أ.د. أحمد محمد وهبان

سارة اليوسف / الرقم التسلسلي:63

كاتب الموضوع الأصلي: سارة اليوسف

عمر المختار
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
المراجعة الحالية (غير مراجعة)
اذهب إلى: تصفح, البحث
عمر المختار

الاسم عمر المختار
المهنة زعيم وطني ليبي، ومناضل ومجاهد ضد الغزو الإيطالي لليبيا
مكان وتاريخ الميلاد قرية جنزور الشرقية منطقة بئر الأشهب شرق طبرق، ليبيا. 20 أغسطس 1861

تاريخ الوفاة 16 سبتمبر 1931.

ألقاب أسد الصحراء، شيخ الشهداء.
عمر المختار (20 أغسطس 1861 – 16 سبتمبر 1931) الملقب بشيخ الشهداء أو أسد الصحراء قائد أدوار السنوسية في برقة في ليبيا
مقاوم ليبي حارب قوات الغزو الايطالية منذ دخولها أرض ليبيا إلى عام 1931. حارب الإيطاليين وهو يبلغ من العمر 53 عاماً لأكثر من عشرين عاما في أكثر من ألف معركة، واستشهد باعدامه شنقاً وتوفي عن عمر يناهز 73 عاما. وقد صرح القائد الايطالي “أن المعارك التي حصلت بين جيوشه وبين السيد عمر المختار 263 معركة، في مدة لا تتجاوز 20 شهرا فقط”.
نسبه
هو عمر المختار محمد فرحات ابريدان امحمد مومن بوهديمه عبد الله – علم مناف بن محسن بن حسن بن عكرمه بن الوتاج بن سفيان بن خالد بن الجوشافي بن طاهر بن الأرقع بن سعيد بن عويده بن الجارح بن خافي (الموصوف بالعروه) بن هشام بن مناف الكبير، من كبار قبائل قريش.[1]
من بيت فرحات من قبيلة بريدان وهي بطن من قبيلة المنفة أو المنيف والتي ترجع إلى قبائل بني مناف بن هلال بن عامر أولى القبائل الهلالية التي دخلت برقة. أمه عائشة بنت محارب.
[عدل] مولده ونشأته
ولد عمر المختار غيث سنة 1861 م في قرية جنزور الشرقية منطقة بنر الأشهب شرق طبرق في بادية البطنان في الجهات الشرقية من برقة التي تقع شرقي ليبيا.
تربى يتيما، لذلك كان كفله حسين الغرياني، عم الشارف الغرياني حيث وافت المنية والده المختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة وكانت بصحبته زوجته عائشة.
تلقى تعليمه الأول في زاوية جنزور على يد امام الزاوية الشيخ العلامه عبد القادر بوديه احد مشائخ الحركه السنوسيه، ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل على كبار علماء ومشايخ السنوسية في مقدمتهم الإمام السيد المهدي السنوسي قطب الحركة السنوسية، فدرس علوم اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولكنه لم يكمل تعليمه كما تمنى.
ظهرت عليه علامات النجابة ورزانة العقل، فاستحوذ على اهتمام ورعاية أستاذه السيد المهدي السنوسى مما زاده رفعة وسمو، فتناولته الألسن بالثناء بين العلماء ومشايخ القبائل وأعيان المدن حتى قال فيه السيد المهدي واصفاً إياه ” لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم”. لثقة السنوسيين به ولوه شيخا على زاوية القصور بالجبل الاخضر.
اختاره السيد المهدي السنوسي رفيقا له إلى السودان الأوسط (تشاد) عند انتقال قيادة الزاوية السنوسية إليها فسافر سنة 1317 هـ. وقد شارك عمر المختار فترة بقائه بتشاد في الجهاد بين صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية في المناطق الجنوبية (السودان الغربي،تشاد) وحول واداي. وقد استقر المختار فترة من الزمن في قرو مناضلاً ومقاتلاً, ثم عين شيخاً لزاوية (عين كلكه) ليقضي فترة من حياته معلماً ومبشراً بالإسلام في تلك الأصقاع النائية. بقي هناك إلى ان عاد إلى برقة سنة 1321 هـ واسندت اليه مشيخة زاوية القصور للمرة الثانية.
[عدل] معلم يتحول إلى مجاهد
عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم, فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911م, وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي, درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس, كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة حيث قابل السيد أحمد الشريف, وعندما علم بالغزو الإيطالي فيما عرف بالحرب العثمانية الإيطالية سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادماً من الكفرة. وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912م وتوقيعهم “معاهدة لوزان” التي بموجبها حصلت إيطاليا ليبيا، أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي, منها على سبيل المثال معركة يوم الجمعة عند درنة في 16 مايو 1913م حيث قتل فيها للأيطاليين عشرة ضباط وستين جنديا وأربعمائة فرد بين جريح ومفقود إلى جانب انسحاب الإيطاليين بلا نظام تاركين أسلحتهم ومؤنهم وذخائرهم, ومعركة بو شمال عن عين ماره في 6 أكتوبر 1913, وعشرات المعارك الأخرى.
وحينما عين أميليو حاكماً عسكريا لبرقة, رأى أن يعمل على ثلاث محاور:
• الأول: قطع الإمدادات القادمة من مصر والتصدي للمجاهدين في منطقة مرمريكا.
• الثاني: قتال المجاهدين في العرقوب وسلنطه والمخيلي
• الثالث: قتال المجاهدين في مسوس واجدابيا.
لكن القائد الإيطالي وجد نار المجاهدين في انتظاره في معارك أم شخنب وشليظيمة والزويتينة في فبراير 1914م, ولتتواصل حركة الجهاد بعد ذلك حتى وصلت إلى مرحلة جديدة بقدوم الحرب العالمية الأولى.
اخر كلمات الشهيد
كانت اخر كلمات عمر المختار قبل اعدامه:
“نحن لا نستسلم… ننتصر أو نموت…. وهذه ليست النهاية… بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والاجيال التي تليه… اما أنا… فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي

سارة اليوسف / الرقم التسلسلي:63

كاتب الموضوع الأصلي: سارة اليوسف

عمر المختار
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
المراجعة الحالية (غير مراجعة)
اذهب إلى: تصفح, البحث
عمر المختار

الاسم عمر المختار
المهنة زعيم وطني ليبي، ومناضل ومجاهد ضد الغزو الإيطالي لليبيا
مكان وتاريخ الميلاد قرية جنزور الشرقية منطقة بئر الأشهب شرق طبرق، ليبيا. 20 أغسطس 1861

تاريخ الوفاة 16 سبتمبر 1931.

ألقاب أسد الصحراء، شيخ الشهداء.
عمر المختار (20 أغسطس 1861 – 16 سبتمبر 1931) الملقب بشيخ الشهداء أو أسد الصحراء قائد أدوار السنوسية في برقة في ليبيا
مقاوم ليبي حارب قوات الغزو الايطالية منذ دخولها أرض ليبيا إلى عام 1931. حارب الإيطاليين وهو يبلغ من العمر 53 عاماً لأكثر من عشرين عاما في أكثر من ألف معركة، واستشهد باعدامه شنقاً وتوفي عن عمر يناهز 73 عاما. وقد صرح القائد الايطالي “أن المعارك التي حصلت بين جيوشه وبين السيد عمر المختار 263 معركة، في مدة لا تتجاوز 20 شهرا فقط”.
نسبه
هو عمر المختار محمد فرحات ابريدان امحمد مومن بوهديمه عبد الله – علم مناف بن محسن بن حسن بن عكرمه بن الوتاج بن سفيان بن خالد بن الجوشافي بن طاهر بن الأرقع بن سعيد بن عويده بن الجارح بن خافي (الموصوف بالعروه) بن هشام بن مناف الكبير، من كبار قبائل قريش.[1]
من بيت فرحات من قبيلة بريدان وهي بطن من قبيلة المنفة أو المنيف والتي ترجع إلى قبائل بني مناف بن هلال بن عامر أولى القبائل الهلالية التي دخلت برقة. أمه عائشة بنت محارب.
[عدل] مولده ونشأته
ولد عمر المختار غيث سنة 1861 م في قرية جنزور الشرقية منطقة بنر الأشهب شرق طبرق في بادية البطنان في الجهات الشرقية من برقة التي تقع شرقي ليبيا.
تربى يتيما، لذلك كان كفله حسين الغرياني، عم الشارف الغرياني حيث وافت المنية والده المختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة وكانت بصحبته زوجته عائشة.
تلقى تعليمه الأول في زاوية جنزور على يد امام الزاوية الشيخ العلامه عبد القادر بوديه احد مشائخ الحركه السنوسيه، ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل على كبار علماء ومشايخ السنوسية في مقدمتهم الإمام السيد المهدي السنوسي قطب الحركة السنوسية، فدرس علوم اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولكنه لم يكمل تعليمه كما تمنى.
ظهرت عليه علامات النجابة ورزانة العقل، فاستحوذ على اهتمام ورعاية أستاذه السيد المهدي السنوسى مما زاده رفعة وسمو، فتناولته الألسن بالثناء بين العلماء ومشايخ القبائل وأعيان المدن حتى قال فيه السيد المهدي واصفاً إياه ” لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم”. لثقة السنوسيين به ولوه شيخا على زاوية القصور بالجبل الاخضر.
اختاره السيد المهدي السنوسي رفيقا له إلى السودان الأوسط (تشاد) عند انتقال قيادة الزاوية السنوسية إليها فسافر سنة 1317 هـ. وقد شارك عمر المختار فترة بقائه بتشاد في الجهاد بين صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية في المناطق الجنوبية (السودان الغربي،تشاد) وحول واداي. وقد استقر المختار فترة من الزمن في قرو مناضلاً ومقاتلاً, ثم عين شيخاً لزاوية (عين كلكه) ليقضي فترة من حياته معلماً ومبشراً بالإسلام في تلك الأصقاع النائية. بقي هناك إلى ان عاد إلى برقة سنة 1321 هـ واسندت اليه مشيخة زاوية القصور للمرة الثانية.
[عدل] معلم يتحول إلى مجاهد
عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم, فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911م, وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي, درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس, كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة حيث قابل السيد أحمد الشريف, وعندما علم بالغزو الإيطالي فيما عرف بالحرب العثمانية الإيطالية سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادماً من الكفرة. وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912م وتوقيعهم “معاهدة لوزان” التي بموجبها حصلت إيطاليا ليبيا، أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي, منها على سبيل المثال معركة يوم الجمعة عند درنة في 16 مايو 1913م حيث قتل فيها للأيطاليين عشرة ضباط وستين جنديا وأربعمائة فرد بين جريح ومفقود إلى جانب انسحاب الإيطاليين بلا نظام تاركين أسلحتهم ومؤنهم وذخائرهم, ومعركة بو شمال عن عين ماره في 6 أكتوبر 1913, وعشرات المعارك الأخرى.
وحينما عين أميليو حاكماً عسكريا لبرقة, رأى أن يعمل على ثلاث محاور:
• الأول: قطع الإمدادات القادمة من مصر والتصدي للمجاهدين في منطقة مرمريكا.
• الثاني: قتال المجاهدين في العرقوب وسلنطه والمخيلي
• الثالث: قتال المجاهدين في مسوس واجدابيا.
لكن القائد الإيطالي وجد نار المجاهدين في انتظاره في معارك أم شخنب وشليظيمة والزويتينة في فبراير 1914م, ولتتواصل حركة الجهاد بعد ذلك حتى وصلت إلى مرحلة جديدة بقدوم الحرب العالمية الأولى.
اخر كلمات الشهيد
كانت اخر كلمات عمر المختار قبل اعدامه:
“نحن لا نستسلم… ننتصر أو نموت…. وهذه ليست النهاية… بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والاجيال التي تليه… اما أنا… فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي

سارة اليوسف / الرقم التسلسلي:63

كاتب الموضوع الأصلي: سارة اليوسف

عمر المختار
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
المراجعة الحالية (غير مراجعة)
اذهب إلى: تصفح, البحث
عمر المختار

الاسم عمر المختار
المهنة زعيم وطني ليبي، ومناضل ومجاهد ضد الغزو الإيطالي لليبيا
مكان وتاريخ الميلاد قرية جنزور الشرقية منطقة بئر الأشهب شرق طبرق، ليبيا. 20 أغسطس 1861

تاريخ الوفاة 16 سبتمبر 1931.

ألقاب أسد الصحراء، شيخ الشهداء.
عمر المختار (20 أغسطس 1861 – 16 سبتمبر 1931) الملقب بشيخ الشهداء أو أسد الصحراء قائد أدوار السنوسية في برقة في ليبيا
مقاوم ليبي حارب قوات الغزو الايطالية منذ دخولها أرض ليبيا إلى عام 1931. حارب الإيطاليين وهو يبلغ من العمر 53 عاماً لأكثر من عشرين عاما في أكثر من ألف معركة، واستشهد باعدامه شنقاً وتوفي عن عمر يناهز 73 عاما. وقد صرح القائد الايطالي “أن المعارك التي حصلت بين جيوشه وبين السيد عمر المختار 263 معركة، في مدة لا تتجاوز 20 شهرا فقط”.
نسبه
هو عمر المختار محمد فرحات ابريدان امحمد مومن بوهديمه عبد الله – علم مناف بن محسن بن حسن بن عكرمه بن الوتاج بن سفيان بن خالد بن الجوشافي بن طاهر بن الأرقع بن سعيد بن عويده بن الجارح بن خافي (الموصوف بالعروه) بن هشام بن مناف الكبير، من كبار قبائل قريش.[1]
من بيت فرحات من قبيلة بريدان وهي بطن من قبيلة المنفة أو المنيف والتي ترجع إلى قبائل بني مناف بن هلال بن عامر أولى القبائل الهلالية التي دخلت برقة. أمه عائشة بنت محارب.
[عدل] مولده ونشأته
ولد عمر المختار غيث سنة 1861 م في قرية جنزور الشرقية منطقة بنر الأشهب شرق طبرق في بادية البطنان في الجهات الشرقية من برقة التي تقع شرقي ليبيا.
تربى يتيما، لذلك كان كفله حسين الغرياني، عم الشارف الغرياني حيث وافت المنية والده المختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة وكانت بصحبته زوجته عائشة.
تلقى تعليمه الأول في زاوية جنزور على يد امام الزاوية الشيخ العلامه عبد القادر بوديه احد مشائخ الحركه السنوسيه، ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل على كبار علماء ومشايخ السنوسية في مقدمتهم الإمام السيد المهدي السنوسي قطب الحركة السنوسية، فدرس علوم اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولكنه لم يكمل تعليمه كما تمنى.
ظهرت عليه علامات النجابة ورزانة العقل، فاستحوذ على اهتمام ورعاية أستاذه السيد المهدي السنوسى مما زاده رفعة وسمو، فتناولته الألسن بالثناء بين العلماء ومشايخ القبائل وأعيان المدن حتى قال فيه السيد المهدي واصفاً إياه ” لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم”. لثقة السنوسيين به ولوه شيخا على زاوية القصور بالجبل الاخضر.
اختاره السيد المهدي السنوسي رفيقا له إلى السودان الأوسط (تشاد) عند انتقال قيادة الزاوية السنوسية إليها فسافر سنة 1317 هـ. وقد شارك عمر المختار فترة بقائه بتشاد في الجهاد بين صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية في المناطق الجنوبية (السودان الغربي،تشاد) وحول واداي. وقد استقر المختار فترة من الزمن في قرو مناضلاً ومقاتلاً, ثم عين شيخاً لزاوية (عين كلكه) ليقضي فترة من حياته معلماً ومبشراً بالإسلام في تلك الأصقاع النائية. بقي هناك إلى ان عاد إلى برقة سنة 1321 هـ واسندت اليه مشيخة زاوية القصور للمرة الثانية.
[عدل] معلم يتحول إلى مجاهد
عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم, فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911م, وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي, درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس, كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة حيث قابل السيد أحمد الشريف, وعندما علم بالغزو الإيطالي فيما عرف بالحرب العثمانية الإيطالية سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادماً من الكفرة. وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912م وتوقيعهم “معاهدة لوزان” التي بموجبها حصلت إيطاليا ليبيا، أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي, منها على سبيل المثال معركة يوم الجمعة عند درنة في 16 مايو 1913م حيث قتل فيها للأيطاليين عشرة ضباط وستين جنديا وأربعمائة فرد بين جريح ومفقود إلى جانب انسحاب الإيطاليين بلا نظام تاركين أسلحتهم ومؤنهم وذخائرهم, ومعركة بو شمال عن عين ماره في 6 أكتوبر 1913, وعشرات المعارك الأخرى.
وحينما عين أميليو حاكماً عسكريا لبرقة, رأى أن يعمل على ثلاث محاور:
• الأول: قطع الإمدادات القادمة من مصر والتصدي للمجاهدين في منطقة مرمريكا.
• الثاني: قتال المجاهدين في العرقوب وسلنطه والمخيلي
• الثالث: قتال المجاهدين في مسوس واجدابيا.
لكن القائد الإيطالي وجد نار المجاهدين في انتظاره في معارك أم شخنب وشليظيمة والزويتينة في فبراير 1914م, ولتتواصل حركة الجهاد بعد ذلك حتى وصلت إلى مرحلة جديدة بقدوم الحرب العالمية الأولى.
اخر كلمات الشهيد
كانت اخر كلمات عمر المختار قبل اعدامه:
“نحن لا نستسلم… ننتصر أو نموت…. وهذه ليست النهاية… بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والاجيال التي تليه… اما أنا… فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي

{ أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم }

كاتب الموضوع الأصلي: طلال الدغيم(1)

{ أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم }


الحمد لله الذي جعلنا عباداً له فقال:- {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} والصلاةُ والسلامُ على نبيِنا وحبيبنا محمدٍ عبدُ اللهِ ورسولُه القائل:- { أرحمُ أُمتي بها أبو بكر, وأقواهم في دينِ اللهِ عمر, وأصدقُهم حياءً عثمان, وأقضاهم علي, وأفْرَضُهم زيد, وأقرؤهم لكتابِ اللهِ أُبي بن كعب, وأعلمُهم بالحلالِ والحرام معاذُ بن جبل, وأمينُ هذه الأمةِ أبو عبيدة بن الجراح, وأبو هريرة وعاءٌ للعلم أو قال وعاءُ العلم, وعند سلمان علمٌ لا يدرك, وما أظلتِ الخضراءُ ولا أقلتِ الغبراءُ من ذي لَهجةٍ أصدقُ من أبي ذر }.
:- هذا هو الإسلامُ الذي صَنع هؤلاء الرجال الذين أخذوا الكتابَ بقوةٍ وكانوا مع الحقِّ حيثُ كان ودَاروا مع الإسلامِ حيثُ دار, فهموا الإسلامَ ديناً ومنه الدولة, فهموه عقيدةً ومنها الأحكام, فكانوا أبطالَ جهادٍ وحلفي محرابٍ ورهبانَ ليلٍ وفرسانَ نهارٍ, حملوا الإسلامَ عقيدةً روحيةً وسياسية, وأقاموا دولتَه لتنظيمِ شؤونِ الرعية, وتجنّدوا للجهادِ في سبيلِ اللهِ لإنقاذِ البشرية, نعم, أخذوا الدينَ جملةً ولم يجزؤوه, أحاطوه من جميعِ جوانبه ولم يُضيعوه, أدركوا أن الحقَّ لا بد له من قوةٍ تَحميه وأن القوةَ لا بد لها من حقٍ يدفعُها, فالإسلامُ أسٌ والسلطانُ حارسٌ فمَنْ لا أُسَّ له فهو مهدوم ومن لا حارسَ له فهو ضائع, نعم هكذا اعتنقوا الإسلامَ وهكذا فهموه وطبقوه وحملوه رسالةَ هدىً ونورٍ للعالمِ بالدعوةِ والجهادِ تحتَ إمرةِ إمامِ دارِ العدل الذي أحاطهم بالنصيحةِ وأحاطوه. وصدق في وصف حالهم وحُسن سيرتِهم الإمامُ الأوزاعي عندما قال:- { خمسٌ عليها أصحابُ محمدٍ والتابعون لهم بإحسان: لزومُ الجماعةِ وإتباعُ السنةِ وعَمارةُ المساجدِ وتلاوةُ القرآنِ والجهادُ في سبيلِ الله }.
هؤلاء أسلافُكم العظماءُ وكبراؤكم الأتقياءُ الذين دافعوا عن رسولِكم من الأعداءِ الألداءِ, بل هشّموا رأسَ من تتطاولَ على سيدِ الأنبياء, وضربوا أروعَ الأمثلةِ في التضحية والفداء. وكيف لا يكون ذلك وهم الذين عاشوا من أجل الإسلامِ وهجروا كلَّ متاعٍ من أهلٍ وولدٍ ومال ليسلَم لهم دينُهم وإيمانهم وآوَوا ونصروا حبيبَهم على نِهكة الأموال وقتل الأشراف فما أن رُفعت راية الجهاد فإذا بهم ينقضون على أعدائهم ليلقوا حتفهم في معمعة القتال وتحت قعقعة السيوف وأسنةِ الرماح.
أيها الإخوة الكرام:- تشبهوا بهؤلاءِ الأبطالِ إنْ لم تكونوا مثلَهم إنَّ التشبهَ بالكرامِ فلاحُ, وعندها فقط ستؤدون حقَّ رسولِكم في الدفاعِ عنه والذودِ عن دينه والدفاعِ عن مقدساته. وصدق الله العظيم حيث يقول في حفظِ مكانة رسول الله:- {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }التوبة61

السور الفاصل: هل هي فعلاً قضية سياسية؟

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الوهيف 1

طعنت إسرائيل والولايات المتحدة وتبعتها بعض الدول الأوروبية بصلاحية محكمة العدل الدولية في البت في قضية السور الفاصل معتبرة القضية سياسية وليست قانونية. في الواقع، تنص الفقرة 96 من ميثاق الأمم المتحدة بأن الجمعية العامة ومجلس الأمن، بالإضافة إلى المؤسسات الأخرى التي تخولها الجمعية العامة بهذا الحق، يمكنها أن تطلب رأياً استشارياً من المحكمة في أي مسألة قانونية بينما تنص الفقرة 65 من قانون محكمة العدل الدولية بأنه يمكن للمحكمة تقديم رأي استشاري في أي مسألة قانونية؛ بكلمات أخرى، إن كانت قضية السور الفاصل هي قضية سياسية، فليس للمحكمة الحق بتقديم الرأي الاستشاري. هذا يعني بأنه على المحكمة –قبل البت في محتوى الطلب- أن تقرر: أولاً، إذا كانت القضية قانونية (بما أن تقديمها تم من قبل الجمعية العامة المخولة بذلك فإن المحكمة تفترض مبدئياً وجود صلاحية لها، لكنه من الممكن أن تقوم المحكمة، بعد أن تلقت النصوص المكتوبة من الدول والمؤسسات المعنية، وسمعت المرافعات أن تقرر عكس ذلك تماماً)؛ ثانياً، إن قضت بأن القضية هي قانونية أيضاً (ليس بالضرورة أن تكون القضية قانونية بحتة لأنه من الصعب الفصل بشكل كامل بين ما هو قانوني وما هو سياسي خصوصاً في النظام الدولي الحالي) على المحكمة أن تحدد العناصر القانونية في الطلب وتجيب عليها فقط إذ أن ليس لها الحق –ولا المصلحة- في الدخول في قضايا سياسية عالقة بين الدول؛ ثالثاً، ستأخذ المحكمة بمحمل الجد معارضة إسرائيل والولايات المتحدة وتحفظات بعض الدول الأوروبية أيضاً إذ أن ذلك قد يؤثر على هيبتها بكونها الجهاز القضائي الأعلى في نظام الأمم المتحدة؛ رابعاً، يبقى المجال مفتوحاً للمحكمة برفض تقديم رأيٍِ استشاري بحسب الفقرات التي ذكرناها سابقاً وإن كانت القضية قانونية للأسباب التي سنتطرق إليها لاحقاً.

عملياً، أصدرت محكمة العدل الدولية 24 رأياً استشارياً ولم ترفض حتى الآن البت في أي قضية بسبب كونها سياسية بحتة؛ في الوقت نفسه لم تمارس المحكمة إلى الآن حقها في رفض تقديم رأيٍ استشاري حتى أن بعض فقهاء القانون يعتبر أن ممارسة المحكمة قد ألغت حقاً يضمنه ميثاق الأمم المتحدة والقانون الأساسي للمحكمة. المرة الوحيدة التي رفضت المحكمة فيه تقديم الرأي الاستشاري سنة 1996، لم يكن بسبب أن القضية سياسية أو لأن المحكمة مارست حقها بعدم البت في تلك القضية، بل كان بسبب “غياب الصلاحية” إذ أن طلب مؤسسة الصحة الدولية (حول قانونية استعمال الأسلحة النووية في النزاعات المسلحة) لم يكن ضمن نشاطاتها؛ والدليل على ذلك هو أن نفس الطلب قد تم البت فيه عندما تم تقديمه من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة. تكفي مقارنة سريعة مع المحكمة الدائمة للقانون للعدل الدولي كي نكتشف أن هنالك ثلاث نقاط مختلفة وجديدة من حيث: أولاً، صاحب الحق في طلب الرأي الاستشاري؛ ثانياً، محتوى الطلب الاستشاري؛ إمكانية أو ضرورة البت في القضية؛ كالتالي:

المحكمة الدائمة للعدل الدولي
محكمة العدل الدولية

تأسست
1922 – 1946
1946 وريثة المحكمة الدائمة للعدل الدولي

الموقع
لاهاي في هولندا – قصر السلام
لاهاي في هولندا – قصر السلام

الوظيفة
الجهاز القضائي لعصبة الأمم
الجهاز القضائي للأمم المتحدة (وريثة عصبة الأمم)

المادةالتي تخص الرأي الاستشاري
المادة 14 من ميثاق عصبة الأمم و65 من القانون الأساسي للمحكمة
المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة والمادة 65 من القانون الأساسي للمحكمة (بالإضافة إلى المادة 102 من قواعد المحكمة)

المخول بطلب الرأي الاستشاري
الهيئة العامة ومجلس عصبة الأمم فقط
الجمعية العامة ومجلس الأمن + الأجهزة والمؤسسات المتخصصة بتخويل من الجمعية العامة وضمن نشاطاتها

موضوع الطلب
أي قضية
قضية قانونية

قرار المحكمة
يجب أن تقدم المحكمة رأياً استشارياً
يمكن للمحكمة أن تقدم رأياً استشارياً

الرأي الاستشاري ليس ملزماً

يبدو بديهياً أن يكون الرأي “الاستشاري” غير ملزم للدول المعنية إذ أن القاعدة العامة في القانون الدولي تنص على ضرورة موافقة الدول المعنية على أن تقوم محكمة ما بالبت في النزاعات المتعلقة بها؛ وعندها فقط يكون قرار المحكمة ملزماً لها؛ بمعنى آخر، ليس في نية المحكمة (ولا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة) أن تقوم المحكمة باستبدال الدول في حل نزاعاتها. كما أن الرأي الاستشاري غير ملزم للجهاز الذي طلبه وهذا منطقي إذ أن غير ذلك يعني بالضرورة الالتفاف على ميثاق الأمم المتحدة ورغبة الدول التي تبنته؛ في الوقت نفسه، لا يوجد ما يمنع أن يقوم الجهاز المعني في قانونه الأساسي أو بعض الدول بإلزام نفسها مسبقاً بقرارات محكمة العدل الدولية التي تخصها.

طبيعة الرأي الاستشاري الغير ملزمة هذه لا تعني أن ليس لذلك الرأي قيمة؛ في الواقع، أخذت الجمعية العامة والأجهزة الأخرى الرأي الاستشاري دائماً بمحمل الجد واتخذته إطاراً لعملها. لكن، حتى وإن فرضنا نظرياً أن الجهاز الذي قدم الطلب رفض الرأي الاستشاري واختار حلولاً أخرى فإنه لن يستطيع أن يخالف المحكمة فيما وجدته وتوصلت إليه من حيث أن محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الوحيد المخول في ذلك؛ هذا يعني أن الرأي الاستشاري ليس ملزماً بحد ذاته لكن له وزن كبير جداً من حيث أنه قرار موثق في القانون الدولي يمكن الاعتماد عليه؛ بكلمات أخرى، ليس الرأي الاستشاري رأياً ملزماً قانونياً إلا أنه ملزماً أخلاقياً. في نظام عصبة الأمم كان اللجوء إلى المحكمة الدائمة للعدل الدولي طريقة يطلب فيها المجلس الدعم من المحكمة إلا أن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في نظام الأمم المتحدة أصبح طريقة لممارسة ضغوطات على أقلية في الجمعية العامة.

بما أن الرأي الاستشاري موجه إلى جهاز الأمم المتحدة صاحب الطلب والأجهزة الأخرى، وبما أنه غير ملزم بحد ذاته، فإن موافقة الدول المعنية غير ضرورية؛ في الواقع، يمكن للرأي الاستشاري أن يتعلق بقضية مجردة ولكن لا شيء يمنع من أن يكون محتوى طلب الرأي أيضاً قضية واقعية ومتعلقة ببعض الدول، وحتى وإن كانت القضية عالقة بين دولتين أو أكثر شرط أن تكون القضية قانونية؛ وبالتالي فإن رفض صلاحية المحكمة يعني رفض الدولة لدور المحكمة القضائي الملزم، وهو دور لم ولن تنوي المحكمة أن تلبسه عند بت الرأي الاستشاري. إن معارضة إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، وإن اختلفت الدوافع (الطعن في قانونية قضية السور، عدم ملائمة طلب الرأي الاستشاري لنتائجه السياسية الكبيرة) لا يؤثر مبدئياً على صلاحية المحكمة؛ بل أكثر من ذلك، على المحكمة أن تُصدر رأياً استشارياً دون اعتبار للدوافع السياسية وراء قرار طلب الرأي، ولا حتى نسبة التصويت: المهم هو أن يتم تبني الطلب من قبل الجهاز المخول ضمن الأكثرية المطلوبة. لقد قدمت إسرائيل نصاً مكتوباً تعترض فيه على صلاحية المحكمة ضمن الوقت المحدد لذلك ولكنها رفضت المشاركة في المرافعات الشفهية؛ إن عدم مشاركة الدولة وتعاونها لا يؤثر على صلاحية المحكمة؛ المهم هو أن يكون بمقدور المحكمة تقصي الحقائق الضرورة بطريقة يكون فيها الرأي الاستشاري مبنياً على أساسات متينة؛ هذا يفسر إمكانية المحكمة أن تقرر عدم القيام بمرافعات شفهية إن كان ما تم تقديمه كتابة كافياً لتحقيق هدفها.

