أ.د. أحمد محمد وهبان

تركيا تعيد النظر في سياساتها الإقليمية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 6,20

تركيا تعيد النظر في سياساتها الإقليمية
بكر صدقي
الأحد ٢٤ نوفمبر ٢٠١٣

لا يمكن الفصل بين السياسة الأميركية الجديدة نحو إيران، وعودة الدفء إلى العلاقات التركية مع كل من حكومة المالكي وإيران. ثمة مسار جديد بدأ بعد تأمين السلاح الكيماوي لنظام دمشق، من شأنه أن يعيد رسم التحالفات على الصعيد الإقليمي. وها هو نظام السيسي في مصر يستقبل وفداً روسياً رفيع المستوى ضم وزيري الخارجية والدفاع معاً.

ما الذي يحدث؟

أردوغان الذي هزت ثورة شباب «تقسيم»، في مطلع حزيران (يونيو) 2013، اعتباره السياسي الداخلي إلى حد كبير، يواجه اليوم استحقاقات الانتخابات البلدية والنيابية والرئاسية المقبلة على التوالي في 2014، بإعادة النظر في سياسته الخارجية المتمحورة، إلى حد بعيد، حول سورية وثورتها. سياسة الحدود المفتوحة أمام عبور المجاهدين والسلاح إلى الأراضي السورية التي اتبعتها أنقرة طوال سنتين، أدت إلى ولادة دولة «داعش» ذات المرجعية «القاعدية». وإذا كانت حرب «داعش» على مناطق نفوذ حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD) تدغدغ الغريزة التركية المتوجسة دائماً من كل ما هو كردي، فإن اتهام الحكومة التركية بدعم أحد فروع القاعدة في سورية يحمّلها كلفة سياسية ومعنوية باهظة إزاء حلفائها الأطلسيين وأصدقائها الخليجيين معاً.

ما العمل إذاً وتركيا محشورة، بحكم حقائق الجغرافيا الصلبة، بين قيام كيان كردي جديد على حدودها الجنوبية تحت سيطرة عدوها اللدود، وبين خطر امتداد الإرهاب القاعدي إلى داخل أراضيها بالذات؟

بدلاً من استثمار الفرصة التي أتاحتها زيارة رئيس الاتحاد الديموقراطي صالح مسلم إلى تركيا، قبل أشهر، للبحث في مصالح مشتركة مع الحزب الكردي الأقوى في سورية، في الوقت الذي يدعي أردوغان أنه يعمل على مسار تسوية تاريخية مع حزب العمال الكردستاني داخل تركيا، اختار الأسوأ: تمتين العلاقة مع القائد الكردي العراقي مسعود بارزاني الذي دخل في خلاف حاد مع حزب صالح مسلم، على أمل أن يساعده الأول في لجم الثاني.

عشية زيارة تاريخية في دلالاتها الرمزية إلى «آمد» (دياربكر) التي يعتبرها الكرد عاصمة دولتهم المحتملة، للقاء أردوغان، أطلق مسعود بارزاني تصريحات هي الأكثر حدة ضد سياسة حزب الاتحاد الديموقراطي في سورية. قال بالحرف الواحد: «إن ما يجري في «روج آفا» (غرب كردستان) ليس ثورة كما يزعم الاتحاديون». «ثورة ضد من؟!» قال بارزاني مستنكراً: «كل ما في الأمر أن الاتحاد الديموقراطي بسط نفوذه العسكري على المناطق التي انسحب منها نظام الأسد طوعاً، ويريد فرض هيمنته بالقوة على كرد سورية»، متهماً حزب صالح مسلم بعقد صفقات سرية مع نظام الأسد ضد الثورة السورية.

لا يمكن عزل هذه التصريحات البعيدة من اللغة الديبلوماسية الرصينة المألوفة من بارزاني، عن حدث آخر جرى قبل أيام، من شأنه أن يشكل اختراقاً كبيراً في الوضع الإقليمي المحيط بسورية: إعلان الإدارة الإقليمية الذاتية في «روج آفا» أي المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية في شمال سورية وشمالها الشرقي، في أعقاب انتصارات عسكرية لمقاتلي الاتحاد الديموقراطي على مقاتلي دولة العراق والشام الإسلامية (داعش).

يمكن الـقول إن الفرع الـسوري للكردستـاني يمـضي في مشروعه الخاص ببـسط هيـمنـته الـسـياسية والعسكرية على المناطق الكردية في سوريـة، عـلى حساب كل من زعامة البارزاني الكردية والدور الإقليـمـي التركي المضعضع أصلاً، على السواء. وإذا كان أردوغان يسعى إلى إقامة توازن دقيق في علاقاته العراقية بين الإقليم الكردي والعاصمة بغداد المتحالفة مع إيران، فقد أخفق في تأمين ظهره داخلياً إزاء حزب العمال الكردستاني الذي يهدد بقطع المسار السلمي مع أنقرة، واستعدى فرعه السوري النشيط على طول الحدود الجنوبية لتركيا، وتحول مجاهدو القاعدة المتسللون عبر تلك الحدود إلى عبء معنوي كبير على تركيا.

لا مفر أمام حكومة أردوغان، إذا أرادت تحرير عنقها من وزر «داعش»، أن تجد صيغة ما للتعايش مع حقيقة الكيان الكردي الجديد الآخذ في التشكل في المناطق الكردية من سورية. الأمر الذي يتيح لها أيضاً إعادة العملية السلمية مع حزب العمال الكردستاني في تركيا إلى سكتها الصحيحة، بصفتها مدخلاً ضرورياً لإطلاق يديها المكبلتين بعقدة من المشكلات الداخلية. لا مفر أمامها من إعادة نظر جذرية في سياستها «الإخوانية» على المستوى الإقليمي، ما دامت السياسة الجديدة لإدارة أوباما تسعى إلى التقارب مع إيران، بهدف تفكيك برنامجها النووي، وإضعاف الخط «الإخواني» الممتد من تونس إلى مصر وصولاً إلى سورية فتركيا.

إلى أي حد يمكن أن تمضي عملية إعادة صوغ السياسة الخارجية التركية إزاء الثورة السورية، بعد التقاربات الجديدة بين أنقرة وكل من بغداد وطهران، قبل انعقاد «جنيف – 2؟»، هذا ما ستكشف عنه الأيام والأسابيع المقبلة، ويتوقف على عوامل مستقلة عن إرادة الحكومة التركية.

«حزب الله»… بعد مرحلة إيران «المشاغبة» وسورية «الممانعة»!

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 6,20

«حزب الله»… بعد مرحلة إيران «المشاغبة» وسورية «الممانعة»!
محمد مشموشي
الأحد ٢٤ نوفمبر ٢٠١٣

لا يفعل «حزب الله» في هذه الفترة، بالتهديد بـ «قطع الأيدي والأعناق» والتلويح بـ «الانتقال إلى الهجوم»، إلا محاولة ترجمة ما وصفه أمينه العام السيد حسن نصرالله في آخر خطابين له بـ «الأمر الواقع» في لبنان إلى واقع قائم بالفعل ومسلّم بل ومعترف به من الآخرين، وليس مجرد «أمر واقع» بالقوة يدور جدال حوله كما كان حتى الآن.

أما دوافعه إلى هذا العمل، فتبدأ من إيران طبعاً ورغبتها المستجدة لدخول حظيرة الأسرة الدولية، من دون تجاهل سورية حتماً وما سيكون عليه نظامها مستقبلاً، ولا الانتهاء في لبنان. ولا حاجة للقول إن من شأن ذلك أن يفرض على الحزب واقعاً جذرياً مختلفاً، ليس فقط في المنطقة وما كان يقال عن «جبهة المقاومة والممانعة» فيها، بل أيضاً وخصوصاً في لبنان ومصير الحزب فيه. لهذا، لم يعد مقبولاً منه ولا كافياً لديه بالطبع أن يستمر في سياسة حكم البلد من الخلف (نظرية «الأمرالواقع») كما كانت حاله خلال السنوات الماضية، بل بات بصدد تحويل النظرية إلى حقيقة على الأرض… مسلم بها أولاً، ثم معترف بها بقوة الزمن، وربما شرعية ودستورية لاحقاً، تحت عنوان «المؤتمر التأسيسي» الذي طالما دعا إليه وطالب به سابقاً.

