أزمة الإشتراكية الديمقراطية و عولمة الطريق الثالث
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله علي هزازي
أزمة الإشتراكية الديمقراطية
و عولمة الطريق الثالث
خلال النصف الثاني من عقد التسعينات، وصلت الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية إلى السلطة في 11 بلداً أوروبياً غربياً، وأصبحت حاكمة لكل أوروبا اليسار باستثناء حزب الشعب اليميني في إسبانيا، الذي يتبنى الخطوط الرئيسية العامة للحزب الاشتراكي الإسباني، وإيرلندا، وبلجيكا واللكسمبورغ. وقد عاد يسار الوسط الأوروبي بحلة اجتماعية جديدة واقتراحات عملية لتجاوز إشكاليات الخيار الاشتراكي الكلاسيكي الذي نما في ظل شكوك بأنه محاولة للعودة إلى الماضي. فالاشتراكية بوصفها حركة سياسية، وإيديولوجية تاريخية انبثقت عن حقائق الثورة الصناعية من خلال فريق من رموز الثورة الفرنسية على مدى قرنين من الزمن ما زالت تستجيب إلى طموحات عديدة متلازمة، حيث إن الأحداث الأخيرة تشير فعلاً إلى واقعيتها .
1-تاريخ فكرة الإشتراكية الديمقراطية
تشكلت الإشتراكية الديمقراطية نسبة إلى الفكرة الثورية مثلما وجدت في نهاية القرن التاسع عشر,من خلال مرجعين كبيرين لعام 1789و عام 1848. وأعلن نشتاين زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في سنوات
1890, من خلال التركيز على التحليل السياسي الاقتصادي للرأسمالية في آن معا,أن فكرة الثورة ليست بالضرورة أن تكون في قلب مشروع تغيير المجتمع.و معنى القول أن الرأسمالية سوف تبقى نظاما يمكن أن نناضل من داخله. ويظل الهدف تجاوز الرأسمالية, لكن الوسيلة لم تعد الثورة. وسوف يكون التغيير من الداخل , بواسطة الإصلاح, عن طريق التأمينات الصناعية, من قبل الحركة التعاونية.و كانت هذه الحركة للتغيير الاجتماعي هي أساس فكرة الإشتراكية الديمقراطية. إنها تعني بوضوح مشروعا سياسيا بديلا لنظرة ماركسيي ذلك الزمان الكارثية, الذين يطرحون الإطاحة الثورية بالنظام الرأسمالي.
إن الخاصية الأولى للإشتراكية الديمقراطية , كنموذج للتغيير السياسي,هو تحويل تنظيم الطبقة العاملة إلى قوة سياسية و إلى مقابلة للمجتمع,وهذا ماقاد إلى تشكيل الاحزاب الجماهيرية الكبيرةو منظماتها النقابية الموازية.و يعتبر تنظيم الطبقة العاملة كفاعل مركزي مزود بسلطة التفاوض و باقتراحات معاكسة عن طريق العمل النقابي,اكتشافا اشتراكيا ديمقراطيا أكثر منه شيوعيا.انه يعني للإشتراكيين الديمقراطيين, بواسطة العقد المشترك, عقد تسوية طبقيةمتفاوض عليهاو قابلة للمراجعة, بين قوى العمل و قوى رأس المال.ولايجوز أن ننسى أنه في الوقت الذي تبلور فيه المشروع الاشتراكي الديمقراطي , كانت الطبقة العاملة من الناحيةالكمية ,أقلية.ولكن في ظل التمديد لماركس و انجلز, فهم الاشتراكيون الديمقراطيون بأنه هناك تموقعت الظاهرة الناشئة التي غيرت العالم.
تمثل الإشتراكية الديمقراطية سياسات و منظمات تشكلت تدريجيا في اوروبا الشمالية و أوروبا الوسطى في نهاية القرن التاسع عشر.و اذاكانت هناك اختلافات بين الاحزاب الإشتراكية الديمقراطية في الثقافة و البنية , الا أن تاريخها كان مشتركا إلى حد كبير. و نشأت الإشتراكية الديمقراطية مع و عن طريق تقاطع ديناميكيتين سياسيتين: فمن جهة, النضال من أجل الانتخاب المباشر, و الديمقراطية السياسية, التي هي في الواقع أحزاب ديمقراطية (جمهورية في فرنسا),و من جهة أخرى, نقد الرأسمالية و عدم مساواتها و لا عقلانيتها, التي أسهمت في ولادة الأحزاب العمالية ذات التوجه الماركسي- حزب العمال البريطاني يتبنى ايديولوجية مركبة من التقاليد الدينية, و ملقحة من النزعة النقابية الاصلاحية.
