إيران والخليج.. تناقضات السياسة والاقتصاد
كاتب الموضوع الأصلي: محمد المنجي3
العلاقات على المستوى العملى الواقعى بين إيران والخليج علاقات تقوم على أبعاد اقتصادية متشعبة، تتوارى أمام حدة الخلافات السياسية والمخاوف الأمنية التى تظهر على السطح من حين لآخر.
تدفع صورة هذه العلاقات إلى التساؤل حول كيفية احتفاظ الطرفين، الخليجى والإيرانى، بواقع وروابط اقتصادية “فعالة”، على الرغم من الخلافات السياسية التى وصلت إلى حد احتلال إيران للجزر الإماراتية، ورفضها الانسحاب منها أو حتى التفاوض بشأنها.
بالإضافة إلى تصريحات مسئوليها بشأن اعتبار البحرين محافظة إيرانية من ناحية، وتهديدها أمن السعودية عبر دعمها للتمرد الحوثى فى اليمن من ناحية ثانية، ومد نفوذها داخل العراق عبر تغذية الحرب الطائفية بما يضمن التفوق الشيعى فى الحياة السياسية العراقية من ناحية ثالثة.
الأمر بهذه الكيفية يدعو إلى ضرورة التدقيق فى طبيعية العلاقات الخليجية – الإيرانية، وهى علاقات يعتريها قدر كبير من التناقض، سواء على المستوى الثنائى، أى بين إيران وكل دولة خليجية على حدة، أو على المستوى الجماعى التنظيمى، أى مستوى مجلس التعاون الخليجى الذى لا تحكمه استراتيجية موحدة تجاه إيران.
فالدول الخليجية بعضها تحكمه علاقة تنافر مع إيران (حالة البحرين وإمارة أبوظبى)، والبعض الآخر تحكمه علاقة تعاون فعالة معها(حالة قطر وسلطنة عمان والكويت وإمارة دبى)، والبعض الثالث تحكمه علاقة فتور (حالة السعودية).
ومن أهم المجالات التى يمكن أن تعكس واقع هذا التباين فى العلاقات بين الطرفين، هى مجالات التعاون الاقتصادى والاستثمار وعلاقات التبادل التجارى، التى تفرض واقعا عمليا مغايرا لذلك الواقع الذى تفرضه كثافة التفاعلات السياسية، التى تتراوح بين المد والجذب، عبر قضايا ومصالح مختلفة ومتنوعة.
أولا- تداعيات الاختراق الاقتصادى الإيرانى لدول الخليج:
– أزمة دبى:
يرجع العديد من المحللين أزمة دبى المالية فى مطلع عام 2009 إلى أسباب إقليمية – سياسية تولدت نتيجة للصراع الدائر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، التى تعتبر الشريك التجارى الأكبر لدولة الإمارات العربية عامة ولإمارة دبى خاصة.
فعلى الرغم من أن فرض العقوبات الأمريكية على إيران بدأ منذ عام 1979، بعد الاستيلاء الشهير على السفارة الأمريكية فى طهران من قبل طلاب إيرانيين، فإن تواتر الأحداث بين إيران والولايات المتحدة من جهة، وبين إيران ودول الخليج من جهة أخرى، قد أفرز وجودا إيرانيا فى دول الخليج تجاوز حاجز التأثيرات السياسية إلى التأثيرات الاقتصادية التجارية، كإحدى وسائل مواجهة الضغوط الأمريكية المتزايدة بمرور السنوات.
وهناك من يرى أن صعود دبى الاقتصادى يرجع فى أحد أسبابه إلى هذا الحظر المفروض على النظام الإيرانى، الأمر الذى ساهم بصورة أو بأخرى فى تعميق علاقات إيران التجارية مع دبى. والبعض الآخر يرى أن الأمر تجاوز مجرد الشراكة التجارية بكل مقوماتها الاقتصادية وانعكاساتها السياسية إلى حالة من التغلل الإيرانى على المستويات غير الرسمية، يعكسه وجود ما يقدر بأكثر من 450 ألف إيرانى يعيشون فى الإمارات، عدا الإماراتيين من أصول إيرانية، ويمثلون، وفقا لتقرير صادر عن وكالة الأسوشيتد برس، ثانى أكبر جالية أجنبية فى دبى بعد الجالية الهندية، ناهيك عن وجود ما يقرب من 10 آلاف شركة إيرانية عاملة هناك.
