أ.د. أحمد محمد وهبان

أبرز إسهامات "هيجل" في الفكر السياسي

كاتب الموضوع الأصلي: عمر عبدالله البطاح

أبرز إسهامات “هيجل” في الفكر السياسي
يتضح لنا من ثنايا كل ما تقدم أن إسهامات هيجل في مجال الفكر السياسي، قد راحت تجاوز عصره (القرن التاسع عشر)، لتؤثر في أفكار وأحداث القرن العشرين، وتتلخص أبرز تلك الإسهامات فيما يلي:
1 – رؤيته لطبيعة “الروح المطلق”: فعلى الرغم من ارتباطه بفكرة أفلاطون عن الحقيقة الكامنة في عالم الروح وحده دون سواه، نجده قد راح يختلف مع رؤية الفيلسوف الأغريقي لطبيعة عالم الروح، فبينما كان يراه “أفلاطون” عالماً ساكناً لا يتغير، رآه “هيجل” عالماً متحركاً متطوراً. بل وأضاف أن هذا التطور للروح المطلق، إنما يستتبع تطوراً مماثلاً في واجهاتها المادية المحسوسة المتمثلة في “الطبيعة والمجتمع”.
2 – فكرته عن “الجدلية”: وتعد أبرز ما قدمه “هيجل” للفكر الإنساني، إذ قدم هيجل ما راح يُعرف بـ “الثالوث الهيجلي”، والذي يقوم على أن “الفكرة” (التي هي من شأن عالم الروح) تنطوي بالضرورة على نقيض لها، وأنها ونقيضها – وبعامل التناقض ذاته – تنتقل بالفكرة إلى وضع أكثر تقدماً وهكذا. ذلك هو “الثالوث الهيجلي” أو “الامتداد الجدلي” الذي على حسبه ترتقي الفكرة بدافع ذات متناقضاتها.
3 – تفسيره لتطور المجتمعات: وهو تفسير يعتمد على فكرتيه لتطور الروح المطلق والجدلية، ووفقاً لهذا التفسير إرتأى هيجل أن “الأسرة” هي المؤسسة الاجتماعية الأولى من حيث الظهور التاريخي، ثم وبعاملي التطور والجدلية ظهرت الصورة الثانية والتي تمثلت في “المجتمع المدني”، ثم مالبث هذا الأخير أن تطور هو الآخر – بفعل الجدلية أيضاً – ليسفر لنا عن صورة “الدولة”، والتي تمثل – عند “هيجل” – الصورة النهائية لتطور الروح المطلق.
وواضح من هذا التفسير أن تصور “هيجل” للنشأة الميتافيزيقية للمجتمع، إنما يمثل خروجاً على الفكر السياسي الشائع في عصره، والمتمثل في فكرة فلاسفة العقد السياسي عن نشأة المجتمع نشأة تعاقدية إرادية رضائية من خلق الإنسان ذاته.
4 – فكرته عن “الدولة المقدسة”: وهي فكرة ترتبط بتفسيره المتقدم، فما دامت “الدولة” هي التعبير عن المرحلة النهائية لتطور الروح المطلق، فلا بد وأن تكون مقدسة.
وغني عن البيان أن هذه الفكرة قد لعبت دوراً مؤثراً في التاريخ الألماني المعاصر، ولعلنا لا ننسى هنا مدى التفاف الشعب الألماني خلف “هتلر”، وهو يخوض بها غمار الحرب العالمية الثانية، لا لشئ إلا إقتناعاً بالشعار الذي رفعه وراحوا يرددونه من ورائه، ألا وهو: “ألمانيا فوق الجميع”.
5 – فكرته عن “الزعيم المطلق”: وتأتي هذه الفكرة متسقة مع السياق الهيجلي في ارتباطه بالحقائق الكامنة في الروح المطلق، فوفقاً لتصوره للدولة المقدسة، فإنه يرى أن “الزعيم” هو الذي يعبر عن إرادة الروح المطلق، وبالتالي فسلطته لابد وأن تكون مطلقة بغير قيد، إذ لا مجال – عند هيجل – للخوف من أن يتدلى الزعيم إلى الاستبداد، ذلك بأن حكمة الروح المطلق ستعصمه من الزلل وستحول بينه وبين الوقوع في الخطأ.
بيد أن هذا لا يعني أن “هيجل” قد أراد أن يقدم سنداً للحكم المطلق، ذلك بأنه قد أشار إلى أن أساس الدولة – عنده – هو “القانون”. إلا أننا لا نستطيع – في نفس الوقت – أن ننفي أن أفكاره تلك قد استخدمت كسند لتقديس “الألمان” لزعمائهم علىمدى عقود طويلة تلت وفاة فيلسوفهم الفذ.
كانت هذه هي أبرز إسهامات “هيجل” على الصعيدين الفكري والواقعي. ولكن بقي علينا أن نتذكر أثر فكرته عن “الجدلية” في “الفلسفة الماركسية”، تلك الفكرة التي كانت – على نحو ما فصلنا – القلب النابض من فكر “ماركس”، فارتباطاً بها جاءت فلسفته “المادية الجدلية”، تلك الفلسفة التي طبقت شهرتها الآفاق، وأحدثت آثاراً بالغة في تاريخ العالم المعاصر، وما إنطوى عليه من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية. وذلكم كله بوحي من فكر “هيجل” وعلى هدى من نبراس معرفته.

Leave a Comment