ذلك أن قيادة «حزب الله» تعرف جيداً، وربما أكثر من غيرها، أن إيران ضمن الأسرة الدولية لن تكون تلك الدولة المشاغبة والمشاكسة التي كانتها طيلة الأعوام الـ34 على مساحة المنطقة وحتى العالم، بالتالي فمهمة الحزب نفسه ستتغير من دون شك، إن لم يكن في الأمد القريب ففي زمن لن يطول، وإن لم يكن في المنطقة ودول الجوار (سورية وفلسطين تحديداً) فأقلّه في لبنان.

كذلك، باتت هذه القيادة تدرك أن النظام السوري لن يبقى كما كان، لا في سياساته الداخلية حتماً ولا كذلك في علاقاته مع العالم العربي وخضوعه الكامل لقرار إيران الخارجي، حتى لو لم ينجح مثلاً مؤتمر «جنيف – 2» أو «جنيف – 3» في تغيير بنيته جذرياً، أو حتى لو أن النظام نفسه نجح في توجيه ضربة قاصمة للثورة المسلحة ضده في يوم من الأيام.

كيف تكون حال الحزب بعد ذلك في لبنان؟ وأي دور يمكنه أن يلعبه فيه حتى لا نتحدث عن المنطقة كما كان سابقاً؟ وبعد ذلك، ما هو حال الطائفة الشيعية التي صادرها لسنوات وأخذها إلى سلسلة حروب مع اللبنانيين، فضلاً عن السوريين والفلسطينيين والمصريين والخليجيين، وصولاً إلى الكثير من دول العالم وشعوبها؟

هذه هي الأسئلة الكبيرة والمصيرية عملياً التي تنتصب في وجه «حزب الله» الآن، ويحاول أن يجيب عنها بطريقته المعتادة: تحويل ما يسميه «الأمر الواقع» المفروض بالقوة (المسلحة أساساً وغير المسلحة، والمذهبية أولاً ثم الطائفية عموماً، والداخلية والخارجية أيضاً) إلى أمر واقع بالفعل… وكخطوة على طريق قد لا ينتهي إلا بجعله مادة في دستور ما تحدث عنه علناً رئيس كتلته النيابية محمد رعد باسم «لبنان الجديد».

تأتي في المقدمة هنا مقولتا الحزب، ومعه حلفاؤه من المسيحيين لأسباب خاصة بهم، عن «الجيش والشعب والمقاومة» و «الثلث المعطل» في أية حكومة لبنانية يجرى تشكيلها الآن أو مستقبلاً. يريد الحزب، كما يردد قادته وإعلامه منذ غزوة بيروت في 7 أيار (مايو) 2008، أن يجعل المقولتين عرفاً أشبه بالقاعدة التي لا يجوز تجاهلها أو الخروج عليها. وفي هاتين المقولتين، عملياً، ما يصح وصفه بأنه تشريع لدور الحزب في الحياة السياسية اللبنانية باسم «المقاومة» من جهة أولى، و «فيتو» للمذهب الشيعي (عملياً للحزب أولاً وقبل كل شيء) في وجه الطوائف والمذاهب (حتى لا نقول الأحزاب) الأخرى… ما لا ذكر أو حتى تلميح له في الدستور ولا في «اتفاق الطائف» ولا كذلك في «الميثاق الوطني» الذي كان أساس قيام دولة لبنان في 1943.

وهذا تحديداً ما يعنيه قادته عندما يتحدثون عن «الأمر الواقع» وضرورة التسليم به، إشارة منهم إلى ما أمكن تحقيقه في الدوحة، وبالقوة المسلحة العارية نتيجة اجتياح بيروت وبعض الجبل. بل أكثر، فإنهم تعمدوا أن يقفزوا بعد هذا «الإنجاز» فوق ما ورد في اتفاق الدوحة لجهة التعهد بعدم الاستقالة من الحكومة… فأخذوا عملياً ما يريدون، ثم أخلّوا بما التزموا به. وهم يعتبرون الآن ما أخذوه مشروطاً وتمريراً لمأزق كان يعيشه اللبنانيون يومها (احتلال قلب العاصمة، ولا رئيس جمهورية، ومجلس نواب مقفل بقرار متعمد من الحزب وحليفه حركة «أمل» ورئيسها نبيه بري) وكأنه «حق» لا يجوز لأحد الجدال فيه.

أما عن «لبنان الجديد» هذا، فيقول قادة الحزب والناطقون باسمه إنه «لبنان المقاومة» فقط لا غير، أي لبنان «حزب الله» كما هي حاله في هذه المرحلة من تاريخه، وأنه لا لبنان بعد الآن من دون هذه المقاومة أو هذا الحزب.

لكن أية «مقاومة» بعد قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701 للجنوب اللبناني، وتحول الحزب إلى ميليشيا تقاتل دفاعاً عن نظام الاستبداد والإبادة الجماعية في سورية وضد شعبها، ولاحقاً تفكك وانتهاء ما يسمى «جبهة المقاومة والممانعة»؟

الواقع أن ما يسعى إليه «حزب الله»، وقد لا يرعوي عن استخدام السلاح مجدداً من أجله، هو حفظ وجوده ودوره في الحياة السيـاسية الـلبنـانية، ولكن أساسـاً وقبل ذلك وبعده انتزاع ما يمكنه من امتيازات سياسية لما يطلق عليه تارة اسـم «أشــرف الناس»، وأخرى «بيئة المقاومة»، وثالثة «شيعة الإمام علي».

وفي المرحلة التي يرى فيها الحزب أن زمناً ولى وآخر قيد التشكل الآن، سواء في إيران أو في سورية أو لجهة العلاقة بين النظامين فيهما والمجتمع الدولي من ناحية والمنطقة من ناحية أخرى، فإنه يحاول إعادة تشكيل لبنان بما يتلاءم مع ضرورات بقائه… أولاً ممثلاً للطائفة الشيعية، وثانياً حامل لواء إنجاز ما يعتبره «حقوقاً» لها فيه.

ولم يكن ما فعله أمينه العام السيد حسن نصرالله ورئيس كتلته النيابية في الأيام الأخيرة، بالتهديد والصراخ بصوت عال وتوزيع الاتهامات، إلا مجرد إشارات دالة على ذلك.

روسيا والتقارب الأميركي – الإيراني

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 6,20

روسيا والتقارب الأميركي – الإيراني
فيودر لوكيانوف *
الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٣

لا شكّ في ان إيران والولايات المتّحدة عازمتان على تحسين العلاقات بينهما. فالاجواء الإيجابية تحيط بالجولة الثانية من المحادثات الإيرانية – الأميركيّة. وتترك هذه الانفراجات أسئلة حول الأسباب التي أدّت إليها بعد عقد ونصف عقد من النزاع؟ وما أثر هذه التغييرات في روسيا؟

لدى طهران أسباب براغماتية (عملانية) لتليين موقفها. فالعقوبات الاقتصادية أرهقت الشعب، وهي تعوق التطور الإقتصادي والسياسي. وعلى سبيل المثل، تعوق العقوبات الاممية انضمام إيران إلى المنظمات الدوليّة مثل منظمة شنغهاي للتعاون. ويضاف إلى العقوبات الاممية عقوبات الاتحاد الاوروبي واميركا، فتحكم الطوق على ايران ولا تترك مجالاً واسعاً للمناورة. وسـاهم بلـوغ شـخصيّة محترمة مثل حسن روحاني موقع الحكم وتربعه محل محمود أحمدي نجاد المكروه، في تغيير الخطاب السائد.

ويريد الأميركيون الخروج من حلقة النزاع المزمن مع إيران. فالوضع في الشرق الأوسط في تغير مستمر. وعلى الولايات المتّحدة أن تتكيف مع الأوضاع الجديدة. ورقد تشرع العلاقة بإيران أبواب التواصل الاميركي مع العالم الإسلامي الشيعي. ومثل هذا الانفتاح يمنح واشنطن مجالاً أوسع للمناورة في منطقة تغدو أكثر اضطراباً مع مرور الوقت.

وترفع هذه المعطيات فرص التوصل إلى الاتفاق. لكن هذا لا يعني أن الطرفين مستعدان للتضحية بمواقفهما من أجل تسوية من غير خاسر. وتشارك روسيا مشاركة فعالة في المحادثات الجارية بين الطرفين. ولكن سيخسر الكرملين «الحظوة» التي يتمتع بها في إيران؟ فالأخيرة ترزح تحت العقوبات، ولا غنى لها عن روسيا كشريك لا بديل عنه. وثمة احتمال أن تتخلى الدولة المعزولة عن صداقة الدولة الكبرى (روسيا) لحظة زوال الخطر والعزلة، كما حدث في يوغوسلافيا في عهد ميلوسوفيتش وليبيا في عهد القذافي. وإذا كانت الشراكة الروسية – الايرانية قائمة حصراً على غياب البديل، فإنها عاجلاً أم آجلاً ستزول.