هذه الارتباطات جعلت من دبى “سوقا استثماريا” لكثير من الإيرانيين.
تستهدف إيران، عبر استثماراتها المتنوعة فى المشروعات الاقتصادية الخليجية، دعم مشروعها الاستراتيجى الذى طرحته فى أكثر من مناسبة على دول الخليج العربية، والخاص بإدماجها كشريك تجارى فى السوق التجارية المشتركة التى قررت تلك الدول إقامتها قبل ثلاثة أعوام ماضية، وتحديدا فى أوائل يونيو 2007 برأسمال قدره 715 مليار دولار.
كما ذكر التقرير الاستراتيجى السنوى، الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والإعلام فى يونيو 2009، أن قطاع المقاولات الإيرانى قد استثمر فى الإمارات وحدها خلال العام المذكور ما يقرب من مليارى دولار فى مشروعات تتعلق بخدمات فنية فى قطاعات الكهرباء والطاقة، وبناء مجمعات سكنية وتجارية، ومصانع آليات، وإنشاء أنفاق وتجديد مرافق، ورصف طرق، فضلا عن تزويد دبى بالعمالة المتخصصة.
وبحسب التقرير أيضا، فقد بلغت الصادرات الإيرانية غير النفطية للإمارات خلال عام 2007 ما قيمته مليار و671 مليون دولار.
كما أن ميزان الواردات الإيرانية من الإمارات خلال العام نفسه مثل أعلى نسبة بين الدول التى استوردت إيران منها. كما أشارت الأرقام الحالية إلى تقديرات قاربت الـ 14 مليار دولار، قيمة التبادل التجارى بين الطرفين، بالإضافة إلى أن 75% من واردات إيران من الوقود المكرر تمر عبر الإمارات.
بناء على ذلك، أصبحت دبى بمثابة الرئة الاقتصادية التى تتنفس من خلالها إيران للتخفيف من خناق ووطأة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.
فى هذا الإطار، وقعت أزمة دبى المالية، التى لا يهمنا فى هذا المقام الوقوف على كيفية وقوعها، وإنما يهمنا منها الوقوف على بواعثها وأبعادها كأحد تداعيات الاختراق الاقتصادى الإيرانى للخليج.
فقد اعتبر العديد من المحللين أن أزمة دبى كانت بمثابة الإشارة الأولى على عزم القوى الكبرى تقليص الوجود الاقتصادى الإيرانى الفعال فى الخليج، خاصة أن هذا الانخراط كان بمثابة نافذة إيرانية تحقق لها قدرا من الهروب من العقوبات الدولية.
ومن ثم، كانت الأزمة “مقصودة” لدرجة دفعت البعض إلى القول إنها عبرت عن شراسة الحزمة الأخيرة من العقوبات الدولية على إيران واقترابها.
تستند تلك الآراء إلى تحليلات عدة نشرت فى “Business Observer” و”Foreign Policy” خلال شهر ديسمبر 2009، مؤداها أن العلاقات الوثيقة التى تجمع الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الإمارات، وبالتحديد إمارة أبوظبى، شكلت دافعا لممارسة ضغوط أكثر قسوة وفعالية على دبى لتخفيف ارتباطها الاقتصادى بإيران، وأن لكلا الطرفين أجندته الخاصة فى هذا الشأن.فبالنسبة لإمارة أبوظبى، فقد شكل نزاعها مع إيران حول قضية الجزر من ناحية، ومخاوفها كباقى دول الخليج من نجاح إيران فى التحول لقوة نووية من ناحية أخرى، عوامل دفعتها إلى استخدام الأزمة المالية كفرصة للحد من نفوذ إيران داخل منطقة الخليج، عبر آليات تشديد السيطرة على السياسة الخارجية الإماراتية.
