أ.د. أحمد محمد وهبان

ارسطو السياسي

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الشيباني 1-4

السياسي
ويرى أرسطو أن علم السياسة هو علم السعادة الجماعية كما أن علم الأخلاق هو علم السعادة الفردية، وأن وظيفة الدولة هي أن تقيم مجتمعاً يحقق أعظم سعادة لأكبر عدد “والدولة هي مجموعة من المواطنين ذات عدد كاف لتحقيق جميع أغراض الحياة، وهي نتاج طبيعي، لأن “الإنسان بطبيعته حيوان سياسي”، أي أن غرائزه تؤدي به إلى الاجتماع مع غيره. “والدولة سابقة بطبيعتها على الأسرة، وعلى الفرد”: ذلك أن الإنسان كما نعرفه يولد في مجتمع منظم من قبل يشكله في صورته.

وبعد أن درس أرسطو مع طلابه 158 دستوراً يونانياً ، قسم هذا الدساتير ثلاثة أنواع مختلفة: ملكية، وأرستقراطية، وتمقراطية، أي حكم أصحاب السلطان، وأصحاب المولد الشريف، والنبهاء. وكل نوع من هذه الأنواع قد يكون صالحاً حسب زمانه ومكانه وظروفه. وتقول إحدى الجمل التي يجب على كل أمريكي أن يحفظها عن ظهر قلب “إن نوعاً من أنواع الحكم قد يكون أحسن من غيره من الأنواع ولكن ليس ثمة ما يمنع أن يكون نوع آخر خيراً منه في ظروف خاصة”. وكل حكم حسن إذا كانت السلطة الحاكمة تعمل لمصلحة الناس جميعاً لا لمصلحتها الخاصة، فإذا لم تفعل هذا فكل حكم سيء. ومن ثم كان لكل نوع من أنواع الحكم الصالح شبيه فاسد حين يكون حكماً لمصلحة الحاكمين لا لمصلحة المحكومين؛ ففي هذه الحال تنحط الملكية فتصير استبداداً، والأرستقراطية فتصبح ألجركية، والتمقراطية فتكون دمقراطية أي حكم العامة. فإذا كان الحاكم المفرد صالحاً وقديراً كانت الملكية خير أشكال الحكم، أما إذا كان أتقراطياً أنانياً كان حكمه استبداداً ظالماً، وهو شر أنواع الحكم. وقد تصلح الحكومة الأرستقراطية إلى حين ولكن الأشراف )الأرستقراط( الذين يتولون أمورها ينزعون إلى الاضمحلال والانحطاط. “ويندر أن نجد شخصاً نبيل الخُلق بين الأشراف بمولدهم بل إن معظمهم لا يصلحون لشيء على الإطلاق… فالأسر ذوات المواهب العالية كثيراً ما تنحط فيكون أبناؤها من المجانين، ومن أمثلة ذلك أبناء ألقبيادس ودنيسوس الأكبر، أما المتوسطون منهم فكثيراً ما يكونون حمقى أو أغنياء كأبناء سيمون، وبركليز، وسقراط”. وإذا ما انحطت الأرستقراطية حلت محلها في العادة حكومة ألجركية من أصحاب المال أي حكومة ذوي الثراء. وهذه خير من طغيان الملك أو طغيان الغوغاء، ولكنها تضع السلطة في أيدي رجال لا تتسع نفوسهم لأكبر من ذلك العمل الصغير وهو حساب تجارتهم، أو ذلك العمل الإجرامي الدنيء وهو أكل الربا، وقد ينتهي أمرهم إلى استغلال الفقراء بلا وازع من ضمير.