و خلال النقاشات و الازمات التي شهدتها الإشتراكية الاوروبية- خصوصا أزمة “التحريفية” في بداية عام 1900- رفضت الاحزاب الإشتراكية الثورة العنيفة بوضوح أكثر فاكثر. غير أنه في الوقت عينه, غيرت هذه الاحزاب بالتعاون مع النقابات المرتبطة بها, المجتمعات الليبرالية شيئا فشيئا, عندما وضعت المسألة الاجتماعية في قلب اهتماماتها.
و في ظل القطيعة الكبرى التي حدثت في عام1917 , قبلت الإشتراكية الديمقراطية التعددية الديمقراطية بوضوح, في تعارض مع الشيوعية.و لكن الإشتراكية الديمقراطية, و على نقيض الليبرالية, قابلت اقتصاد السوق بشرعية المطالب الاجتماعية, و فضلت دور الدولة. و بعد عام 1918,واجهت الاحزاب الإشتراكية الديمقراطية تحدي حكم مجتمعات لازالت في بنيتها الاساسية راسمالية,و شاركت في ائتلافات مع قوى سياسية أخرى. و لم تكن هذه الاحزاب مهيأة لمواجهة أوضاع حيث لاتستطيع تطبيق “برنامج الحد الاقصى”, أي الملكية الجماعية لوسائل الانتاج و التبادل.و كانت التجارب الحكومية الاولى بعد عام مخيبة للامال.1918. و تم تطبيق عدة اصلاحات, ولكنه في الوقت عينه , فرضت مبادءى الإقتصاد الليبرالي نفسها. و مع مطلع الثلاثينات 1930 و الأزمة الإقتصادية العالمية, ازدادت مصاعب الإشتراكية الديمقراطية.و دمر صعود الفاشية و النازية في أوروبا عدة أحزاب, خاصة الاحزاب النمساوية و الالمانية. و مع كل ذلك , فانه في تلك السنوات بدأت تتبلور سياسة خروج الإشتراكية الأوروبية من تناقضاتهالمرحلة طويلة, التي طبقت في السويد و النرويج, قبل أن تعم كل السياسات الإشتراكية الديمقراطية بعد الحرب العالمية الثانية.
و أخيرا بلورت الإشتراكية الديمقراطية برنامجا اصلاحيا متمحورا حول محورين.فهو يعني , من جهة, مشروعا إصلاحيا للملكية, مرقيا بذلك فكرة الملكية الاجتماعيةمهما كانت الأنماط(تأميمات, تعاونيةالخ…) فلا يكفي مناقشة عقد العمل, بل يجب محاولةافتكاك الاستقلالية, و هذا لا يمكن تحقيقه إلا جماعيا. أما المحور الثاني,فهو بكل تأكيد بناء دولة الرفاهية, أي تنظيم الجمعيات التعاونية الحامية,لمختلف أشكال الضمان الاجتماعي , لمواجهة أشكال المخاطر الجديدة المتمثلة في الصحة, و العجز,و البطالة.
و قد حددت الإشتراكية الديمقراطية برنامجها, و طرائقها, و اهدافها, قبل عشرين سنة من الثورة الروسية.و الحال هذه فان الإشتراكية الديمقراطية هي طريقة التفكير في الادارة, و الاصلاح, و التجاوز , و لم تكن أبدا كنوع من الطريق الثالث.و كانت الفكرة الاساسية للاشتراكية الديمقراطية ترى ان تاميم ملكية وسائل الانتاج و التبادل ليس ضروريا لمقاومة لاعقلانية و لا مساواة الرأسمالية. و كانت الحكومات التي أرادت مكافحة الفوارق الاجتماعية,و هي تقود سياسات اقتصادية فعالة,طبقت سياسات مضادة للأزمات الدورية من أجل السيطرة على تقلبات السوق, و تشجيع الاستثمار, و تطوير الحماية الاجتماعية, و تنمية مستوى التعليم. و قدمت أعمال كينز , التي و فقت بين المبادرة الخاصة و قيادة ديمقراطية للاقتصاد, نظرية اقتصادية للاشتراكية الديمقراطية. و اختلف توسع القطاع العام حسب البلدان و مكانة الدولة, فهو قوي في النمسا و فرنسا, و مهم في بريطانيا, وضعيف في السويد أو في ألمانيا, و لكن لم تكن في أي من هذه البلدان شركات القطاع العام أدوات قطيعة مع السوق.
أما البعد الاخر للتجربة السياسية للاشتراكية الديمقراطية فتمثلت في أهمية التعددية السياسية و الاجتماعية. و لاتنفي الإشتراكية الديمقراطية و اقعة الصراعات في المجتمع, بل انها اعتمدت على الاعتراف بالمصالح المتشكلة, وبشكل رئيس للنقابات و أرباب العمل.و لكنها اعتقدت ان طريقة حل الصراعات يجب ان تمر عبر التسويات, و لهذا وضعت اجراءات للمفاوضات بين مختلف الاطراف في المجتمع.