ما هو “القانوني” وما هو “السياسي”؟

توصلنا إذن بأن الرأي الاستشاري الذي تصدره محكمة العدل الدولية –مع أهميته- ليس ملزماً قانونياً للدول المعنية ولا حتى للجهاز الذي قدم الطلب؛ ورأينا أن موافقة الدول المعنية وتعاونها –مع أهميتها- لا تؤثر على صلاحية محكمة العدل الدولية. لكن هنالك شرط أساسي وهو أن تكون القضية “قانونية”؛ غير ذلك يعني بأن المحكمة ملزمة، بحسب ميثاق الأمم المتحدة وقانونها الأساسي. في الوقت نفسه، نلاحظ أن ظاهرة الطعن في قانونية القضية المعروضة أمام المحكمة ليست حديثة بل رافق هذا الهاجس عمل المحكمة منذ أيامها الأولى وهذا طبيعي خصوصاً عندما تكون القضية مرتبطة بمسألة عالقة بين الدول -إذ أنه ليس بالضرورة أن تكون القضية مجردة وإن يتم عادة صياغة الطلب بطريقة قانونية مجردة- وذلك لأن العلاقات بين الدول مرتبطة بمصالح مختلفة، قد تعطي للقضية –وإن كانت قانونية أصلاً- طابعاً سياسياً أيضاً.

بحسب المحكمة، أي قضية يمكن صياغتها قانونياً وتخلق مشاكل بحسب القانون الدولي، يمكن الإجابة عليها قانونياً، وبالتالي تكون القضية قانونية؛ إن تقليد المحكمة هذا تم تثبيته في الفتاوى الاستشارية الحديثة أيضاً؛ فقد أقرت المحكمة بأن قضية التهديد أو استعمال الأسلحة النووية ليست سياسية بحتة إذ أن المطلوب هو البت في قانونيتها على ضوء قواعد ومبادئ القانون الدولي. هذا يعني بأن المحكمة تقوم بدراسة تلك القواعد والمبادئ وتطبيقها على تلك القضية وبالتالي يتم الإجابة على تلك القضية بحسب القانون الدولي؛ وأضافت المحكمة بأن كون القضية لها خلفية سياسية (وهذا طبيعي في العلاقات الدولية) لا يعني بالضرورة بأنها غير قانونية. بكلمات أخرى، قامت المحكمة بتقديم رأي استشاري في كل مرة يمكن تقديم الطلب قانونياً ويمكن الإجابة إليه بحسب القانون الدولي؛ بينما تقوم المحكمة باعتبار القضية سياسية عندما لا يوجد أي أساس قانوني لها.

في الرأي الاستشاري بخصوص العضوية في الأمم المتحدة في 28/5/1948 نقرأ: “لقد تم الجدال مطولاً حول كون القضية قانونية أو سياسية؛ لقد رأت المحكمة بأنه من غير الممكن أن تُعتبر القضية سياسية إذ أن الطلب الذي تم صياغته بشكل مجرد يدعوها للقيام بمهمة قضائية وهي أن تقوم بتفسير ما تنص عليه المعاهدة. إن المحكمة غير معنية بالدوافع التي كانت وراء الطلب ولا ترتبط بالآراء المختلفة الموجودة في مجلس الأمن”. وقد تم الاستشهاد بتلك الفقرة في الرأي الاستشاري المتعلق بصلاحية الجمعية العامة لقبول عضوية دولة في الأمم المتحدة في 3/5/1950 وأضافت بأن هذا يعني بأنه “لا يوجد ما يمنع المحكمة من تقديم الرأي الاستشاري للجمعية العامة”. ونقرأ في الرأي الاستشاري بخصوص قضية الصحراء الغربية في 16/10/1975 بأنه “قد تم صياغة الطلبين قانونياً بخصوص مشاكل تثيرها في القانون الدولي. هنالك مبدئياً قضايا قانونية وإن تحتوي أيضاً على مسائل مرتبطة بوقائع تاريخية… وبالتالي تكون للمحكمة الصلاحية بالبت في ذلك الطلب”؛ وفي الرأي الاستشاري الذي قدمته المحكمة في 20/12/1980 بخصوص تفسير الاتفاق بين منظمة الصحة العالمية ومصر لسنة 1951 نقرأ: “إن كان محتوى الطلب الذي تم تقديمه للمحكمة يدخل ضمن ممارستها الطبيعية لسلطاتها القضائية، فإنها لن تنظر إلى الدوافع من وراء الطلب”؛ وفي الرأي الاستشاري التي قدمته المحكمة في 15/12/1989 بخصوص حصانة الأمم المتحدة نقرأ: “إن القضية قانونية عندما تتعلق بتفسير معاهدة دولية ولتحديد مجالات تطبيقها”. علينا أن ننتظر إذن من محكمة العدل الدولية أن تقوم –كما فعلت دوماً- بتحديد الأسباب التي دفعتها لاعتبار تلك القضية “قانونية”، في الفقرات الأولى من الرأي الاستشاري الذي ستصدره–هذا طبعاً إن افترضنا أنها قررت البت في تلك القضية.

الرأي الاستشاري بين مؤيد ومعارض

قدمت 49 دولة نصاً مكتوباً قبل التاريخ الذي حددته محكمة العدل الدولية وقد عبرت عن مواقف مختلفة بالنسبة لقانونية طلب الرأي الاستشاري، لكن يمكن تلخيصها كالتالي:

أولاً، القضية قانونية ومن المناسب أن تبت بها المحكمة: هذا هو موقف فلسطين والدول العربية طبعاً بالإضافة بعض الدول الأخرى مثل جنوب أفريقيا وسويسرا؛ الأمثلة التي اخترتها هنا غير عشوائي إذ أن جنوب أفريقيا ولدت بعد انتهاء النظام العنصري وكان لمحكمة العدل العليا والرأي الاستشاري الذي أصدرته دوراً هاماً في ذلك وبالتالي فإن رأيها له دلالات كثيرة هنا؛ في الوقت نفسه من الأهمية بمكان أن نعتبر رأي الحكومة السويسرية لكونها أولاً، “حامية” اتفاق جنيف؛ ثانياً، لكونها تشارك في أعمال المحكمة لأول مرة كعضو في الأمم المتحدة؛ ثالثاً لأنها امتنعت أولاً عن التصويت ولكنها “غيرت موقفها” نسبياً إذ أنها اعتبرت السور الفاصل مخالف للقانون الدولي ودعت المحكمة للبت في تلك القضية التي تعتبرها قانونية؛ نقرأ في الفقرة 11 من النص الذي قدمته الحكومة السويسرية أن “القضية التي تم تقديمها إلى المحكمة تم وضعها بطريقة قانونية وتثير مشكلة قانون دولي، وهي النتائج “القانونية” للسور الذي تبنيه إسرائيل. أن يكون لها مردودات سياسية لا يسلب القضية صفتها القانونية. أن ترتبط القضية بوقائع لا يعني أنها ليست قضية قانونية بحسب المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة”. وبالتالي فإن سويسرا تؤكد بأن المحكمة لها الصلاحية بتبني الرأي الاستشاري (ملاحظة هامة: لقد حصرت سويسرا اعتباراتها باتفاقية جنيف الرابعة والاتفاقيات التي تعنى بحماية حقوق الإنسان ولكننا لن نخوض هذا الموضوع هنا).

ثانياً، القضية سياسية أو قانونيتها “غير أكيدة” ومن غير الملائم أن تقدم المحكمة رأياً استشارياً: لقد استعانت إسرائيل بأشهر فقهاء القانون الذين كانوا على وعي بصعوبة الطعن في “قانونية قضية السور الفاصل”؛ في الفقرة (2. 5) من النص التي تقدمت به إسرائيل إلى المحكمة نقرأ: “إن القضية التي تم تحويلها إلى محكمة العدل الدولية ليست “قضية قانونية” بحسب المادة 96 (1) من ميثاق الأمم المتحدة والمادة 65 من القانون الأساسي للمحكمة؛ إن اعتراض إسرائيل، على الأقل بما يخص صلاحيات المحكمة، ليس مبنياً على اعتبار القضية “سياسية”… بل لكونها غير أكيدة وغير محددة وبالتالي لا يمكن للمحكمة أن تبت بها”؛ إن الموقف الإسرائيلي متناقض: من ناحية تطعن بصلاحية المحكمة على أساس أن القضية ليست “قانونية” ولكنه لا تعتبرها “سياسية” بل تبرر اعتراضها بأن القضية عامة جداً وغير محددة وليس من حق المحكمة تفسير طلب الجمعية العامة بل الإجابة عليه. لكن بحسب تقليد المحكمة، من واجب المحكمة تقديم رأيٍ استشاري على “القانوني” في الطلب، وبالتالي، فإن المحكمة فقط يمكنها أن تقدر ما هي العناصر القانونية في الطلب والإجابة عليها.

ثالثاً، من غير المناسب أن تبت المحكمة رأياً استشارياً: لقد اعتبرت بعض الدول الأوروبية أنه من غير الملائم أن تقوم المحكمة بتقديم الرأي الاستشاري –ولكنها لم تشكك في “قانونية الطلب” وبالتالي لم تطعن صلاحية محكمة العدل الدولية- وسنذكر هنا بعضاً من هذه المواقف الرسمية التي وردت في النصوص التي وردت للمحكمة. تعتقد روسيا بأن المحادثات هي الطريق الوحيد لحل النزاع العربي الإسرائيلي وأضافت بأن “أي قرار للمحكمة، سواء قدمت الرأي الاستشاري أم امتنعت عن ذلك لا يجب أن يؤثر سلبياً على محادثات السلام وعلى خطة الدولتين”؛ أما استراليا فكتبت أن تقديم المحكمة للرأي الاستشاري في هذه القضية له تأثير سلبي على تطبيق خريطة الطريق وبالتالي “فإنه من غير الملائم أن تقدم المحكمة الرأي الاستشاري المطلوب”؛ أما إيطاليا فقد أكدت بأن هنالك الكثير من النقاط المؤيدة لأن ترفض المحكمة تقديم الرأي الاستشاري في هذه القضية؛ أما ايرلندا (باسم الاتحاد الأوروبي) فإنها بررت اعتقادها بأن تقديم الرأي الاستشاري غير ملائم بكونه “لا يساعد الأطراف للعودة من جديد إلى الحوار السياسي؛ كذلك أسبانيا التي ذكرت أن “تقديم الرأي الاستشاري من قبل محكمة العدل الدولية غير مناسب”.

هل ومتى يمكن للمحكمة رفض تقديم الرأي الاستشاري

بعد أن تناولنا بتعمق صلاحيات محكمة العدل الدولية من جهة وعملها القضائي والفقه القانوني بعد 58 سنة من عمل المحكمة و24 رأي استشاري من جهة أخرى، توصلنا إلى كون قضية السور الفاصل قانونية. أن تكون كذلك يعني بأن محكمة العدل الدولية تملك الصلاحية لتبني الرأي الاستشاري لكن هذا لا يعني بالضرورة بأن المحكمة ستبت في تلك القضية وإن كان هذا هو الوضع الطبيعي إذ أن المحكمة هو الجهاز القضائي للأمم المتحدة وبالتالي تساهم من خلال الرأي الاستشاري في عمل تلك المؤسسة الدولية؛ بحسب نص ميثاق الأمم المتحدة والقانون الأساسي للمحكمة بالإضافة إلى تقليد المحكمة القضائي وتفسير فقهاء القانون هنالك أسباب “خطيرة” قد تدعو إلى أن تتبنى المحكمة قراراً بعدم تقديم الرأي الاستشاري المطلوب. تحديد طبيعة هذه الأسباب الخطيرة ليست مهمة سهلة ولكننا نريد هنا أن نؤكد فوراً بأنه لا يمكن اعتبار التصويت على القرار أو الخلفية السياسية للقضية أو مواقف القوى العظمى “أسباب خطيرة” بحسب تفسير المحكمة لهذا المصطلح (الخلط ممكن جداً، تكفي قراءة سطحية للنص الذي قدمته الحكومة الإيطالية مثلاً) ولكنها تبقى مؤشرات متفاوتة الأهمية يمكن أن تأخذها المحكمة بعين الاعتبار. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد بعض فقهاء القانون بأنه على المحكمة أن تتأكد، قبل البت في القضية، من عدم وجود أسباب خطيرة تمنعها من البت في تلك القضية. إننا نعتقد بأنه على المحكمة التأكد من “قانونية” القضية فقط وهذا طبيعي ومنطقي لأن على ذلك تعتمد صلاحية المحكمة ولكنها ليست ملزمة –مبدئياً- بأن تبحث عن مبررات أخرى إذ أن الطبيعي هو أن تقوم المحكمة بتقديم الرأي الاستشاري (مع وعينا طبعاً بأن الإجراءات القانونية تختلف هنا لكونها تتعلق برأي استشاري)؛ بكلمات أخرى: لا يوجد ما يمنع المحكمة من تقديم الرأي الاستشاري إلا إذا تم إثبات عكس ذلك؛ هذه التفصيلة ضرورية جداً، وهي شبيهة (mutatis mutandis) بمبادئ القانون الجنائي الأساسية “المجرم بريء حتى تثبت إدانته” أو “على من يطعن بالشيء أن يقدم الإثبات”.

بحسب النص الذي قدمته سويسرا يمكن أن نعتبر ثلاث حالات: أولاً: أن يكون الرأي الاستشاري استبدالاً للدول في حل نزاعها وبالتالي مخالف للمبدأ القائم على ضرورة موافقة الدول المعنية؛ ثانياً، عدم وجود مصادر معلومات كافية لتقديم الرأي الاستشاري؛ ثالثاً، أن يكون الرأي الاستشاري غير ملائم سياسياً. وهي لا تنطبق بحسب الموقف السويسري على قضية السور الفاصل للأسباب التالية: أولاً، القضية مرتبطة بقانون يسري على الجميع وبالتالي فهي غير محصورة بالدول المعنية فقط؛ ثانياً، لأن هنالك معلومات كافية مثل تقرير الأمين العام والمؤسسات الأخرى للأمم المتحدة؛ ثالثاً، لأنه على المحكمة تحديد إن كان الرأي الاستشاري ملائماً وبالتالي تقديم الرأي الاستشاري المبني على القانون. وبالتالي فإن سويسرا “تعتقد بأنه لا توجد أسباب خطيرة تدعو إلى رفض تقديم الرأي الاستشاري” (الفقرة 25). بحسب تقليد المحكمة وتفسير فقهاء القانون، يبدو واضحاً أن تلك الأسباب التي تدفع القضاة برفض تقديم الطلب ترتبط بكون ذلك قد يؤدي إلى التقليل من اعتبار المحكمة والثقة بها كالجهاز القضائي للأمم المتحدة وبالتالي لتجنب أن ترتبط بمصالح مجموعة معينة على حساب مجموعة أخرى. بكلمات أخرى، للمحكمة التقدير بملائمة أو عدم ملائمة تقديم الرأي الاستشاري بطريقة يؤدي به هدفه وليس أهداف أخرى.

خاتمة

إذا تمعنا في التعليقات الصحفية حول الموضوع نلاحظ أن هنالك خلط بين الدوافع للتأييد أو الرفض أو الامتناع عن التصويت على القرار دإط 10/14 القاضي بطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية (بالترتيب 90 -8 -74) وبين محتوى الطلب نفسه. ففي الحالة الأولى تغلبت المصالح السياسية لكن هذا لا يؤثر على محتوى الطلب نفسه وهو قانوني، إذ أن القضية الأساسية هنا هي أن المحكمة ستنظر –بحسب نص الطلب- في قضية السور الفاصل على ضوء: أولاً، قواعد ومبادئ القانون الدولي (ومنها جنيف الرابعة)؛ ثانياً، قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة؛ إن مهمة القضاة ليست سهلة إذ أن هنالك كمٌّ هائل من القوانين والقرارات ولكنها مع ذلك محددة بنصوص تلك القوانين والقرارات وستكتفي بقراءتها على ضوء واقع السور الذي تبنيه إسرائيل في الأراضي المحتلة. هنالك اختلافات بين قانون إسرائيل الداخلي والقانون الدولي على قضايا أساسية (كالوضع القانوني للأراضي الفلسطينية وتطبيق جنيف الرابعة عليها مثلاً) لكن من المؤكد بأن القضاة سيحكمون بحسب قواعد ومبادئ القانون الدولي وليس بحسب قانون إسرائيل الداخلي؛ بالتالي فإنهم سيعتبرون الأراضي الفلسطينية أراضٍ محتلة وليست متنازع عليها كما تدعي إسرائيل، وستعتبر اتفاقية جنيف الرابعة سارية على الأراضي الفلسطينية de iure أيضاً وليس de facto كما تعتبر إسرائيل.