وفى الوقت نفسه، استمرت أبوظبى فى سياسة السخاء المالى تجاه دبى، الشريك الاقتصادى الأول لإيران، بهدف وضع الأخيرة أمام خيارات صعبة تجعلها فى مراجعة ذاتية دائمة لاستخدام دبى كمركز تجارى لها.
خاصة إذا ما أخذنا فى الاعتبار طبيعة التباينات فى الرؤى بين أبوظبى ودبى، والتى برزت على سطح الأحداث، وانعكست فى عدم ارتياح أبوظبى لمساعى دبى – المدفوعة بعلاقاتها الاقتصادية المميزة مع إيران – للقيام بدور فى تقريب وجهات النظر بينها وبين إيران بشأن خلافات الجانبين، خاصة فيما يتعلق بالجزر.
فإذا كانت دبى تعد قلب الاقتصاد الإماراتى وماكينته التجارية، فإن أبوظبى هى صاحبة القرار السياسى للاتحاد الإماراتى، وفى الوقت نفسه يربطها بالولايات المتحدة متغير مهم يتعلق بمسألة حصولها على الطاقة النووية، عبر مفاوضات شاقة وطويلة تجريها معها من آن لآخر.لذا، يبدو أن ثمة “هدفا” ضمنيا يتمثل فى تطابق المصالح قد جمع بين أبوظبى وواشنطن، ودفعهما إلى البحث عن آليات قاسية لتقليم أظافر إيران الاقتصادية فى الخليج عبر دبى، وعبر استغلال الحاجة الملحة للسيولة التى تعانيها الأخيرة – والتى تقدر بنحو 80 مليار دولار – لحثها على قطع روابطها الاقتصادية مع إيران.
أما بالنسبة لأجندة الولايات المتحدة فى هذا الشأن، فترتبط إلى حد كبير بأهمية دبى كأحد الموانئ الاستراتيجية للبحرية الأمريكية من ناحية، ولكونها ساحة نشطة ومفتوحة لاستخباراتها من ناحية أخرى، وترتبط أيضا بمخاوف تتعلق بكونها ممرا تسهل عبره عمليات التهريب، خاصة المواد النووية والأجهزة فائقة التكنولوجيا من ناحية ثالثة، بالإضافة إلى ما كشفه موقع US LAW خلال عام 2008 من أن الإمارات تستورد ما قيمته 11.6 مليار دولار سنويا، وأن نحو 40% من هذه السلع يتم تصديرها إلى إيران. كما أن واشنطن تشتبه فى أن إيران تستخدم البنوك الإماراتية كقناة مالية للالتفاف على العقوبات الدولية ومواصلة برنامجها النووى.
وفى الإطار نفسه، ذكر “تقرير المخاطر” الذى ينشر سنويا عن مركز “Wisconsin Project on Nuclear Arms Control” لمراقبة الأسلحة النووية الصادر فى يونيو 2009 أنه وعن طريق دبى، شحنت إيران المكونات الرئيسية لبرنامجها للأسلحة النووية.
وقد أشار التقرير على الولايات المتحدة بمنع التجارة النووية مع الإمارات، ما لم تقدم دبى دليلا دامغا على تقييدها لعمليات تهريب المواد النووية.
إذن، يتضح من العرض السابق أن لكلا الطرفين – أبوظبى والولايات المتحدة – “مصالح” مشتركة فى دبى، وكلاهما أيضا لا ينظران بارتياح إلى علاقتهما الوطيدة مع إيران، فيعملان على إعادتها إلى “صوابها”، إذا جاز التعبير. والهدف من ذلك ألا يسمح لها بالانشقاق مرة أخرى عن القرار السياسى لدولة الإمارات، ولا أن تكون “شوكة” فى جسد الاستراتيجية الأمريكية تجاه تطويق الجارة الإيرانية، أو أن تساهم فى تخفيف الضغط عنها.
وقد تم ذلك عبر آليات عدة اعتمدها الطرفان، تتلخص فى الضغط على سياسات دبى الاقتصادية والمالية عبر أزمة مالية طاحنة. وبذلك، تكون دبى قد دفعت ثمن العقوبات المفروضة على إيران من ناحية، وتكون إيران قد تلقت صفعة، نتيجة لانخراطها الاقتصادى فى الخليج عبر بوابة دبى من ناحية أخرى.
