آسيا وملامح نظام عالمي جديد
كاتب الموضوع الأصلي: معاذ المغيري 1 3
آسيا وملامح نظام عالمي جديد
ليست الأزمة الأخيرة بين كوريا الشمالية والجنوبية هي الوحيدة المرشحة للانفجار في إقليم شرق آسيا في السنوات القليلة القادمة، فهذه المنطقة، بل وآسيا عموما، أصبحت مسرحا رئيسيا لتفاعلات القوة في القرن الحادي والعشرين. يقع ذلك في إطار انتقال حقيقي وملموس لمقادير القوة الاقتصادية من الدول الصناعية الغنية في الغرب، إلي الاقتصادات الصاعدة في آسيا، بما لذلك من تداعيات استراتيجية وجيوسياسية علي منطقة تعاني أصلا خلافات ومنافسات وصراعات تاريخية، خلفت جروحا عميقة علي شعوب العديد من دول المنطقة.
الصعود الآسيوي :
‘بينما نقف علي أعتاب العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، نجد أنفسنا في إحدي اللحظات التاريخية النادرة التي تتبدي فيها التحولات الكبري للقوة بشكل واضح للعيان.. بما يضمن أن العالم، بنهاية العقد القادم، سوف يكون مختلفا بصورة جذرية عما كان عليه في القرن الماضي'(1).
وقد أفاض المحللون، خاصة الاقتصاديين منهم، في وصف معالم انتقال القوة الاقتصادية إلي آسيا، من رصد آلاف الآسيويين الذين استطاعوا تخطي خط الفقر، إلي حجم الإنفاق الضخم علي مشروعات البنية التحتية (الأكبر في العالم)، إلي معدلات النمو العالية التي لم تتأثر بالأزمة العالمية.
وليس هذا التحول الكبير وليد اللحظة بالطبع، فقد رصده مبكرا المؤرخ بول كينيدي، الذي تنبأ بتحول القوة الاقتصادية إلي منطقة الباسيفيكي، وأشار في كتابه ‘صعود وهبوط القوي العظمي’ إلي أن مجمل الناتج القومي للدول الآسيوية الباسيفيكية، والذي كان في 1960 يمثل 7.8% من مجمل الانتاج العالمي، قد ارتفع إلي 16.4% من هذا الإنتاج بحلول عام 1982(2).
كما التفت المحلل الاقتصادي، ورئيس التحرير السابق لمجلة الإيكونوميست البريطانية، بيل إيموت، إلي محورية الصعود الاقتصادي الآسيوي في كتابه ‘المتنافسون'(3)، مشيرا إلي أن آسيا قد أصبحت بكل المقاييس أكثر غني وقوة وأهمية، حيث يعيش في هذه القارة أكثر من نصف سكان العالم، وبها 6 من أكبر 10 دول فيه. وقد تضاعف دخل الفرد في آسيا ككل سبع مرات، بحسب إيموت، ما بين أعوام 1950 و5002. ويعد هذا إنجازا حقيقيا، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن بريطانيا العظمي لم تنجح في مجرد مضاعفة دخل الفرد فيها بعد مرور ستين عاما علي اندلاع ثورتها الصناعية عام 0871. أما الولايات المتحدة، فلم تنجح في مضاعفة دخل الفرد فيها إلا بعد خمسين عاما من انطلاقتها الاقتصادية عام 0481. وبالمقارنة، فقد نجحت كل من كوريا الجنوبية وتايوان والصين في مضاعفة دخل الفرد في العقد التالي مباشرة لانطلاقها الاقتصادي، ثم ضاعفته مرة أخري، وبسرعة أكبر، في العقد الذي تلاه.
كان الصعود الصيني في قلب هذه الانطلاقة الاقتصادية لآسيا. لقد كان نصيب الصين وحدها من إجمالي الناتج العالمي في عام 1980 يقدر بنحو 2%، ثم صعد إلي 7.6% في عام 2001، ومن المتوقع أن يشكل 16.9% من إجمالي الناتج العالمي بحلول عام 5102.
بلغت صادرات الصين عام 2000 نحو 249 مليار دولار، ارتفعت إلي 585 مليار دولار في عام 2004، وقدرت قيمتها لعام 2010 بنحو 1.274 مليار دولار.
وقد جاءت الأزمة المالية العالمية في 2008 لتكرس هذا التحول في القوة الاقتصادية إلي آسيا. فرغم أن الاقتصادات الصناعية ‘المتقدمة’ ككل عانت الانكماش وانخفاض إجمالي الناتج القومي بنحو 3.5% نتيجة للأزمة، فقد واصلت الاقتصادات الآسيوية، خاصة الصين والهند، نموها. تجاوزت نسبة النمو الاقتصادي للصين 8% في عام 2009، بينما كان معدل نمو الاقتصاد في الهند نحو 6%. وتشير الدلائل إلي تواصل نمو هذه الاقتصادات، وإلي أن نسبة نمو الاقتصاد الصيني تبلغ، خلال عام 2010، 9% علي الأقل(4).
وبينما لا تشغل الصين سوي المرتبة الثانية، كأكبر اقتصاد في العالم، فهي تعد لاعبا رئيسيا في العديد من النواحي. فلديها أكبر احتياطي نقدي في العالم، وهي أكبر مصدر في العالم، وأكبر منتج للصلب، والغازات الدفيئة أيضا، بالإضافة إلي كونها أكبر سوق للسيارات في العالم، وأكبر شريك تجاري حاليا للاقتصادات الصاعدة الأخري