتعزيز حقوق الإنسان و النهوض بها لأنّ النظرية تصوّر السياسة الدولية كمملكة تنافسية أين يجب على كل دولة كبرى في بعض الأحيان أن تعقد تسويات معينة لأجل تثبيت أمنها الذاتي .

حدود تأثير النظرية :
بالرغم من استحالة تشكيل سياسة معينة دون أدنى خلفية نظرية ” مثلا: بعض المفاهيم عن العلاقة السببية بين الأشياء” ، فلا يبدو أنّ لأجود نظريات العلاقات الدولية تأثيرا كبيرا على التهيئات السياسية . بداية ، تبحث أغلب نظريات العلاقات الدولية عن تفسير الاتجاهات الكلية بغض النظر عن مفاهيم الزمان و المكان باستثناء بعض المتغيرات التّي من الممكن أن تكون ذات صلة بحالات خاصة . إنّ أي من نظرياتنا الموجودة تملك قدرة تفسيرية هائلة ، خاصة للسلوكات التّي تقوم بها الدولة عادة و الناتجة عن عوامل مختلفة عديدة ، ” القدرة النسبية ، سمات الزعامة الفردية … إلخ ” .. لكن للأسف نفتقر إلى منهجية واضحة للجمع بين مختلف هذه النظريات أو لنقرّر أيٌّ منها يُمارس التأثير الأكبر على حالة معينة . يُفاقم المحتوى الواسع الذي تُحدثه السياسة الخارجية من هذا الإشكال . يؤدي العلم الاجتماعي عمله بامتياز حينما يمكن تحديد ماهية المشكلة بدقة و تحليلها نظاميا ، مثلا : حينما تكون خيارات الفواعل معلومة وثابتة ، حينما تكون هناك معطيات غزيرة و التّي يمكن من خلالها تجربة التكهنات و حينما يكون تأثير البدائل المتاحة محدّد بدقة . لكن هذه هي الحالة الناذرة في إدارة السياسة الخارجية . فالخيارات و البدائل عادة ما تكون غامضة مبهمة ، وعادة ما تكون هناك عدة استراتيجيات مطروحة ، كما أنّ النتائج المنبثقة عن مختلف البدائل عادة ما تكون غير معلومة . فالعلاقات غير الثابتة ، كثرة تأثير المتغيرات الداخلية ، الخيارات و المدركات يمكن أن تتغيّر من دون تبنيه حتّى مع الجهود الحذرة لمعاينة تأثير أدوات سياسة محدّدة كبرامج المساعدة ، العقوبات الاقتصادية ، التغيّرات المفروضة خارجيا على النظام فإنّها حافلةٌ بتأثيرات معينة و التّي تجعل من الصعوبة بمكان تقدير تأثيراتها السببية .
يمتلك المنظّرون و صناع السياسة أجندات جدّ مختلفة ، و هذا ما يُعقد الأمور أكثر ، يهتم المنظرون بمتابعة التفسيرات العامة للسلوكات المتكررة ، إلاّ أنّ اهتمام صناع السياسة ينصّبُ أكثر على محاولة إيجاد حلول لمشاكل معينة يواجهونها يوميا . وبالرغم من أنّ فهم صناع السياسة للتوجهات المختلفة بإمكانه أن يساعدهم على فهم أي من مقاصدهم المتعددة سواءً منها تلك السهلة أو الأهداف الصعبة فإنّ ما يحدث في أغلب الأحيان لا يحدث مثلما نتصور بالضبط ، مثلما من المحتمل أن يحدث غالبا في القضية التّي تكون بين أيدينا . علاوة على ذلك ، فإنّ صناع السياسة عادة ما يكونون أقل اهتماما بالتيارات التفسيرية من معرفة كيفية تجاوزها .
يُسجل آرثر ستاين كنتيجة لذلك : ” في العمق ، فإنّ المعرفة المستمدة من الخبرة و التجربة تهمين على التنظير العام وعلى التعميمات الإحصائية في تشكيل السياسة ” .
أخيرا و ليس آخرا ، فإنّ تأثير النظرية الأكاديمية تأثير محدود حتّى من قِبل توظيف التخصصات الفرعية للعلاقات الدولية لها ، ممّا أدى إلى تنامي الفجوة بين البرج العاجي –عالم النظرية- و بين عالم السياسة . رغم أنّ الأكاديميين لا يزالون مُبعدين عن الوظائف السياسية ففي فُرص معينة فإنّ شهاداتهم العلمية لا تُكسبهم مزيدا من الاحترام داخل الدوائر الرسمية أو حتّى تُظهرهم كطرف مسؤول . كما بإمكانهم أن يتعلموا أيضا أنّ السياسيين يهتمون عادة بالولاء و الفاعلية البيروقراطية أكثر من جوائز المنظرين الأكاديمية المتميزة أو بإبداعاتهم النظرية .
علاوة على ذلك و على غِرار معظم تخصصات العلوم السياسية ، فإنّ البحث العلمي في العلاقات الدولية المعاصرة يُكتب للرد على أطراف أخرى داخل الميدان و لم تُعّدُ لأجل الاستهلاك الواسع ، والذي يعّدُ أحد أسباب غموضها المتزايد وانشغالها المسبق عادة بمواضيع ضيقة وتافهة .
يعتقد الباحثين الشباب أنّ الجدّة النظرية و كذا التكلف –التعقيد ، الأناقة- المنهجي يعّدُ أكثر تقديرا و أهمية من العمق المعرفي لميدان السياسة . حقيقةً ، فإنّ هناك تحامل واضح على هذه النقطة الأخيرة في العلوم السياسية المعاصرة ، لأنّ العمل الذي يكون مفيدا لصناع السياسة يجلبُ بعضا من المكافئات ، إنّه لمن المفاجئ بشدّة أن تُحاول مراكز الأبحاث الجامعية ناذرا انتاج ذلك .
في الواقع فإنّ الفجوة بين النظرية و الممارسة السياسية قد تمّ جسرها مع تنامي مجمعات الثينك ثانكس أي مراكز البحث و التفكير ، المستشارين و كذا المجموعات شبه الأكاديمية والتي صارت تُهيمن على الحياة الفكرية في العواصم العالمية الكبرى ، خاصة في العاصمة واشنطن ، فلا يوجد عجز بشري داخل دائرة واشنطن ، والذين سيسرهم ذلك و سيُدفع لهم فقط لأجل القيام بهذا . بإمكان هذه المنظمات أن تقدّم إرشادات مفيدة إلاّ أنّ هناك جوانب سلبية لبروزها المتنامي .
تملك معظم مراكز الأبحاث في واشنطن أجندة إيديولوجية –عادة ما تكون مدعومة ماليا من قِبل مؤيديها- ومخرجات أبحاثها عبارة عن مواضيع بعيدة عن المعايير الدقيقة و الصارمة .. كما تفتقر أيضا لدقة صياغة المنتجين بما فيها الأحكام التي تعتمدها الجامعات لإعداد قراراتها ومواقفها الشخصية . يمكن لصناع السياسة أن يحصلوا على مشورة خارجية و التي تقود فورا للقلق ، لكنّها لا هي غير متحيّزة ولا هي جازمة .
هذا لا يعني عدم امتلاك الباحثين الأكاديميين لأي تأثير على الاطلاق . ففي بعض الأحيان تقوم نظريات العلاقات الدولية بتزويد المجتمع السياسي و العالم بأكمله بمنظومة مفاهيم تُساهم في النقاش ، كما يمكن أن تُمارس تأثيرات –خفية- على النتائج السياسية النهائية . فمصطلحات من قبيل : “الإعتماد المتبادل ، صدام الحضارات ، الثنائية القطبية ، الإرغام و القوة الناعمة إلخ… ” تُعّدُ جزءًَ لا يتجزأ من النقاش السياسي لها تأثير على القرارات بطرق غير مبشرة . كما يمكن أن يستغل الباحثين مناعتهم الأكاديمية لمعالجة المواضيع المحرمة –الطابوهات- أو تلك المثيرة للجدل ، وبإمكانهم هنا أن يحققوا نجاحا في استئناف النقاش حول مواضيع مهمة سابقة .
في الولايات المتحدة اليوم ، ناذرا ما يتحدى منظّروا العلاقات الدولية الطابوهات ، وناذرا ما يكون لهم تأثير كبير على السياسة إلاّ إذا ما تركوا حياتهم الأكاديمية و عملوا بأنفسهم مباشرة في الحكومة . أهميتنا الجمعية كتخصص لا ينبغي أن تُفاجئنا : إنّ الولايات المتحدة دولة قوية و سياستها الخارجية تخضع لبيروقراطية واسعة ، راسخة للغاية –متأصلة و معقدة- و تخترقها مصالح جماعات نافذة ، بالإضافة إلى مصالح جهات أخرى ، كما أنّ لها نظام حكومة مقسّم تمتلك أطراف عديدة فيه حق الاعتراض و النقض ، والتي تجعل الإبداع السياسي صعبا للغاية . تحت هذه الشروط ، فإنّه من الحمق الاعتقاد أنّه بإمكانك الكتب أو المقالات العلمية –أو حتّى سلسلاتها الكبيرة- أن تقود لوحدها قارب الدولة باتجاه جديد .
ليكون هناك تأثير ملموس ذا دلالة على السياسة إمّا عن طريق التورط أو التدخل السياسي المستدام ، فإنّ ذلك يتطلب نشاطات سواء تلك التي تمثل محور اهتمام الأكاديميين أو تلك المعّدة للمتابعة بشكل جيد . و لنضرب مثال بالرجوع إلى عقد الخمسينيات . لقد قدّم ألبرت وولستيتر و زملائه عشرات الجلسات –الإحاطات- يعرضون فيها نتائج مؤسسة راند الشهيرة للدراسات ، من خلال جهودها الناجحة لإقناع المؤسسة العسكرية في نهاية المطاف بتبني توصياتها . أيضا حملة المحافظين الجدد العسكرية الطويلة للحرب على العراق –و التي صرنا نعلم اليوم أنّها أُسّست على وقائع مغلوطة ، تحليلات منحازة و نظريات زائفة وهمية- والتي بدأت جديا سنة 1998 لكنّها لم تُثمر إلاّ بعد خمسة سنوات لاحقة . فالمثابرة –والإصرار- لا الرؤية الثاقبة هي الأصل الحقيقي في التأثير السياسي .
يجب أن تكون هذه الحالة مربكة لكل من كرّس نفسه “للحياة الفكرية” محاولا استخدام المعرفة لأجل بناء عالم أفضل . مع ذلك لازلنا نأمل في دعم وترويج هذه الأهداف عبر مهمتنا في التدريس ، ومثلما ذكرنا سابقا أنّ التأثير المباشر سيكون لبضع الباحثين من خلال عملهم في الحكومة ، سيكون هناك أحيانا لحظات أين يوّفر الباحث فيها للحكومة وصفات و تصوّرات جديدة أو مقاربة تحليلية تقيس تصوراتهم و تمثُّلاتهم بخصوص السلطة لأنها عادة ما تقود الحاجة المعتبرة للحظة الراهنة . لكن الالتزام بهدف “إيراد الحقائق للسلطة” فغالبا ما يبقى شيئا بعيد المنال بشكل كبير .
بالرغم من هذه المحدودية ، فللباحثين الأكاديميين –بما فيهم منظّروا العلاقات الدولية- ثلاث أدوار مفيدة يلعبونها على الأقل في إثراء و توسعة النقاش العام حول الشؤون الدولية . بدايةً ، فالذين يمتلكون أفكارا أبعد مدى و أعمق عن طبيعة العالم السياسي الحديث بإمكانهم أن يساعدوا المواطنين المتابعين لهم –المتأثرين بهم- على تشكيل إحساس و معنى معين بعيدا عن عالمهم المعولم . عادة ما يستوعب الناس العاديين ما يرتبط بالشؤون المحلية ، لكن عادة ما يتطلب فهم ما يحدث ما وراء البحار الاعتماد على معرفة المتخصصين . لهذا السبب وحسب ينبغي على المراكز الأكاديمية الجامعية أن تشجع على الكتابة بنشاط للجماهير العريضة و التواصل معها ، بدلا من الدخول في نقاش مع بعضها البعض وحسب .
ثانيا ، يُعّدُ تدخل المجتمع الأكاديمي ذا ثقل أساسي بالنسبة للجهود الحكومية للتلاعب بالمدركات و التصورات العامة للجماهير ، فللحكومات قدرة أكبر للوصول إلى المعلومات المتباينة لدعم أجنداتهم الخاصة . ولأنّ الموظفين الحكوميين معرضين للخطأ فإنّ المجتمع بحاجة إلى أصوات بديلة لتحدي عقلانيتهم واقتراح حلول مختلفة . فالباحثين محميين بمناصبهم ولا يعتمد معاشهم على دعم الحكومة ، لذلك فإنّهم وُجدوا بمفردهم لتحدي القصص السائدة والأعراف التقليدية . لذا يعّدُ التنوع وتدخل المجتمع الأكاديمي أمرا ضروريا مكملا لأجل سياسة ديمقراطية صحيّة .
ثالثا ، يُقدم المجتمع العلمي أيضا نماذج مفيدة للنقاشات البنيوية . و بالرغم من الخلافات العلمية الساخنة في بعض الأحيان إلاّ أنّها ناذرا ما تنزل إلى مستوى الهجوم الشخصي أو الاغتيال والذي يميز النقاش السياسي اليوم بشكل متزايد . في الحقيقة ، فربّما يؤدي اعتماد الأكاديميين لمثل هذه التكتيكات في مقالاتهم العلمية إلى تشويه سمعتهم أكثر ممن يستهدفونهم بمقالاتهم هذه . و لجلب معايير النقاش الأكاديمي للمحيط العام فبإمكان الباحثين الأكاديميين أن يساعدوا على استعادة شيء من التمدن “والكياسة” الذي صار مفقودا في الحياة العامة المعاصرة .
كيف يمكن لهذه المعجزات أن تتحقق ؟ ليس لدي أوهام عن إيجاد نمط من أنماط “مملكة الفيلسوف” أين يحكم الأكاديميين ، فثلاثين سنة قضيتها في ثلاث جامعات و مراكز بحث مختلفة أقنعتني أنّ عالما كهذا لن يتحسن في أغلب الأحوال . لكن هل ينبغي لباحثي العلاقات الدولية أن يكونوا مفتخرين بحق لوجود عدد قليل من الناس يعيرون اهتماما لما يقولون ؟
سيكون من الجيد قليلا مناشدة صناع السياسة و الرأي العام ليعيرونا انتباها أكثر ، العلاج الوحيد هو إنتاج عمل يكون أكاديميا صارما وعمليا مفيدا على حد سواء لأولئك الموصولون بقرارات صناع السياسة . ما نحتاجه إذن هو جهدٌ واع لتغيير المعايير السائدة ولتحفيز المجتمع الأكاديمي . لا يبدو أنّ هذا الهدف هدفٌ بعيد المنال ، فهذه المعايير المهنية لا هي ثابتة و لا هي إلهية فوقية . في الواقع فإنّ إجماع الأعضاء في حدّ ذاته يحدّد المعايير التّي تحكم مؤسساتنا . كسياسة ذاتية واسعة لمجتمعنا وصلنا إلى إقرار أيُّ السمّات نثمّن غالبا ، ولا وجود لأي سبب يفسر لما لا يمكن أن تمنحنا السياسة و ما له علاقة بها وكذا الرأي العام وزنا وأهمية أكبر .

