أ.د. أحمد محمد وهبان

أسس وأهداف الدبلوماسية الإسلامية وصفات الشخصيه الدبلوماسيه

كاتب الموضوع الأصلي: خالد العجاجي (81)

أسس وأهداف الدبلوماسية الإسلامية:

تقوم أسس وأهداف الدبلوماسية الإسلامية على تعاليم الشريعة الغراء، وهي تنهل منها لتعكس بوضوح تطلعات الإسلام الإنسانية النبيلة إلى توثيق العلاقات وتبادل المصالح بين الشعوب، ومن تلك الأسس والأهداف ما يلي:

1ـ التعريف بالإسلام ومبادئه وفضائله والدعوة إليها: وهذا واضح في الرسائل التي حملها سفراء النبي إلى الملوك والحكام في داخل الجزيرة العربية وخارجها.

جاء في رسالته- صلى الله عليه وسلم -إلى قيصر الروم: ” من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين… ” قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله…”.

2ـ حل الخلافات والنزاعات بالطرق السلمية: ويتجلى ذلك في إرسال النبي- صلى الله عليه وسلم -عثمان بن عفان إلى قريش ليطلعهم على حقيقة قدومه، وأنه يريد العمرة ولا يريد الحرب، وهو مستعد للتفاهم إن أرادت قريش ذلك، وقد كان له ما أراد، فأرسلت قريش سهيل بن عمرو إليه، فاتفقا على صلح الحديبية كما هو معروف.

3ـ تنمية العلاقات الإنسانية: تهدف الدبلوماسية في الإسلام إلى تكوين علاقات إنسانية بين المسلمين وغيرهم، وتنمية هذه العلاقات بالوسائل المشروعة والتواصل الاجتماعي والاقتصادي والمعيشي والعلمي والفني… ويشهد لذلك اختلاط المسلمين بقريش بعد صلح الحديبية، وتبادلهم معها المصالح الاقتصادية والمعيشية والمعارف الثقافية، فضلا عن توثيق العلاقات الاجتماعية والرحمية التي تجمع بين الطرفين.

ومن هذا القبيل أيضا: ما حدث في زمن هرون الرشيد الخليفة العباسي الذي أرسل إلى ” شارلمان ” ملك الفرنجة ( فرنسا ) وفودا تحمل معها الهدايا والمبتكرات العلمية التي أبدعها المسلمون وتفننوا في اختراعها وصناعتها كما هو معروف ومفصل في مواطنه.

الصفات التي راعاها المسلمون في اختيار الدبلوماسيين:

عمد المسلمون إلى مراعاة عدة صفات فيمن يختارونهم لتمثيل بلادهم، ومن هذه الصفات ما يلي:

1ـ الكفاءة الوظيفية: ويراد بها: معرفة أصول العلاقات الدولية في زمن الحرب وزمن السلم، ناهيك عن الاتصاف بسعة العلم والمعرفة، والثقافة العامة، والذكاء، والنباهة، واللباقة، والبصيرة الثاقبة، وشدة التيقظ للمفاجآت، واهتبال الفرص واغتنامها لتحقيق أهدافه.

وقد تجلَّت تلك الأوصاف في جعفر بن أبي طالب حال مناظرته عمرو بن العاص ـ قبل إسلامه ـ لدى النجاشي ملك الحبشة، حيث أراد عمرو مبعوث قريش الإيقاع بجعفر، لكنَّ كفاءة جعفر وحنكته تصدت لكيد عمرو وأبطلت تحريضه على الإسلام والمسلمين في شأن عيسى بن مريم عليه السلام، وذلك حين طلب جعفر من النجاشي أن يستمع إليه ويعرف رأيه، فما وسعه إلا أن يفعل ذلك ويعترف بصدق وصواب ما جاء في القرآن الكريم عن بشرية عيسى عليه السلام وأنه عبد الله ورسوله حقا وصدقا.

2ـ صدق السريرة وحسن الخلق: من أوكد واجبات الدبلوماسي أن يؤمن إيمانا صادقا بنظام الدولة التي يمثلها وينتمي إليها، ويعرض مبادئه وأفكاره وقيمه من خلال تعامله الكريم وخلقه الحسن، بعيدا عن العبث والفظاظة والغطرسة، لا تؤثر فيه المغريات ولا تزعزعه الأوهام والأراجيف، وقد وُصف جعفر بن أبي طالب سفير المسلمين إلى الحبشة بأنه أشبهُ الناس بالنبي- صلى الله عليه وسلم – خَلْقا وخُلُقا، وكفى بهذا ثناء ومدحا.

وحينما راودت قريش عثمان ـ مبعوث النبي- صلى الله عليه وسلم -في الحديبية ـ في أن يعتمر ويطوف حول الكعبة وحده، دون المسلمين الذين جاء يفاوض عنهم أبى ذلك؛ ولاء لقيادته، وانسجاما مع حسن سريرته التي عرف بها، ووفاء لإيمانه وقيمه، ورفض التي المغريات التي عرضتها قريش عليه…

3ـ حسن الصورة والهيئة: أولى المسلمون عناية لافتة بمظهر السفير الخارجي ولياقته ووسامته، لأن ذلك أول ما يقع عليه النظر، وبه يتأثر العامة والخاصة، قال ابن الفرَّاء: يُستَحسن في الرسول تمام القدِّ، وامتداد الطول، وصلابة الجسم وامتلاؤه، فلا يكون قصيرا أو نحيفا، لئلا تقتحمه العيون فتزدريه، وإن كان المرء بأصغريه قلبه ولسانه، لكن الصورة تسبق اللسان، والجسم يستر الجَنان…

وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم -يراعي توفُّر حسن الصورة والهيئة في سفرائه، ومن هؤلاء دحية بن خليفة الكلبي مبعوثه إلى قيصر ملك الروم، فقد كان وسيما، متكامل الخلق، من أجمل الناس هيئة وصورة، وكان جبريل عليه السلام ينزل على النبي- صلى الله عليه وسلم -في صورته. كما كان جعفر بن أبي طالب ممثل المسلمين عند ملك الحبشة جميل الصورة حسن الشكل والهيئة، يشبه النبي- صلى الله عليه وسلم -خَلْقا وخُلُقا.

4ـ الفصاحة وحسن البيان: ينبغي أن يكون الدبلوماسي فصيح الكلام حسن البيان، متقنا لغة من أرسل إليهم؛ وذلك ليتمكن من إبلاغ ما يريد والتعبير عنه بيسر وسهولة، والقيام بمهمته ومعالجة الأمور دون تباطؤ أو عجز أو اضطراب أو تكلُّف. وسبق بيان ما قاله إمبراطور البيزنطيين في الشعبي سفير الخليفة الأموي مروان بن عبد الملك.

5ـ معرفة أحوال الدولة الموفد إليها: ينبغي أن تتوفر في الدبلوماسي المعرفة بالأحوال الاجتماعية والثقافية والسياسية والمعيشية… في الدولة الموفد إليها، فضلا عن إلمامه بعادات الناس ومناسباتهم وتقاليدهم؛ ليكون ذلك أقرب إلى التفاهم معهم وأجدى في تحقيق مهمته، وتنمية العلاقة بين دولته والدولة التي أوفد إليها.

ويشهد لهذا: أن جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه – كان يعلم الأحوال السياسية والدينية في الحبشة، وأن ملكها يتصف بالعدل فلا يظلم عنده أحد، وأنه يؤمن ببشرية عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، وأنه أقرب إلى المسلمين الموحِّدين منه إلى القرشيين الوثنيين…

Leave a Comment