أ.د. أحمد محمد وهبان

إشكاليات ‘الملف الأمني’ في حوارات المصالحة الفلسطينية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العلي 0,1,4

إشكاليات ‘الملف الأمني’ في حوارات المصالحة الفلسطينية

ثمة ما يسترعي الانتباه بشأن مسار الجولة الأخيرة من الحوار بين حركتي فتح وحماس، والذي لعب لقاء مكة بين مدير المخابرات المصرية، الوزير عمر سليمان، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل – علي هامش أدائهما مناسك العمرة في رمضان الماضي – دورا رئيسيا في انطلاقها بعد توقف استمر لأكثر من عام .

فاللقاء الأول من هذه الجولة الذي ضم وفدي الحركتين في الرابع والعشرين من سبتمبر 2010 في دمشق، انتهت المحادثات فيه عند ‘الملف الأمني’، بعد أن أعلن الطرفان عن التوافق علي ثلاثة أرباع المشكلات العالقة بينهما، وتأجيل الملف الأمني إلي اللقاء الثاني. وكان هذا بمثابة اعتراف ضمني من قبل قطبي الساحة الفلسطينية بأن الإشكاليات المتعلقة بهذا الملف أكثر تعقيدا من أن تحسم في لقاء واحد يضم قضايا أخري محل خلاف بينهما، وأن الأهمية التي يحظي بها ملف الأمن تقتضي أن يفرد له لقاء خاص، يشارك فيه الخبراء من الجانبين إلي جوار القيادات السياسية.

أما اللقاء الثاني من هذه الجولة التفاوضية، والذي عقد أيضا في دمشق في التاسع من نوفمبر 2010 . فتم فيه اختزال الملف الأمني في مسألة واحدة فقط وضعت علي جدول أعمال اللقاء، وهي ‘تشكيل اللجنة الأمنية المشتركة’، دون التطرق لمسألة أكثر أهمية، وهي تلك المتعلقة ب- ‘السياسة الأمنية’ التي ستتولي تلك اللجنة الأمنية المشتركة مراقبة تطبيقها علي الأرض. وفي النهاية، أعلن عن الفشل في التوصل إلي اتفاق بين الطرفين.

معضلة الأمن في السياق الفلسطيني :

ما بين عدم حسم الملف الأمني في اللقاء الأول، وإعلان الفشل في اللقاء الثاني، أثيرت العديد من التساؤلات والتكهنات التي تعكس كلها حقيقة ما لملف الأمن في السياق الفلسطيني من أهمية وخصوصية، تلك الخصوصية مستمدة من سوابق تاريخية عديدة، ومعطيات آنية ذات أبعاد محلية وعربية وإقليمية ودولية متشابكة ومعقدة، لعل أهمها ما يلي :

أولا- إن الإشكاليات المتعلقة بالملف الأمني الفلسطيني تتخطي حدود الثنائية التقليدية (فتح – حماس)، لأن ظهورها علي سطح الأحداث لم يرتبط فقط بوصول ‘حماس’ إلي سدة السلطة وتشكيلها الحكومة في مارس 2006، بل كانت سابقة لهذا التاريخ بعدة سنوات. والشاهد علي ذلك:

1- أن استقالة ‘ أبو مازن’ وحكومته في مطلع سبتمبر 2003، بعد تجاذبات ومناكفات مع الرئيس عرفات ، جاءت علي خلفية الجدل والخلاف حول من له الولاية علي الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية. وللأسباب ذاتها، رفض اللواء نصر يوسف أداء القسم الدستوري كوزير للداخلية أمام عرفات. والمفارقة أن الشخصيتين كانتا ضمن تشكيلة اللجنة المركزية لحركة فتح التي كان يتزعمها عرفات آنذاك.

2- أن تمسك ‘أبو عمار’ باستمرار سيطرته علي الأجهزة الامنية للسلطة الفلسطينية دفعه إلي المناورة في مواجهة الضغوط الخارجية والداخلية، ‘فاخترع’ فكرة مجلس الأمن القومي الفلسطيني، كي يصادر علي الصلاحيات الأمنية الممنوحة لرئيس الوزراء، بموجب التعديلات التي طالت نص المادتين 69 و 71 من القانون الأساسي للسلطة، نتيجة الضغوط الخارجية، بحيث أصبحت كافة الأجهزة الأمنية، تخضع بمقتضي تلك التعديلات، لسلطة مجلس الوزراء.

حيث استغل ‘أبو عمار’ الفراغ السياسي الذي تولد عن استقالة حكومة أبو مازن، والتعاطف الشعبي الواسع معه في ظل تهديد شارون له، معلنا تشكيل ‘مجلس الأمن القومي الفلسطيني’، كي يضم إلي جانب رئيس السلطة كلا من: ( رئيس الوزراء، ووزراء الداخلية والخارجية والمالية، وعضو من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وقيادات الأجهزة الأمنية المختلفة).