ويؤدي تخفيف الضغط عن إيران إلى ارتفاع مستوى المنافسة على السوق الإيرانية ما يؤثر سلباً في روسيا. ولكن لا مفر من المنافسة. وحري بموسكو اقتناص اللحظة السياسيّة ومواكبة الإنفتاح الإيراني للحفاظ على العلاقات الجيدة بإيران.

وخلطت الازمة السوريّة الاوراق في الشرق الأوسط. وأدّت صلابة الموقف الروسي إلى نتائج غير متوقعة. ووجد الكرملين نفسه في خندق واحد مع طهران لأسباب تجاوزت المصالح المشتركة. والحق أن بروز تحالف سنده ديني وجيوسياسي يمتد من موسكو الى طهران وبغداد ودمشق وصولاً إلى «حزب الله» جعل روسيا لاعباً إقليمياً قوياً. وهذا ما لم يكن في الحسبان قبل سنتين.

ولا تعني الانفراجات الاخيرة انّ إيران ستبرم حلفاً مع اميركا. وتحول دون ذلك دواعٍ سياسيّة وثقافية. والولايات المتّحدة غير مستعدة للدخول في هكذا تحالف ولا ترغب في إغضاب حلفائها الحاليين في المنطقة. لكن تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة سيساعد إيران على تحصين مواقعها الإقليمية.

وخلاصة القول إن قوة إيران في الشرق الأوسط ستكون عاملاً إيجابياً تستفيد منه روسيا التي تربطها علاقات وطيدة بالنظام الاسلامي في طهران. ولا يستهان بمكانة إيران في المشروع الروسي. فموسكو تسعى الى الاستدارة إلى الشرق، سواء على مستوى الاتحاد الجمركي أو في المجال الامني في آسيا الوسطى، وتوسيع منظمة شنغهاي للتعاون من غير أن نغفل الدور الكبير الذي تلعبه إيران في الساحة السوريّة.

* محلل سياسي، عن «روسييسكايا غازيتا» الروسيّة، 13/11/2013، إعداد علي شرف الدين

مستقبل أكراد العراق وسورية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 6,20

مستقبل أكراد العراق وسورية
صوفيا بارباراني ومايكل ستيفنز *
الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٣

في منطقة تعمها الانتفاضات السياسية والاضطراب، يبدو إقليم كردستان واحة سلام في عين العاصفة. وعدد سكان الإقليم المزدهر نحو 4 مليون كردي. والشوارع تتكاثر في العاصمة أربيل وتتثنى حول المباني القديمة والجديدة. وأينما تلفَّتَ المرءُ ألفى مولات وأبراجاً. ولكن حكومة إقليم كردستان ترى أن المخاطر الأمنية تتهددها على وقع تفاقم الحرب في سورية. وفي مطلع الجاري، أوقفت قوات الاستخبارات انتحاريين قبل أن يفجرا مقر الاستخبارات العامة، وتبين أن أحدهما سوري والثاني عراقي عربي. ولكن الحظ لم يحالف القوات الأمنية في 29 ايلول (سبتمبر) الماضي، ودوت سلسلة انفجارات في اربيل راح ضحيتها 6 قتلى وسقط عشرات الجرحى. ووراء هجمات أيلول هذه «الدولة الاسلامية في العراق والشام». واستهدفت هذه الحركة إقليم كردستان رداً على دعم حكومته أكراد سورية، ففي آب (أغسطس) المنصرم، اشتدت المعارك بين المقاتلين الأكراد و «داعش»، وسرت معلومات عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى في صفوف المدنيين الأكراد. فأعلن الرئيس مسعود برزاني بأن كردستان العراق لن يتوانى عن الدفاع عن الكرديات والأطفال ومواطني غرب كردستان.

وثمة انعطاف سكاني ضخم يطاول بنية إقليم كردستان إثر تدفق 235 الف لاجئ إليه من سورية هرباً من النزاع. وارتفع عدد سكان دهوك 15 في المئة في أقل من عام، وزاد «الضغط» على المرافق العامة والمدارس والمستشفيات. وفي شوارع أربيل، يتناهى إلى المسامع اللهجة الكردية السورية، كرمنجي، وهي صارت شائعة. وتشيد مخيمات جديدة على مشارف العاصمة لاستقبال النازحين الجدد. ويقول هيمين هورامي، مسؤول العلاقات الخارجية في حزب «كردستان الديموقراطي»، إن الإقليم يستقبل اللاجئين ويوفر لهم الخدمات الأساسية والتعليم، ولكنه لا يريد أن يستوطن اللاجئون كردستان العراق فتخلو المناطق الكردية في سورية من السكان ويحل محلهم آخرون. وبذلت حكومة كردستان العراق نحو 65 مليون دولار مساعدات للاجئين. ولكن المجتمع الدولي يتجاهل أزمتهم، في وقت تنفد قدرات الإقليم.

وقد يساهم تفاقم حِمل اللاجئين في بروز توتر بين السوريين والأكراد العراقيين أو قد يعزز اختلاط أكراد العراق بأكراد سورية الوحدة الكردية. وتتمسك حكومة الإقليم بوحدة العراق، وتعلن أنها لن تنفصل عن عراق فيديرالي ديموقراطي إلا إذا لم يفلح العراقيون في تذليل خلافاتهم.

ولا يبـدو أن دواعي انفصال أكراد سورية أو أكراد العراق عن الدولة – الأمة الـســورية أو الـعراقيـة للالتحام في بلد واحد، يـعـتد بـها. فالمـشـاعر القـومـية الــكردية لا تشد لحمة الاكراد على نحو ما يحـسب كثـر في الغـرب. والـنـزاع الـسـوري سـلـط الضوء على الشقاق في الحركة الكردية. وخـير مثـل علـى ذلـك هو خـلافات أبـرز الأحـزاب الكردية السورية، «حزب الاتحاد الديموقراطي»، مع الأحزاب الكردية العراقية.

ويطعن الحزب هذا في نمـوذج كردسـتان العراق، ولا ينـتخـبه قـدوة لـه، علـى نـحـو ما يـدعو بارزاني. ويشـعر أكـراد سـورية أن «أشــقاءهـم» في الـعراق يفـرضـون عليـهم نموذجاً سياسياً. وينظر «حزب الاتحاد الديموقراطي» بعين الريبة الى المساعدات العسكرية والإنسانية الكردية العراقية المرسلة إلى المناطق الكردية السورية.

ومأخذ كردستان العراق على هذا الحزب هو استئثاره بالقرار الكردي. ولم تسمح إدارة الإقليم الكردي العراقي لمسؤولي الحزب بدخول أراضيها، ومنهم رئيس الحزب صالح مسلم. وفي 11 الجاري، غرد «حزب الاتحاد الديموقراطي» خارج السرب الكردي العراقي، وأعلن مشروع إنشاء حكومة انتقالية في سورية الكردية.

وتعاظم نفوذه يتزامن مع تقاقم التوتر مع حكومة كردستان العراق. وليس العجز عن تحسين العلاقات بين اكراد سورية واكراد العراق حجر العثرة الوحيد الذي يحول دون توحد الجبهة الكردية، فالقوى الخارجية تتوسل هشاشة العلاقة بين الأكراد. وعلى رغم أن العلاقات الاقتصادية بين كردستان العراق وتركيا وإيران قوية، تؤازر أنقرة مجموعات المقاتلين الإسلاميين التي تتواجه مع أكراد سورية، وتدعم طهران النظام السوري الذي يرمي إلى إحكام قبضته، عاجلاً أم آجلاً، على المناطق الكردية. ولا يخفى على المسؤولين في كردستان العراق أن آثار الحرب السورية في العراق المقطع الأوصال قد ينجم عنها فرصة لإرساء دولتهم الطرية العود وتمتين أسسها والبروز قوة إقليمية. وجولات المجابهة مع «القاعدة» في سورية والعراق سترسم وجه مستقبل الأكراد في البلدين.

* صحافية، ومحلل، عن «فورين بوليسي» الأميركية، 14/11/2013، إعداد منال نحاس

غزوة السفارة الإيرانية!

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 6,20

غزوة السفارة الإيرانية!
موسى برهومة *
الإثنين ٢٥ نوفمبر ٢٠١٣

حرصت «جماعة كتائب عبدالله عزام» لدى تبنيها المسؤولية عن تفجيريْ السفارة الإيرانية في بيروت، على أن تصف الحادثة بـ «الغزوة» في امتياح واضح من المعجم الديني التراثي، وكأن ما جرى في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية يضاهي غزوة «بدر» أو «أحد» أو «الخندق».