– الحرس الثورى وغسل الأموال:
لم يقتصر الاختراق الاقتصادى الإيرانى لدول الخليج على حد العلاقات الوطيدة مع دولة الإمارات، وبالتحديد إمارة دبى وفقا لما سبق ذكره، وإنما لإيران أذرع أخرى تمكنها من التدخل فى مجريات الاقتصاد الخليجى، أبرزها الحرس الثورى الذى وصفه المحللون بأنه مشروع إيرانى كبير لغسل الأموال فى الخليج.
وهنا، يثار تساؤل حول طبيعة الدور الاقتصادى الذى يقوم به الحرس الثورى فى الخليج من ناحية، وشبكة العلاقات والشراكات الاقتصادية التى يبنيها داخل الخليج عبر المسئولين والموظفين الرسميين، كأحد أوجه متناقضات العلاقات الإيرانية – الخليجية من ناحية أخرى.
تأسس الحرس الثورى الإيرانى، بموجب المادة 147 من الدستور، التى أجازت له تقديم الخدمات الاجتماعية والصناعية فى وقت السلم، الأمر الذى جعل منه مجموعة استثمارية كبرى تعمل فى كافة القطاعات المدنية والعسكرية، وتمتلك نحو 800 شركة ومؤسسة صناعية وخدمية. وقد تحول الحرس الثورى منذ توقف الحرب العراقية – الإيرانية إلى قوة اقتصادية ضخمة تتحكم فى معظم – إن لم يكن كل – الاقتصاد الإيرانى، ونجح فى التمدد خارج إيران، وصولا إلى منطقة الخليج.
وقد دعم من ذلك عملية إعادة تنظيم الجهاز العسكرى الإيرانى فى عام 2007، والتى بمقتضاها انتقلت مهمة مراقبة هذه المنطقة الاستراتيجية من البحرية الإيرانية إلى الحرس الثورى، على اعتبار أن إعادة تنظيم القواعد العسكرية، وإنشاء قواعد جديدة، من شأنهما خلق خط دفاعى جديد عن مضيق هرمز والخليج العربى. وقد استخدم الحرس الثورى تلك القواعد كأدوات مساعدة لتوسيع رقعة انتشاره فى الخليج.
ومن ثم، فإن أمر تورطه الأخير فى قضايا غسل الأموال فى البحرين والكويت لم يكن مفاجأة، لا على مستوى أهمية الفعل فى حد ذاته، ولا على مستوى أهمية شخصية الوزير البحرينى، منصور بن رجب، المتهم بغسل أموال غير شرعية – نحو 31 مليون دولار – ناتجة عن عمليات تجارة الأفيون التى يقوم بها الحرس الثورى الإيرانى، وهى أموال يتم تحويلها من كولومبيا وشرق الصين وأذربيجان إلى الوزير المقال.
إن عملية غسل الأموال عبر الخليج كانت هى الوسيلة الوحيدة أمام الحرس الثورى للتحايل على الحصار المالى المفروض عليه دوليا، والذى أسفر عن تجميد أرصدته فى أوروبا، فى إطار سلسلة من العقوبات الدولية التى حدت من قدرة إيران على استثمار عائدات النفط والغاز فى الأسواق الأمريكية والأوروبية، ولذلك تلجأ للأسواق المجاورة.
وهنا، تأتى ملاحظة مهمة تتعلق بحجم استثمارات الحرس الثورى الإيرانى داخل دول الخليج، بصورة أضحت معها تلك الدول ملاذا آمنا لعملياته التى تقدر بالمليارات. خاصة إذا ما علمنا أن حجم عائدات عملية غسل الأموال فى الخليج يصب فى الملكية المباشرة للحرس الثورى، وأن عددا كبيرا من تلك الاستثمارات لا يدخل خزانة الدولة الإيرانية.