ما الذي يجب علينا فعله ؟
إذا ما أقر مجتمع باحثي العلاقات الدولية رفضه بأن يبقى متجاهَلا فإنّ هناك مجموعة من الخطوات العملية إذا ما طُبقت فبإمكانها أن تشجع و تُجلّي أهميتهم العظيمة :

1-منح وزن و أهمية أكبر لأثر العالم الحقيقي على قرارات الترقية –التحفيز- :
بدلا من التركيز الكامل في معظم الأحيان على الدراسات و الحوليات المتخصصة فبإمكان لجان التحفيز ” promotion committees ” أن تُجري أيضا تقييمات منتظمة لمساهمات أعضاء القسم في توسعة نطاق النقاش الجماهيري العام ، مثلا : فلاإضافة إلى قياس نقاط الاستحسان فإمكان لجان التحفيز متابعة مسار التقارير الإخبارية للمشرحين أو عدد الزيارات المسجلة لمدوناتهم ، و بدلا من الاعتماد على تقييمات الباحثين الآخرين وحسب فبإمكان نفس هذه اللجان أن تلتمس أيضا تقييمات من صناع السياسة العاملين في ميادين ذات صلة بذلك .
و قد تمّ اكتشاف أنّ عمل متواضع لأحد الزملاء كان له تأثير أساسي على طريقة تفكير صناع السياسة حول مسألة ما ، من المؤكد أن لذلك صلة بتقييم أهميتهم على المدى البعيد .

