أ.د. أحمد محمد وهبان

أسرار سقوط الاتحاد السوفييتي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله المغامس234

مجلة : امريكان أنتربرايز
الكاتب : ليون ارون
الترجمة : عدنان توفيق
كل ثورة تعتبر مفاجأة ولكن المفاجأة التي احدثتها الثورة الأخيرة التي قادها غورباتشوف بعد تعزيز سلطاته في المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي، كانت من اكبر المفاجآت، ولم يكن هناك خبير في شؤون السياسة الخارجية سواء في الغرب او في الاتحاد السوفييتي كان يمكن ان يتنبأ بسقوط نظام الحزب الواحد الذي تمتلك فيه الدولة كافة المؤسسات الاقتصادية وكان الكرملين في حالة سيطرة فعلية في الداخل وعلى أوربا الشرقية.

في اوائل الثمانينيات وبالذات في عام 1985 عندما اصبح غورباتشوف السكرتير العام لم يكن هناك من يرى في الوضع ازمة مستفحلة بحيث تصبح ثورة اخرى حتمية، كان الجميع مختلفون فيما بينهم حول حجم وعمق مشاكل النظام السوفيتي ولكن لم يكن هناك من يشعر بأنها مشاكل تهدد وجود الاتحاد السوفييتي نفسه ، وفشل الخبراء في الشؤون السوفييتية توقع سقوط الاتحاد السوفييتي يمكن ان يعزى بدرجة نسبية إلى المبالغات التي كان المعادون لمعاداة الشيوعية يصورن بها صلابة واستقرار النظام السوفييتي، في عام 1985 كان النظام السوفييتي يمتلك نفس الموارد الطبيعية والبشرية التي كانت لديه قبل عشرة أعوام ولكن الانظمة الشمولية ابتداء من الاتحاد السوفيتي الذي بناه ستالين ومرورا بكوبا وكوريا الشمالية وعراق صدام حسين اظهرت بوضوح العلاقة الوثيقة بين الحرمان الشعبي popular deprivation والتغييرالسياسي الذي بدلا من أن يؤدي إلى اصلاحات ليبرالية ينجم عنه قمعا أكثر وحشية، وفي الاتحاد السوفييتي وبعد عشرين عاما من القمع المتواصل انتهى بكل المعارضين في السجون او في المنافي في الداخل او في الخارج ولكن الخطر الاكبر كان في التصاعد المستمر لعاطفة الحكم الذاتي او الاستقلال عن هيمنة موسكو في جميع أرجاء الأتحاد السوفيتي وخصوصا في جورجيا وجمهوريات البلطيق ولكن الشرطة ومع ما تمارس من إرهاب كانت تقضي على مجموعات كبيرة من القوميين بإلقائهم في سجون يسودها اقسى ما يمكن للسجين السياسي أن يواجهه وترتقى إلى الحكم بالموت، لا يمكن تفسير سقوط الاتحاد السوفييتي بالضغوط الخارجية بل بالعكس كان الاتحاد السوفييتي في عام 1985في ذروة قوته وحتى بالنسبة لأفغانستان التي بدت وكأنها حرب طويلة الأمد فإن خسائر الجيش السوفييتي البالغ تعداده خمسة ملايين لم تكن بالشيء الذي يذكر وحتى نفقات تلك الحرب التي قدرت بخمسة مليارات لم يكن رقما ساحقا بعكس كلفة سباق التسلح، مبادرة استراتيجية الدفاع للولايات المتحدة SDI كانت عاملا اساسيا ولكنها كانت بعيدة عن تحقيق انتصار عسكري ومثل عدد من معارضي البرنامج في الغرب كان الكرملين يدرك بأن نشر قوات فعلية لم يكن ليتحقق قبل عشرة أعوام، واخيرا جاءت حركة العمال المناهضة للشيوعية في بولندا لتؤكد نقاط الضعف للأمبراطورية السوفييتية في وسط وشرق اوربا، في عام 1985 استطاع النظام العسكري البولوني مع الأحكام العرفية التي اعلنها من احتواء منظمة التضامن ودفعها نحو الاستنزاف وكان الأتحاد السوفييتي يبدو وكأنه كيف نفسه بصورة جيدة لأداء مهمة فرض السلام بطريقة قاسية في اوربا الشرقية في كل اثني عشر عاما، في المجر عام 1956 في تشيكسلوفاكيا عام 1968 وفي بولندا عام 1980 ومن دون مراعاة للرأي العام الدولي ، وبعد هذه التصفيات بدت أوربا الشرقية وعلى غرار الغرب متهيئة لتقبل فكرة السيطرة السوفييتية إلى اجل غير محدود وحتى بعض زعماء المعارضة اصبحوا يطمحون في جعل بلدانهم جسرا بين الشرق الواقع تحت الهيمنة السوفييتية والغرب الديمقراطي، عالمة الاجتماع السوفيتية تاتيانا زازلفسكايا ذكرت في مقابلة جرت معها العام الماضي ( إذا لم يكن غورباتشوف قد تولى رئاسة الحزب عام 1985 لكان نصف الوجود ونصف الحياة التي كنا نحياها ستستمر لعدة عقود من السنوات ) كان غورباتشوف