وتحيل مفردة «غزوة»، كما استقرت في المخيال الإسلامي الجمعي، إلى مواجهة مع خصوم خارجين عن ملّة الإسلام، وهو ما ألمح إليه تصريح سراج الدين زريقات أحد الأعضاء البارزين للجماعة المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، على حسابه على «تويتر»، إذ أكد أن التفجيرين «عملية استشهادية مزدوجة لبطلين من أبطال أهل السنّة في لبنان».

ولدى أنصار القاعدة والجماعات الموصوفة بـ «الجهادية» منظومة تشريعية واسعة تؤسس لأفعالها استناداً إلى الوفير والمتناثر من الأسانيد والروايات الفقهية والأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين وبعض التفسيرات المقتطعة من سياقها لآيات قرآنية.

بمعنى، أن تلك الجماعات مغطاة شرعياً، وحائزة تفويضاً دينياً بالقتل، سواء استهدف مقاتلين مسلحين في مواجهة عسكرية، أو سكاناً مسالمين، أو أبرياء لا صلة لهم بالخصومات السياسية، ولا ذنب لهم إلا وجودهم في مرمى الموت العبثي.

ولعل من شأن هذا «التفويض الديني» المزعوم أن يعقّد آليات مواجهة هذه الجماعات، ويمنع «المُغرّر بهم» من الالتحاق بمشاريع القتل التي تبشر بالجنة، والحور العين. فلدى هؤلاء ترسانة ضخمة من الفتاوى الجاهزة، أو تلك التي تأتي حسب الطلب، تجعل كل حركة أو سكَنَة وفقاً لأحكام الشريعة التي خاطوها بإحكام كي تكون على مقاس أهدافهم.

وإذا كانت «جماعة كتائب عبدالله عزام» ومختلف تشكيلات «القاعدة» تضع الشيعة في منزلة «الأعداء»، فإن الأمر لا يختلف عند التيارات الشيعية التي تحرّض على السنّة، وتنهل في ذلك من المعين الدفّاق ذاته للمنظومة الفقهية، ما يجعل الجناحين الأبرز في الإسلام يقتتلان على النص، وفي النص، ويختصمان حول تأويله.

إذاً، الحرب قبل أن تكون أدواتها القنابل الفتاكة والمدافع الهتّاكة، والأحزمة الناسفة، كانت تتخندق وراء متاريس التفسير الأيديولوجي للنص الديني الذي يوفر بطبيعته اللغوية «حمّالة الأوجه» الأرضية الصلبة للمعمار التأويلي الذي يصلح، في غالبيته لأن يستجيب المعنى ونقيضه في الآن عينه!

ومن شأن هذا الأمر، الذي تفجّر منذ مطالع الإسلام الأولى، وانسحب حتى اللحظة الراهنة، أن يضاعف الحاجة الماسة إلى نظر عقلاني للنص الديني يقوّض حجج الجماعات الدينية المسلحة، ويكشف جنوحها عن مقاصد الشرع المتصلة بحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

وخيرُ سبيل إلى تحقيق تلك المقاصدية وحقنها بأمصال التطور الحضاري الذي لا ينبغي للإسلام أن يتحرك في معزل عن شروطه، هو التفكير بإنتاج آليات تأويل جديدة مركزها العقل في فتوحاته التي دشنها المعتزلة، وصولاً إلى ما يمكن تسميته «الإسلام العملي» الذي لا يغمر الحياة بتفصيلاتها الجزئية السيّالة، ولا يضيّق على الإنسان، ولا يصنع أصفاداً لمأكله ومشربه وملبسه ومعاشه، ما دامت حركية الإنسان غير منقطعة الصلة بالدائرة الإيمانية.

ومن الضروري أن يُنظر إلى دعوات «التجديد الديني» لا بوصفها «هرطقة وتجديفاً» وإنما باعتبارها حاجة ملحّة لوضع النص الديني في السياق التاريخي، والتعامل معه بطريقة جدلية مبدعة تخرجنا من الرؤى المحنّطة التي تريد مقايسة الراهن على لحظة غابرة قبل أكثر من ألف عام، وهو ما يشكل أكبر تهديد للنص الديني، ويعطل طاقة التأويل العقلانية التي يشتمل عليها.

إن من شأن الفتاوى التي تستجيب لإصدار أحكام في شرعية استخدام الدردشة في مواقع التواصل الاجتماعي، أن تسحب نظرها وتمده أكثر نحو الاشتباك مع قضايا العصر، لا في جانبها الشكلاني، وإنما في الأسس التي تكشف الروح الحضارية في الدين، وتجفف أوهام أنصار الجماعات الجهادية التي لا تتورع عن وصف مقتل الآمنين وترويعهم بأنها «غزوة»، على رغم أن الغزاة الحقيقيين المناهضين للتطور قابعون تحت العمامات، مهما اختلفت ألوانها!

* كاتب وأكاديمي أردني
المصدر : الحياة

روحاني ليس خاتمي آخر

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 6,20

روحاني ليس خاتمي آخر
محمد برهومة *
الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٣

أظنّ أن الكثيرين استعجلوا حين رأوا قبل أيام حجم التظاهرات الكبير في إيران، التي تبارت في رفع شعار «الموت لأميركا»، فراحوا يستنتجون بأن الرئيس الإيراني حسن روحاني يسير على نهج الرئيس محمد خاتمي وربما سيلاقي مصيره.

أمران مثيران للانتباه في التظاهرات يقابلهما أمران يثيران الالتباس والتساؤل. ما يثير الانتباه هو: أولاً، أن تلك التظاهرات المناهضة للولايات المتحدة كانت الأولى منذ انتخاب روحاني، حيث أن الأخير ينادي بنهج أكثر اعتدالاً تجاه أميركا بعد عقود من العداء الصريح. ثانياً، أن هذه التظاهرات الضخمة التي انطلقت في الذكرى السنوية الرابعة والثلاثين لاحتلال السفارة الأميركية في طهران، وتمّ فيها ترديد شعار «الموت لأميركا» بأربع لغات هي الفارسية والتركية والإنكليزية والعربية، تعدّ الأكبر في حجمها ونطاقها منذ سنين. أما ما يثير الالتباس فهو أن تلك الهتافات تلقي شكوكاً حول ما قيل قبل أشهر حين فاز روحاني بالرئاسة، حيث قيل إن هذا تفويض من الإيرانيين بالرغبة في رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران حتى لو كان ذلك مقابل التصالح مع أميركا والغرب.

أما الأمر الثاني المثير للالتباس والتساؤل فهو أن تلك التظاهرات الضخمة الصادحة بشعارات «الموت لأميركا» والتي أحرقت فيها صور الرئيس الأميركي باراك أوباما، جاءت بعد يومين فقط من تعبير قائد الثورة في إيران، علي خامنئي، عن مساندته الكبيرة والقوية للمفاوضين الإيرانيين، رافضاً وصفهم بـ «المساومين» على حقوق إيران.

المرجّح أن «الحرس الثوري الإيراني» والجناح الأصولي والمحافظ في إيران قويّان بما فيه الكفاية ويحوزان نفوذاً متعاظماً يجعل من غير المقنع الحديث عن أنهما يريدان عبر تلك التظاهرات الضخمة عرض قوتهما ونفوذهما. فالمشهد اليوم في إيران ليس صراعاً بين الإصلاحيين والأصوليين كما كان الأمر زمن الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، الذي كان فوزه سحباً من نفوذ الأصوليين والمحافظين، ممن صمموا إثر فوز خاتمي على إفراغ قوته في مؤسسات الدولة الإيرانية والأجهزة الأمنية والعسكرية، ما جعل خاتمي رئيساً بلا صلاحيات. هذا الأمر لا ينطبق على روحاني لسببين، أولهما أنه مثلما أن من الخطأ وصف هاشمي رفسنجاني بالزعيم الإصلاحي فمن الخطأ أيضاً إعطاء هذا الوصف لروحاني (الوسطي المحافظ المقرّب من دوائر صنع القرار في إيران)، حتى وإن نال دعم رفسنجاني وخاتمي في انتخابات الرئاسة التي فاز فيها. وثانيهما أن الانسجام الكبير بين مؤسسة المرشد في إيران والرئيس روحاني وحكومته القائمة إنما يهمّش فكرة الصراع بينهما كمحدد لتفسير تلك التظاهرات، أو التنديد من خلالها بالتفاوض مع الغرب أو الانفتاح عليه.