2-تشجيع الجمعيات المتخصصة لتثمين أثر الجمهور العام :
تمنح الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية اليوم عشرات الجوائز تشجيعا للكتب ، المقالات والأوراق البحثية في عدّة تخصصات أساسية وأخرى فرعية ، تمنح إحداها ” إعترافا بخدمة الجمهور العام الجديرة بالإشادة” و أخرى للعمل الوظيفي لفن الحكم . فإذا أردنا تشجيع الباحثين ليكون لهم تأثير أكبر فلنخصص جائزة أو جائزتين لتكريم مثل هذه المنجزات والجهود المستحقة .

3-تيسير حصول الباحثين الشباب على خبرةٍ سياسية :
لتشجيع الباحثين الشباب على تعلم طريقة عمل العالم الحقيقي ، ينبغي على الكليات الأكاديمية أن تيسّر لهم سبل العمل في الحكومة أو في قطاعات سياسية ذات علاقة ، مثلا : بإمكان أكثر الجامعات أن توافق على تأجيل موعد التخرج في حالة ما إذا أراد أعضاء القسم الجدد أن يقضوا عاما عملا في الحكومة أو لصالح منظمة غير حكومية . فبإمكان هذه السياسة أن تخلق باحثين أكثر إدراكا لحقيقة كيفية عمل الحكومة ، و يكونون بالتالي أكثر ميلا لإنتاج عمل مفيد و ذا صلة بالنسبة لصناع السياسة . ذلك لأنّ أغلب الطلبة لهم اهتمام بالعالم الحقيقي في مقابل اهتمامهم المحدود بالمدرسية الفارغة . ستساعد هذه السياسة حتما على خلق أساتذة ذوي كفاءة عالية .

4-إدماج صناع السياسة في عملية البحث :
تُعّدُ القدرة على تحديد و متابعة أجنداتنا البحثية عنصرا أساسيا للحرية الأكاديمية . لا ينبغي أن يتعرض هذا المبدأ لخطر ما مع ذلك ينبغي على الأكاديميين أن يكونوا أكثر قدرة على الإصغاء لذوي الخبرة و الممارسة العملية حينما يقررون أي المواضيع سيعزمون على معالجتها وصبر أغوارها . بالإضافة إلى اقتناص مواضيع جديدة ممّا هو موجود داخل المؤسسة البحثية ، فليس هناك حرج إذا ما تمّ في بعض الأحيان سؤال غير الأكاديميين عن اي نمط من المعرفة يحبّذ أحدهم أن تكون بحوزته . من الممكن أن تُفاجئ بالأسئلة –و المواضيع- الجيدة التي ستكون بحوزتهم .

5-إقناع الإدارات الجامعية حتّى تولي أهمية أكبر بمساهمات العالم الحقيقي :
بإمكان الرؤساء ، رؤساء المجالس و عمداء الجامعات إضافة هذه الأهداف بشكل جيد عبر مكافئة الكليات التي يقوم أعضائها بمساهمات كبيرة للجمهور العام ، وحجب المصادر –في المقابل- على أولئك العالقين في مذهب اللاصلة بالواقع – أي غير النافع عمليا – ليس الهدف من ذلك تشجيع الكليات لتؤول إلى فصائل من المحللين السياسيين البارزين المتلهفين لضرب معالم الحوار و لكن بدلا من ذلك تهدف إلى تعزيز تنوّع مجتمعي أكثر يُغّطي جميع مناحي المستويات الأكاديمية .

6- توسعة المسؤوليات والنقاش الأخلاقي الأكاديمي :
تتمحور الأخلاق المهنية اليوم عموما حول مواضيع كالسرقة الأدبية والعلمية ، الحرية الأكاديمية ، تجاوزات القوة من قبيل التحرش الجنسي ، أو معالجة المواضيع الإنسانية . هذه قضايا مهمة لكن ينبغي علينا أيضا أن نشجع الطلبة على التفكير الجدّي والبعيد حول الرسوم التي يدين بها الباحثين للمجتمع الذي يقدم لهم الدعم ، وكذا مسألة ما إذا كان لدينا مسؤولية أخلاقية واسعة لنستخدم من خلالها معارفنا فنبدل ونستعد لأجل الارتقاء بالمجتمع . يجب على هذا الحوار أيضا أن يعالج العثرات الأخلاقية التي يمكن أن تؤثر على الباحثين الذين صار لهم تدخل مباشر في الأبحاث السياسية ذات الصلة ، وخاصة في حالة ما إذا دخلت مصادر تمويلية أو تعويضات أخرى على الخط .

خاتمة :
على حد تعبير مقولة كينز الشهيرة : ” حتّى بعض رجال الأعمال المتمرسين ، عادة ما يكونون رهنا لأفكار بعض الاقتصاديين –أي علماء الاقتصاد- الذين قضوا نحبهم منذ زمن طويل ” . من الممكن أن يمارس باحثوا العلاقات الدولية تأثيرا مشابها بعيد المدى لكني أميل إلى الشك في ذلك . يبدو أنّ صناع السياسة يصيرون أقل اهتماما بما نقول يوما بعد يوم ، من جهة ، بسبب انشغالهم الكبير في تعاملهم مع المشكلات اليومية ، و من جهة أخرى أيضا بسبب ميلنا لطرح إشكاليات لا تثير قلقا و اهتماما ثمّ نوّفر إجابات لا يرون أنفسهم بحاجة إليها . إذا ما أراد الأكاديميون لعب دور أهم و أكثر نشاطا و بنيوية في الشؤون العالمية فيجب على الأقل أن نغيّر محتوى بحوثنا العلمية .
ولِنشجع هذا التحوّل ، يجب أن نُعدّل في معايير الجدارة و الاستحقاق بما فيها معايير الانضباط ذاته ، و أن نمنح ما له علاقة بالعالم الحقيقي أهمية و وزنا أعظم . في غياب هذا التغيير لا يمكن نتوقع أن يولينا العالم الخارجي حتى أدنى اهتمام لما نقول .

هتلر ادولف

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن فهيد 636

أدولف ألويس هتلر (بالألمانية: [ˈadɔlf ˈhɪtlɐ]؛20 أبريل 1889 – 30 أبريل 1945) سياسي ألماني نازي، ولد في النمسا، وكان زعيم حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني والمعروف للعامة باسم الحزب النازي( مؤسس النازية ). تولى أدولف هتلر حكم ألمانيا في الفترة ما بين عامي 1933 و1945 حيث شغل منصب مستشار الدولة (بالألمانية: Reichskanzler) في الفترة ما بين عامي 1933 و1945، والفوهرر (بالألمانية: Führer) في الفترة ما بين عامي 1934 و1945. واختارته مجلة تايم واحدًا من بين مائة شخصية تركت أكبر الأثر في تاريخ البشرية في القرن العشرين.[1]

وباعتباره واحدًا من المحاربين القدامى الذين تقلدوا الأوسمة تقديرًا لجهودهم في الحرب العالمية الأولى بجانب ألمانيا، انضم هتلر إلى الحزب النازي في عام 1920 وأصبح زعيمًا له في عام 1921. وبعد سجنه إثر محاولة انقلاب فاشلة قام بها في عام 1923، استطاع هتلر أن يحصل على تأييد الجماهير بتشجيعه لأفكار تأييد القومية ومعاداة الشيوعية والكاريزما (أو الجاذبية) التي يتمتع بها في إلقاء الخطب وفي الدعاية.