ومناصريه قد تربوا على التقاليد الماركسية وفي نسختها الأقسى ( الستالينية ) وكانوا يفتقرون إلى المقولات المحسوسة لمنح اهتماماتهم غير المادية nonmaterial تماسكها اللازم، ورغم ان تحسين الوضع الأقتصادي كان شعارهم الرئيس فأن غورباتشوف ومؤيديه بدأوا بارتكاب الأخطاء السياسية وليس فقط الاقتصادية، وكما يقول فلادمير مو، احد افضل المؤرخين السوفييت ( ان محاولات غورباتشوف لاصلاح النظام السوفييتي لم تكن نابعة من الإدراك بأن ازمة اقتصادية او ازمة تتعلق بصلب النظام كان قد بدأت،وبالتأكيد فانه ومن خلال نظرة وثيقة فإن القلق بشأن المشاكل الاقتصادية لا تبدو اكثر من آلام ومعاناة بخصوص الانحدار الروحي) وكانت الآثار السلبية للفترة الستالينية والبحث اليائس عن الأجوبة للاسئلة الجذرية التي تبدأ معها كل الثورات : ما هي الحياة الكريمة ؟ بماذا يتميز النظام الاجتماعي والاقتصاي العادل ؟ ما هي الدولة الشرعية ؟ ماهي علاقة هذه الدولة بالمجتمع المدني ؟وفي مرحلة لاحقة يتذكر غورباتشوف كيف كان يشعر عام 1985 بأنه ( لا يمكننا ان نستمر على هذا النحو لفترة اطول واننا ينبغي ان نغير حياتنا بصورة جذرية، وان ننقطع عن ممارسات الماضي السيئة ) وكان يسمي وضعه هذا بموقفه الاخلاقي وهو نفس الموقف الأخلاقي لأول رئيس وزراء في عهد غورباتشوف نيكولاي رايزكوف الذي يذكر في مذكراته بأن ( الموقف الاخلاقي للمجتمع السوفييتي في عام 1985 كان في أسوأ حالاته وكان التصلب قد وصل أعلى مستوياته، لم يكن هناك اي عمل يتم آدائه بعناية وكنا نسرق من انفسنا، نعطي ونأخذ الرشاوى ونكذب في تقاريرنا وفي صحفنا وكان هذا الفساد مستشريا من القمة إلى القاع ومن القاع إلى القمة) وبعكس غورباتشوف الذي كان يعرف بصورة مباشرة كم كان البيت الذي بناه ستالين بالرعب والأكاذيب، هشا ومتداعيا، مناصرو غورباتشوف كان يبدو عليهم بأنهم يؤمنون بأن ما هو صائب اخلاقيا يكون قابلا للمعالجة سياسيا وليس هناك مثل أفضل من اعطاء الأولوية للمبدأ الاخلاقي من حملة غورباتشوف على الأدمان على تعاطي الكحول والتي واصلها رغم العواقب الوخيمة السياسية والاقتصادية واهمها انها كلفت الخزينة السوفييتية خسارة 67 مليار روبل اي نسبة 17 % من واردات عام 1985 وعندما اعترض رئيس الوزراء على مبالغات الحملة رده اعضاء اخرون من فريق غورباتشوف قائلين بأنه يقلق على الوضع الاقتصادي بدلا من الوضع الاخلاقي بينما وصلت اخلاق الأمة إلى درجة من الأنحدار اصبح معها انقاذها لازما بكل الوسائل الممكنة، ان افضل رؤية للبريسترويكا بأعتبارها ثور افكار وثورة قيم يمكن الحصول عليها من مقالات ومذكرات والمقابلات التي جرت مع عراب الغلاسنوست الكسندر ياكوفليف الذي توفي في موسكو العام الماضي، عندما عاد إلى الاتحاد السوفيتي عام 1983 بعد عشرة اعوام امضاها كسفير للأتحاد السوفييتي في كندا كانت ذكرياته تشبه إلى حد بعيد ذكريات غورباتشوف وريازكوف فهو يقول ( حانت اللحظة التي يقول فيها الشعب هذا يكفي، لا يمكننا أن نستمر في العيش على هذا النحو بعد الأن، كل الأمور ينبغي ان تتم بطريقة جديدة، علينا ان نعيد التفكير في مفاهيمنا وفي منطلقاتنا وفي ارائنا عن الماضي وعن المستقبل وقد ساد فهم عام بين الناس بانه وببساطة بات من المستحيل الأستمرار بالعيش بمذلة كما كانوا من قبل) بالنسبة لياكوفليف كما بالنسبة لغورباتشوف كانت الديمقراطية لها الأولوية القصوى لأنها تحتل رأس اية قائمة تتضمن الأهداف الأقتصادية، و كان غورباتشوف وحتى تقديمه الاستقالة في كانون الأول عام 1991 لا يزال يؤمن بالخيار الاشتراكي للشعب الروسي وغالبا ما كان يستشهد بعبارات من لينين بينما نبذ ياكوفليف وأخلاصا منه للحقيقة، اللينينية باعتبارها حركة توتليتارية أخرى ودافع عن نظام متعدد الأحزاب يضمن الحريات إلى جانب الملكية الخاصة وكان قد كتب في احدى مقالاته بأن ( اشتراكية بدون سوق هي ليست يوتوبيا فقط بل اشتراكية دموية ايضا والمجتمع الحر مستحيل بدون ملكية خاصة ) .

Leave a Comment