أن يتم إثبات أن القضية قانونية لا يعني أننا قد ربحناها: إن معركة الرأي الاستشاري لم تُحسم بعد، ويمكننا أن ننتظر المفاجئات (ملاحظة: من المتوقع أن يتم تقديم الرأي الاستشاري في بداية نيسان!). لا شك أن لذلك القرار أهمية خاصة ليس فقط للفلسطينيين، بل –كما أدلى مسئول سويسري رفيع المستوى- لكل العالم لأن المحكمة ستقدم رأياً استشارياً حول تطبيق القانون الدولي (وخصوصاً الإنساني) في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال، وهي بالتالي تشكل سابقة تاريخية يمكن تطبيقها على الوضع الحالي في العراق وفي مناطق أخرى في العالم (في الواقع هذا هو تخوف الولايات المتحدة وبريطانيا بشكل خاص).

لكن فلنفرض أن المحكمة قامت بتبني الرأي الاستشاري ولنفرض أن الرأي الاستشاري جاء بالطريقة التي نبتغيها فإن ذلك لا يعني بالضرورة بأن إسرائيل ستتوقف عن بناء السور إذ أن المشكلة الحقيقية تبقى كيفية إلزام إسرائيل –وكل الدول المحتلة- بتطبيق القانون الإنساني ضمن النظام الدولي الحالي؟ هذا يعني بأن الرأي الاستشاري سيكون البداية –وليس الخاتمة كما قد يعتقد البعض- لمسيرة طويلة تحتاج منا -ومن كل من يحترم حقوق الإنسان ويعتني بتطبيقها- إلى رصّ الصفوف داخلياً وخارجياً والعمل بطريقة منسقة كي “نستغل” ذلك الرأي الاستشاري للضغط على إسرائيل عالمياً ومحلياً ليس فقط لوقف بناء السر الفاصل بل أيضاً لإنهاء الاحتلال على الأراضي الفلسطينية؛ هذا يحتاج إلى تفكير وعمل جدي وسريع وإلا سيكون الرأي الاستشاري واحدة من سلسلة من الفرص الضائعة في تاريخنا الفلسطيني، وللأسف

السياسة من واقع الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: غالب بن معيكل


سياسة الإسلام في السلم والحرب
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً…)(1).
الإسلام هو الدين الذي يدعو إلى السلم والسلام صدقاً، حيث يقول:
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)(2)1.
ويقول: (جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)(3).
ولم يكن الإسلام ـ يوماً ما ـ مثل هذه الدول التي تدعو إلى السلام في شعارها فقط، ثم إذا قامت الحرب أفنت قنابلها عشرات الملايين، وتفتخر بأنّ في استطاعتها إبادة العالم في دقائق معدودة.
وعجيب هذا!
أيكون الفخر بالتدمير وسفك الدماء؟!.
ولكن الإسلام حينما يدعو قرآنه إلى السلام، يسير على السلام في الصغير ة من خطواته والكبيرة، فهذا التاريخ يحدّثنا بأنّ دولة الإسلام قامت على أقل من ألف وأربعمائة ضحية من المسلمين والكفّار جميعاً، وكان ذلك نتيجة الحروب التي شنّها الكفّار، فدافع المسلمون عن أنفسهم.
فهل ترى اليوم يقام نظام، على أقل من ملايين من الضحايا؟
ومن سياسة الإسلام الإنسانية في الحروب: أنّه لم يبدأ بحرب قط، فالحروب والغزوات التي قامت في حياة الرسول الأعظم صلی الله عليه و آله كلها كانت دفاعية كما أنّه لم يبدأ بحرب إلا بعد الصبح، حتى أنّ في غزوة (ذات السلاسل) حينما تمكّن المسلمون من الكفّار ليلاً، لم يهجموا عليهم وأبى أمير المؤمنين عليه السلام من ذلك. (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا)(4)، ومعنى الفقرة الأخيرة: أن الخيل تغير بفرسانها على العدو وقت الصبح، وإنما ذكر وقت الصبح، لأنهم كانوا يسيرون إلى العدو ليلاً فيأتونهم صبحاً(5).
وفيما يلي نذكر قسماً من الأحاديث الشريفة الواردة عن رسول الله صلی الله عليه و آله وعن أهل بيته الأئمة الهداة عليهم السلام ، في مختلف أحكام السلم والحرب، التي يظهر من خلالها جلياً كيف أنّ الإنسانية والعدل وتعميم الخير والصالح العام هي الأسس المتينة الثابتة لكل تصرفات الإسلام حتى في حالة الحرب… مما لم نجد لـه في التاريخ مثيلاً، لا تاريخنا المعاصر، عصر الحروب والتدمير، ولا تاريخ العالم الماضي، ولا تاريخ أي مذهب أو دين آخر.
وفي الوقت نفسه نذكر بكل اختصار عدداً من الأحاديث الشريفة في هذا المجال والتعليق عليها والبحث عنها بما يناسب حجم الكتاب.

لا.. للغدر
في الكافي عن الصادق عليه السلام قال: «كان رسول الله صلی الله عليه و آله إذا أراد أن يبعث سرية، دعاهم فأجلسهم بين يديه، ثم يقول:
سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله..
لا تغلوا(6)، ولا تمثّلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً، ولا امرأة، ولا تقطعوا شجراً، إلا أن تضطروا إليها، وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين، فهو جار حتى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله عليه»(7).
لا.. لكل الرذائل في حال الحرب، واشتباك النار وسقوط القتلى.
فالقتل في سبيل الله فضيلة، سواء كان قتلاً للعدو، أم قتل العدو للمؤمن كلاهما للمؤمن فضيلة.
أمّا الرذائل فلا تنقلب فضيلة.
هذا هو منطق الإسلام، وسياسته الإنسانية حتى في الحرب.. فالغاية لا تبرر الواسطة أياً كانت.

تنظيم حربي رائع
روي في (تحف العقول) كتاب كتبه أمير المؤمنين عليه السلام إلى زياد بن النضر حين أنفذه على مقدّمته إلى صفّين:
«اعلم أنّ مقدّمة القوم عيونهم، وعيون المقدّمة طلائعهم، فإذا أنت خرجت من بلادك، ودنوت من عدوك، فلا تسأم من توجيه الطلائع في كل ناحية، وفي بعض الشعاب والشجر والخمر، وفي كل جانب، حتى لا يغيركم عدوكم ويكون لكم كمين، ولا تسير الكتائب والقبائل من لدن الصباح إلى المساء إلا تعبئة، فإن دهمكم أمر، أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدّمتم في التعبئة، وإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في إقبال الأشراف، أو في سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار، كيما يكون لكم ردءً ودونكم مردَّاً، ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد واثنين، واجعلوا رقباءكم في صياصي الجبال، وبأعلى الأشراف وبمناكب الأنهار يريئون لكم، لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن، وإذا نزلتم فانزلوا جميعاً، وإذا رحلتم فارحلوا جميعاً، وإذا غشيكم الليل فنزلتم، فعفوا عسكركم بالرماح والترسة، واجعلوا رماتكم يلون ترستكم، كيلا تصاب لكم غرّة ولا تلقى لكم غفلة، واحرس عسكرك بنفسك، وإياك أن ترقد أو تصبح إلا غراراً أو مضمضة، ثم ليكن ذلك شأنك ودأبك حتى تنتهي إلى عدوك، وعليك بالتأني في حربك، وإياك والعجلة إلا أن تمكنك فرصة، وإياك أن تقاتل إلا أن يبدؤك، أو يأتيك أمري، السلام عليك ورحمة الله»(8).
عظيم هذا الإسلام.
عظيم جداً.. وجداً.
إنّه دين الإنسانية.
إنّه بحق الدين الذي جعله خالق الإنسان لسعادة الإنسان.
فالإرتباط بينهما وثيق غاية في الوثاقة.
ففي نفس الوقت الذي يضع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام هذا التنظيم الرائع الحربي لقائد جيشه في المقدّمة.
تراه يؤكّد في آخره:
«وإياك أن تقاتل إلا أن يبدؤك».
فالجيشان اصطفا لماذا؟
أليس للقتال؟
أليس معاوية خرج على الله وعلى الرسول صلی الله عليه و آله إذ خرج على خليفة الرسول الشرعي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ؟
أليس معاوية وجيشُهُ بغاة في المصطلح القرآني:
(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)(9).
ولكنه الإسلام العظيم الذي لا يترك الإنسانية في أحلك الحالات وأعسر الظروف.
لا.. للمبادرة بالحرب.
نعم.. للمبادرة بالإنسانية.
هذه هو موجز منطق الإسلام العسكري.. وفي كل مجال.

لا.. للنابالم
قال أمير المؤمنين عليه السلام :
«نهى رسول الله صلی الله عليه و آله أن يلقى السم في بلاد المشركين»(10).
لا.. للنابالم.
هذا ما أكّد عليه رسول الإسلام صلی الله عليه و آله قبل أربعة عشر قرناً.
إنّه قال: لا… والتزم بهذا القول.
أما اليوم فيقول العالم.. لا للنابالم، ولكنهم لا يلتزمون به.
من هنا يعرف عظمة الإسلام في السيف.. وفي الالتزام.

لا.. لقتل النساء
روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه سئل عن النساء كيف سقطت الجزية عنهن ورفعت عنهن؟
قال: فقال:
«لأنّ رسول الله صلی الله عليه و آله نهى عن قتل النساء والولدان في دار الحرب، إلا أن يقاتلن، وإن قاتلت أيضاً فأمسك عنها ما أمكنك ولم تخف خللا، فلما نهى رسول الله صلی الله عليه و آله عن قتلهن في دار الحرب كان ذلك في دار الإسلام أولى، ولو امتنعت أن تؤدّي الجزية لم يمكن قتلها، فلما لم يمكن قتلها رفعت الجزية عنها، ولو منع الرجال فأبوا أن يؤدّوا الجزية كانوا ناقضين للعهد، وحلّت دماؤهم وقتلهم، لأنّ قتل الرجال مباح في دار الشرك والذمّة، وكذلك المقعد من أهل الشرك والذمّة والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض الحرب، فمن أجل ذلك رفعت عنهم الجزية»(11).
الإسلام هو حامي المرأة في كل المجالات.
والمادية جعلت المرأة سلعة رخيصة، شأنها شأن الخمر.. والهيروئين.
فلينصف العالم من خلال هذا النصّ الواحد ـ الذي لـه ألوف الأمثال في الإسلام ـ هل الإسلام حمى المرأة أم حاربها؟
وهل المادية حمت المرأة أم خلعتها؟

يسعى بذمتهم أدناهم
عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له:
ما معنى قول النبي صلی الله عليه و آله: يسعى بذمّتهم أدناهم؟
قال: «لو أنّ جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين، فأشرف رجل فقال: أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم وأناظره، فأعطاه أدناهم الأمان، وجب على أفضلهم الوفاء له»(12).
أدنى المسلمين وأقلّهم شخصية لـه كل هذا التقدير الكبير في نظام الإسلام أن يجير مشركاً في الحرب، فيجب على عامّة المسلمين، حتى القائد العام للقوات المسلّحة أن يحترم جواره. نعم، إلا إذا ثبتت المؤامرة أو خيفت.
هذا التقدير العظيم للفرد لا يوجد في أية حكومة، أو أي نظام عسكري إلا في الإسلام.. دين الإنسانية.
وقد صرّح فقهاء الإسلام ـ استنباطاً من الأحاديث الشريفة ـ أنّه لو أعطى الأمان للكافر عبد من المسلمين أو امرأة من المسلمات، نفذ أمانه استعظاماً للإسلام واستعلاءً للمسلمين.
فإنّ «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»(13).
قال المحقق الحلّي رحمه الله في (شرائع الإسلام):
ويستوي في ذلك الحر والعبد والذكر والأنثى(14).
وقال صاحب الجواهر في شرح هذه العبارة: (بلا خلاف كما اعترف به في المنتهى في الأخير ـ أي، الأنثى ـ ونسبه فيه أيضاً إلى علمائنا وأكثر أهل العلم في العبد، لعموم قولـه صلی الله عليه و آله: «يسعى بذمّتهم أدناهم»، وخصوص خبر مسعدة في العبد)(15).
ونصوص الشريعة بتواتر تؤكّد ذلك تعميقاً في احترام المسلمين وإعلاءً للإسلام، وفيما يلي نذكر بعض تلك النصوص:
في خبر مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عليه السلام قال:
«إنّ علياً عليه السلام أجاز أمان عبد مملوك لأهل حصن من الحصون، وقال عليه السلام : هو من المؤمنين»(16).
وهذه الجملة الأخيرة (هو من المؤمنين) لعلّها إشارة إلى قول النبي صلی الله عليه و آله:
«المؤمنون تتكافأ دمائهم يسعى بذمتهم أدناهم»(17).
فكان أمير المؤمنين عليٌ عليه السلام استدل على صحّة أمان العبد المسلم بأنه مؤمن فيشمله إطلاق قول النبي صلی الله عليه و آله يسعى بذمّتهم ـ أي المؤمنين ـ أدناهم.
وفي حديث محمد بن الحكم عن الإمام الصادق عليه السلام قال:
«لو أنّ قوماً حاصروا مدينة فسألوهم الأمان، فقالوا: لا، فظنوا أنّهم قالوا نعم، فنزلوا إليهم كانوا آمنين»(18).
وقد مر حديث السكوني(19).
وفي كتاب (جواهر الكلام) نقلاً عن (المنتهى) للعلامة الحلّي قدس سره : أنّ أم هاني قالت لرسول الله صلی الله عليه و آله: يا رسول الله، إني أجرت أحمائي وأغلقت عليهم، وإنّ ابن أُمي أراد قتلهم.
فقال رسول الله صلی الله عليه و آله:
«قد أجرنا من أجرتِ يا أم هاني، إنما يجير على المسلمين أدناهم»(20).
وفي الجواهر أيضاً:
«إنّ زينب بنت رسول الله صلی الله عليه و آله أجارت العاص بن الربيع، فأمضاه رسول الله صلی الله عليه و آله»(21).

المؤمنون سواسية
عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال:
«قرأت في كتاب لعلي عليه السلام : أنّ رسول الله صلی الله عليه و آله كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب: إنّ كل غازية غزت بما يعقب بعضها بعضاً بالمعروف والقسط بين المسلمين، فإنّه لا يجوز حرب إلا بإذن أهلها، وإنّ الجار كالنفس، غير مضار ولا آثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أمّه وأبيه، لايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على عدل وسواء»(22).
التسوية بين أفراد المسلمين.. كبيرهم وصغيرهم.. حرهم وعبدهم.. شابهم وشيخهم.. قائدهم وجنديهم.. في الحرب وغيرها.. هذا من مختصّات الإسلام.