في عام 1933، تم تعيينه مستشارًا للبلاد حيث عمل على إرساء دعائم نظام تحكمه نزعة شمولية وديكتاتورية وفاشية. وانتهج هتلر سياسة خارجية لها هدف معلن وهو الاستيلاء على ما أسماه بالمجال الحيوي (بالألمانية: Lebensraum) (ويُقصد به السيطرة على مناطق معينة لتأمين الوجود لألمانيا النازية وضمان رخائها الاقتصادي) وتوجيه موارد الدولة نحو تحقيق هذاالهدف. وقد قامت قوة الدفاع التي أعاد بنائها بغزو بولندا في عام 1939 مما أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، وخلال ثلاث سنوات، احتلت ألمانيا ودول المحور معظم قارة أوروبا( عدا بريطانيا ) وأجزاء كبيرة من أفريقيا ودول شرق وجنوب شرق آسيا والدول المطلة على المحيط الهادي ، و ثلث مساحة الاتحاد السوفياتي ( من الغرب حتى مدينة ستالينغراد)). ومع ذلك، نجحت دول الحلفاء في أن يكون لها الغلبة في النهاية.

وفي عام 1945، نجحت جيوش الحلفاء في اجتياح ألمانيا من جميع جوانبها وحتى سقوط برلين. وأثناء الأيام الأخيرة من الحرب في عام 1945، تزوج هتلر من عشيقته إيفا براون بعد قصة حب طويلة. وبعد أقل من يومين، انتحر العشيقان.[2]

الحرب العالمية الاولى

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن فهيد 636

الحرب العالمية الأولى هي حرب نشبت بين القوى الأوروبية خلال أعوام 1914 و1918. بدأت الحرب حينما أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية الحرب على مملكة صربيا في يوليو 1914 على إثر أزمة دبلوماسية نشبت بين البلدين بسبب اغتيال ولي عهد النمسا الارشيدوق فرانز فرديناند مع زوجته من قبل طالب صربي يدعى غافريلو برينسيب أثناء زيارتهما لسراييفو.

قامت روسيا بتعبئة قواتها بعد يوم واحد من إعلان النمسا الحرب على صربيا فعبئت ألمانيا قواتها في 30 يوليو ثم عبئت في 1 أغسطس فرنسا قواتها، اعلنت ألمانيا الحرب على روسيا في اليوم نفسه بعد أن وجدت عدم تجاوب الروس بشأن طلب ألمانيا إلغاء التعبئة العامة للجيش ثم أعلنت الحرب على فرنسا واجتاحت بلجيكا مما دفع بريطانيا لدخول الحرب بسبب خرق الألمان حياد بلجيكا، وقد كانت الدول الأوروبية قبل الحرب مشكّلة من معسكرين أولهما الوفاق الثلاثي بين روسيا وفرنسا والمملكة المتحدة، بينما تشكل الحلف الثلاثي من إمبراطورية النمسا والمجر وألمانيا وإيطاليا على الرغم من دخول إيطاليا الحرب في جانب الحلفاء.

استعملت لأول مرة الأسلحة الكيميائية في الحرب العالمية الأولى كما تم قصف المدنيين من السماء لأول مرّة في التاريخ.

شهدت الحرب ضحايا بشرية لم يشهدها التاريخ من قبل وسقطت السلالات الحاكمة والمهيمنة على أوروبا والتي يعود منشأها إلى الحملات الصليبية، وتم تغيير الخارطة السياسية لأوروبا.

تعد الحرب العالمية الأولى البذرة للحركات الإيديولوجية كالشيوعية وصراعات مستقبلية كالحرب العالمية الثانية، بل وحتى الحرب الباردة.

شكلت الحرب البداية للعالم الجديد ونهاية الأرستقراطيات والملكيات الأوروبية، وكانت المؤجج للثورة البلشفية في روسيا التي بدورها أحدثت تغيرًا في السياسة الصينية والكوبية كما مهدّت الطريق للحرب الباردة بين العملاقين، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. ويُعزى سطوع بريق النازية لهزيمة ألمانيا في الحرب وترك الكثير من الأمور معلقة حتى بعد الحرب. وأخذت الحروب شكلاً جديدًا في أساليبها بتدخل التكنولوجيا بشكل كبير في الأمور الحربية ودخول أطراف لا ناقة لها بالحروب ولا جمل وهي شريحة المدنيين. فبعدما كانت الحروب تخاض بتقابل جيشين متنازعين في ساحة المعركة بعيدًا عن المدنية، فقد كانت المدن المأهولة بالسكان ساحات للمعركة مما نتج عن سقوط ملايين الضحايا.

وكانت روسيا قد تعهدت بالدفاع عن السيادة الصربية، فقامت روسيا بتحريك قواتها نتيجة ضغوط الجنرالات الروس للدفاع عن الصرب. وطالبت ألمانيا من روسيا عدم تحريك القوات وأن تتراجع القوات الروسية عن حالة الاستعداد، ولمّا لم تمتثل روسيا للمطالب الألمانية، أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا في 2أغسطس 1914 ولحقتها بإعلان آخر ضد فرنسا في 3 أغسطس

كونفوشيوس والفكر السياسي الصيني القديم

كاتب الموضوع الأصلي: فهاد آل حشان 3332

“الحكيم كونفوشيوس”

يقوم الفكر السياسي الصيني إلي حد كبير علي تعاليم الحكيم الصيني الشهير كونفوشيوس والذي يقول انه “إذا ساد بين الناس في العالم التماثل ,بدلا من التعالي و التعاظم, أصبح العالم كله ساحة واحدة, يختار فيها ذو المواهب و الفضل و الكفاءة الذين يعملون جميعا علي نشر السلم والوئام بينهم, وحين يرى الناس أن آباءهم ليسوا فقط هم الذين ولدوا ,وان أولادهم هم ليسوا فقط هم من ولدوا لهم .بل يذهبون إلي أكثر من ذلك ,فيهيئون سبل العيش للمسنين إلي أن يتوفوا ,ويوفرون العمل للكهول ,ووسائل النمو للصغار ,ويكفلون العيش الكريم للأرامل من الرجال والنساء واليتامى والعاقرين الذين لا أولاد لهم أو من أقعدهم المرض عن العمل” .
لذلك جاء الفكر السياسي الصيني أكثر مطابقة لواقع الحياة اليومية ,و لظروف المجتمع الحياتية.