قبل أنْ تتمخض المفاوضات الإيرانية مع الغرب حول البرنامج النووي عن أي شيء نهائي كان من الصعب على إيران ألا تحيي طقساً سنوياً كهذا، بل ربما أن التوحد حول شعار «الموت لأميركا» يقدّم دعماً للوفد المفاوض الإيراني ورسالة قوية للخارج وليس العكس، هذا بالطبع لا يقلل من أهمية أنْ تعدّ الخارجية الإيرانية الملصقات العدائية الضخمة التي وضعت أمام مبنى السفارة الأميركية بأنها «غير شرعية»، وأن تقوم بلدية طهران بإزالتها الشهر الماضي. كذلك ليس بلا تأثير أو بعيد عن الدلالات أن يدعو في أكتوبر الماضي الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني إلى التخلي عن شعار «الموت لأميركا» قائلاً إن قائد الثورة الإيرانية الراحل الإمام الخميني، كان يعارض رفع ذلك الشعار وأنه وافق على منعه. وما الردّ القاسي والسريع من المعسكر المتشدد على تصريحات رفسنجاني تلك سوى تصفية حسابات شخصية معه، وهي تتمة لمنعه من خوض سباق الرئاسية الصيف المنصرم، ليس إلاّ.

المفاوضون الغربيون يدركون أنّ روحاني ليس خاتمي، وهم يدركون أن خريطة الطريق في شأن الملف النووي الإيراني الذي قدمها وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في أكتوبر الماضي في اجتماع جنيف الأول تحظى بتغطية خامنئي، وأن كلام ظريف عن سعي إيراني لبناء جسور الثقة مع الغرب ليس بعيداً عن هذا السياق، وإذا ما تم تجاوز نقطة الخلاف الأساسية في هذه المفاوضات، وهي مستوى أنشطة التخصيب ومستواه ومكانه، فإنّ قائد الثورة خامنئي قادر بالطبع على تغطية روحاني وحكومته، وحينذاك قد نستعيد كلام اللواء حسن فيروز آبادي مؤخراً عن أن شعار «الموت لأميركا» لا يقصد به 99 في المئة من الشعب الأميركي وإنما يستهدف نسبة 1 في المئة التي تمثل الرأسمالية حصراً!

* كاتب أردني
المصدر : الحياة

برشلونه

كاتب الموضوع الأصلي: سلمان الشرهان80-20

برشلونة (بالإسبانية والكاتالانية: Barcelona) مدينة إسبانية تقع في الجزء الشمالي الشرقي من شبه جزيرة أيبيريا على شاطئ البحر المتوسط بين مصبي نهري يوبريغات وبيزيوس. تبعد 160 كم عن جبال البرانس تعد ثاني أكبر مدن إسبانيا بعد مدريد وعاصمة منطقة كتالونيا ومقاطعة برشلونة. يبلغ عدد سكانها حوالي 1.615.448 نسمة أما سكان المدينة بضواحيها فيتعدى الأربعة ملايين نسمة. أقيمت فيها الألعاب الأوليمبية عام 1992.

برشلونة هي ثاني أكبر مدينة في إسبانيا من حيث عدد السكان. يبلغ حوالي 1.6 مليون نسمة، معظمهم من إسبانيا وكتالونيا والباقي من المناطق الأخرى والمهاجرين حوالي 230.000 نسمة معظمهم من أمريكا اللاتينية: إكوادور، الأرجنتين وكولومبيا؛ ودول أوروبا الشرقية: أوكرانيا ورومانيا والدول الإفريقية المغرب، الجزائر ،السنغال ودول أخرى بنسبة أقل مثل باكستان.

تقع برشلونة على الساحل الشمالى الشرقى لشبه جزيرة إيبيريا، على ساحل البحر الأبيض المتوسط.على هضبة عرضها حوالي 5 كم (3 ميل) يحدها من جانبها سلسلة جبال كولسرولا، ونهر يوبريغات من الجنوب الغربي ونهر بيزوز من الشمال. مساحة هذه الهضبة 170 كم2 (66 ميل مربع) منها 101 كيلومتر مربع (38.9 ميل مربع) هي التي تحتلها المدينة نفسها.[1] و160 كم (100 ميل) إلى الجنوب من جبال البرانس وحدود كتالونيا مع فرنسا.

مناخ المدينة معتدل كمناخ مدن البحر الأبيض المتوسط. يعتبر معدل سقوط الأمطار حوالي 7.000 ملم سنويا، معظمها ينزل في فصل الشتاء، ويبلغ متوسط درجة الحرارة في أشهر السنة الدافئة (آب /أغسطس) هو 24 درجة مئوية، ومتوسط درجة الحرارة في الأشهر الباردة من السنة يناير -4 درجات مئوية.

إن برشلونة هي أولى المدن الصناعية الكبرى وهي مدينة تجارية وفيها مركز هام للسياحة (حيث أن 17% من العاملين في المدينة يهتمون في السياحة والفندقة)، ومن بنوكها بنك كايكسا كاتالونيا وبنك لا كايكساز.

إن هذه المدينة تحتوي على مركز فني هام، فيه أعمال لفنانين كبار بمجالات مختلفة كبيكاسو وميرو والرسام دالي. وأيضاً من بين المدارس والمؤسسات العالية للتعليم جامعة برشلونة من أقدم الجامعات الأوروبية والعديد من الجامعات الأخرى.

في مدينة برشلونة ناديان عريقان وكبيران ينتميان إلى الدرجة الأولى الإسبانية ولعبا في الكثير من الكؤوس والدوريات الأوروبية وهما:

نادي برشلونة وملعبها اسمه الكامب نو ويتسع حوالي 98.000متفرج وأكبر ملعب في أسبانيا وأوربا
نادي اسبانيول التي تلعب في ملعب استاد كورنيلا البرات الذي أسس في سنة 2009 والذي يتسع 40000
إضافة إلى نادي بندين واسم ملعبه هنجيرا، وأيضاً هناك العديد من الرياضات ككرة السلة وكرة اليد.

استضافت المدينة الألعاب الأولمبية الصيفية لسنة 1992. جلبت الألعاب ترقية كبيرة للمرافق الرياضية في المدينة.

يعتبر مطار برشلونة الدولي الذي يبعد 17كم (حوالي 11 ميل) من وسط برشلونة، ثاني أكبر مطار في إسبانيا، وأكبر مطار يقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط. ومطار برشلونة هو المركز الرئيسي لشركة الخطوط الجوية فيولينغ، بالإضافة إلى كلا من شركتي إسبانيا للطيران, وطيران أوروبا. يخدم المطار بشكل رئيسي الوجهات المحلية والأوروبية، لكن يوجد بعض شركات الطيران التي تقدم رحلات إلى أمريكا اللاتينية، آسيا، والولايات المتحدة. يرتبط القطار بالطرق السريعة في المدينة، قطار لنقل الركاب، ومن المقرر ربطه بخدمة الحافلات. كذلك تم إنشاء قاعة انتظار المسافرين (T1) واستخدمت في 17 يونيو 2009

يوجد أيضاً مطار أصغر هو مطار ساباديل قريب من بلدة ساباديل المجاورة. في هذا المطار يتدرب الطياريين، وتنطلق الرحلات التجارية، وكذلك الرحلات الجوية الخاصة. بعض شركات الطيران ذات التكلفة المنخفضة مثل ترانسافيا.كوم ورايان إير تفضل استخدام مطار جيرونا كوستا برافا الواقع على بعد 90 كيلومترا (56 ميلا) إلى الشمال من برشلونة، ومطار ريوس الواقع على بعد 77 كلم (48 ميل) إلى الجنوب من برشلونة.

العرب والقوة الناعمة… دروس من اليابان

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 6,20

العرب والقوة الناعمة… دروس من اليابان
وليد محمود عبدالناصر *
الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٣

تمتلك البلدان العربية الكثير من مصادر ما بات يعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ «مصادر القوة الناعمة»، من حضارات تاريخية قديمة ومظاهر ثراء ثقافي وفني ورياضي متنوعة والذي صارت دول في عالم اليوم لا تملك إلا القليل من مصادر «القوة الخشنة» من قوة عسكرية أو اقتصادية تنجح في حسن توظيف مصادر القوة الناعمة لديها بغرض تعزيز تماسكها الداخلي ودرجة اندماجها الوطني من جهة وتعظيم دورها الإقليمي وتوسيع دوائر نفوذها وتأثيرها في مختلف الدوائر المحيطة بها وتعزيز مكانتها الدولية من جهة أخرى، بل وتستفيد منها في تحقيق مكاسب سياسية ومغانم اقتصادية محددة مثل زيادة تدفقات الاستثمار والسياحة إليها.