وقد باتت أرصدته الاقتصادية تمثل ما يقرب من 30% من إجمالى الناتج القومى الإيرانى، بصورة يمكن القول معها إن الحرس الثورى أصبح المسيطر الفعلى على الاقتصاد الإيرانى، عبر شبكة من الصلاحيات الأمنية والدستورية التى تجعل منه شريكا فى معظم المناقصات الحكومية، وعبر سيطرة كوادره على جميع المنافذ البحرية والجوية للدولة، كل هذا يجعل الكثير من الاستثمارات الأجنبية مضطرة للمرور عبر مؤسسات مرتبطة بالحرس الثورى.
إن طبيعة الدور الذى يلعبه الحرس الثورى فى غسل الأموال، من خلال شبكات العلاقات والشراكات الاقتصادية التى يبنيها داخل الخليج، تحمل العديد من الدلالات التى لا تقتصر على الجانب الاقتصادى فقط، بل تتعداه إلى دلالات أكثر تأثيرا تتعلق بانتهاك فعلى لسيادة الدول الخليجية التى تمثل جوارا جغرافيا مهما لإيران، ومنها:
أولا: إن الإشكالية تتعدى مجرد كون القضية غسل أموال إيرانية إلى كونها قضية ذات أبعاد استخباراتية بالنظر إلى مستوى المسئولين الذين تورطوا فى القضية:
الوزير البحرينى، وشخصية نسائية كويتية صنفت على أنها من الشخصيات المهمة، وضابط فى وزارة الداخلية الكويتية، وآخر فى وزارة الدفاع.
وقد تواترت معلومات حول العثور على شريحة إلكترونية تحوى صورا وبيانات عن منشآت عسكرية بحرينية محظور تصويرها لدى الوزير المتهم، وهو ما يثير التساؤل حول ما إذا كانت هناك عملية استخباراتية تتوارى خلف غسل الأموال، وتستهدف البحرين التى سبق أن أعلنت إيران أنها محافظة إيرانية.
ثانيا: إن مجموعة المتورطين فى القضية – بخلاف الوزير البحرينى – يحملون جنسيات عربية مختلفة، لبنانية ومصرية وكويتية، وهو ما يبعث رسائل تحذيرية إلى الحكومات العربية، مؤداها أن جميعها مستهدفة من قبل الحرس الثورى، وأنه نجح حتى الآن فى إيجاد شخصيات متعاونة.
ثالثا: إن المتهمين من الطائفة الشيعية، وهو ما يحمل دلالات أخرى حول استخدام إيران” لخلاياها النائمة” أو “الفاعلة” فى الدول العربية ممن يدينون بالمذهب الشيعى، كأداة تنفيذية لسياساتها فى المنطقة.
وهو ما يثير تساؤلات حول قضية الولاء ما بين الدولة القطرية والولاء للطائفة الدينية.
رابعا: إن لإيران مصلحة مباشرة فى الكشف عن تلك العناصر والخلايا الموالية للحرس الثورى فى الخليج بأنشطتها الاقتصادية والسياسية، ذلك أن الكشف عنها يقوى من منظومة الردع الإيرانية ليس تجاه دول الخليج فقط، وإنما أيضا تجاه الولايات المتحدة، بما يدفعها إلى الاقتناع بعقد صفقة مع إيران، تحاشيا للخسائر التى يمكن أن تنتج عن أية مواجهة عسكرية محتملة بين الطرفين. بالإضافة إلى أن دول الخليج بدورها لا ترغب فى التصعيد العسكرى مع إيران لنتائجه الكارثية على أمنها القومى، وهو أمر لا تستطيع تحمله، مما يجعلها مضطرة فى النهاية إلى قبول إيران بأنشطتها الاقتصادية والاستخباراتية، وربما النووية، مستقبلا كطرف رئيسى فى منظومة الأمن الإقليمى الخليجى.
وأخيرا: القضية بهذا الشكل تجذب الانتباه إلى اختراق من نوع آخر يمارسه الحرس الثورى فى دول الخليج، وبالتحديد ضد دولة الإمارات، من خلال تشجيعه للقادة المتقاعدين من أعضائه على تولى مناصب قيادية وحساسة فى شركات استثمارية بإمارتى دبى والشارقة، حيث تسعى إيران إلى امتلاك النصيب الأكبر من الاستثمارات والعقارات فى كلتا الإماراتيين.