تستمد فلسفة كونفوشيوس السياسية مادتها و دعامتها الأساسية من الأخلاق ,فقد كانت الأخلاق غايته السامية و هدفه المنشود .ذلك انه قد شاهد بنفسه ما أصاب المجتمع الصيني من فوضى واضطراب ناتج عن ضعف الباعث الأخلاقي وذلك علي اثر سيادة أمراء الإقطاع و انتشار الحروب بينهم .وقد رأى كونفوشيوس لا سبيل للقضاء علي هذه الفوضى إلا بإصلاح النظام الأسري في المجتمع الصيني ,ذلك لاعتقاده أن أساس المجتمع السليم هو الفرد المنظم في الأسرة المنظمة .وقد نظر كونفوشيوس للسياسة علي انها جزء من الأخلاق ,وهي تقوم علي تهذيب النفس و تطهيرها ,ولا يتم ذلك في نظره إلا بالعلم والمعرفة .
ويرى العالم الصيني أن السلطة مرهونة برضاء الشعب ,وهو بذلك أول من نادي بنظرية سيادة الشعب ويقول يحكم الدولة من يحوز رضاء الشعب ,و يفقد الحكم من يزول عنه هذ الرضاء ,وذلك أن مقياس مشروعية السلطة إنما هو رضاء الشعب عن مصيره وكان يردد في كتاباته أن السماء تري و لكنه يري بعيون الشعب و أن السماء تسمع ولكنه تسمع بآذان الشعب متمسكاَ بالقول المأثور “صوت الشعب من صوت الله”.
كذلك درس كونفوشيوس وجود الحكومة و يرى أن الحكومة الجيدة لا بد أن تحقق ثلاثة غايات و التي تتمثل في الآتي:
أ-العناية بالإنتاج وتحقيق حاجة الشعب من الغذاء والضروريات الأخرى ,
ب-العناية بالجيش لحماية البلاد من أخطار الغزو الخارجي ,
ج-العناية بأخلاق الشعب و الارتقاء بالعبادة الدينية .
نادى كونفوشيوس كذلك بضرورة توزيع الثروة بصورة عادلة و عدم تركيزها في أيدي قليلة مما يحمل الأفراد الفقراء علي الهجرة إلى المدن و ترك الزراعة في الريف.كذلك نادى بعول الدولة للعجزة و الأرامل .وقال حين يجد هؤلاء كفايتهم من الطعام و الشراب يستقر النظام الاجتماعي و السياسي كله .وقد ناشد الرؤساء والحكام بالبعد عن الإنفاق و مظاهر البزخ , ولذلك يجب القضاء على الامتيازات المسرفة كزيادة الحكام والمسؤلين لمرتباتهم و امتيازاتهم المالية دون قانون لان في ذلك إثقال كاهل الشعب بالضرائب التي لا قدرة له لاحتمالها.

علم السياسه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن فهيد 636

العلوم السياسية هي إحدى تخصصات العلوم الاجتماعية التي تدرس نظرية السياسة وتطبيقاتها ووصف وتحليل النظم السياسية وسلوكها السياسي. هذه الدراسات تكون غالبا ذات طابع أكاديمي التوجه، نظري وبحثي.

الحقول الفرعية التي تتناولها العلوم السياسية تتضمن: النظرية السياسية، والفلسفة السياسية، والمدنيات civics وعلم السياسة المقارن (comparative politics)، والأنظمة القومية وتحليل سياسات بين الأمم (cross-national political analysis) والتطور السياسي والقانون الدولي والسياسة.

تطور علم السياسة[عدل]

أصبحت الجامعات تعترف بعلم السياسة كعلم أو فرع من العلوم الاجتماعية والإنسانية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وترسخ هذا الاعتراف بإنشاء كل من المدرسة الحرة للعلوم السياسية في باريس عام 1872 Ecole Libre des Sciences Politiques, ومدرسة لندن لعلم الاقتصاد والسياسية London School of Economic & Political Science وقد تأكدت أهمية هذا العلم باعتماده كمادة للتدريس في الجامعات الأوروبية بصفة عامة والجامعات الأميركية بصفة خاصة.

وقد أدى وجود عوامل عديدة للأهتمام بعلم السياسة وقد اقترن ذلك الاهتمام بالمزيد من الاتجاه نحو الدراسة الاستقرائية لمختلف الظواهر السياسية كالأحزاب السياسية والرأي العام وجماعات الضغط والمصالح وغيرها خاصة في الولايات المتحدة حيث غلبت فيها النزعة المنهجية لدراسة الوقائع والجزئيات إلى درجة أحدثت تطوراً منهجياً جديداً جعل علماء السياسة فيها يتبنون نظريات جديدة.

و قد ظلت دراسة النظريات السياسية التقليدية غالبة في أوروبا إلى أن تأثر العلماء والمفكرين السياسيين في أوروبا بالمناهج الاستقرائية والتحليلية الأمريكية مما احدث تحول تدريجي لصالح هذا الاتجاه.

وقد ظلت النظرة السائدة إلى علم السياسة إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية على أنه فرع من العلوم الاجتماعية أو الإنسانية التي تهتم على وجه ما بالحياة السياسية وأنه ليس هناك ميدان خاص للمعرفة ينفرد به علم السياسة انطلاقاً من أن جميع العلوم الاجتماعية والإنسانية تتناول السياسة، أي أن النظرة لعلم السياسة أو العلوم السياسية كانت تؤكد العلاقة بين علم السياسة والعلوم الاجتماعية دون أن نعترف له بموضوع خاص ينفرد به دون سائر العلوم الاجتماعية.

إلا أنه عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وما نتج عن تلك الحرب من ظواهر سياسية لم تكن موجودة من قبل وانقسام العالم إلى كتلتين وقيام كيانات دولية جديدة – كل هذه العوامل أكسبت أهمية لعلم السياسة وفتحت الباب للبحوث السياسية والدراسات المستقلة، وأعطت لعلم السياسة أبعاداً جديدة تبرزه عن العلوم الاجتماعية الأخرى.

علم التاريخ

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن فهيد 636

علم التأريخ يشير إما إلى دراسة منهجية تطور “التاريخ” (كتخصص)، أو مجموعة من الأعمال التاريخية بشأن موضوع متخصص. ناقش الباحثون التأريخ بصورة موضوعية – مثل “تأريخ الكاثوليكية” أو “تأريخ عصر صدر الإسلام” أو “تأريخ الصين” – ومناهج وأنواع محددة، مثل التاريخ السياسي والتاريخ الاجتماعي. وبدأ التأريخ في القرن التاسع عشر، مع صعود التاريخ الأكاديمي، حيث تم تطوير الجزء الأساسي لأدب التأريخ.

تتغير الاهتمامات البحثية للمؤرخين بمرور الوقت، وهناك تحول بعيد أثناء العقود الأخيرة عن التأريخ الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي التقليدي نحو أحدث الأساليب، لا سيما الدراسات الاجتماعية والثقافية. وارتفعت نسبة أساتذة التأريخ في الجامعات الأمريكية من عام 1975 إلى عام 1995 التي تدرس مجال التاريخ الاجتماعي من نسبة 31٪ إلى 41٪، في حين أن نسبة المؤرخين السياسيين انخفضت من نسبة 40٪ إلى 30٪.[1] وفي أقسام التاريخ بالجامعات البريطانية في عام 2007، كان هناك من بين أعضاء هيئة التدريس البالغ عددهم 5723 عدد 1644 عضوًا (29٪) نسبوا أنفسهم لمجال التاريخ الاجتماعي بينما يأتي التاريخ السياسي في المرتبة الثانية بـ 1425 عضوًا (25٪).[2]

قصة رمزية في كتابة التاريخ بواسطة جاكوب دي فيت (Jacob de Wit) (عام 1754). تبقى الحقيقة العارية عينًا على كاتب التاريخ. تتشاور الحكمة مع بطليموس الأول سوتر، جيدًا في الموضوعية في كتابه بشأن الإسكندر الأكبر، أدناه في الملف الشخصي.
في أوائل العصر الحديث هناك ميل لاستخدام كلمة التأريخ لتعطي معنى أساسيًا بشكل أكبر، أي أنها تعني ببساطة “كتابة التاريخ”. إذًا فإن كاتب التاريخ يعني الـ”مؤرخ”، ومن هذا المنطلق لُقب بعض المؤرخين الرسميين بـ”المؤرخ الملكي”، في السويد (من 1618)، إنجلترا (من 1660)، واسكتلندا (من 1681). ولا يزال المنصب الاسكتلندي موجودًا