إلا أنه من الثابت أن استفادة الدول العربية مما تمتلكه من مصادر قوة ناعمة لم يحدث حتى اللحظة على النحو الأمثل أو حتى على نحو مرضي، ما يوضح وجود أوجه خلل من جهة وقصور من جهة أخرى في صوغ وتنفيذ استراتيجيات وسياسات بغرض حسن توظيف هذه المصادر.

ومن المهم أن نحاول نحن العرب الاستفادة من تجارب دول أخرى كانت، ولا تزال، أكثر نجاحاً في مجال توظيف القوة الناعمة بشكل إيجابي مؤثر داخلياً وخارجياً. ومن هذه الدول بالتأكيد اليابان، التي لا تمتلك أياً من مصادر القوة العسكرية أو الموارد الطبيعية ولكنها نجحت عبر عوامل عديدة في طليعتها العنصر البشري وحسن التنظيم والالتزام وإتقان العمل، وغيرها من مكومات منظومة قيمية حققت التفوق والتميز، في تحقيق ما جرى على تسميته بـ «المعجزة اليابانية» في مجالات التقدم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي على وجه الخصوص.

واليابان، مثل الكثير من الدول العربية، تنتمي إلى أسرة حضارات العالم القديم، واكتسبت من عمقها الحضاري العديد من المظاهر الثقافية والفنية الباقية حتى اللحظة، وذلك بفضل تشجيع مؤسسات الدولة، بما فيها الإمبراطور وأسرته، لاستمرار هذه المظاهر والنظر إليها باعتبارها رصيداً يمكن البناء عليه في الداخل لتعزيز الشعور بالهوية الواحدة والانتماء المشترك لدى مختلف طوائف الشعب الياباني من جهة، وفي الخارج لبناء صورة حضارية وإيجابية عن اليابان وشعبها والسعي لجذب أعداد كبيرة من مواطني الدول الأجنبية إلى تعلم هذه المظاهر الثقافية والفنية والتميز فيها ومن ثم إيجاد رابط ثقافي ومعنوي بين هؤلاء وبين الدولة صاحبة الحضارة التي أنتجت هذه الفنون، وهي بالطبع اليابان، من جهة أخرى. ويندرج ضمن هذه المظاهر، على سبيل المثال لا الحصر، مسرح «النوه» (الأقنعة) الذي يروي التاريخ المختلط بالعقائد الدينية والمغلف بالأساطير والمفعم بالتقاليد، ودعم الدولة اليابانية لتقديم عروضه في مختلف أنحاء العالم وترجمه عروضه إلى مختلف لغات العالم الحية، وكذلك أزياء «الكيمونو» التقليدية للنساء والرجال على حد سواء، والسعي لأن تستوحى منها أزياء بالتصميم نفسه ولكن بشكل متوائم مع العصر الراهن والسعي لتسويقها والترويج لها خارج حدود اليابان من منظور حضاري وعلى أسس اقتصادية.

ولكن اليابان لم تكتفِ بالحضاري القديم فقط في توظيف مصادر قوتها الناعمة لتعظيم صورتها في الخارج ولأن تجعل من ذاتها نموذجاً ومقصداً ثقافياً في آن واحد، بل لجأت للحديث والمعاصر من هذه المصادر أيضاً، ومنها أدب «المانجا» الشهير، وهو نوع متميز من الكتابة الكاريكاتورية، سواء للروايات أو القصص أو حتى للوقائع التاريخية، وتضمنت لاحقاً أدباً موجهاً للأطفال حقق شهرة ذائعة الصيت في العالم بسرعة غير مسبوقة. وفي هذا السياق، تبنت الدولة في اليابان إرسال أدباء كتاب «المانجا» لعقد ندوات في دول كثيرة من مختلف القارات بغرض تأكيد المنشأ الياباني لهذا الأدب، وشرح دوافعه بهدف كسب فهم وتعاطف واسع وعالمي معه.

والمثال الثالث والأخير الذي نشير إليه هنا هو رياضة «السومو» اليابانية التقليدية، والتي كادت في مرحلة ما تقترب من نقطة الانزواء وربما بدأت مسار الزوال، ولكن الدولة اليابانية تدخلت سريعاً للحفاظ على هذه الرياضة ودعمها والترويج لها ولقــيمتــها، ليس فــقط الريـاضية، بل والأخلاقية والمعنوية أيضاً، بل وأصبح هناك تشجيع خاص للاعبين الأجانب في سياق هذه الرياضة وتقديم للحوافز لهم، بالإضافة إلى دعم إنشاء اتحادات لهذه الرياضة في البلدان الأخرى، سواء كاتحادات مستقلة أو كجزء من اتحادات رياضة «الجودو» في هذه البلدان، واستضافة معسكرات تدريب لفرق ومنتخبات الدول الأخرى داخل اليابان.

ولتحقيق هذا التوظيف الإيجابي لمصادر القوة الناعمة اليابانية، قديمة أو حديثة، ثقافية أو فنية أو رياضية، فإن اليابان أقامت «مؤسسة اليابان» التي هي بمثابة الذراع الثقافية للسياسة الخارجية اليابانية، والتي لديها علاقة عضوية بقطاع العلاقات الثقافية والديبلوماسية العامة بوزارة الخارجية اليابانية، كما أن هذه المؤسسة لديها علاقات تعاون مؤسسية متواصلة مع الجهات الحكومية المعنية من جهة أخرى مثل وزارة التعليم والثقافة والرياضة، كما أنها في حالة شراكة وتوعية وتفعيل مع مؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني اليابانية المعنية بتعزيز الدور الثقافي الياباني إقليمياً ودولياً، وذلك في إطار منظومة متناغمة وذات أهداف متجانسة ورؤية موحدة، وهو التعاون الذي يساعد أيضاً على توفير التمويل اللازم لهذا الترويج والتوظيف الممنهج لمصادر القوة الناعمة اليابانية في الخارج بما يجذب التعاطف والاهتمام، ومعه مكاسب اقتصادية مثل جذب تدفقات السياحة الخارجية إلى دولة لا تزال تنظر إلى نفسها على أنها تحقق أقل كثيراً من المستهدف في مجال جذب السياحة الأجنبية.

هذا هو النموذج الياباني في حسن توظيف مصادر القوة الناعمة القديمة والحديثة، الثقافية والفنية والرياضية، فهل يوجد ما تستفيد منه الدول العربية، فرادى ومجتمعة، في هذا المضمار، موضوعياً واستراتيجياً ومؤسسياً، أخذاً في الاعتبار ما لديها من رصيد هائل من مصادر هذه القوة؟

* كاتب مصري
المصدر : الحياة

النووي والدور والقاموس

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 6,20

النووي والدور والقاموس
غسان شربل
الإثنين ٢٥ نوفمبر ٢٠١٣

لم يخف باراك اوباما ان بلاده تعبت من الحروب ومن مسؤولية التفرد في قيادة العالم التي بدأت غداة انهيار الاتحاد السوفياتي. كشف ان بلاده لم تعد قادرة على تحمل أعباء هذا الدور ولم تعد راغبة فيه بعدما دفعها جورج بوش الى حربين باهظتين وزادت الازمة المالية العالمية في انهاكها.

رجلان سارعا الى التقاط هذه الرسالة – الفرصة، وهما قيصر الكرملين والمرشد الايراني.

رسمت ادارة اوباما اربعة محاور لاهتماماتها في الشرق الاوسط هي: ضمان تدفق النفط ونزع اسلحة الدمار الشامل ومكافحة الارهاب ومتابعة مسار السلام الفلسطيني-الاسرائيلي. واعتبرت الادارة ان هذه المحاور الاربعة تخدم الموضوعين الابرز في سياستها التقليدية في المنطقة، وهما امن النفط وأمن اسرائيل. وفي ضوء هذا التصور يمكن فهم ما حدث في سورية لجهة تقديم ملف السلاح الكيماوي على ما عداه والقبول بدور روسي في صناعة الحل وتفادي حرب تلحق الهزيمة بالدور الايراني في المنطقة وتضاعف شهية ايران لبناء قنبلة نووية.

