أسباب الربيع العربي بحاجة إلى حلول جذرية
كاتب الموضوع الأصلي: مشاري خالد الجنيدل
أسباب الربيع العربي بحاجة إلى حلول جذرية
التداعيات الاقتصادية للثورات العربية (1 – 3)
29 نوفمبر 2011- من الطبيعي أن تتأثر اقتصادات الدول العربية
التي شهدت أو التي ما زالت تشهد ثورات أو تحولات سياسية، وذلك كغيرها من دول العالم
التي مرت بمثل هذا النوع من الأحداث والتحولات. وبالرغم من كون هذه التداعيات
الاقتصادية أمراً محتوماً ولا مفر منه في مثل هذه الظروف، فإنه ينبغي في الوقت نفسه
رصد وحصر أي أضرار أو تداعيات اقتصادية، حتى يمكن من ناحية معرفة طبيعة الأضرار
وحجمها، كما يمكن من ناحية أخرى التفكير في الوسائل والسبل والسياسات الكفيلة بالحد
من استمرار هذا النزيف الاقتصادي، وكذلك العمل على سرعة تعافي الاقتصاد وإجراء
الإصلاحات اللازمة، استناداً إلى دروس التجربة السابقة، وكذلك تسخير العلاقات
العربية والأجنبية لدعم انطلاقة المرحلة الاقتصادية الجديدة.
ضمن هذا الإطار نود
أولاً أن نشير إلى نوع التداعيات الاقتصادية وطبيعتها التي شهدتها حتى الآن الدول
العربية، التي مرت أو تلك التي ما زالت تمر بالأحداث والتطورات السياسية
الأخيرة.
التداعيات العربية
طبعاً أول هذه التداعيات يتمثل بالنسبة لهذه
الدول في توقف وتعطل كثير من الأنشطة الاقتصادية. وقد ترتب على ذلك فقدان الأفراد
لوظائفهم ومصدر رزقهم. لا ننسى أيضاً عودة وتشرد كثير من العمالة العربية التي كانت
تعمل في ليبيا، والتي تم تقدير عددها بحدود 1.5 مليون عامل أغلبهم من مصر وتونس
كانوا يعيلون ملايين من أفراد عوائلهم وأقربائهم. لقد ترتب على توقف الأعمال وفقدان
أعداد كبيرة من العمالة العربية لمصادر رزقهم أن اضطرت بلدان هذه العمالة إلى تعويض
هؤلاء الأفراد من خلال زيادة الدعم والإعانات والتوسع في مد شبكات الحماية
الاجتماعية.
إن التكاليف الاقتصادية لهذه البلدان قد تفاقمت بشكل رئيسي نتيجة
فقدان هذه البلدان لإيرادات مالية كبيرة ممثلة في الإيرادات النفطية بالنسبة لليبيا
بشكل خاص، وتقلص حصيلة الضرائب بالنسبة لبقية البلدان. هذا بالطبع إضافة إلى خسارة
إيرادات مهمة نتيجة تضرر قطاعي السياحة والاستثمار خصوصاً بالنسبة لمصر وتونس حيث
شهدت بورصاتهما أيضاً انخفاضاً كبيراً يزيد حتى الآن على 37 مليار دولار في حالة
مصر التي خسر فيها مؤشر سوق الأوراق المالية نحو %48 منذ بداية الأحداث. وقد تزامن
هذا مع انخفاض ملحوظ في الاحتياطيات الأجنبية التي في حالة مصر انخفضت من نحو 36
مليار في بداية الأحداث إلى نحو 24 مليار في الوقت الحاضر. كذلك فإن مؤسسات
اقتصادية قد عانت على إثر هذه الأحداث من تضرر أعمالها، لدرجة تعثر قدرتها على
تسديد التزاماتها المالية تجاه المصارف التي بدورها اضطرت إلى تحمل مزيد من
المخصصات في مقابل بعض القروض المتعثرة، الأمر الذي انعكس في انكماش قدرة هذه
المصارف على الاستمرار في منح المزيد من الائتمان الذي أصبحت قطاعات الاقتصاد
المختلفة هي في أشد الحاجة إليه، خصوصاً في هذه المرحلة وفي هذه
الظروف.
إضعاف مقومات الاقتصاد
إن مختلف هذه التداعيات الاقتصادية قد أدت
إلى إضعاف مقومات اقتصادات البلدان العربية التي شهدت هذه التطورات السياسية، الأمر
الذي أدى ليس فقط إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي بل أيضاً إلى تخفيض في درجات
الجدارة الائتمانية لهذه الدول من قبل مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية، والذي
نتج عنه بالتبعية صعوبة اقتراض هذه الدول، وارتفاع تكاليف اقتراضها من الأسواق
العالمية، كما أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف التأمين على قروض هذه الدول المعنية والذي
وصل في بعض الحالات إلى أكثر من 500 نقطة CDS.