والدمقراطية- وهو يعني بها حكومة العامة من المواطنين demos لا تقل خطورة عن الألجركية لأنها تعتمد على انتصار الفقراء القصير على الأغنياء في كفاحهما من أجل السلطة؛ ونتيجتها هي الفوضى المؤدية إلى القضاء عليهما معاً. وخير ما تكون الديمقراطية حين يسيطر عليها الملاك الزراعيون، وأسوأ ما تكون حين يسيطر عليها رعاع المدن من الصناع والتجار. نعم إن “حكم الكثرة يكون في كثير من الحالات خيراً من حكم الفرد، لأنها لكثرة أفرادها أبعد عن الفساد والرشوة بعد الماء الكثير من التلوث”. ولكن الحكم يتطلب كفاية خاصة ودراية خاصة و “ليس في مقدور من يعيش عيشة الصانع البسيط أو الخادم الأجير أن يحصل على التفوق المطلوب”، )أي على الخلق الطيب والتدريب، وصحة الحكم على الأمور(. وقد خلق الناس كلهم غير متساوين. نعم إن “العدل في المساواة؛ ولكن هذا لا يكون إلا بين الأكفاء”. ولا يقل استعداد الطبقات العليا لإثارة الفتن إذا فرضت عليهم مساواة غير طبيعة عن استعداد الطبقات الدنيا للتمرد إذ بلغ عدم المساواة درجة من التطرف غير طبيعية . وإذا ما سيطرت الطبقات الدنيا على الدمقراطية فرضت الضرائب على الأغنياء لتوفر المال للفقراء؛ “فإذا أخذه الفقراء شرعوا يستزيدون منه، وما أشبه هذه الحال بصب الماء في المنخل”. ومع هذا فإن الرجل المحافظ الحكيم لن يترك الناس يموتون جوعاً، “يجب على الوطني الحق في الحكومة الديمقراطية أن يحذر من أن تكون أغلبية الشعب في فقر مدقع…، وعليه أن يبذل جهده في أن يوفر لها الخير على الدوام؛ وإذا كان الأغنياء يستفيدون أيضاً من هذا، فإن من الواجب أن يقسم ما يمكن ادخاره من الأموال العامة بين الفقراء بحيث يكفي نصيب كل منهم لأن يبتاع به حقلاً”(218).

وهكذا يرد أرسطو للأغنياء ما كان يعدل ما أخذه منهم، وبعد أن يفعل هذا يعرض توصيات متواضعة لا يقصد بها أن يقيم مدينة فاضلة، بل يهدف إلى إقامة مجتمع خير من المجتمع القائم في زمانه إلى حد ما. ثم ينتقل بعد هذا للبحث عن أصلح نوع من أنواع الحكم وأحسن أسلوب من أساليب الحياة يوائم المجتمعات بوجه عام.

ولسنا نريد أن يكون هذا الحكم وذلك الأسلوب مما يتفق مع تلك الفضيلة السامية البعيدة عن متناول العامة، أو مع تلك التربية التي لا ينالها إلا من هيأت له الطبيعة والحظ جميع الفرص الطيبة، أو مع تلك الخطط الخالية التي يضعها الناس في أوقات لهوهم ومرحهم؛ بل نريد أن يتفقا مع أسلوب الحياة الذي تستطيع كثرة الجنس البشري أن تصل إليه، ومع نظام الحكم الذي تستطيع معظم المدن أن تقيمه… ومن أراد أن يقيم حكومة على أساس شيوعية السلع فليرجع إلى تجارب كثير من السنين؛ فإذا فعل فسيتضح له هل هذا نظام نافع أو غير نافع؛ ذلك أن الأشياء كلها تقريباً قد عُرفت ولم يبق مجهولاً إلا القليل… إن الشيء الذي يشترك فيه كثيرون لا يعني به إلا أقل عناية؛ ذلك بأن الناس يوجهون من العناية إلى ما يملكونه لأنفسهم أكثر مما يوجهون إلى ما يشاركهم فيه غيرهم… ولابد لنا أن نبدأ بحثنا بافتراض مبدأ عام وهو أن ذلك الجزء من الدولة الذي يرغب في بقاء الدستور الجديد يجب أن يكون أقوى من ذلك الجزء الذي لا يرغب في بقائه… ويتضح من هذا أن أحسن الدول نظاماً هي التي تكون الطبقات الوسطى فيها أكبر عدداً وأعظم قوة من الأغنياء أو الفقراء… وفي جميع الحالات التي قل فيها عدد أفراد الطبقة الوسطى عن الحد الواجب تغلبت عليها الطبقة التي تفوقها في العدد، سواء أكانت طبقة الأغنياء أم طبقة الفقراء، وتولت بنفسها تصريف الشؤون العامة…، وإذا ما سيطر الأغنياء على الفقراء، أو الفقراء على الأغنياء؛ لم تستطع هذه الطبقة أو تلك أن تقيم دولة حرة(223).