في الاسابيع الماضية لم يخف اوباما ان بلاده تتجه نحو إبرام اتفاق مع ايران في الملف النووي. لم يخف ايضاً سروره بأنه اول رئيس اميركي يتحدث هاتفياً الى رئيس ايراني منذ العام 1979. قال هذا الكلام بوضوح لدى استقباله في بداية الشهر الحالي رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي استكمل عملية نقل رسائل كان بدأها الرئيس جلال طالباني منذ سنوات. وكان طالباني واثقاً بأن المفاوضات الاميركية – الايرانية آتية وستشمل الى الملف النووي المسائل المطروحة من افغانستان الى لبنان.

يقول احد الذين تابعوا الملف الايراني – الاميركي ان اتفاق جنيف ولد من «حاجة متبادلة». حاجة واشنطن الى الانسحاب من الشق العسكري من نزاعات الشرق الاوسط. وحاجة ايران الى وقف التدهور الذي اصاب اقتصادها بفعل العقوبات الغربية. وكذلك حاجة روسيا الى تكريس ما وفرته لها الأزمة السورية، اي حق المشاركة في صناعة الحلول في الشرق الاوسط. ويلاحظ ان مسارعة المرشد الايراني الى الترحيب بما تحقق في جنيف تظهر ان المسار الذي بدأ هو من قماشة الخيارات التي لا يمكن العودة عنها.

من المبكر فعلاً وضع لائحة بالخسائر والأرباح. لا يمكن اختزال الموضوع الايراني بالملف النووي وحده. الهجوم الايراني يقوم اصلاً على مسارين: مسار القنبلة ومسار الدور الاقليمي. وبالنسبة الى اهل الشرق الاوسط لا يقل المسار الثاني اهمية عن الاول. والاسئلة في هذا السياق كثيرة. هل تعتبر طهران اتفاق جنيف اعترافاً بها كدولة كبرى محلية وترى فيه غطاء لمواصلة الدور الذي يقوم على سلسلة من الاختراقات ادت الى تمزق النسيج الوطني في اكثر من دولة عربية؟ وهل يستطيع العرب القبول بدور ايراني من هذه الطبيعة وبهذا الحجم؟ وماذا عن النزاع الشيعي – السنّي المفتوح في المنطقة؟ وماذا عن الدور العربي في الاقليم؟ وماذا عن ادوار الدول العربية الرئيسية وتحديداً مصر والسعودية؟ وهل يمكن هذه الدول القبول بمقعد ايراني دائم في حل مشكلات اليمن والبحرين والعراق ولبنان وسورية؟ وهل ايران جاهزة للعودة الى احترام الحدود الدولية وهواجس جيرانها؟ هل تريد اللقاء معهم في منتصف الطريق ام تريد التفاوض معهم من موقع إملاء الشروط عليهم؟ هل يرد المتخوفون من اتفاق جنيف بالإصرار على قطع الدور الايراني وتحديداً في الحلقة السورية مع ما يمكن ان يرتبه نجاحهم في لبنان والعراق؟

لا يغيب عن ذهن اي متابع ان اميركا لا تستطيع ابرام صفقة كبرى مع ايران من دون ان يكون امن اسرائيل حاضراً فيها، ولو في صيغة تفاهمات خارج الطاولة. وهذا يعني احالة قاموس الممانعة على التقاعد. ومثل هذا القرار ليس يسيراً ولا شيء يوحي بأن ظروفه نضجت في الداخل الايراني. وقد يكون هذا ما قصده جون كيري حين تحدث عن الحاجة الى تغيير في السلوك الايراني لبناء علاقات دائمة مع اميركا.

المصدر : الحياة

كيف يُبّدل الاتفاق مع إيران وجهَ الشرق الأوسط؟

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 6,20

كيف يُبّدل الاتفاق مع إيران وجهَ الشرق الأوسط؟
جورج سمعان
الإثنين ٢٥ نوفمبر ٢٠١٣

«خطوة أولى كبرى» و«تقدم مهم على طريق الامن والسلام يصب في مصلحة بلدان المنطقة والسلام العالمي». لكنه لا يخفي وجود «صعوبات هائلة» في هذا الملف. إتفاق الدول الخمس الكبرى والمانيا مع إيران «نقطة تحول»، على رغم أنه «اتفاق على خطة عمل» لستة أشهر، كما وصفته مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين اشتون. أوصاف كثيرة أطلقت على ما تحقق في جنيف أمس بعد أيام شاقة من المفاوضات. لم تكن النتيجة مفاجئة. بدا منذ الجولة السابقة قبل أسابيع أن ثمة دينامية جديدة باتت تحكم مسيرة الحوار، ولا بد لها أن تنتهي إلى ما انتهت إليه. لا يهم إن كثرت التفسيرات واختلفت. نادراً ما خرج نص دولي لا يحتمل مثل هذا التفسير وذاك. من القرار 242 و338 وحتى «جنيف 1» الخاص بالأزمة السورية. إنها الطريقة الوحيدة لخروج الجميع رابحين. «الكل رابحون وليس هناك خاسر». هكذا عبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. يجب أن تربح واشنطن ومثلها طهران لحفظ ماء الوجه ولإسكات الغاضبين على الضفتين وما بينهما.

الإدارة الأميركية كانت تستعجل انجازاً يقطع الطريق على تحرك الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على طهران. ويفتح الباب أمام تسوية معضلات كثيرة ملحة في المنطقة لا غنى عن دور إيران فيها. وحكومة الرئيس حسن روحاني كانت هي الأخرى تستعجل اغتنام الفرصة والباب المفتوح على رغبة الولايات المتحدة وروسيا، للتوصل إلى ما ينقذ البلاد والنظام معاً من الانهيار. ولم تكن التصريحات الأخيرة المتشددة في صفوف الطرفين سوى رسائل إلى الداخل أكثر منها إلى الخارج. والهدف طمأنة المتشددين. كما أن التصلب والتعقيدات التي طبعت جولتي التفاوض كانت طبيعية ومتوقعة، لأنها عادة ما تسبق اللحظات الأخيرة من إبرام أي تسوية.

الاتفاق الأولي سيشكل نقطة تحول جوهرية. سيبدل وجه «الشرق الأوسط الكبير»، إذا اجتاز الطرفان امتحان الأشهر الستة. لذلك أثارت المفاوضات موجات من الغبار المصحوب بالغضب. في إسرائيل وبعض الدول العربية وحتى داخل الولايات المتحدة وإيران. سيبدأ عهد آخر في المنطقة يعيد رسم خريطة جديدة من العلاقات والمصالح والاستراتيجيات. ولعل أولى نتائجه طي صفحة الخيار العسكري. ولن يكون بمقدور حكومة بنيامين نتانياهو المستاءة، مهما بالغت في التباهي بقدرتها على التلويح بمثل هذا الخيار منفردة، أن تواجه إرادة المجتمع الدولي وقراره.

كان واضحاً في سير المفاوضات أن فرنسا حاولت إعاقة ما يعتبره بعض المتشددين «اندفاعة» وزير الخارجية الأميركي جون كيري لإبرام تفاهم في الملف النووي الإيراني، على شاكلة الاتفاق مع روسيا في شأن الملف الكيماوي السوري. وواقع الأمر أن جملة من الأسباب أملت على باريس مثل هذا الموقف قد يكون في مقدمها شعورها بأنه جاء نتيجة اتصالات سرية بين الأميركيين والإيرانيين. كما أنها خشيت أن تلدغ من الجحر الأميركي مرتين، كما حدث عشية الاستعدادات لتوجيه ضربة عسكرية لسورية. وبين الأسباب أيضاً أنها رغبت في كسب ثقة إسرائيل ليظل لها دور وموقع في أي تسوية إقليمية في الملف الفلسطيني أو غيره من الملفات. وثمة دوافع وجيهة أخرى أملت على باريس التروي هو حفاظها على مواصلة التفاهم والتنسيق مع الدول العربية، الخليجية منها خصوصاً، التي لم تخف ارتيابها وامتعاضها وخشيتها من قيام اتفاق أميركي – إيراني على حساب مصالحها وموقعها… كما حدث ويحدث في الأزمة السورية.