المسلمون تتكافئ دماؤهم
عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: خطب رسول الله صلی الله عليه و آله في مسجد الخيف فقال:
«رحم الله امرئً سمع مقالتي فوعاها، وبلّغها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه… ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، والمسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، فإذا أمّن أحد من المسلمين أحداً من المشركين، لم يجب أن تخفر ذمّته»(23).
وعن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قريتين من أهل الحرب، لكل واحدة منهما ملك على حدة، اقتتلوا ثم اصطلحوا، ثم إنّ أحد الملكين غدر بصاحبه، فجاء إلى المسلمين فصالحهم على أن يغزوا تلك المدينة، فقال أبو عبد الله عليه السلام :
«لا ينبغي للمسلمين أن يغدروا، ولا يأمروا بالغدر، ولا يقاتلوا مع الذين غدروا، ولكنهم يقاتلون المشركين حيث وجدوهم، ولايجوز عليهم ما عاهد عليه الكفّار»(24).
وهذا أيضاً من مختصّات الإسلام، فالعالم والجاهل، والأسود والأبيض، والشيخ والشاب، وذو العشيرة ومن لا عشيرة لـه، كلهم.. حتى الجندي والقائد للقوات المسلّحة.. كلهم في الدم سواء.
أليس هذا من مختصّات الإسلام؟
نعم، فانظر إلى الغرب والشرق في هذا الأمر لتعلم ذلك.

لا.. لكل فساد
عن محمد بن سنان، أنّ أبا الحسن الرضا عليه السلام ، كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله:
«حرّم الله الفرار من الزحف، لما فيه من الوهن في الدين، والإستخفاف بالرسل والأئمة العادلة عليهم السلام ، وترك نصرتهم على الأعداء، والعقوبة لهم على ترك ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبية، وإظهار العدل، وترك الجور، وإماتة الفساد، لما في ذلك من جرأة العدو على المسلمين، وما يكون في ذلك من السبي والقتل وإبطال دين الله عزّ وجلّ وغيره من الفساد»(25).
الإسلام دين الصلاح، والصلاح والفساد لا يجتمعان.
إذن: لا، لكل أنواع الفساد في الإسلام.
والفرار من الزحف فساد للدين، وللقادة، وللمسلمين، فلا للفرار من الزحف.

وصايا إمام المسلمين
كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا حضر الحرب، يوصي المسلمين بكلمات فيقول:
«تعاهدوا الصلاة، وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقربوا بها، فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، وقد علم ذلك الكفّار حيث سألوا:(مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)(26) وقد عرف حقّها من طرقها، وأكرم بها من المؤمنين الذين لايشغلهم عنها زين متاع، ولا قرّة عين من مال ولا ولد، يقول الله عزّ وجلّ:
(رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ)(27)، وكان رسول الله صلی الله عليه و آله منصباً لنفسه بعد البشرى لـه بالجنّة من ربّه، فقال عزّ وجلّ:
(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا..)(28) الآية، فكان يأمر بها أهله، ويُصبِّر عليها نفسه.
ثم إنّ الزكاة جعلت مع الصلاة قرباناً لأهل الإسلام على أهل الإسلام، ومن لم يعطها طيب النفس بها يرجو بها من الثمن ما هو أفضل منها فإنّه جاهل بالسنّة، مغبون الأجر، ضال العمر، طويل الندم بترك أمر الله عزّ وجل، والرغبة عمّا عليه صالحوا عباد الله، يقول الله عزّ وجل:
(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى)(29).
من الأمانة، فقد خسر من ليس من أهلها وضل عمله، عرضت على السماوات المبنية، والأرض المهاد، والجبال المنصوبة، فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم لو امتنعن من طول أو عرض أو عظم أو قوة أو عزة امتنعن، ولكن أشفقن من العقوبة.
ثم إنّ الجهاد أشرف الأعمال بعد الإسلام وهو قوام الدين، والأجر فيه عظيم، مع العزّة والمنعة، وهو الكره في الحسنات والبشرى بالجنّة بعد الشهادة، وبالرزق غداً عند الرب والكرامة، يقول الله عزّ وجل:
(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ)(30).
ثم إنّ الرعب والخوف من جهاد المستحق للجهاد، والمتوازرين على الضلال، ضلال في الدين، وسلب للدنيا مع الذلّ والصغار، وفيه استيجاب النار بالفرار من الزحف عند حضرة القتال، يقول الله عزّ وجل:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ)(31).
فحافظوا على أمر الله عزّ وجل في هذه المواطن التي الصبر عليها كرم وسعادة، ونجاة في الدنيا والآخرة من فظيع الهول والمخافة، فإن الله عزّ وجل لا يعبأ بما العباد مقترفون في ليلهم ونهارهم، لطف به علماً، وكل ذلك
(فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى(32)،
فاصبروا وصابروا، واسألوا النصر، ووطّنوا أنفسكم على القتال واتقوا الله عزّ وجل، فإنّ
(اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)(33)»(34).
هذه الوصايا كتاب كامل.
كل جملة منها وكل وصية منها علم وفن وإنسانية، وبالتالي إنها خلاصة الإسلام الذي يجمع كل الخيرات.
وإمام المسلمين، أمير المؤمنين عليه السلام هو الأعرف بذلك كله في كل أبعاده، فلتؤخذ منه هذه الوصايا، ولينفّذها المسلمون في حروبهم مع الكفّار والظالمين.

تنسيق عسكري دقيق
عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنّه وصف القتال، فقال:
«قدّموا الرجّالة الرماة، فليرشقوا بالنبل ولتتناوش الجنبتان، واجعلوا خيل الروابط المنتخبة ردءً اللواء، ولاتنشزوا عن مراكزكم لفارس شدّ من العدو، ومن رأى فرصة من العدو فلينشز ولينتهز الفرصة بعد إحكام مركزه، فإذا قضى حاجته عاد إليه، فإذا أردتم الحملة فليبدأ صاحب المقدّمة، فإن تضعضع أدعمته شرطة الخميس، فإن تضعضعوا حملت المنتخبة ورشقت الرماة، وتقف الطلائع والمسالح في الأطراف والغياض والأكام ليتحفظ من المكامن، فإن ابتدأكم العدو بالحملة، فأشرعوا الرماح واثبتوا واصبروا ولتنضح الرماة، وحركوا الرايات وقعقعوا الحجف، وليبرز في وجوههم أصحاب الجواشن والدروع، فإن انكسروا أدنى كسرة، فليحمل عليهم الأوّل فالأوّل، ولا تحملوا حملة واحدة ما قام من حمل بأمر العدو فإن لم يقم فادعوه شيئاً شيئاً، وألزموا مصافّكم واثبتوا في مواقفكم، فإذا استحقّت الهزيمة، فاحملوا بجماعتكم على التعابي غير متفرقين ولا منقبضين، وإذا انصرفتم من قتال، فانصرفوا كذلك على التعابي(35)»(36).
حيث كان العالم يعيش اللاتنسيق في كل شيء، حتى في الحرب كان أهل البيت عليهم السلام يضعون للمسلمين خطوط التنسيق في كل شيء، في الحرب وغير الحرب.
هذا التنسيق الحربي الدقيق الذي تضمّنه هذا المقطع من أوامر أمير المؤمنين علي عليه السلام في القتال قبل أربعة عشر قرناً تجده كافياً حتى لعهد الأقمار الصناعية والصواريخ.. ولما بعد هذا العهد.. وسيستمر.

إعداد نفسي وعسكري
وعن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنّه قال: «إن زحف العدو إليكم، فصفّوا على أبواب الخنادق، فليس هناك إلا السيوف، ولزوم الأرض بعد إحكام الصفوف، ولا تنظروا في وجوههم، ولا يهولنكم عددهم، وانظروا إلى أوطانكم من الأرض، فإن حملوا عليكم فاجثوا على الركب، واستتروا معاً بالترسة صفّاً محكماً لا خلل فيه، فإن أدبروا فاحملوا عليهم بالسيوف فإن ثبتوا فاثبتوا على التعابي، وإن انهزموا فاركبوا الخيل، واطلبوا القوم ولا قوّة إلا بالله، وإن كانت ـ وأعوذ بالله ـ فيكم هزيمة، فتداعوا وكبّروا وثقوا بالله وبما تواعد به من فرّ من الزحف، وبكّتوا من رأيتموه ولّى، واجمعوا الألوية واعتقدوا، وليسرع المخفّون في ردّ من انهزم إلى الجماعة وإلى المعسكر، فلينفر من فيه إليكم، فإذا اجتمع أطرافكم، وآبت إمدادكم، وانصرف فلكم، فألحقوا الناس بقوادّهم، وأحكموا تعابيهم، وقاتلوا واستعينوا بالله واصبروا»(37).
(الإعداد) النفسي في الحرب مع (الإعداد) العسكري رضيعا لبان، كلما كانا معاً انتصر الجيش، وهذا ما لا يتناساه الإسلام، والإمام عليه السلام يمزج الإعدادين في صورة واحدة من الكلام ليكون أكثر تماسكاً وقوّة.

لا.. لتصفية الحسابات في الحرب
عن حفص بن غياث قال:
سألت أبا عبد الله عليه السلام ، عن الرجل من أهل الحرب، إذا أسلم في دار الحرب، فظهر عليهم المسلمون بعد ذلك؟
فقال: «إسلامه إسلام لنفسه ولولده الصغار وهم أحرار، وولده ومتاعه ورقيقه لـه، فأما الولد الكبار، فهم فيء للمسلمين، إلا أن يكونوا أسلموا قبل ذلك، وأما الدور والأرضون فهي فيء ولا تكون لـه، لأنّ الأرض هي أرض جزية لم يجر فيها حكم أهل الإسلام، وليس بمنزلة ما ذكرناه، لأنّ ذلك يمكن احتيازه وإخراجه إلى دار الإسلام»(38).
الإسلام دين الحق والعدل، وليس دين تصفية الحسابات والتشفي، فإذا أسلم مشرك في دار الحرب قبل منه إسلامه، وكان يتبعه ولده الصغار غير البالغين..
وقد نصّ القرآن الحكيم على هذه الاستيعابية الإنسانية الرائعة الفريدة:
(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)(39).

التقسيم بالسوية
عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه أمر عمّار بن ياسر، وعبد الله بن أبي رافع، وأبا الهيثم بن التيهان، أن يقسّموا مالاً من الفيء بين المسلمين، وقال: اعدلوا بينهم ولا تفضّلوا أحداً على أحد.
فحسبوا فوجدوا الذي يصيب كل رجل من المسلمين ثلاثة دنانير، فأتوا الناس فأقبل عليهم طلحة والزبير ومع كل واحد ابنه، فدفعوا إلى كل واحد منهم ثلاثة دنانير.
فقال طلحة والزبير: ليس هكذا كان يعطينا عمر، فهذا منكم أو عن أمر صاحبكم؟
قالوا: هكذا أمرنا أمير المؤمنين عليه السلام .
فمضيا إليه عليه السلام ، فوجداه في بعض أحواله قائما في الشمس على أجير لـه يعمل بين يديه فقالا له: ترى أن ترتفع معنا إلى الظل؟
قال: نعم.
فقالا لـه: إنا أتينا إلى عمّالك على قسمة هذا الفيء، فأعطونا كما أعطي سائر الناس.
قال: فما تريدان؟
قالا: ليس كذلك كان يعطينا عمر.
قال عليه السلام : فما كان يعطيكما رسول الله صلی الله عليه و آله؟ فسكتا.
فقال عليه السلام : أليس كان النبي صلی الله عليه و آله يقسم بين المسلمين بالسويّة؟
قالا: نعم.
قال: فسنّة رسول الله صلی الله عليه و آله أولى بالاتباع عندكما، أم سنّة عمر؟
قالا: سنّة رسول الله صلی الله عليه و آله، ولكن لنا يا أمير المؤمنين سابقة وعناء وقرابة، فإن رأيت أن لا تسوينا بالناس، فافعل.
قال: سابقتكما أسبق أم سابقتي؟
قالا: سابقتك.
قال: فقرابتكما أقرب أم قرابتي؟
قالا: قرابتك.
قال: فعناؤكما أعظم أم عنائي؟
قالا: بل أنت يا أمير المؤمنين أعظم عناءً.
قال: فوالله ما أنا وأجيري هذا في المال، إلا بمنزلة واحدة، وأومئ بيده إلى الأجير الذي بين يديه »(40) الخبر.
عظيم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .
إنّه الشخصية الفريدة في التاريخ بعد رسول الله صلی الله عليه و آله.
وعظمة الشخص تعرف من خلال تاريخه.
فمن مثل علي عليه السلام ؟
ومن لـه مثل هذا التاريخ المجيد في كل الأبعاد؟
وقد أسلم بعض الفلاسفة الغربيين، وقال: إنّ سبب إسلامي أني رأيت علي بن أبي طالب مسلماً، ولو لم يكن الإسلام حقاً لما اعتنقه هذا العملاق العظيم، ومن اعتناق علي عليه السلام للإسلام عرفت أنّ الإسلام حق.

الأولوية للإسلام
عن الإمام الصادق جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام ، أنّ النبي صلی الله عليه و آله حيث حاصر أهل الطائف قال: «أيما عبد خرج إلينا قبل مولاه فهو حرّ، وأيما عبد خرج إلينا بعد مولاه فهو عبد»(41).
العبد والمولى مشركان في دار الحرب أو في ساحة الحرب لا فرق، فلو أسلم العبد قبل مولاه تحرر عن العبودية.. فإنّه (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)(42). و«الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»(43).
ولو أسلم المولى ثم أسلم العبد فلا يزال عبداً لمولاه… وهذه أولوية الإسلام.

احترام الرسول
عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «إن ظفرتم برجل من أهل الحرب، فزعم أنه رسول إليكم، فإن عرف ذلك منه وجاء بما يدل عليه، فلا سبيل لكم عليه، حتى يبلغ رسالاته، ويرجع إلى أصحابه، وإن لم تجدوا على قوله دليلاً، فلا تقبلوا منه»(44).
رسول المشركين إلى المسلمين محترم، لا يقتل، ولا يهان، ولا يسلب ولايؤذى، ولا يدفع.
هذه قاعدة إنسانية يؤكد عليها الإسلام الذي هو دين الإنسانية.
وفي نفس الوقت الذي يعمل الإسلام بالإنسانية، ويؤكد عليها بالغ التأكيد في كل المجالات حتى في الحرب التي هي أعتى المجالات..
في نفس الوقت لا يغفل الإسلام عن غدر المشركين، وعدم التزامهم بالإنسانية، فيؤكّد على ثبوت كون الرجل رسولاً، لكي لا يصير المسلمون مصيدة لغدر الكفّار.
أليس عظيماً هذا الإسلام في سياسته الجامعة بين الدقّة والإنسانية.

الشعار في الإسلام
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «شعارنا: (يا محمد، يا محمد)، وشعارنا يوم بدر: (يا نصر الله اقترب اقترب)، وشعار المسلمين يوم أحد: (يا نصر الله اقترب)، ويوم بني النضير: (يا روح القدس أرح)، ويوم بني قينقاع: (يا ربنا لا يغلبنك)، ويوم الطائف: (يا رضوان)، وشعار يوم حنين: (يا بني عبد الله، يا بني عبد الله)، ويوم الأحزاب: (حم لا يبصرون)، ويوم بني قريضة: (يا سلام أسلمهم)، ويوم المريسيع ـ وهو يوم بني المصطلق ـ : (ألا إلى الله الأمر)، ويوم الحديبية: (ألا لعنة الله على الظالمين)، ويوم خيبر ـ يوم القموص ـ : (يا علي آتهم من عل)، ويوم الفتح: (نحن عباد الله حقاً حقاً)، ويوم تبوك: (يا أحد يا صمد)، ويوم بني الملوح: (أمت أمت)، ويوم صفّين: (يا نصر الله)، وشعار الحسين عليه السلام : (يا محمد)، وشعارنا: (يا محمد)»(45).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام :
«إن رسول الله صلی الله عليه و آله أمر بالشعار قبل الحرب وقال: وليكن في شعاركم اسم من أسماء الله تعالى»(46).
الشعار ضرورة حتمية لكل أمّة تريد النهوض بأبنائها إلى الصعود، إذ الشعار هو المعبر عن آلام الأمة وآمالها، وهو الذي يربي عليه أجيالها الصاعدة، وهو الذي يحدد مسير الأمّة ومصيرها، ويوضّح موقفها في الأحداث الداخلية والخارجية، وفي الإسلام حيث إنّ الله مبدأ ومنتهى كل شيء فليكن في الشعار بعض أسماء الله تعالى.