ثانيا: إشكالية المتناقضات الاقتصادية والسياسية:
– التبادل التجارى والاستثمارات:
بداية، لابد من ملاحظة أن حجم التبادل التجارى بين إيران ودول الخليج يبلغ نحو 18 مليار دولار فى العام، وتمثل دول الخليج البوابة الرئيسية للصادرات والواردات الإيرانية. ويعد التبادل التجارى بين الإمارات وإيران هو الأعلى على مستوى العلاقات الخليجية – الإيرانية، باعتبار إيران شريكا تجاريا كاملا للإمارات.
ووفقا لما أوردته وكالة الأنباء الإيرانية، فإن حجم التبادل التجارى بينهما يتراوح ما بين 7 و13 مليار دولار خلال الفترة من 2006 إلى 2009.
أما التبادل التجارى بين إيران وقطر – وعلى حسب تصريحات سفير إيران فى الدوحة عبد الله سهرابى – فقد بلغ 500 مليون دولار خلال عام 2009.
ووفقا لما أعلنه وكيل وزارة التجارة والصناعة الكويتى، رشيد الطبطبائى، فإن حجم التبادل التجارى بين الكويت وإيران بلغ نحو 320 مليون دولار خلال عام 2009.
أما بالنسبة للتبادل التجارى بين إيران والبحرين، فقد ذكر على آغا محمدى، مساعد النائب الأول للرئيس الإيرانى، أثناء لقائه مع مسئولى غرفة تجارة وصناعة البحرين، أن بلاده تستهدف رفع حجم التبادل التجارى مع البحرين إلى 5 مليارات دولار سنويا.
هذا بخلاف قيام إيران بإغراء الدول الخليجية لزيادة التبادل التجارى معها بتخفيض رسوم منطقتها الحرة بنسبة 50%، حيث تعول إيران على جذب رجال الأعمال الخليجيين عن طريق إغرائهم بالاستفادة من تخفيض رسوم منطقتها الحرة إلى النصف، خصوصا إن إيران تتمتع بسوق استهلاكية واسعة ومتنوعة.
ويلاحظ أن المساعى الإيرانية تجاه جذب الاستثمارات الخليجية تجرى على مستويين، الأول: يتمثل فى محاولات جذب المستثمرين الإيرانيين الذين يستثمرون ثرواتهم فى دبى عبر العديد من العروض الاستثمارية الترغيبية.
إلا أن هذه المحاولات غالبا ما تفشل نتيجة لعدم رغبة المستثمرين الإيرانيين فى العودة إلى السوق الإيرانية إلا بشرط توافر المناطق التجارية الحرة، وفقا للمعايير العالمية التى عايشوها وتفاعلوا معها فى دبى، وهى شروط يصعب تنفيذها، ولهذا يفضل المستثمر الإيرانى تنفيذ مشاريعه خارج إيران.
أما المستوى الثانى، فيتمثل فى جذب المستثمرين الخليجيين، خاصة القطريين والكويتيين، نحو السوق الإيرانية عبر تدشين جملة استثمارات فى مجال القطاع الفندقى، بدءا من العام الماضى، وذلك بإنشاء 50 فندقا سياحيا لجذب هؤلاء المستثمرين، وتعزيز شراكاتهم مع نظرائهم الإيرانيين للاستثمار فى القطاع الفندقى الإيرانى، وتدعيم مجالات التجارة الفندقية بين الجانبين.
وكذلك جذب الشركات الاستثمارية الخليجية الكويتية – بعد توقيع العديد من مذكرات التفاهم والتعاون فى مجالات مختلفة مع الحكومة الكويتية خلال العامين الماضيين – نحو السوق الإيرانية للوقوف على مدى إمكانية تسهيل دخول وخروج رجال الأعمال الكويتيين والإيرانيين، وتسهيل الإجراءات المتعلقة بالنقل والبضائع.
أما فيما يتعلق بالاستثمارات الإيرانية الخارجية على الصعيد الخليجى، فيقدر إجمالى حجم الاستثمارات الإيرانية فى دولة الإمارات بنحو 37 مليار دولار، وفقا لما أعلنه نائب رئيس مجلس العمل الإيرانى فى دبى.