ترغب باريس، مثلما تفعل روسيا التي تغازل مصر هذه الأيام، في السعي إلى ملء حيز من الفراغ في الشرق الأوسط، والذي قد ينجم عن انتقال الثقل الأكبر من الاهتمام الأميركي إلى شرق آسيا وجنوب شرقها ووسطها. وتسعى إلى مزيد من التنسيق مع مجلس التعاون، انطلاقاً من الأزمة السورية والملف النووي الإيراني الذي تتجاوز مخاوف الخليجيين منه الشق العسكري إلى المسائل السياسية. فهؤلاء يخوضون صراعاً مديداً ضد التمدد الإيراني في شبه الجزيرة وفي الشرق الأوسط عموماً. من اليمن إلى البحرين والعراق وسورية ولبنان وبعض فلسطين… وحتى السودان. ويدركون جيداً أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران سيبدأ بالملف النووي ولا بد عاجلاً أم آجلاً من فتح الملف السياسي والاستراتيجي الشائك والمعقد.

ثمة مبالغة في الحديث عن انسحاب أميركي كامل من المنطقة. مثلما ثمة مبالغة في تقدير ما يتوافر لفرنسا وروسيا وغيرهما من وسائل وقدرات في السباق لملء الفراغ الذي سيخلفه هذا الانسحاب. لا يمكن الولايات المتحدة أن تدير ظهرها كاملا للشرق الأوسط وحلفائها فيه. لا يمكنها أن تتخلى ببساطة عن استراتيجية جهدت في بنائها قواعد وعقوداً عسكرية واتفاقات ومصالح سياسية واقتصادية واسعة، منذ ما قبل تطبيق «مبدأ كارتر» أواخر السبعينات من القرن الماضي. وأنفقت في سبيلها الكثير من الضحايا والمال. فالاتفاق بين واشنطن وطهران قد يعني تجاوزهما مرحلياً الايديولوجيا وتغليبهما المصالح الآنية التي فرضتها ظروف خاصة على كل منهما. وهي ظروف معروفة ولا تحتاج إلى شرح. إدارة الرئيس باراك أوباما تسعى إلى تهدئة طويلة تحتاج إليها في منطقة تتبدل فيها الأوضاع على وتيرة سريعة ومفاجئة. كانت تعول على بروز القوى الإسلامية المعتدلة في دول «الربيع» العربي لتقيم نوعاً من التوازن في وجه التمدد الإيراني، أولاً، ولمواجهة حركات التطرف من «القاعدة» وشقيقاتها ثانياً. لكن ما حل ويحل بهذه القوى «الإخوانية»، خصوصاً في مصر، ثم تصدع الجبهة التي كانت تتشكل بين القاهرة وأنقرة وعواصم خليجية عدة، دفعاها إلى حوار مع طهران تأجل منذ توصية «تقرير هاملتون – بيكر» في الولاية الثانية للرئيس جورج بوش الإبن. ويعتقد المتحمسون للتطبيع مع الجمهورية الإسلامية أنها قد تكون عنصراً فاعلاً مع روسيا وأميركا في مواجهة التطرف الإسلامي والجهادي. ويمكنها أن تشكل مع العراق كتلة نفطية وازنة في السوق الدولية.

يمكن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن يؤكد أن مفاوضات جنيف لم تتناول أي ملف آخر غير الملف النووي، لكنه يدرك أن واشنطن – ومثلها موسكو – راغبة في تسوية لأزمة سورية. وهو ما سيفتح الباب إلى ملفات أخرى، من لبنان إلى العراق فأفغانستان ومناطق أخرى. أي بدء مسيرة إعادة إيران إلى موقعها في المجتمع الدولي. وهذا ما يثير حفيظة كثير من الدول العربية التي تخشى أن تمر التسويات على حسابها. ولا شك في أن بعض خصوم الجمهورية الإسلامية لا يغالي في الرهان على تبدل الأوضاع جذرياً وسريعاً في عدد من البلدان التي ترزح تحت تأثيرات إيرانية شتى، كما هي حال شمال اليمن والعراق ولبنان. فالتحالف بين طهران وقوى معروفة في هذه البلدان يتجاوز الخيارات السياسية. بات سنده الأساس دينياً إلى حد كبير، في ظل الصراع المذهبي في الإقليم، وإن حاول المتحالفون تغطيته بشعارات من قبيل «الممانعة» والمقاومة» وما شابه.

أي أن الاتفاق بين إيران والقوى الكبرى قد لا ينعكس سريعاً على الأوضاع في البلدان الثلاثة وأماكن اخرى في الإقليم. بل إن وجهة الأحداث في بيروت وبغداد لن تكون منوطة بمثل هذا التفاهم، بل بقدرة القوى المحلية وما تمتلك من أسباب القوة والمنعة. وأولها أنها قوى لا يمكن تجاهلها أياً كان حضور الجمهورية الإسلامية وتأثيرها، وقدرة خصومها أيضاً. صحيح أن القوى المحلية لن تظل على تشددها إذا كان على طهران أن تراعي شروط عودتها إلى أداء دور بناء في المجتمع الدولي. لكن الصحيح أيضاً أنها ستظل في المدى المنظور قادرة على تعديل ميزان القوى فلا تخسر الكثير مما جنت في السنوات السابقة. ينطبق هذا على العراق حيث الغلبة السكانية للطائفة الشيعية التي عرفت حتى اليوم كيف تحافظ على الحد الأدنى من وحدتها على رغم ما يعتريها من خلافات. كل ذلك من أجل توكيد ما تعده حقها «الشرعي» في الحكم استناداً إلى حجمها الديموغرافي. وكذلك الأمر في لبنان حيث يرى «الثنائي الشيعي» أنه يمثل نحو ثلث البلاد. وهو واقع لا يمكن أي تفاهم أو تسوية أن تتجاهله. أما سورية فأمرها مختلف تماماً حيث الغالبية السنية تسعى إلى استرداد ما تعتقد بأنه صودر منها منذ أربعين عاماً. تريد أن تسترد «شرعية» الحكم. لذلك تجهد إيران للحفاظ على تركيبة الحكم القائمة في دمشق. وهي ترفض إلى اليوم أن تعلن موافقتها على مقررات «جنيف 1». ولا ريب في أنها ستظل تتمسك بالنظام القائم حتى وإن انتهت سورية إلى التفتيت والتقسيم.

لكن عودة إيران إلى حضن «الشرعية الدولية» لن تكون رهن الساعة الأميركية وتوقيتها. ستؤجج هذه العودة صراعات بينها وبين عدد واسع من الدول العربية التي كانت غائبة عن جنيف. من دول مجلس التعاون إلى مصر التي تؤكد في كل مناسبة أن أمن الخليج جزء من أمنها القومي. وستوقظ مخاوف وهواجس حتى لأقرب الحلفاء. ولا شك في أن موسكو تتخوف في سرها من التقارب المتسارع بين واشنطن وطهران التي لم تر في سنوات الحصار غير روسيا خياراً وحيداً في ظل غياب بدائل أخرى تناصرها في الساحة الدولية ودوائرها. ولعل ذلك كان أحد العوامل التي أملت على باريس التشدد في مفاوضات جنيف. فقد كانت فرنسا قبل العقد الأخير شريكاً اقتصادياً وتجارياً مهماً لإيران. وستجد نفسها بعد أي اتفاق في سباق محموم على السوق الإيرانية مع الشركات الأميركية والأوروبية المنافسة.

وأبعد من مخاوف روسيا وفرنسا وغيرهما، يظل الطقس العربي عموماً غير مواتٍ لهرولة أميركية نحو طهران، إذا لم يراع مواقع وأدوار ومصالح أهل الإقليم. سيظل مستحيلاً أن تركن الدول العربية إلى حضور إيران المتقدم في العالم العربي. وإذا كان أهل هذا العالم بعيدين عن جنيف وملحقاتها، فإنهم قريبون من ساحات العراق وسورية ولبنان. وإذا كانت الجمهورية الإسلامية مارست طويلاً دور «الممانع» والمعترض، ومثلها فعلت سورية طويلاً قبل أزمتها، وشكلتا عائقاً أمام كثير من التسويات والحلول، فليس أسهل من أن يواصل المعترضون على حكومة نوري المالكي مسيرة اعتراضهم. والمعترضون على سطوة «حزب الله» رفع الصوت عالياً ضد سلاحه وحرمانه من «شرعية» داخلية يعتقدون بحاجته إليها. والمعترضون على «جنيف 2» استعجال توحيد القوى العسكرية على الأرض، كما حصل أخيراً، بعد الحكومة الموقتة للمعارضة… لتشكيل جدار يستحيل القفز فوقه لتسوية في سورية تريح الأميركي وتعطي الإيراني والروسي ما يطمحان إليه. الطرق ليست معبدة كما يتصورون، لا إلى طهران ولا إلى واشنطن وبغداد ودمشق وبيروت و»جنيف 2»… وجه الشرق سيصاب بمزيد من الحروق والندوب.

المصدر : الحياة