وقد تم تسويغ هذه المخالفة الدستورية (لأن القانون الأساسي يخلو من أي نصوص تتعلق بمجلس الأمن القومي)، علي اعتبار أن هناك حالة طوارئ وحكومة مؤقتة، وأن الوضع سيتغير عند الانتهاء من ذلك. لكن وبعد انتهاء حالة الطوارئ، وتشكيل حكومة أحمد قريع الموسعة، رفض عرفات القيام بحل مجلس الأمن القومي، وإعادة المسئولية الأمنية لمجلس الوزراء. واضطر ‘أبو العلاء’ إلي الرضوخ في مواجهة عرفات، لا سيما بعد أن وقفت اللجنة المركزية لحركة فتح إلي جوار الأخير. وفي النهاية، تخلي ‘أبو العلاء’ عن صلاحياته الأمنية كرئيس للوزراء، وتخلي كذلك عن وزير داخليته المعين ‘نصر يوسف’ لصالح ‘حكم بلعاوي’ الذي تولي حقيبة الداخلية بتسمية من عرفات.

3- أن حوادث الانفلات الأمني، التي شهدتها شوارع غزة في يوليو من عام 2004، لم تكن في جوهرها إلا تعبيرا عن سخط بعض القيادات الأمنية للسلطة علي استمرار سيطرة عرفات علي الملف الأمني. ولهذا، فقد شكل انتشار العناصر الأمنية لحركة حماس في غزة آنذاك، في اصطفاف ضمني إلي جوار عرفات، عامل التوازن الذي حسم الأمر (ميدانيا علي الأقل) لصالح عرفات في مواجهة من أعلن ‘التمرد’ عليه.

4- أن الخطأ بشأن الحسابات المتعلقة بالسياسة الأمنية للسلطة، والزج ببعض الأجهزة الأمنية في الانتفاضة، كلف الساحة الفلسطينية الكثير من الخسائر، بعضها ذات طابع إستراتيجي . كما فتح الباب علي مصراعيه أمام التدخلات الدولية في صميم عمل تلك الأجهزة، ناهيك عن أن عرفات نفسه ربما دفع حياته بعد ذلك ثمنا لكل هذا.

وفي الحاصل الأخير، تجلت في تلك المرحلة ‘مركزية’ الملف الأمني، في الساحة الفلسطينية. إذ بقدر ما أتاح صراع ‘النفوذ والسيطرة’ علي الأجهزة الأمنية في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ القضية الفلسطينية، الفرصة لمزيد من التدخلات الدولية، وهو ما فاقم من المأزق الفلسطيني، بقدر ما شكل حالة كاشفة لحقيقة ما كان يعتمل داخل بنية الحركة الوطنية الفلسطينية، وبين نخبها السياسية والأمنية آنذاك، من جدل وصراع، ليس علي النفوذ والسيطرة والامتيازات، وإنما جدل وصراع، مركب وذو مستويات عدة: فهو داخل المؤسسة الواحدة (فتح والسلطة) جدل بين منطق الدولة ومنطق الثورة، بين ‘فتح’ كحركة تحرر وطني، و’فتح’ كحزب السلطة. جدل بين نهج الإدارة الجماعية والديمقراطية، ونهج ‘الإنابة الثورية’، وكذلك جدل حول التطلع نحو المؤسسية، في مواجهة التشبث بالمنطق ‘الأبوي’ في إدارة العلاقات والتفاعلات الداخلية، وجدل في الدائرة الأوسع – التي تضم إلي جوار ‘فتح’ بعض فصائل منظمة التحرير ك- ‘الجبهة الشعبية’ و ‘الجبهة الديمقراطية’ – حول السياسات والمسارات، حول استحقاقات مرحلة ‘سلطة تحت الاحتلال’ واستحقاقات مرحلة التحرر الوطني، جدل حول متي نقاوم ومتي نفاوض.

وهو في الدائرة الأكثر اتساعا، التي تضم ‘حماس’ و’الجهاد’، صراع بين نهجي ‘التسوية’ و ‘المقاومة’. حيث اختارت الحركتان الانحياز إلي عرفات، لأنه، من وجهة نظرهما، لم يسقط ‘المقاومة المسلحة’ من حساباته بالمطلق.

ثانيا- إن إشكاليات الملف الأمني الفلسطيني، وإن لم ترتبط برابطة السببية مع صعود ‘حماس’ إلي سدة السلطة، علي النحو الذي سبقت الإشارة إليه، فإن هذا لا ينفي حقيقة أن تشكيل ‘حماس’ للحكومة بمفردها فاقم من تلك الإشكاليات، ووضع الساحة الفلسطينية كلها فوق ‘صفيح ساخن’.

محمد جمعة

Leave a Comment