الجغرافيا السياسية

كاتب الموضوع الأصلي: فهاد آل حشان 3332

الجغرافيا السياسية

هي العلاقات التبادلية – التأثيرية بين كل من الجغرافيا والسياسة. حيث تفرض الجغرافيا نفسها على السياسة كقدر لا فكاك منه. ومن هنا سعي السياسة لتخطي العوائق الجغرافية كمثل شق القنوات البحرية (مثل قناة السويس وبنما وغيرها) والانفاق تحت البحار (مثل نفق قطار فرنسا – بريطانيا) والجسـور (جسر اسطنبول الرابط بين آسيا اوروبا وجسر السعودية – البحرين وغيرها..).
هذا وتنسب الجذور الأولى لدراسة الجغرافيا السياسية لأرسطو (383-322 ق.م) الذي كان أول من تحدث عن قوة الدولة المستمدة من توازن ثرواتها مع عدد ساكنيها. وترك أرسطو أفكاراً بالغة الأهمية عن وظائف الدولة ومشكلات الحدود السياسية.
وظلت أفكار ربط الممارسات السياسية بالخصائص الجغرافية تتطور بإسهامات فلسفية متعاقبة. واكتسبت هذه الأفكار دفعة قوية بما كتبه عبد الرحمن بن خلدون (1342-1405م) التي ظهرت في مقدمته الشهيرة. وفضل ابن خلدون يتمثل في تشبيهه الدولة بالإنسان الذي يمر بخمس مراحل حياتية هي الميلاد والصبا والنضج والشيخوخة والموت.
وهذه الدورة الحياتية للدول وارتباطها بمقدرات الدولة أرضاً وسكاناً وموارد.. كانت أبرز ما نقله المفكرون الغربيون فيما بعد حينما تمت بلورة الصياغة العلمية لقيام وسقوط الحضارات.
ومع العقود الأولى للقرن 18 شهدت فرنسا ظهور أفكار جغرافية سياسية رصينة صاغها مونتسكيو (1689-1755) جنباً إلى جنب مع ما قدمه من أفكار اجتماعية وفلسفية وقانونية.
بيد أن اعتقاد مونتسكيو الشديد في الحتمية البيئية نحا به لأن يربط مجمل السلوك السياسي للدولة بالعوامل الطبيعية وعلى رأسها تحكم المناخ والطبوغرافيا مع التقليل من مكانة العوامل السكانية والاقتصادية.
وظل تقييم دور العوامل المكانية (الجغرافية) في تاريخ ومستقبل الدولة السياسي بدون صياغة متكاملة حتى ظهرت في المجتمع الألماني أفكار فردريك راتزل (1844-1904) والذي يرجع إليه الفضل في كتابة أول مؤلف يحمل عنوان “الجغرافيا السياسية” في عام 1897م.
آمن راتزل بأفكار داروين في التطور البيولوجي التي كانت سائدة في نهاية القرن التاسع عشر، وصبغ راتزل صياغته لتحليل قوة الدولة بالأفكار الداروينية التي طبقها الفيلسوف الإنجليزي سبنسر في العلوم الاجتماعية تحت اسم “الداروينية الاجتماعية”.
وأكد راتزل على أن الدولة لا تثبت حدودها السياسية. وكانت الدولة لديه أشبه بإنسان ينمو فتضيق عليه ملابسه عاما بعد عام فيضطر إلى توسيعها، وكذلك ستضطر الدولة إلى زحزحة حدودها السياسية كلما زاد عدد سكانها وتعاظمت مطامحها.
وعلى الجانب الآخر من القارة الأوروبية نجد في هذه الحقبة الجغرافيين اليوغسلاف يطوعون الجغرافيا السياسية لتحقيق أهدافهم القومية. اذ لم يتورعوا معها أن يعبثوا بالخرائط السياسية لتحقيق مآربهم.
وكان المثال الأبرز هو الجغرافي اليوغسلافي الشهير يفيجييتش الذي “زيّف” في خرائط الحدود الإثنية للقومية المقدونية ،مستغلا الثقة الممنوحة له من مؤتمر الصلح في فرساي 1919، لسحب أراض مقدونية وضمها إلى الصرب، وكانت المحصلة إذكاء الروح القومية للصرب وطموحهم للتوسع. ما انتج “البلقنـة” لاحقاً.
وعبر مسيرته تعددت تعريفات الجغرافيا السياسية ومنها:
تعريف الكساندر: القائل بأنها دراسة الأقاليم السياسية التي تنقسم إليها الأرض كظاهرة من مظاهر سطحها سواء كانت الأقاليم صغيرة أو كبيرة.
تعريف بومان: الجغرافيا السياسية هي علم يساعد في فهم السلوك السياسي للإنسان.
تعـريف كوهين: الجغرافيا السياسية هي علم المناهج الجغرافية لدراسة العلاقات الدولية.
هذا وتتقاطع تعريفات الجغرافيا السياسية وشروحاتها عند كونها دراسة الوحدات أو الأقاليم السياسية كظواهر لها مقومات وجودها وتطورها وإكتفائها معتمدة علي خصائص البيئة الجغرافية من حيث قوتها أو ضعفها واستقرارها أو تفككها. وأضيفت الى مهامها لاحقاً دراسة النظم السياسية والاقتصادية. وهي اضافات زادت تداخلها مع الجيوبوليتيك.
مجالات الجغرافيا السياسية
تعالج الجغرافيا السياسية النمط السياسي للعالم وهو نمط معقد إلي حد كبير بسبب التجزئة المتباينة لسطح الأرض إلي وحدات سياسية تتفاوت في الحجم المساحي والسكاني تفاوتاً كبيراً، وتغير الأنماط السياسية في حدودها ومقوماتها ومشكلاتها الناجمة عن أنماط التفاعل مع البيئة التي تنعكس علي أوضاعها الداخلية وتمتد غالباً الى علاقتها الخارجية. كما تهتم الجغرافيا السياسية بمواكبة مظاهر التحول ،السلبية والايجابية، في نطاق الوحدات السياسية. وهو تحول يطال عدد سكان هذه الوحدات ومواردها وعلاقاتها بالدول الأخرى.
هذا وتتسع مهام ومجالات الجغرافيا السياسية مع تعقيد مظاهر التحول السياسي وتنامي دور الفرد فيها بما يدفعها للإتكـاء على العلوم المساهمة في دراسة هذه التحولات وبخاصة منها علوم الانسان وضمناً العلوم السياسية ما يكرس نقاط تقاطعها مع الجيوبوليتيك.
وكي لا نزيد هذا التقاطع غموضاً نعطي مثالاً عملياً يتمثل بمشروع شق قناة السويس بناء على قرار سياسي (بل يقال بناء على مؤامرة سياسية) وهي في هذه الحالة مثال على الجغرافيا السياسية وعلى تأثر الجغرافيا بالسياسة والتضحيات التي تقدمها للتكيف مع ظروف الجغرافيا.
أما لو نظرنا لما تمثله قناة السويس اليوم من شريان حيوي للتجارة العالمية والامدادات النفطية فاننا نجدها أرضاً مؤثرة في الاقتصاد والسياسة العالميين ما يجعل تأمين الحركة الملاحية فيها موضوعاً ينتمي الى صلب الجيوبوليتيك لغاية امكانية تسبب انتظام وأذونات الابحار في هذه القناة باندلاع الحروب. وهو ما حدث العام 1956 ادى اعلان مصر تأميم القناة وبالتالي تحويل قرار الحركة فيها من بريطانيا الى مصر. وكان الرد على التأميم حرب “العدوان الثلاثي” حيث شاركت في الحرب ضد مصر كل من اسرائيل وفرنسا وبريطانيا.