ويقترح أرسطو وضع “دستور مختلط” أو إقامة حكم “تمقراطي”، وهو خليط من الأرستقراطية والدمقراطية، ليمنع به هذه الدكتاتوريات المقيدة للحرية سواء أكانت دكتاتورية الأغنياء أم الفقراء. وهو يريد أن يكون حق الانتخاب في هذا النظام مقصوراً على ملاك الأراضي، وأن تكون فيه طبقة وسطى قوية هي مصدر السلطة وقطب دائرتها، “ويجب أن تقسم الأرض قسمين، أحدهما يملكه المجتمع بوجه عام، والآخر يملكه الأفراد متفرقين”. ولا بد أن يكون كل مواطن من الملاك، ويجب “أن يطعموا على الموائد العامة جماعات”، وهؤلاء وحدهم هم الذين يقترعون أو يحملون السلاح. وسيكون هؤلاء أقلية صغيرة من السكان، لا تزيد علة عشرة آلاف. “ويجب ألا يسمح لواحد منهم أن يشتغل بمهنة آلية أو يكسب عيشه من طريق التجارة، لأن هاتين المهنتين غير شريفتين، وتقضيان على التفوق”. كذلك يجب أل يفلحوا الأرض؛… بل ينبغي “أن يكون الفلاحون طبقة من الشعب قائمة بنفسها”- ولعله يريد أن تكون من الأرقاء. ويختار المواطنون الموظفين العموميين ويحاسبون كلا منهم على أعماله في نهاية المدة التي يتولى فيها منصبه. ويجب أن تحدد القوانين الموضوعة وفقاً لنظام قويم ما يصدر من الأحكام في جميع القضايا بقدر المستطاع بحيث لا يترك إلا أقل عدد مستطاع منها لتصرف القضاة… ” ذلك أن ” حكم القانون خير من حكم الفرد…، وأن من يعهد بالسلطة العليا لإنسان أياً كان إنما يعهد بها إلى وحش من الوحوش، لأن شهواته تجعله في بعض الأحيان وحشاً. وللعواطف أثر كبير فيمن يتولون السلطة، ولو كانوا هم خير من يتولاها، أما القانون فهو العقل مجرداً عن الشهوة. والدولة المقامة على هذا النظام تتولى تنظيم الملكية، والصناعة، والزواج، والأسرة، والتعليم، والأخلاق، والموسيقى، والأدب، والفن. “وأحق من هذا كله بالعناية ألا يتجاوز عدد الناس حداً معيناً… لأن إهمال هذا الواجب يؤدي إلى افتقار المواطنين؛ ويجب ألا يُسمح بتربية أبناء مشوهين عاجزين”، ومن هذه الأسس تتفتح أزهار الحضارة والطمأنينة. “وإذ كان الذكاء أعظم الفضائل، فإن أهم ما يجب على الدولة ليس هو إعداد المواطنين للتفوق الحربي، بل هو تعليمهم كيف يستفيدون من السلم الاستفادة الصحيحة”.

وبعد فليس من الضروري أن ننصب أنفسنا حكاماً على أعمال أرطوطاليس. وحسبنا أن نقول إنا نعرف أحداً من الناس قبله قد شاد مثل هذا الصرح الرائع من التفكير. وحين يمتد نشاط الإنسان الذهبي إلى ميادين واسعة، فإن من حقه علينا أن نعفو عن كثير من زلاته، إذا ما وسعت نتائج بحوثه إدراكنا للحياة. وإن أخطاء أرسطو- أو أخطاء المجلدات التي نعدها بالحق أو الباطل ثمار قلمه- لتبلغ من الوضوح حداً لا نحتاج معه إلى إيرادها مفصلة. فهو رجل منطق، ولكن هذا لا يمنعه أن يقع في كثير من الأغلاط المنطقية؛ وهو يضع قواعد البلاغة والشعر، ولكن كتبه أيكة مشتبكة الأغصان من سوء النظام، أوراقها المتربة نفثةٌ من ريح الخيال. بيد أننا إذا ما توغلنا في هذه الأيكة، التقينا فيها بكنز من الحكمة والنشاط العقلي الذي شق طرقاً كثيرة في ميدان العقل.

وليس في وسعنا أن نقول إنه قد علم الأحياء، أو تاريخ النظم الدستورية، أو النقد الأدبي- إذ ليس في العالم قط بدايات- ولكن هذه الموضوعات كلها قد أفادت منه أكثر مما أفادته من أي رجل نعرفه من الأقدمين. والعلوم الطبيعية والفلسفة مدينة له بالعدد الجم من المصطلحات التي يسرت في صورتها اللاتينية تبادل الأفكار… منها: المبدأ، والنهاية، والموهبة، والوسط، والصنف، والطاقة، والباعث، والعادة، والغاية، principle, maxim, faculty, means, catxegory, energy, motive, habit, end. ولقد كان كما سماه بيتر Pater “أول المدرسيين(230)”

وكانت سيطرته الطويلة على الأساليب والبحوث والفلسفة مما يوحي بخصب تفكيره، ونفاذ بصيرته. وإن كتابيه في الأخلاق والسياسة ليفوقان أمثالهما كلها في الشهرة وعميق التأثير حتى أيامنا هذه، وإذا ما أنقصنا من تقديرنا له كل ما فيه من عيوب، فإنه يبقى بعدها “سيد العارفين”. وذلك دليل مشجع على ما يمتاز به العقل البشري من مدى واسع مرن، وهو إلهام مطمئن إلى الذين يكدحون في سبيل جمع معلومات الناس المتفرقة وتنسيقها وفهمها.

Leave a Comment