وفى السعودية، فإن هناك اهتماما منذ عام 2006 باستقطاب الاستثمارات الخارجية الإيرانية، وذلك بعد تزايد تلك الاستثمارات فى أسواق مجاورة، تأتى فى مقدمتها دولة الإمارات.
فمن الممكن أن تصبح السعودية ساحة محتملة وملائمة للاستثمارات الإيرانية، خاصة فى صناعة السيارات والحافلات التى يتميز فيها القطاع الصناعى الإيرانى، وهناك عوامل عدة يمكن أن تكون جاذبة للاستثمارات الإيرانية إلى السوق السعودية، من أبرزها الخبرة التى اكتسبها القطاع الخاص السعودى فى المجال الصناعى، وترسيخه للكثير من التقنيات المتقدمة عبر نجاحه فى سياسات نقل التكنولوجيا، وتفوق الإيرانيين فى صناعات يحتاج إليها السعوديون، تشمل من بينها الصناعات المعدنية. وفى هذا الإطار، أشارت الغرفة التجارية الصناعية فى المدينة المنورة إلى أن حجم الاستثمارات الإيرانية المتوقعة فى السعودية، خلال السنوات الخمس المقبلة، يقدر بمليار دولار، عبر الاستثمار فى مجالات الأغذية والبلاستيك والبتروكيماويات.
– شراكة اقتصادية وخلافات سياسية:
كل ما سبق يطرح تساؤلات مؤداها:
هل هناك إمكانية لإنجاح إقامة منطقة تجارة حرة بين إيران ودول الخليج? وما هى فرص إقامة شراكة خليجية – إيرانية فى ظل التنامى الواضح للعلاقات الاقتصادية? وهل ثمة دور للخلافات السياسية المعروفة بين الطرفين الخليجى والإيرانى فى تقويض هذه الشراكة? وعلى الرغم من توافر مقومات هذه الشراكة، فإنها ستظل هدفا للولايات المتحدة التى تحاول كبح التمدد الإيرانى الاقتصادى فى الخليج كوسيلة للالتفاف على العقوبات القائمة أو المنتظرة، باعتبار أن الاقتصاد بات هو ساحة التأثير الفعلى فى المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. ومن ثم، كانت إيران تأمل فى إقامة المنطقة الحرة، لكونها ستسهل الكثير من الانتقالات الاستثمارية الإيرانية – الخليجية المشتركة لتنمية الوضع الاقتصادى فى المنطقة خدمة لمصالحها. إلا أن المخاوف المتزايدة لدى دول الخليج من مساعى فرض إيران هيمنتها الإقليمية جعلتها متشككة دائما فى النوايا الحقيقية لإيران، مما جعلها تنظر إلى أية دعوة اقتصادية إيرانية باعتبارها نوعا من التكتيك السياسى، ليس إلا.
أيضا، هناك متغير مهم يمنع بالفعل قيام مثل هذه المنطقة، يتمثل فى أن منطقة الخليج هى منطقة “مدولة” يمر منها نحو 40% من صادرات النفط العالمية.
وبالتالى، فإن فكرة إقامة منطقة حرة تستهدف منها إيران أن تكون بمعزل عن الولايات المتحدة الأمريكية، بصورة تمكنها من مواجهة أية عقوبات قادمة، أمر غير واقعى وصعب حدوثه، لأن الولايات المتحدة لن تسمح بذلك، بالنظر إلى حجم وتشابكات مصالحها فى الخليج.
وأخيرا، فإن العلاقات الخليجية – الإيرانية، بأبعادها المتعددة والمتشعبة، والتى تتناقض فيها العلاقة بين متغيرات اقتصادية وأخرى سياسية، لابد أن تكون حافزا يدفع دول الخليج إلى توخى الحذر فى التعاطى مع الجارة الإيرانية التى لها نوايا حقيقية معلنة وأخرى خفية، تتعلق برغبة جامحة فى ممارسة دور إقليمى، عبر أجندة اقتصادية وسياسية تكون دول الخليج مسرحها الأول.