مفهوم الأمن في نظرية العلاقات الدولية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الخطابي 32

أدت نهاية الحرب الباردة، وبشكل ملحوظ، إلى نشوء نظام عالمي جديد، فخلال الحرب الباردة برزت القوتان العظميان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وأثرتا في مسار العلاقات الدولية لأزيد عن أربعين عاما. وقد كان الهدف الاستراتيجي لكليهما حماية أقاليمها من أي تهديد نووي، إلا أن نهاية الحرب الباردة أجبرتهما على إدخال تغييرات في تصوراتهما الأمنية والاستراتيجية.
نهاية الحرب الباردة، بالنسبة لـ “فرانسيس فوكوياما”، كانت بمثابة انتصار للديمقراطية والرأسمالية، وهي بذلك تعبر عن نهاية التاريخ. بمعنى أن التاريخ دخل مرحلته النهائية كنتيجة لانتصار الولايات المتحدة وحلفائها وسقوط الاتحاد السوفييتي والدول الشيوعية الأخرى. وطالما أن الأمن العالمي على المحك، فإنه كان على العالم أن يتعامل مع وضع شبيه ببداية التاريخ. وباختصار، فقد تتوجب على باحثي العلاقات الدولية أن يعيدوا النظر في تصوراتهم النظرية حول الأمن. ما حدى بـ “ستيفن وولت” إلى وسم هذه المرحلة بمرحلة “النهضة للدراسات الأمنية”، في إشارة منه إلى ما تمثله من تطور في حقل العلاقات الدولية. ومن خلال النقاشات التي أثيرت حول مفهوم الأمن، يمكن الخلوص إلى أن المقاربة النقدية يمكنها التعامل مع أي تهديد في العلاقات الدولية.
وسوف يتم عرض بعض محاور التصور النقدي للأمن، ولكن سيتم في المقام الأول استعراض التصور الواقعي الذي هيمن على هذا الحقل المعرفي، ليتبع بتصور الأمن الجماعي ونظرية السلام الديمقراطي، وأخيرا سيتم تحديد مقتضيات الأمن النقدي في الوقت الحالي.

الواقعية في العلاقات الدولية
سيتم استعراض التصور الواقعي وفحص نظرته للأمن في العلاقات الدولية. الواقعية هي الطريقة التي يتم وفقها النظر إلى العلاقات الدولية كعلاقات قوة. ويتعين علينا الرجوع إلى اليونان القديمة والصين إذا أردنا تتبع جذور هذه النظرية. إذ أسسّ” توسيديدس” للواقعية ولعلاقات القوة التي تقوم عليها عبر تأريخه للحرب التي دارت رحاها بين أثينا وإسبرطا، والتي عرفت بـ”الحرب البيلونيزية”، وقد قال في هذا الصدد أن: “إرساء معايير العدالة يعتمد على نوع القوة التي تسندها، وفي الواقع، فإن القوي يفعل ما تمكنه قوته من فعله، أما الضعيف فليس عليه سوى تقبل ما لا يستطيع رفضه”. وبدوره أسدى “سان تسو”، الاستراتيجي الصيني الذي عاش في زمن “مو تي”، النصح للحاكم وكيفية صيانة بقائه، واستعمال القوة لتعزيز مصالحه خلال زمن الحرب، وهذا لأول مرة في التاريخ. وبعدها بقرون، في إيطاليا عصر النهضة، كتب الفيلسوف الإيطالي “نيكولا ميكيافيلي” حول القوة وصيانة الدول لوجودها وهذا في معرض استشاراته للأمير الذي كان يعيش وضعا مماثلا لوضع الصين القديمة زمن سان تسو، وفي كتابه “الأمير” نصح ميكيافيلي الحاكم بجعل القوة والحالة الأمنية فوق كل اعتبار، ونحن اليوم نستعمل مصطلح الميكيافيلية لوسم استخدامات القوة بشكل مفرط بهدف التحكم في الأمور. وفي عام 1700، أوجد الفيلسوف السياسي الإنجليزي “توماس هوبز” تصور “حالة الفطرة” و”الليفياتان” وأظهر أن الحروب والنزاعات بين الدول شيء لا يمكن تجنبه. ويعني “الليفياتان” ما نحتاجه لـ “إقرار النظام وإنهاء الفوضى المميزة لحالة الفطرة”، ويمكن أن يلعب هذا الدور “حاكم أعلى” أو “سلطة الدولة”، ويرتئي هوبز أن الإنسان الذي يعيش “حالة الفطرة”، إنما يعيش وضعا يقاتل فيه الكل بعضهم بعضا.
هذه الرؤية أثرت في التصور الواقعي للعلاقات الدولية، وهذه الصورة حول الفرد تنطبق على العلاقات بين الدول، لأنه لا وجود لـ “الليفياتان” أو القوة الفوقية. وبهذا فإن النظام العالمي الذي تتفاعل فيه الدولة دون سلطة فوقية يمكن أن يصبح فوضويا تتصارع فيه الدول من أجل القوة وفق منطق “الكل ضد بعضهم البعض”. إذن، وبحسب هوبز، فإن الدول، كفاعلين في العلاقات الدولية، تبدوا في حالة صراع دائم فيما بينها من أجل القوة. وهذا ما يجعل من الفاعلين من غير الدول كالأمم المتحدة، والاتحاد الأوربي، والمنظمات غير الحكومية وغيرها لا تعتبر فاعلين من المنظور الواقعي. ونسمي هذه الحالة بالافتراض دولاتي–التمركز (أي متمحور حول الدولة). إن دور الدولة في هذه الوضعية يتمثل في حماية نفسها من الدول الأخرى، وذلك مرادف للأمن “القومي”، الذي يتمحور حول امتلاك القوة الكفيلة بحماية مصالح دولة معينة من أعدائها. وهذا ما جعل من الواقعية صراعا حول القوة في العلاقات الدولية. إذ أن النزاعات الدولية، من وجهة النظر هذه، رافقت التاريخ البشري، فعندما تحاول الدول الصراع من أجل القوة لحماية نفسها ومصالحها المحددة بزيادة مستويات القوة لديها، فهي بحاجة في ذلك إلى قرارات عقلانية حول الأمن، والهدف من ذلك هو سعيها الدائم لتعزيز مصالحها، فالدول كفاعل في العلاقات الدول يجب أن تكون عقلانية، ويمكن اختصار كل ذلك في خمس نقاط:
1- استقيت الرؤى الواقعية من الكتابات القديمة لمفكرين مثل: سان تسو، ثوسيديديس، وهوبز.
2- الواقعية صراع من أجل القوة في العلاقات الدولية لأنه لا وجود لقوة فوقية.
3- تعتبر الدول، من المنظور الواقعي، أهم الفاعلين على الإطلاق.
4- تحتاج الدول للأمن (القومي) لحماية مصالحها الوطنية ويدخل ضمن هذا الإطار سعيها لاكتساب القوة.
5- الدول فواعل عقلانيون يسعون لتعظيم الفوائد وتقليص التكاليف المتلازمة مع سعيها لتحقيق أهدافها.