هذه العوامل والتداعيات
الاقتصادية مجتمعة أدت إلى زيادة الاختلالات المالية للدول العربية التي مرت أو ما
زالت تمر بهذه الظروف، حيث ازدادت عجوزات موازين المدفوعات التي تحولت في حالة مصر
مثلاً من فائض إلى عجز يصل إلى حوالي 10 مليارات دولار، وكذلك اختلالات الموازنة
العامة والتي تجاوزت في بعض الحالات %10 من الناتج الاجمالي المحلي، لكننا مع ذلك
نتطلع ونتأمل بأن تكون هذه التداعيات مؤقتة وأن مرحلة التحولات وعدم الاستقرار
السياسي لا تطول كثيراً حتى تستطيع دولنا العربية التمكن من وقف هذا النزيف
الاقتصادي ومعالجة الاختلالات وإرساء وتنفيذ السياسات والاصلاحات الكفيلة بالتأسيس
لمرحلة اقتصادية واعدة.
وضمن هذه التداعيات القصيرة والمتوسطة الأجل يأتي
التساؤل حول الدور الجديد للدولة، وهل نتجه إلى وضع تتكفل فيه الدولة بتملك وإدارة
المؤسسات الاقتصادية أي زيادة دور الدولة في الاقتصاد وذلك انطلاقاً من الرغبة في
توفير مزيد من فرص العمل للأفراد والتمكن من إشراك الأفراد وبشكل أكبر في تقاسم
الثروة والموارد الاقتصادية؟ وهل يعني ذلك بالضرورة تقليص دور القطاع الخاص
والمبادرات الفردية والعودة إلى استلام الحكومة والقطاع العام زمام الأمور
الاقتصادية؟ في الواقع كان مثل هذا الوضع هو السائد قبل أن تبدأ دول عربية في إجراء
إصلاحات اقتصادية أدت إلى تقليص دور القطاع العام في الحياة الاقتصادية وسمحت
بمساهمة أكبر لحركة ونشاط القطاع الخاص. هذا السؤال مهم من عدة جوانب:
أولاً: هل
بالفعل هناك تحول في المنهج الاقتصادي حتى ان المستثمرين الذين يرغبون في العمل ضمن
الاقتصاد المصري أو الاقتصاد التونسي يكونون مدركين لذلك؟
ثانياً: إذا كان مثل
هذا التحول حاصلاً بالفعل فهل تمت دراسة القدرة المالية والاقتصادية المترتبة على
ذلك؟
الجانب الآخر الذي يستحق البحث على اثر التطورات السياسية هو موضوع الدعم
والإعانات وشبكات الحماية الاجتماعية. وهذا الموضوع مرتبط بتوجه الثورات في مساعدة
الطبقات الفقيرة والتوسع في مد شبكات الحماية الاجتماعية والسعي إلى تخفيف الفوارق
وتفاوت توزيع الدخل بين طبقات المجتمع المختلفة. مثل هذا التوجه لا شك بأنه مفهوم
ومشروع ومبرر إلا أنه يثير في الوقت نفسه تساؤلين لا يقلان أهمية. الأول هو حول
قدرة الاقتصاد على الاستمرار واستدامة مثل هذه السياسات دون أن يضطر الاقتصاد إلى
أن يعيش حالة اختلالات مالية غير صحية، كما أن مثل هذه السياسات من شأنها أن تقود
إلى تحمل الدولة ديوناً ثقيلة تنتقل إلى أعباءٍ كبيرة تدفعها الأجيال القادمة في
مرحلة لاحقة. والمشكلة المتعلقة بالدعم والإعانات لا تتعلق بمشروعية هذا الأمر من
ناحية المبدأ، خاصة أن فئات من الشعب تعيش تحت خط الفقر وتستحق العناية والاهتمام
والإعانة والدعم. المشكلة الحالية الخاصة ببند الإعانات والدعم بأنه يعمم على
الجميع وتستفيد منه بشكل أكبر فئات اجتماعية قادرة ولا تستحق مثل هذه الإعانات التي
ينبغي أن تقتصر على مستحقيها. إذا استطعنا تطبيق ذلك فيمكننا تخفيض تكاليف هذا
البند وإن رفعنا نصيب مستحقيه، حيث سيقتصر على فئات اجتماعية أقل مما يستفيد من
الدعم والإعانات في الوقت الحالي.
د. جاسم المناعي
المدير العام رئيس
مجلس إدارة صندوق النقد العربي
© Al Qabas 2011