إحترام الكرام
في (العدد القوية) لعلي بن يوسف ـ أخ العلامة ـ عن محمد بن جرير الطبري قال: لما ورد سبي الفرس إلى المدينة، أراد عمر بن الخطاب بيع النساء وأن يجعل الرجال عبيداً، فقال لـه أمير المؤمنين عليه السلام :
إنّ رسول الله صلی الله عليه و آله قال: أكرموا كريم كل قوم.
فقال عمر: قد سمعته يقول: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وإن خالفكم.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : هؤلاء قوم قد ألقوا إليكم السلام، ورغبوا في الإسلام، ولابدّ من أن يكون لهم فيهم ذرية، وأنا أُشهد الله وأُشهدكم أني قد أعتقت نصيبي منهم لوجه الله.
فقال المهاجرون والأنصار: وقد وهبنا حقّنا لك يا أخا رسول الله صلی الله عليه و آله.
فقال: اللهم إني أشهد أنهم قد وهبوا لي حقهم وقبلته، وأُشهدك أني قد أعتقتهم لوجهك.
فقال عمر: لم نقضت عليّ عزمي في الأعاجم، وما الذي رغبك عن رأيي فيهم؟ فأعاد عليه ما قال رسول الله صلی الله عليه و آله في إكرام الكرماء.
فقال عمر: قد وهبت لله ولك يا أبا الحسن ما يخصني وسائر ما لم يوهب لك.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : اللهم اشهد على ما قالوا، وعلى عتقي إياهم.
فرغب جماعة من قريش في أن يستنكحوا النساء.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : هؤلاء لا يكرهن على ذلك ولكن يخيّرن، ما اخترنه عمل به(47)، الخبر.

الإسلام دين الحب
وقد ورد في متواتر الروايات: «هل الدين إلاّ الحبّ في الله والبغض في الله»(48). وبالحبّ والفضيلة استطاع الإسلام أن يكسب العالم فكرياً، ويخضع حكومات الدنيا سياسياً.
حتى أنّ المؤرخين يذكرون: أنّ الزحف الإسلامي في قوته وسرعته هو الفريد الذي لم يحدّثنا تاريخ العالم كله لـه مثيلاً ولا نظيراً.
وما هذا التأخر الفظيع الذي حدث للمسلمين في هذا القرن إلا وليد عدم قدرة المسلمين على تطبيق الإسلام كما ينبغي.
وقد عمد الأجانب إلى تشويه صورة الإسلام، وإعطائه إطار العنف والشدّة والقسوة، لكي يستقطبوا غير المسلمين ويضيقوا الخناق على المسلمين.
وقد إستفادوا من جهل كثير من المسلمين أيضاً، وسوء تصرّفهم.
فلو أظهر المسلمون الإسلام ناصعاً كما أنزل الله لاعتنقه أكثر البشرية، لأنّ أكثر الناس ليسوا متعصّبين، وإنما هم جهّال لا يعلمون، فإذا علموا أتوا.
هذه ثلة من أحاديث الرسول وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام في مختلف شؤون الحرب، أثبتناها هنا كنماذج، من موسوعة (وسائل الشيعة) و(مستدرك الوسائل) كتاب الجهاد، وإلا ففيهما وفي غيرهما من موسوعات الحديث الكثير من النصوص، وجمعها بحاجة إلى تدوين كتاب مستقل ضخم.

بلقيس ملكة سبأ

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الوهيف 1

نسبهــــا:

تنسب الملكة بلقيس إلى الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر [1]، و هناك اختلاف كبير بين المراجع التاريخية في تحديد اسم ونسب هذه الملكة الحِمْيَرية اليمانية، كما أنه لا يوجد تأريخ لسنة ولادتها ووفاتها.

حُكمهــــــــــا:

كانت بلقيس سليلة حسبٍ و نسب، فأبوها كان ملكاً، و قد ورثت الملك بولاية منه؛ لأنه على ما يبدو لم يرزق بأبناء بنين. لكن أشراف وعلية قومها استنكروا توليها العرش وقابلوا هذا الأمر بالازدراء و الاستياء، فكيف تتولى زمام الأمور في مملكة مترامية الأطراف مثل مملكتهم امرأة[2]، أليس منهم رجلٌ رشيد؟ و كان لهذا التشتت بين قوم بلقيس أصداء خارج حدود مملكتها، فقد أثار الطمع في قلوب الطامحين الاستيلاء على مملكة سبأ، ومنهم الملك “عمرو بن أبرهة” الملقب بذي الأذعار. فحشر ذو الأذعار جنده و توجه ناحية مملكة سبأ للاستيلاء عليها و على ملكتها بلقيس، إلا أن بلقيس علمت بما في نفس ذي الأذعار فخشيت على نفسها، واستخفت في ثياب أعرابي ولاذت بالفرار. و عادت بلقيس بعد أن عم الفساد أرجاء مملكتها فقررت التخلص من ذي الأذعار، فدخلت عليه ذات يوم في قصره و ظلت تسقيه الخمر وهو ظانٌ أنها تسامره وعندما بلغ الخمر منه مبلغه، استلت سكيناً و ذبحته بها[3]. إلا أن رواياتٍ أخرى تشير إلى أن بلقيس أرسلت إلى ذي الأذعار وطلبت منه أن يتزوجها بغية الانتقام منه، وعندما دخلت عليه فعلت فعلتها التي في الرواية الأولى[4]. وهذه الحادثة هي دليلٌ جليّ وواضح على رباطة جأشها وقوة نفسها، وفطنة عقلها وحسن تدبيرها للأمور، وخلصت بذلك أهل سبأ من شر ذي الأذعار وفساده.

وازدهر زمن حكم بلقيس مملكة سبأ أيمّا ازدهار، واستقرت البلاد أيمّا استقرار، وتمتع أهل اليمن بالرخاء و الحضارة والعمران والمدنية. كما حاربت بلقيس الأعداء ووطدت أركان ملكها بالعدل وساست قومها بالحكمة. ومما أذاع صيتها و حببها إلى الناس قيامها بترميم سد مأرب الذي كان قد نال منه الزمن وأهرم بنيانه وأضعف أوصاله[5]. وبلقيس هي أول ملكة اتخذت من سبأ مقراً لحكمها.

قصة بلقيس في القرآن

ورد ذكر الملكة بلقيس في القرآن الكريم، فهي صاحبة الصرح المُمَرد من قوارير وذات القصة المشهورة مع النبي سليمان بن داود – عليه السلام – في سورة النمل.

وقد كان قوم بلقيس يعبدون الأجرام السماوية والشمس على وجه الخصوص، و كانوا يتقربون إليها بالقرابين، و يسجدون لها من دون الله، و هذا ما لفت انتباه الهدهد الذي كان قد بعثه سليمان – عليه السلام- ليبحث عن موردٍ للماء. و بعد الوعيد الذي كان قد توعده سليمان إياه لتأخره عليه بأن يعذبه إن لم يأت بعذرٍ مقبول عاد الهدهد و عذره معه “أحطت بما لم تحط به و جئتك من سبأ بنبأ يقين”[6]، فقد وجد الهدهد أن أهل سبأ على الرغم مما آتاهم الله من النعم إلا أنهم” يسجدون للشمس من دون الله “[7].

فما كان من سليمان –عليه السلام- المعروف بكمال عقله وسعة حكمته إلا أن يتحرّى صدق كلام الهدهد، فقال: ” سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين”[8]، وأرسل إلى بلقيس ملكة سبأ بكتابٍ يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله ورسوله والإنابة والإذعان، وأن يأتوه مسلمين خاضعين لحكمه وسلطانه، ونصه “إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم* ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين” [9].

كانت بلقيس حينها جالسة على سرير مملكتها المزخرف بأنواع من الجواهر واللآلئ والذهب مما يسلب الألباب ويذهب بالمنطق والأسباب[10]. ولما عُرف عن بلقيس من رجاحة وركازة العقل فإنها جمعت وزراءها وعلية قومها، و شاورتهم في أمر هذا الكتاب. في ذلك الوقت كانت مملكة سبأ تشهد من القوة ما يجعل الممالك الأخرى تخشاها، و تحسب لها ألف حساب. فكان رأي وزرائها “ نحن أولوا قوةٍ و أولوا بأس شديدٍ “[11] في إشارةٍ منهم إلى اللجوء للحرب والقوة. إلا أن بلقيس صاحبة العلم والحكمة والبصيرة النافذة ارتأت رأياً مخالفاً لرأيهم، فهي تعلم بخبرتها وتجاربها في الحياة أن “ الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون”[12]. وبصرت بما لم يبصروا ورأت أن ترسل إلى سليمان بهديةٍ مع علية قومها وقلائهم، عله يلين أو يغير رأيه، منتظرةٌ بما يرجع المرسلون. ولكن سليمان –عليه السلام- رد عليهم برد قوي منكر صنيعهم ومتوعد إياهم بالوعيد الشديد قائلاً: “أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون”[13].

عندها أيقنت بلقيس بقوة سليمان وعظمة سلطانه، وأنه لا ريب نبي من عند الله –عز وجل-، فجمعت حرسها وجنودها واتجهت إلى الشام حيث سليمان –عليه السلام-.

وكان عرش بلقيس وهي في طريقها إلى سليمان –عليه السلام- مستقراً عنده، فقد أمر جنوده بأن يجلبوا له عرشها، فأتاه به رجلٌ عنده علم الكتاب قبل أن يرتد إليه طرفه. ومن ثم غّير لها معالم عرشها، ليعلم أهي بالذكاء و الفطنة بما يليق بمقامها و ملكها[14].

ومشت بلقيس على الصرح الممرد من قوارير والذي كان ممتداً على عرشها، إلا أنها حسبته لجةً فكشفت عن ساقيها وكانت مخطئة بذلك عندها عرفت أنها وقومها كانوا ظالمين لأنفسهم بعبادتهم لغير الله –تعالى- وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.

وتقول المراجع التاريخية أن سليمان –عليه السلام- تزوج من بلقيس، وأنه كان يزورها في سبأ بين الحين والآخر. وأقامت معه سبع سنين وأشهراً، و توفيت فدفنها في تدمر[15].وتعلل المراجع سبب وفاة بلقيس أنها بسبب وفاة ابنها رَحْـبَم بن سليمان[16].

وقد ظهر تابوت بلقيس في عصر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك و عليه كتابات تشير إلى أنها ماتت لإحدى وعشرين سنة خلت من حكم سليمان. وفتح التابوت فإذا هي غضّة لم يتغير جسمها، فرفع الأمر إلى الخليفة فأمر بترك التابوت مكانه وبنى عليه الصخر[17].

قراءةٌ في شخصية الملكة بلقيس

· ذكر بلقيس في القرآن الكريم

إن بلقيس لم تكن امرأة عادية، أو ملكة حكمت في زمن من الأزمان و مر ذكرها مرور الكرام شأن كثير من الملوك و الأمراء. و دليل ذلك ورود ذكرها في القرآن. فقد خلد القرآن الكريم بلقيس، و تعرض لها دون أن يمسّها بسوء ، و يكفيها شرفاً أن ورد ذكرها في كتابٍ منزلٍ من لدن حكيم عليم، وهو كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، ولم و لن يعتريه أي تحريف أو تبديل على مر الزمان، لأن رب العزة –جل و علا- تكفل بحفظه وصونه “إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون”[18]. فذِكر بلقيس في آخر الكتب السماوية و أعظمها و أخلدها هو تقدير للمرأة في كل زمان و مكان، هذه المرأة التي استضعفتها الشعوب والأجناس البشرية وحرمتها من حقوقها، وأنصفها الإسلام و كرمها أعظم تكريم. و هذا في مجمله وتفصيله يصب في منبع واحد، ألا وهو أن الملكة بلقيس كان لها شأنٌ عظيم جعل قصتها مع النبي سليمان –عليه السلام- تذكر في القرآن الكريم .

· رجاحة عقل بلقيس، و بليغ حكمتها، و حسن مشاورتها

إن الملكة بلقيس ما كان لها هذا الشأن العظيم لولا اتصافها برجاحة العقل و سعة الحكمة و غزارة الفهم. فحسن التفكير و حزم التدبير أسعفاها في كثيرٍ من المواقف الصعيبة والمحن الشديدة التي تعرضت لها هي ومملكتها؛ و منها قصتها مع الملك ذي الأذعار الذي كان يضمر الشر لها و لمملكتها، ولكن دهاءها وحنكتها خلصاها من براثن ذي الأذعار و خلص قومها من فساده و طغيانه و جبروته.

كما أنها عرفت بحسن المشاورة إلى جانب البراعة في المناورة، فهي لم تكن كبقية الملوك متسلطة في أحكامها، متزمتة لآرائها، لا تقبل النقاش أو المجادلة، بل كانت كما أجرى الله على لسانها “ قالت أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون}[19]، و ذلك على الرغم من أنه كان بمقدورها أن تكتفي برأيها و هي الملكة العظيمة صاحبة الملك المهيب . فهي ببصيرتها النيّرة كانت ترى أبعد من مصلحة الفرد، فهّمها كان فيما يحقق مصلحة الجماعة.

· ذكاء بلقيس وفطنتها

كانت بلقيس فطينة رزينة، و كانت فطنتها نابعة من أساس كونها امرأة، فالمرأة خلقها الله –عز وجل- وجعلها تتمتع بحاسة تمكنها من التبصر في نتائج الأمور وعواقبها. والشاهد على ذلك أنه كان لبلقيس –كعادة الملوك- عدد كبير من الجواري اللاتي يقمن على خدمتها، فإذا بلغن استدعتهن فرادى، فتحدث كل واحدة عن الرجال فإن رأت أن لونها قد تغير فطنت إلى أن جاريتها راغبة في الزواج، فتُزوجها بلقيس رجلاً من أشراف قومها وتكرم مثواها. أما إذا لم تضطرب جاريتها ولم تتغير تعابير وجهها، فطنت بلقيس إلى أنها عازفة عن الرجال، وراغبة في البقاء عندها ولم تكن بلقيس لتقصر معها. ومن أمارات فطنتها أيضا أنه لما ألقي عليها كتاب سليمان علمت من ألفاظه أنه ليس ملكاً كسائر الملوك، وأنه لا بد وأن يكون رسول كريم وله شأنٌ عظيم؛ لذلك خالفت وزراءها الرأي عندما أشاروا عليها باللجوء إلى القوة، وارتأت بأن ترسل إلى سليمان بهدية، و كان المراد من وراء هذه الهدية ليس فقط لتغري وتلهي سليمان – عليه السلام – بها، وإنما لتعرف أتغير الهدية رأيه و تخدعه؟ و لتتفقد أحواله و تعرف عن سلطانه و ملكه و جنوده. ومن علامة ذكائها أيضا أن سليمان – عليه السلام – عندما قال لها متسائلاً “ أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو”[20]، ولم تؤكد أنه هو لعلمها أنها خلفت عرشها وراءها في سبأ ولم تعلم أن لأحد هذه القدرة العجيبة على جلبه من مملكتها إلى الشام. كما أنها لم تنفِ أن يكون هو؛ لأنه يشبه عرشها لولا التغيير والتنكير الذي كان فيه[21].