الأمن الجماعي والسلام الديمقراطي
الليبرالية هي من المنظورات التي تمتلك تصورا أمنيا مخالفا للواقعية. هذا الاتجاه يعتبر الأمن القومي والتحالفات نتاجا لتطبيق المنظور الواقعي. لكن الليبيراليين يمتلكون تصورا بديلا يتمثل في الأمن الجماعي وهو، وفقا لـ قولدستين، يتمثل في “تشكيل تحالف موسع يضم أغلب الفاعلين الأساسيين في النظام الدولي بقصد مواجهة أي فاعل آخر”. وقد وضع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أسس هذا التصور قبل قرنين من الزمن، عندما اقترح إنشاء فديرالية تضم دول العالم، حيث تتكتل غالبية الدول الأعضاء لمعاقبة أية دولة تعتدي على دولة أخرى. وهذا يعني أن الدول الأعضاء في منظومة الأمن الجماعي ستتعاون مع بعضها البعض ضد أية دولة تسعى لتحقيق مصالح ضيقة. وهي الفكرة التي استند إليها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في تصوره لعالم يسوده السلام. وهو الذي قرر بعد نهاية الحرب العالمية الأولى إنشاء عصبة الأمم لتعزيز السلام في العالم في ظل الصور المروعة لضحايا الحرب. وقد صرح في جانفي 1918 بضرورة أن تقوم هذه العصبة على 14 ركيزة ستقود إلى نظام عالمي مستقر لما بعد الحرب، بما فيها ضمان حق الاستقلال للبلدان الصغيرة التي كانت ضحية لنظام توازن القوى، وإضافة إلى إنشاء منظمة دولية تسهر على إقرار الأمن كبديل لنظام توازن القوى.
لكن ولسوء الحظ، فقد أدت الفاشية في كل من ألمانيا واليابان إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك الحين لم يتمكن نظام الأمن الجماعي من فرض نفسه تاركا المجال للأمن القومي والتحالفات التي ميزت العالم خلال فترة الحرب الباردة. على أن العديد من البلدان عملت في هذه الفترة على إنشاء منظمات للأمن الجماعي في مواجهة منظور الأمن القومي، وهذا ليس بهدف تعزيز أمنها العسكري فحسب بل الاقتصادي والثقافي أيضا، ومن بينها الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية وغيرها. بل إن الأمم المتحدة في حد ذاتها أنشأت في المقام الأول للعب دور منظمة أمن جماعي وذلك على الرغم من هيمنة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن. ومما سبق فإن الأمن الجماعي يؤدي نظريا أربعة وظائف:
1- الرد على أي عدوان أو أية محاولة لفرض الهيمنة- ولا يتعلق الأمر فقط بالأفعال التي تستهدف بلدانا بعينها.
2- يتم إشراك كل الدول الأعضاء وليس ما يكفي من الأعضاء لصد المعتدي.
3- تنظيم رد عسكري – ولا يترك للدول منفردة تحديد ما تراه إجراءات مناسبة تخصها وحدها.
ورغم وجود الكثير من العقبات في وجه تجسيد الأمن الجماعي، إلا أن هذا التصور الكانطي لا يزال قائما، وقد ثارت العديد من النقاشات حول هذه المسألة، والتي تصاعدت حدتها مع “نظرية السلام الديمقراطي” و”المجموعة الأمنية التعددية”، فضلا عن “نظام العصور الوسطى الجديد” الذي أبرزته سياسات ما بعد الحرب الباردة. لكن ومهما اختلفت التسميات إلا أن هذه التصورات تشترك في نقطة واحدة وهي أن البلدان الديمقراطية لا تلجأ إلى الحرب ضد بعضها البعض.
مع نهاية الحرب الباردة انساقت الدولة–الأمة تدريجيا بعيدا عن تبني الصيغة القديمة للأمن القومي ساعية إلى إيجاد صيغ أخرى للأمن، لأنه أصبح يتعين على هذا المفهوم أن يكون مجهزا للتعامل مع الأزمات الإقليمية، وأزمة الغذاء، وأزمة الطاقة، وأزمة التلوث البيئي وغيرها. هذه الأزمات الأربعة تعتبر حساسة جدا للحياة الإنسانية.
التصور النقدي للأمن
احتدام النقاش بين التصورين الواقعي والليبرالي للأمن والتحولات الحديثة أثارت الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن في إطار الأمن النقدي. هذا المفهوم يجد جذوره في النظرية النقدية التي وضع أسسها منظرو مدرسة فرانكفورت من أمثال “ماكس هوركهاير”، و”تيودور أدورنو” و”يورقن هابرماس”. وتقدم المقاربات النقدية نفسها على أنها أكثر اهتماما بعرض أزمة استعراض الظواهر في الفكر الغربي (التنويري) وبالخصوص القضايا المتعلقة بالأسس، والنهايات، والاختلاف، وسلم المعرفة والرأي، والروايات الكبرى وغيرها، كما تدعي أن لديها الأدوات التحليلية الكفيلة بتوضيح المسار الذي أخذه النقاش حول مفهوم الأمن ليأخذ شكله النهائي من خلال الأمن النقدي.
وفي هذا الصدد يقول “كين بوث” إن: “طريقتي في التعامل مع هذا النقاش النقدي هو أنني أرحب بأية مقاربة تمكننا من مواجهة المعايير المشؤومة للدراسات الاستراتيجية للحرب الباردة، للوصول في نهاية الأمر إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن، طالما أن هناك التزاما بـ”الانعتاق” (مقابل ترك موازين القوة كما هي). وفي هذا الاتجاه، فإن بوث يرى أن الأمن يعني “الانعتاق”. وهكذا فإن التصور المحوري حول أمن العهد الجديد مرادف للانعتاق، والذي يعني، حسب كين بوث، “تحرير الشعوب من القيود التي تعيق مسعاها للمضي قدما في اتجاه تجسيد خياراتها، ومن بين هذه القيود: الحرب، والفقر، والاضطهاد ونقص التعليم وغيرها كثير”. وبالنتيجة فإن الأمن النقدي يمكنه أن يتعامل مع أي من التهديدات التي لم تؤخذ بعين الاعتبار، مثل الكوارث الطبيعية والفقر، وذلك لأن النقاش الأمني القائم، وبالأخص الواقعية وفكرها الدولاتي–التمركز، لا يمكنها من التعامل مع أي تهديد آخر عدا النزاع بين الدول.

خلاصة
إذن، وبناء على ما سبق، فإن تصور الأمن ارتبط بالواقعية، والذي يقوم على افتراض أن الأمن يتحقق بواسطة الدولة–الأمة، وبأن ذلك يحول دون نشوب النزاعات بين الدول. لكن بعد الحرب الباردة، أثارت القضايا الجديدة إشكاليات عديدة بالنسبة لمفهوم الأمن كالكوارث الطبيعية والفقر. ونحن الآن بحاجة إلى تصور الأمن النقدي لإقرار مصادر مشكلاتنا، ولتحديد حلول لها، ثم حلها بهدف تعزيز رفاهيتنا.

ماذا حدث في مؤتمر فيينا ..

كاتب الموضوع الأصلي: مساعد العثمان 704

مؤتمر فيينا 1815
عبارة عن مؤتمر لسفراء الدول الأوروبية ترأسه رجل الدولة النمساوي كليمنس فينتزل فون ميترنيخ عقد المؤتمر في فيينا في الفترة من أيلول / سبتمبر 1814 إلى حزيران / يونيو 1815 كان هدفه تسوية العديد من القضايا الناشئة عن حروب الثورة الفرنسية والحروب النابليونية وتفكك الإمبراطورية الرومانية المقدسة. أسفر هذا المؤتمر عن إعادة رسم الخريطة السياسية للقارة، ووضع حدود لفرنسا ودوقية نابليون في وارسو وهولندا وولايات نهر الراين والمقاطعة الألمانية في ساكسونيا وعلى الأراضي الإيطالية المختلفة وإنشاء مناطق نفوذ لكل من فرنسا والنمسا وروسيا وبريطانيا تتوسط فيها تلك الدول في حل المشاكل المحلية والإقليمية. كان مؤتمر فيينا نموذجاً لعصبة الأمم والأمم المتحدة بسبب هدفها في إحلال السلام من جانب جميع الأطراف.

كانت الخلفية المباشرة هزيمة فرنسا النابليونية واستسلامها في مايو/ أيار 1814 الأمر الذي وضع حداً لـ 25 عاماً من الحرب المتواصلة تقريباً. استمرت المفاوضات على الرغم من اندلاع القتال الناجم عن عودة نابليون من المنفى واستعادته للحكم في فرنسا خلال مئة يوم من آذار / مارس إلى تموز / يوليو 1815 الوثيقة الختامية للمؤتمر وقعت قبل تسعة أيام من هزيمته النهائية في واترلو في 18 يونيو/ حزيران 1815

الأمر المثير للاهتمام في مؤتمر فيينا هو أنه لم يكن مؤتمراً بالمعنى الحرفي للكلمة حيث لم تعقد جلسة عامة أبداً كما جرت معظم النقاشات بصفة غير رسمية، ووجهاً لوجه بين القوى العظمى مثل فرنسا والمملكة المتحدة والنمسا وروسيا وفي بعض الأحيان بروسيا، مع مشاركة محدودة أو معدومة من قبل المندوبين الآخرين. من ناحية أخرى كان الكونغرس المحاولة الأولى في التاريخ حيث تجتمع القوى على نطاق القاري بهدف الوصول إلى معاهدة، بدلا من الاعتماد أساسا على الرسل والرسائل بين العواصم المختلفة. أدت التسوية في نهاية مؤتمر فيينا – على الرغم من التغييرات اللاحقة – لتشكيل إطار للسياسة الدولية الأوروبية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914