أ.د. أحمد محمد وهبان

إشكالية الديمقراطية

كاتب الموضوع الأصلي: عادل الفاضل1

لا شك أن الديمقراطية اليوم تحظى بمكانة مرموقة في الساحة العالمية , فهي تتربع على عرش إمبراطورية القطب العالمي الأوحد .. فهي مذهبه الاجتماعي .. ونبراسه الســــياسي.. وهويتـــه الثقافية.. ونهجـــه الحضاري.. وهـــي رسالته المجيدة للعالمين .. يصادق ويوادد من يقبلها ويلتزمها.. ويحارب ويخاصم من يرفضها ويرغب عنها بسواها .. مما جعلها رغباً ورهباً معشوقة الساسة والمفكرين .. يتنافس في حبها القاصى مع الداني – إلا من أبا – وهم قليل .. فأمست سيدة الموقف والآمر الناهي في مسيرة الأمن البشري وتصريف مصالحة .. وتهافت العشاق أتباع الملل والثقافات والحضارات في طلب ودها والانتساب إليها .. أو التشرف بإثبات نسبها إلى ديانته وثقافته .. وذهب كثير من المسلمين هذا المذهب .. فأخذوا يدللون على شرف نسبتها إلى الإسلام ومنهجه العظيم فقالوا ” بديموقراطية الإسلام ” وأن الإسلام هو صاحب السبق بالتزام منهج الديموقراطية وشرعتها مرددين عبارة ” لا مشاحة في الاصطلاح ” فالإســـلام هو الديموقراطية .. والديموقــــراطية هي الإسلام .. وكتبوا في ذلك كتباً , ودبجوا مقالات أشادوا بالديموقراطية ونعمتها وبـــركاتها .. وأنــها المجدد المنقذ والمخلّص الأمين للبشرية من درن الضلالة والتيه .. ومن أسباب التخلف والفساد .

وهذا المشهد الدرامي المتألق اليوم في المسرح الدولي بشأن الديموقراطية , يستدعي مـــن الذاكرة مشهــــداً درامي ســـابق تناول حـــالة معشوقة ســابقة ذات حسن وجمال .. اجتاحت موجة عشقها والافتتان بسحرها الأوساط الفكرية , والسياسية والاقتصادية , والاجتماعية فـــــي الخمسينيات , والستينيات , من القـــــرن المنصــــرم اسمها ” الاشتراكية ” , قيل في مدح محاسنها وسحر جمالها ونمنمة فساتينها الحمراء القانية أجـــود الشـعر وأبلغ النثر.. وبكل الأقلام الثقافة اليسار منها والوسط , وبعض اليمين .. ولم تخلو الساحة من إسلاميين عشقوا وهاموا بسحر تلك الحسناء الشرقية الفاتنة , بل لعلهم كانوا أكثــر الناس عشــقاً وافتناناً وأبلغهم عاطفة تجاهها, وأكثرهم غيرة بما يخص نسبها , فسارع البعض إلى تبنيها واحتكار نسبها فكتب يقول ” باشتراكية الإسلام ” , وصدحت أم كلثوم تنشد مترنمة ” الاشتراكيون أنت إمامهم ” معتزة وفخورة بأن نبي الإسلام ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو إمام الاشتراكيين في الأرض , ومرت الأيام وشاخت الحسناء وذبل عودها وخفت بريقها وبليت فساتينها .. ثم هوى صنمها وأفل نجمها .. ولعق الشعراء شعرهم وبلع بلغاء النثر نثرهم وأسقط في أيديهم .. طبعاً أنا لا أذكّر بهذه الحالة من باب الشماتة أبداً , فأنا لست من الشامتين وما هو لي بخلق .. لقد قلت في كتابي الإسلام والنظام العالمي .. إنه ليؤلموني ويحزنني سقوط الاتحاد السوفياتي – رغم التناقض العقدي والثقافي معه – وغياب إمبراطورية ساهمت مساهمة فعالة في البناء الحضاري البشري المعاصر .. وكنت أتمنى أن ترشد تلك الحضارة, وأن يعاد النظر في نهجها الثقافي الحضاري , لتكون منسجمة ومتسقة مع فطرة الإنسان , ومكوناته الروحية , والوجدانية , وقد سقطت وتمزق جمعها, وذهبت ريحها , وذلت هيبتها بسبب من إهمالها وتجاهلها للعالم الداخلي للفرد , وروحه , ووجدانه , وقد عبر عن هذه الحقيقة المرة الرئيس السوفيتي المعروف ميخائيل جورباتشوف , في كتابه الشهير البيروستريكا وهو يحاول الاستدراك على الحالة السوفيتية المترنحة بعد فوات الأوان , وفي الوقت الضائع للأسف حيث يقول :

” ومهمتنا الرئيسة اليوم هي أن نرفع من روح الفرد , ونحترم عالمه الداخلي , ونعطيه قوة معنوية ,ونحن نسعى لأن نجعل كل قدرات المجتمع الفكرية وكل إمكاناتنا الثقافية تعمل من أجل تشكيل شخص نشط اجتماعياً , غني روحياً, ومستقيم , وحي الضمير ”

أجل أنا لست شامتاً, وأنا أذكّر بحالة المعشوقة الاشتراكية وقد أفل نجمها وأحرج عشاقها , وقد ذكرت موقفي الحزين من سقوط الاتحاد السوفيتي – رغم التناقض العقدي والثقافي معه – تأكيـــداً علـــى غياب نزعـــة الشماتة عندي بهذا الشأن وغيره , لأنني اعتقد أن المسلم في نهجه وسلوكه وثقافته, ينبغي أن يكون دائماً مع البناء, ومع الترشيد والتطوير لكل فعل حضاري , وليس مع نزعة الهدم والدمار والاستئصال للغير .. لأن الحضارة بالنهاية تبقى إرث بشــري , وتبقى مصلحة ومكتسب بشري , ينبغي ترشيد المعوج منها وتنمية المستقيم وتطويره ,

وأردت من استذكار حالة الاشتراكية مع عشاقها .. لأقول لعشاق الديموقراطية اليوم على رسلكم .. الهوينة الهوينة أيها السادة .. أحبوا حبيبكم هوناً ما عسى يكون عدوكم يوماً ما .. وابغضوا عدوكم هوناً ما عسى أن يكون حبيبكم يوماً ما .. طبعاً وللإنصاف فأنا هنا لا أساوي بين الاشتراكية والديموقراطية .. فلا شك أن الفارق بينهما ليس بقليل .. ولكن أقول : مثلما أن الاشتراكية ليست شراً مطلق فالديموقراطية أيضاً ليست خيراً مطلق .. ومثلما أن الاشتراكية عــلى عـــورها لا تخلو من إيجابيات .. فإن الديموقراطية على ما فيها من خير, لا تخـــلو مـن سلبيات ومنغصات

Leave a Comment