إسلام الملكة بلقيس مع سليمان

كثيرةٌ هي القصص المذكورة في القرآن عن أقوامٍ لم يؤمنوا برسل الله و ظلوا على كفرهم على الرغم مما جاءهم من العلم . إلا أن بلقيس وقومها آمنوا برسول الله سليمان –عليه السلام- ولم يتمادوا في الكفر بعدما علموا أن رسالته هي الحق وأن ما كانوا يعبدون من دون الله كان باطلاً. واعترفت بلقيس بأنها كانت ظالمة لنفسها بعبادتها لغير الله “ قالت ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين “[22].

العلاقات الدولية

كاتب الموضوع الأصلي: غالب بن معيكل

بسم الله الرحمن الرحيم

العلاقات الدولية هي تفاعلات تتميز بأن أطرافها أو وحداتها السلوكية هي وحدات دولية، وحينما نذكر كلمة دولية فإن ذلك لا يعني اقتصار الفاعلين الدوليين على الدول وهي الصورة النمطية أو الكلاسيكية التي كان ينظر بها للفاعلين الدوليين في العقود الماضية.

فبجانب الدول هناك نوعان من الأطراف الدولية الأخرى التي تتشابك وتتفاعل في محيط العلاقات الدولية لدرجة لا يمكن معها تجاهلها طبقاً للنظرة التقليدية للفاعلين الدوليين.

والنوع الأول: من الفاعلين الدوليين هم أطراف أو فاعلين دون مستوى الدول في بعض الأحيان مثل الجماعات ذات السمات السياسية أو العرقية التي قد تخرج عن إطار الدولة لتقيم علاقات مع وحدات دولية خارجية بغض النظر عن موافقة أو عدم موافقة الدول التي ينضمون تحت لواءها مثل الجماعات الانفصالية وجماعات المعارضة المسلحة، فضلاً عن العلاقات الدولية لحركات التحرر التي لم ترق بعد إلى مرتبة تكوين أو تمثيل دولة.
أما النوع الثاني: من الفاعلين فهو يتمثل في التنظيمات التي تخطت إطار الدولة لتضم في عضويتها عدة دول، سواء كانت هذه المنظمات هي منظمات دولية أو إقليمية، وسواء كانت تلك المنظمات هي منظمات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية أو حتى تلك التي تقوم بغرض تعزيز روابط الآخاء الديني.
والعلاقات الدولية هي تفاعلات ثنائية الأوجه أو تفاعلات ذات نمطين النمط الأول هو نمط تعاوني والنمط الثاني هو نمط صراعي إلا أن النمط الصراعي هو النمط الذي يغلب على التفاعلات الدولية برغم محاولة الدول إخفاء أو التنكر لتلك الحقيقة، بل أننا يمكننا القول أن النمط التعاوني الذي قد تبدو فيه بعض الدول هو نمط موجه لخدمة صراع أو نمط صراعي آخر قد تديره الدولة أو تلك الدول مع دولة أو مجموعة دول أخرى، فعلى سبيل المثال نجد أن الأحلاف والروابط السياسية بين مجموعة من الدول هي في صورتها الظاهرية قد تأخذ النمط التعاوني بين تلك الدول برغم حقيقة قيامها لخدمة صراع تلك المجموعة من الدول ضد مجموعة أخرى.
أكثر من ذلك فإن النمط التعاوني للعلاقات بين دولتين (مثل تقديم العون والمساعدات الاقتصادية والعسكرية) قد يحمل في طياته محاولة من إحداهما التأثير على قرار الأخرى وتوجيه سياستها بما يخدم مصالحها أو تكبيلها بمجموعة من القيود التي تتراكم كنتاج للتأثير والنفوذ.
لذلك نجد أن معظم التحليلات والنظريات في العلاقات السياسية الدولية تركز كلها على النمط الصراعي منها انطلاقاً من دوافع ومحددات مثل القوة والنفوذ والمصلحة فضلاً عن الدوافع الشخصية.

ويعد الصراع بمثابة نمط تحليلي خصب من أنماط العلاقات السياسية الدولية، فهو مليء بالتفاعلات متعددة الأبعاد، بل أنه يجمع في طياته النمط التعاوني نفسه والذي يعاد توظيفه في معظم الأحيان لخدمة النمط أو البعد الصراعي للتفاعلات الدولية

والعلاقات الدولية هي فرع من فروع العلوم السياسية ويهتم بدراسة كل الظواهر التي تتجاوز الحدود الدولية. علما بأنه لا يقتصر على دراسة أو تحليل الجوانب أو الابعاد السياسية فقط في العلاقات بين الدول وانما يتعداها إلى مختلف الابعاد الاقتصادية والعقائدية والثقافية والاجتماعية……الخ.
كماانه لا يقتصر على تحليل العلاقات بين الدول وحدها وانما يتعدى ذلك ليشمل كثير من الاشكال التنظيمية سواء كانت تتمتع بالشخصية القانونية الدولية أو لاتتمتع بذلك

برنارد شو ومسرحية محمد

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الوهيف 1

صورة

“محمد” …مسرحية حاول كتابتها برنارد شو


ولد برناردشو عام 1856 م في أسرة بروتستنتية، وكانت أمه في مبدأ حياتها تعيش مع عمة لها حريصة على أن تغذيها بمبادئ الدين المسيحي، لكنها لم تعن بأن ترى جورج برناردشو على ما تعلمته، بل آثرت أن تعلمه الموسيقى، وكانت تحسب أن ذلك خير له وأجدى. وكان أبوه متلافأ سكيرا لا يعني بالدين إلا قليلاً، وكان له خال يصرح بعدائه للدين، ولم يكد شو يبلغ الحلم حتى هجر الكنسية وعزف عن أنواع الطقوس التى تقام فيها.
كان ذلك في مكان اسمه توركاهل Torca Hill حيث كان يقضي الصيف، وكان يسير عند الغروب على التلال الجرداء، وكان الجو جميلاً والسماء صافية وأضواء النجوم والكواكب قد بدأت تتألق، فظل الفتى يمعن في التفكير كلما أمعن في السير، وجرد من نفسه حكماً على نفسه.
كان إلى ذلك اليوم حريصاً على أن يذهب إلى الكنسية في كل يوم أحد. وكان حريصاً على أن يصلي صلاة لله كلما استقبل فراشه، ولكنه في ذلك اليوم وجد أن الصلاة لم تكن إلا عادة، وكذلك وجد الفتى برنارد شو نفسه في محنة عقلية حيرته وزعزعت إيمانه.
وكان في التاسعة عشرة من عمره حين هبط دبلن بعض الدعاة الدينيين، وعقدوا في بعض المعارض اجتماعا دينياً حضره كثير من أهل المدينة، وعلقت الصحف عليه واجمعت على أنه كان اجتماعاً ناجحاً، وأنه دليل على ما كان للشعور الديني من مكانة في أ فئدة الناس، وعلى ما كان لهذه الجماعة الدينية من تقدير في النفوس، ولكن الفتى برنارد شو يخرج على الناس بخطاب يحاول أن يحلل فيه العوامل التي دفعت الناس إلى هذا الاجتماع الديني، فهو يعزو الأمر جميعه إلى أسباب لا تمت إلى الدين بصلة! وهو يرى أن الناس قد اجتمعوا لأن حبهم للاستطلاع دفعهم لرؤية هؤلاء الدعاة الدينيين، ولأنهم كانوا يريدون أن يروا العرض من دون أن يستمعوا إلى الوعظ الديني، وهذه الحادثة تمثل لنا برناردشو في حياة النضال والمعارضة التي عاشها، وسيحاول في قصصه ومقالاته ورواياته أن يسخر من الشكليات التي يحسب الناس أنها هي الدين، وما هي عنده بالدين.
المثل الأعلى
أما المثل الأعلى للشخصية الدينية عنده فهو محمد صلى الله عليه وسلم، فهو يتمثل في النبي العربي تلك الحماسة الدينية وذلك الجهاد في سبيل التحرر من السلطة، وهو يرى أن خير ما في حياة النبي أنه لم يدّع سلطة دينية سخرها في مأرب ديني، ولم يحاول أن يسيطر على قول المؤمنين، ولا أن يحول بين المؤمن وربه، ولم يفرض على المسلمين أن يتخذوه وسيلة لله تعالى، ولسنا ندري على التحقيق في أي الكتب درس برنارد شو تاريخ النبي، ولا التطور العقلي الذي درج فيه حتى وصل إلى هذه المبادئ، ولكن لعله قد نقل الفكرة- أول ما نقلها- عن توماس كاريل حين اتخذ حياة النبي مثلاً لبطولة الرسل والأنبياء، ولعله بعد ذلك قرأ عن النبي في بعض ما كتبه المستشرقون، على أن شيئاً واحداً يثبت عندنا من كل ذلك، هو أنه قرأ القرآن الكريم قراءة الفاحص الدارس، وتشبع بروح القرآن الكريم في كثير مما كتبه عن النبي وعن الإسلام.
الحياة الجهاد
كان برنارد شو معجباً بالنبي، وكان يرى في حياة الجهاد التي عاشها النبي شبهاً بالحياة المثالية التي أراد هو نفسه أن يعيشها، وبلغ به الإعجاب أن حاول قبل سنة 1910م أن يكتب مسرحية عن “محمد”، إنه يعلم أن التمثيل أقوى أنواع الدعاية، وأن كتابة المسرحية أسمى أنواع الفن، فلا عليه بعد ذلك إذا حاول أن يصور بطله الديني في مسرحية عامة، ثم هو يعلم أيضاً أن المسرحية لا تكتب لتمثل فقط ولا ليراها الناس فحسب، بل هو يعلم إلى ذلك إنه سيكتب للمسرحية مقدمة، وسينشر في هذه المقدمة آراءه الدينية من حيث الكفاح في سبيل حرية الرأي، ومن حيث الخلاص من التعصب الأعمى، ومن حيث التحرر من استبعاد السلطة، لقد أراد أن يكتب مسرحية “محمد” ليلقي بآرائه هذه في صعيد واحد.
الرقابة ترفض
وحينما بدت منه هذه الرغبة جبهته التقاليد التي درجت عليها إنجلترة في مسائل المسرح، ففي إنجلترة وظيفة ورثها البلاط الإنجليزي من عهد الملكة إليزابت، وعلى صاحب هذه الوظيفة أن يقرأ كل مسرحية قبل تمثيلها، وعليه بعد ذلك أن يصادق عليها أو يلغيها، وتقدم برنارد شو برغبته في كتابة مسرحية عن “محمد” إلى صاحب هذه الرقابة، لكن صاحب الرقابة رفض التصريح له بذلك، وقال في رفضه: إنه لا يجوز أن يمثل النبي العربي على خشبة المسرح، فقد يحتج على ذلك السفير التركي، وقد يؤدي ذلك إلى الجفوة بين إنجلترة وتركيا، ولعل السفير التركي هو الذي أبدى امتعاضه لمجرد التفكير في تمثيل النبي، لأنه أسمى من أن يكون موضوعاً للتمثيل.
جان دارك
ومهما يكن من شيء فإن هذا يدلنا على مبلغ الإعجاب الذي يكنه برناردشو لمحمد صلى الله عليه وسلم، على أنه حين رأى أنه من المحال أن يكتب تمثيلية عن محمد، كتب بعد ذلك بعشرة أعوام تمثيلية عن “جان دارك”، وفي هذه القصة حاول أن يصور الفتاة الفرنسية في صورة القديسة التي تؤمن بالوحي الإلهي؛ ثم أن يجعلها في موقف تدافع فيه عن الفكرة لا بلسانها فحسب، ولا بقلبها فقط، ولا بيدها لا غير؛ بل تدافع عنها بكل ذلك وبحد السيف أيضاً، ألست ترى في ذلك تحايلاً على تصوير الجهاد الديني في سبيل الفكرة؟ ثم ألست تراه جهاداً يشبه ذلك الذي قام به النبي؟ كل ذلك كان بعض ما عالجه في الرسائل والمقالات التي أنشأها من قبل ومن بعد، والعلاقة واضحة بين اختياره موضوع النبي وبين اختيار موضوع جان دارك، وهي واضحة من الفقرات الكثيرة التي يتحدث فيها النبي في محاكمة جان دارك.
محاكم التفتيش
كانت جان دارك-عند برنارد شو- مؤمنة إيماناً قوياً، كانت تدعو إلى إنقاذ فرنسا فلبت النداء، لكنها في جهادها ارتطمت بكثير من أنواع السلطة، فماتت شهيدة وهي تجاهد في سبيل الإيمان، لقد ارتطمت بسلطة الكنيسة ومحاكم التفتيش من ناحية وارتطمت بسلطة الأمراء الإقطاعيين من ناحية أخرى، وارتطمت بسلطة القومية الإنجليزية الناشئة من ناحية ثالثة، وعلى الرغم من أن هذه السلطات كانت كلها متضاربة متخالفة، فإنها اجتمعت على الفتاة فخرت صريعة في سبيل الإيمان، كانت كل سلطة من هؤلاء تريد أن تثني جان دارك عن مثلها الأعلى، وأعدت كل واحدة منها وسائل التعذيب والتشهير، لكنها ظلت مؤمنة لا تميل ولا تنثني. عرض عليها المطران صاحب محاكم التفتيش أن تستغفر حتى تؤوب ثانية إلى كنيسة الله، وعرض عليها القائد الإنجليزي أن تتخلى عن فكرة تحرير فرنسا، ثم لما رأوا أنه لا سبيل إلى شيء من ذلك أحرقوها، فاحرقوا منها الجسد، لكن روحها هي التي لا تزال تسري إلى اليوم؛ لأنها روح الفكرة، والفكرة خالدة لا يعمل فيها الحديد ولا النار، وكذلك ترى في هذه التمثيلية شعور برنارد شو، وتحس موجدته على رجال الدين وسخريته بأنواع الذرائع التي اتخذوها ليقرروا إحراق الفتاة الشهيدة.
تلك لمحة في آراء برنارد شو فيما يتصل بالعلاقة بين الدين و المتدينين، إنه يكره من الدين إذن هذا التحايل من أجل إدراك السلطة، وهو يكره القسوة التي تقترف باسم الدين، فثار برنارد شو على كل ذلك، ولم يستطع أن يقر أهل الدين على ما ذهبوا إليه، ولعل في قصة جان دارك مثلاُ للقسوة التي أراد أن يثور عليها، وشيء آخر أثار برنارد شو على أهل الدين في عصره، ذلك هو التعصب، لقد احترف التفكير، وكان في تفكيره يميل إلى النقاش وقرع الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، وكان يتخذ في تدليله طريقة سقراط في تفنيد كل رأي حتى يصل إلى الرأي الأخير، فإذا هو وصل إليه لم يكن هناك بد من أن يدلك على مواطن الضعف في رأيه هو نفسه، فهو يضيق بالتعصب مهما تكن دوافعه، ويرى أن التعصب آفة الدين والعلم معاً، ونريد بعد كل هذا أن ندرس قليلاً مما كتبه عن “محمد” نريد أن ندرسه حتى نصور لأنفسنا ما عسى أن يكتبه برنارد شو لو اتيح له أن يكتب مسرحيته التي أرادها والتي لم يسمح له بها الرقباء. قلنا: إن هناك تشابها كثيراً بين مسرحية “جان دارك” والمسرحية التي فكر فيها عن “محمد”، وقلنا إنه حاول أن يضمن الأولى بعض الأفكار التي حاول تصويرها في الأخرى، على أنه في “جان دارك” ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات في معرض كلام طويل عن الأنبياء الذين يوحى إليهم، وكيف يلقون الصعاب والعقبات لأن الناس لا يؤمنون بهم، وهاك حديثاً بين كوشون- وهو أسقف بوفيه الفرنسي- وبين ورك وهو نبيل إنجليزي يستدل منه على الفكرة القومية التي كانت تملك على النبيل الإنجليزي كل نشاطه، وا لتي أتاحت له أن يكون متسامحاً في أمور الدين حريصاً على أمور الدنيا، وهو نقاش بعد ذلك بين عقلية متعصبة عمياء مثل عقلية كوشون وعقلية سمحة لا تتعصب للدين مثل عقلية ورك.
“كوشون” إن الكنسية ذخيرة من علم وحكمة وخبرة تجمعت على السنين والقرون، وبها مجالس من حكماء علماء بررة وأتقياء، فماذا يكون حال هذه الدنيا إذا ألقي بكل هذا التراث في المزارب والمزابل، كلما قام عامل أجير جاهل، أو قامت فلاحة حلابة بقر نفخها الشيطان بالغرور الفادح فألهمها أنها يوحى إليها من السماء؟….كيف يكون الحال إذا خالت كل فتاة أنها (جان دارك) وخال كل رجل أنه (محمد)؟ أنها حال تفزعني فزعاً لا فزع فوقه، حال حاربت كل حياتي لاتقائها، وسأحارب لاتقائها ما بقي من أيامي، أنا نغفر لهذه المرأة كل خطاياها إلا هذه، فهي خطيئة، في حق الروح القدس، إنها إذا لم تتنصل من دعواها، ,إذا لم تستغفر منها على الملأ وأنفها راغم، وإذا لم تخرج عن كل قيراط من روحها إلى الكنيسة، إذا هي لم تفعل كل هذا فإلى النار مأواها لو وقعت في يدي.
ورك- أنا رجل حرب لا رجل دين، وقد حججت إلى بيت الله المقدس، ورأيت بعضا من أتباع محمد، فلم أجدهم من سوء الأدب بالمكانة التي أفهمونيها قبلاً، بل وجدت لهم أدبا لا يقل من بعض الوجوه عن أدبنا.
كشون- إن الجندي الصليبي يعود من الشرق وهو نصف شرقي مسلم، دع أن الإنجليز جميعاً زنادقة من يوم يولدون.
ورك- إنك ما كنت لتقول هذا لو أنك شهدتنا نتجادل في الدين يا مولاي، وإنه ليعروني الأسف أن تظن بي الزندقة أو الغباوة، لا لسبب سوى أ ني طوفت في البلدان، فعرفت فيما عرفت أن أتباع محمد يحترمون المسيح احتراماً ظاهراً شديداً، وأنهم في تسامحهم أقرب أن يغفروا لبطرس القديس أنه كان سماكاً، من أن تغفر أنت يا مولاي لمحمد أنه كان جمالاً، أكثير يا سيدي أن أطلب منك أن تأخذ على الأقل ما نحن فيه الآن من غير تعصب وضيق ذهن.
-كوشون- إن الرجل إذا سمى غيرتي الكنسية وحميتي المسيحية تعصباً فقد تحللت في أمره وظننت به الظنون”.
كذلك ترى ذلك الكفاح بين التعصب الأعمى وبين التسامح الديني، وكذلك تستطيع أن تلمح وأنت تقرأ جان دارك أن وراء ما يكتبه برنارد شو أفكاراً تروح وتغدو، فهناك الثورة على السلطة التي يدعيها رجال الدين فتلك فكرة أولى، وهناك فكرة التسامح الديني، وهذه فكرة ثانية، وهناك فكرة الجهاد- حتى بحد السيف- في سبيل الإيمان، وهذه فكرة ثالثة، وهناك فكرة الوحي الإلهي الذي يدفع المختارين من عباد الله إلى الجهاد، وهذه فكرة رابعة، وتستطيع أن تتخيل بعد ذلك أي مسرحية كان برنارد شو يكتبها لو أتيح له أن يكتب مسرحية عن “محمد”، فلا شك أنه كان يبرز هذه الأفكار الأربع، الواحدة تلو الأخرى ليؤلف بينها نسقاً واحداً عن حياة النبي العربي.
لقد ثار محمد على قريش، وأنكر السلطة الدينية التي كان يدعيها أصحاب الكعبة وسدنتها، ثم حطم الأصنام، ودعا إلى دين جديد، وجاهد في سبيل فكرته باللسان والبيان وبحد السيف، ثم إنه كان يفعل ذلك بوحي يتنزل عليه من عند الله تعالى، وكل هذه سلسلة متصلة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكن أن تبرز لقراء اللغة الإنجليزية لو صاغها برناردشو في أسلوبه المسرحي

التنميه السياسيه ودور الاحزاب السياسيه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله حكمي

لعبت الأحزاب السياسية من الناحية التاريخية دورا في التحولات السياسية عبر العالم، سواء من حيث التحرر أو مواجهة الحكومات الاستبدادية، أو من خلال دورها في طرح البرامج ومناقشة ونقد السياسات الحكومية والتنموية، مما جعل كثير من الدارسين في أدبيات التنمية السياسية مثل “جوزيف لابالومبارا” و”ميرون وينر” يشيرون إلى أهمية الأحزاب السياسية من خلال دورها التعبوي أو البرنامجي في التنمية السياسية، هذه العملية التي يصفها صموئيل هنتيجتون بأنها عملية معقدة وراديكالية وطويلة الأمد وغير قابلة للرجوع إلى الوراء.
والتنمية السياسية مرتبطة-لدى صموئيل هنتيجتون-بالعلاقة بين المؤسسة السياسية-من ناحية- والمشاركة السياسية-من ناحية أخرى.
ويعرف “جابريل الموند” التنمية السياسية بأنها: الزيادة في مستوى التمايز البنيوي والتخصص الوظيفي في النظام السياسي، والذي يمكنه من الاستجابة لمختلف الحاجات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.
ويعرف “لوسيان باي” التنمية السياسية بأنها “زيادة النظام السياسي في قدراته، من حيث تسيير الشؤون العامة وضبط النزاعات وتلبية المطالب، والزيادة في التوجه نحو المساواة من خلال المشاركة السياسية والانتقال من ثقافة الخضوع إلى ثقافة المشاركة، سواء من خلال طرق ديمقراطية (الاقتراع العام)، او من خلال زيادة التعبئة السياسية، إضافة إلى التعين في المناصب العامة على أساس الجدارة وليس عبر الطرق التقليدية.
وتعتبر الأحزاب السياسية صاحبة الدور الرئيسي والرافعة الحقيقية في عملية التنمية السياسية في أي بلد، لأنها مع غيرها من المؤسسات المدنية الوطنية ليست سلعا جاهزة تستوردها البلاد ، وإنما نتاج مجتمعها وظروفه الخاصة.
ولكن لكل بلد في العالم بيئته وظروفه الخاصة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أفرزتها، لذا يجب التعرف عليها بشكل عميق لتجاوز تلك الظروف من خلال دور الاحزاب السياسية والتقدم نحو التنمية والتحديث.
لان تدهور وضعف الأحزاب في أي بلد وانعدام فعاليتها يسهم في تكريس التخلف أكثر مما يسهم في التخلص منه.
وتشير دراسات الى ان الاحزاب السياسية أخفقت في تحقيق التنمية في العالم الثالث وفشلت في بناء تنظيمات حزبية قادرة على قيادة عملية التنمية بكفاية.
واستنادا الى مجمل دراسات “التنمية السياسية” فان المقومات الأساسية لمفهوم التنمية السياسية التي يفترض ان يسعى إليها المجتمع، أنما تتمثل في ثلاثة مفاهيم أساسية هي:”المساواة” و”التمايز” و”القدرة”.(الأحزاب السياسية في العالم الثالث، د.أسامة الغزالي حرب، عالم المعرفة عدد 117، أيلول،1987).
والمساواة، بمعنى ان تسود في المجتمع قواعد ونظم قانونية تتسم بالعمومية، وتنطبق على جميع الإفراد فيه بغض النظر عن اختلافاتهم في الدين او الطبقة أو الأصل العرقي. وان يكون تولي المناصب العامة في هذا المجتمع قائما على الكفاية والتفوق والقدرة على الانجاز وليس على اعتبارات ضيقة أخرى مثل القرابة والنسب والعلاقات الشخصية.
كما يعني أيضا تحقيق المزيد من المشاركة الشعبية في وضع السياسات العامة في اختيار الأشخاص لتولي المناصب العامة.(نفس المصدر السابق).
والتمايز بمعنى التخصص والفصل بين الأدوار، وكذلك بين المؤسسات والاتحادات في المجتمع الأخذ في التحديث. فكلما تقدم النظام السياسي في طريق التنمية السياسية كلما زاد تعقد الأبنية فيه، وكلما تزايد عدد الوحدات السياسية والإدارية.
فيما القدرة تعني ضرورة توافر قدرات معينة للنظام السياسي، مثل قدرته، ليس فقط على إزالة الانقسامات ومعالجة التوترات في المجتمع، وإنما أيضا على الاستجابة للمطالب الشعبية بالمشاركة والعدالة التوزيعية المرتبطة بالمساواة. وكذلك قدرته على الإبداع والتكيف في مواجهة التغيرات المستمرة التي يمر بها المجتمع.
وقد انطوى تعبير التنمية السياسية (منتصف الخمسينات الى منتصف الستينات) على الاعتقاد بان جوهر التنمية انما يتمثل في تحول المجتمعات المتخلفة من الناحية التقليدية الى الحالة “الحديثة”، الامر الذي يمثل مجرد “مشكلة فنية”.
وتواجه عملية التنمية السياسية العديد من الازمات بحسب دارسوها والمتمثلة بأزمة الهوية/والشرعية/والمشاركة/والتغلغل إضافة الى التوزيع.
أزمة الهوية تحدث عندما يصعب انصهار كافة أفراد المجتمع في بوتقة واحدة، تتجاوز انتماءاتهم التقليدية او الضيقة، وتتغلب على آثار الانتقال الى المجتمع العصري بتعقيداته المختلفة،بحيث يشعرون بالانتماء الى ذلك المجتمع والتوحد معه.
اما ازمة الشرعية: فتتعلق بعدم تقبل المواطنين المحكومين بنظام سياسي، او نخبة حاكمة باعتباره غير شرعي او لا يتمتع بالشرعية، أي لا يتمتع بسند او أساس يخوله الحكم واتخاذ القرارات. وقد يستند هذا السند او الأساس الى الطابع “الكاريزمي” او التاريخي للزعيم او الى الدين او الأعراف او التقاليد او القانون.
ازمة المشاركة: أي الازمة الناتجة عن عدم تمكن الأعداد المتزايدة من المواطنين من الإسهام في الحياة العامة لبلادهم. مثل المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية او اختيار المسؤولين الحكوميين . وتحدث هذه الازمة عندما لا تتوفر مؤسسات سياسية معنية يمكن ان تستوعب القوى الراغبة في تلك المشاركة.
فيما ازمة التغلغل: أي عدم قدرة الحكومة على التغلغل والنفاذ الى كافة أنحاء أقاليم الدولة وفرض سيطرتها عليها، وكذلك التغلغل الى كافة الابنية الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع.
ازمة التوزيع: فتتعلق بمهمة النظام السياسي في توزيع الموارد والمنافع المادية وغير المادية في المجتمع، وقد تعني مشكلة التوزيع ليس فقط توزيع عوائد التنمية وإنما أيضا توزيع أعباء التنمية. وفي تلك الأزمة يلتقي علم السياسة مع علم الاقتصاد وتثور مشكلة المعايير التي ينبغي الاعتماد عليها في تحقيق هذا التوزيع.
وسعى صمويل هنتيجتون الى توضيح ما يسميه “التحلل” الذي يصيب المجتمعات المتخلفة في سياق عملية التحديث، يقر هنتيجتون من الناحية العملية ان حدوث بعض مظاهر التحضير، والتعليم والتصنيع وزيادة الدخل الفردي، إضافة الى اتساع وسائل الأعلام الجماهيري.. لا يعني بالضرورة التحول الى بعض المظاهر الأخرى المرتبطة بالتحديث السياسي مثل الديمقراطية والاستقرار والتمايز النيابي، وأنماط الانجاز، إضافة الى التكامل القومي.
وتشير الدراسات ان مفهوم التنمية السياسية برز في عقد الخمسينيات والستينيات، وأقترن بدول العالم الثالث وبتطوير نظمها السياسية ، حيث تهتم التنمية بدراسة العلاقة بين المجتمع والنظام السياسي، ورافق تطور هذا المفهوم العديد من المصطلحات السياسية في العالم ، تلتقي في الكثير من جوانبها بالتنمية السياسية ، مثل الإصلاح والتحديث السياسي ، والتحول الديمقراطي ، والتعددية.
وعملية التنمية السياسية تعزز الاستقرار العام والسلم الاجتماعي، ويضع التعريف عدة آليات لتحقيق التنمية السياسية ، وذلك عن طريق تطوير القوانين الناظمة للشؤون العامة، و تحفيز المشاركة الشعبية، وإعادة تنظيم الهياكل المؤسسية العامة، والانتقال بمفاهيم التكيف والولاء والانتماء والمشاركة من مراحلها النظرية، إلى حيز التطبيق الذي ينظم العلاقة بين الأفراد والجماعات، وبين السلطات الحاكمة .
ويؤكد البعض في تعريفه لمفهوم التنمية السياسية على دور الدولة في توسيع المشاركة السياسية باعتبارها المرجعية الأعلى لصناعة القرار ، واضعاً المسؤولية الأولى على النظام السياسي لتحفيز المواطنين على المشاركة السياسية من خلال الانتخاب والترشيح او الانتماء الحزبي، والعضوية في النقابات والجمعيات ، ويذهب الى أن الدولة يجب أن تتبنى السياسات لتحقيق تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات، في ظل حماية القانون .
تشكل الأحزاب المحور الأساسي في العملية الديمقراطية في أي مكان في عالمنا هذا، وبدون وجود أحزاب سياسية فانه لا يمكن الحديث أبدا عن وجود ديمقراطية أو شبه ديمقراطية أو حتى ديمقراطية كاملة المعالم واضحة الأركان، فأما ديمقراطية كاملة أو ديكتاتورية شاملة ولا حلول وسط بينهما.
ويرتبط مصطلح التنمية السياسية دائماً بالأحزاب السياسية والدور المناط بها لتحقيق هذه التنمية (الإصلاح) أو على الأقل وجود دور لها في عملية تحقيق الإصلاح أو التنمية السياسية، بما يقود إلى وضع الأسس الراسخة لقيام المجتمع الديمقراطي المبني على التعددية وصولاً إلى مبدأ تداول السلطة السلمي بين الأحزاب أو التيارات المختلفة كما هو سائد الآن في العالم الغربي الديمقراطي.
والحديث عن دور الأحزاب في الإصلاح السياسي في الوطن العربي يجبرنا على الخوض في عنوان عريض هو الديمقراطية في الوطن العربي، فلا يمكن أن نتحدث عن أي إصلاحات سياسية أو اقتصادية أو حتى اجتماعية وثقافية دون الغوص في تفاصيل الديمقراطية السائدة في عالمنا العربي والمشاركة بصورة فاعلة وحقيقية في هذه العملية، لا أن يكون دورها مجرد ديكور ديمقراطي جميل لا يستر عورة الديمقراطية أو الإصلاح.
فالديمقراطية (تراث أنساني) تقوم على أساس المساواة الكاملة بين المواطنين لان المواطن الملتزم بقيم الديمقراطية لا يقبل الاستبداد والاستعباد بحق الآخرين هذا سيكرس مبادئ المجتمع الديمقراطي المبني على المساواة والكرامة والحرية الذي يفرض سيادة العدل.
انتهى