أ.د. أحمد محمد وهبان

افلاطون

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن الزبن

ولد في أثينا (426 ـ427) قبل الميلاد.ينتسب بالولادة إلى عائلة ملكية في Crodos.أما أهم أعماله فهي:نظرية المعرفة”، “نظرية الطبيعة”،” الأخلاق”،” السياسة”،”التأملات حول الدين والفن”.منذ شبابه أعلن أفلاطون رغبته بالتوجه للشؤون العامة. وقد شكل أخذ السلطة من قبل “الثلاثين” بعد وقت قصير من غزو أثينا من قبل ” ليساندر” في عام 403 قبل الميلاد أرضا خصبة لتفتح و تحقيق هذا الطموح، حيث نستطيع ومن بين الأسياد الجدد في السلطة أن نعد عضوين من عائلته :” كريتياس” و “شارميد”. بعد سقوط سلطة “الثلاثين” الدكتاتورية شعر أفلاطون من جديد أنه منجذب نحو الحياة العامة ولكن بحيوية أقل. هذه اللامبالاة أو الفتور يمكن فهمه من خلال أن وبعد أربع سنوات من قيام النظام الديمقراطي الذي حكم على سقراط بالموت في تلك المحاكمة الشهيرة.
حدد أفلاطون موت سقراط بمعنيين” : سقراط انحنى أمام القرار الذي أدانه بالموت، لقد رفض الهرب عندما جاءته الفرصة وذلك بسبب طاعته وواجب احترامه لقوانين المدينة. من هنا إنه يظهر للجميع أن الفيلسوف هو مواطن صالح بامتياز، وأن وفاءه تجاه المدينة يصل إلى حد التضحية بحياته مقابل قرار ظالم. ولكن من خلال موقفه إنه يقول شيئا آخرا: ” إنه يجسد عظمة الحياة الفلسفية، إنه يشهد بالرقي و السمو الأخلاقي”. إن عظمة الموت عند سقراط أعطت للإنسان هيبته التي بقيت واستمرت عبر العصور. لقد علمنا سقراط أن السياسة فن مُضاء بالفلسفة، منظم و مرتب باتجاه غايات و نهايات عقلية أو أخلاقية، يقاد بواسطة فضيلة التعقل و الحكمة. و يعلمنا أيضا أن الخير في السياسة يعتمد أولا على ناس خيّّرين و أنه لا يوجد أي نظام يمكن أن يسمح بتجاوز الفضيلة بالنسبة للقائمين عليه”.

رأى أفلاطون أن هذه الحدث غير مشجع و أنه من غير الممكن إيجاد صديق أو أحد يمكن الارتباط به من أجل الحكم، لذلك فضل الانسحاب من ممارسة السياسة حتى يكرس وقته لاختبار الوسائل التي يمكن من خلالها الوصل في يوم ما إلى حياة أفضل. وكتب أفلاطون قائلا:” في النهاية،وفيما يتعلق بموضوع جميع الدول التي وجدت و عرفتها حتى اللحظة،أقول أن جميعها ومن غير استثناء لديها أنظمة سيئة، لأن كل شيء يتعلق بالقوانين يسير فيها وكأنه مصاب بالعضال”.

لكن التجارب السياسية السيئة لأفلاطون لا تنتهي هنا،لقد ذهب إلى صقلية،يحزوه الأمل بلعب دور المستشار السياسي عند “دونيس” Denys.ووفق أفلاطون الذي يخالف آراء المؤرخين، أدب و أخلاق طاغية “سيراكوز” Syracuse ومعه حاشيته لم تتلاءم نهائيا مع الوجود الفلسفي، وفهم بسرعة أن محاولاته لإصلاح الدولة أنها أصيبت بالفشل. إذا الحاكم “دونيس” لم يكن معجبا بالفلسفة وانتهى إلى إبعاد أفلاطون. هذه التجربة قادته لوضع أفكاره في نظرية أكثر مما قادته لوضعها في التنفيذ، وهذا عمليا أصل و مصدر كتاب “الجمهورية” الذي يعرض فيه نظامه للمدينة الكاملة.

ـ “الجمهورية” : المدينة الكاملة المؤسسة على العدالة.
كتاب الجمهورية يفتتح حول حوار،سيصل إلى مأزق، وفيه سقراط و “ثراثيماك” Thrasymaque يتواجهان حول مفهوم العدالة. وبسبب الفشل أو الوصول إلى مأزق،سقراط يقترح تغيير الطريق أو المنهج، بمعنى عدم البحث على مستوى الفرد بل على مستوى المدينة، وهذه المدينة من المفترض أن تعيد إنتاج وتوزيع العدالة الفردية على أكبر درجة أو مقياس ممكن. هذه الخطوة تعود لمصادرة هوية العدالة داخل الفرد وأيضا داخل المدينة.

اختبار تكوين المدينة قدم لأفلاطون الحلقة الأولى في منطقه.وهي الاستحالة التي بداخلها البشر يوجدون مكتفين ببعضهم وهذا ما يعطي ولادة للمدينة. استعداد وكفاءة كل واحد فيها مختلف عن الآخر،فالمنطق هنا يتكون من الاعتراف :” بأن تنفيذ المهام المختلفة يتطلب الناس المختلفين”. أما الحاجات يجب أن تكون محدودة وفق الأشياء الجوهرية، وتطور المدينة الناتج عن هذا التنظيم للمهام و الحاجات يؤدي لظهور مهنة جديدة هي الجيش، وهو ضروري لحماية المدينة من الفقراء الطامعين من مدن أخرى. وبسبب عدم كفاءة الجميع وقدرتهم على ممارسة جميع المهن، فإن هذا يفرض إعطاء مهمة الدفاع لأكثر الناس قدرة على الحرب. ونفس المبدأ يجب أن يوجه المشاركة في المسؤوليات السياسية. كذلك تطور المدينة يحدث تقسيما ثلاثيا لأعضائها: “طبقة” من الحراس تمتلك العلم المتعلق بالحكومات،”طبقة” من المحاربين لا تفتقد الشجاعة، وأخيرا “طبقة” من المنتجين،المزارعين و المهنيين. وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى كفاءات متميزة أو خاصة. بعد تنظيم المدينة بهذه الطريقة فإنها ستتوافق مع ” الحكمة”، لأنه على رأسها يتواجد هؤلاء الذين ندعوهم من الآن فصاعدا” بالتقنيين” المتخصصين بالسلطة.

العدالة في المدينة تظهر كنتيجة لهذا التخصص الموزع على ثلاث طبقات. اختفاء إحداها أو الاختلاط فيما بينها يؤدي للخلل في التوازن أو التراتب. هذه التراتبية للطبقات والتي ترتكز عليها المدينة، يقارنها أفلاطون بأنواع المعادن الأقل و الأكثر قيمة: الذهب ( الحراس الفلاسفة و المتخصصون بالسياسة)،الفضة (المحاربين وهي مساعدة للأولى) والحديد (المزارعين والمهنيين). ضمن هذا الوضع في المدينة، العدالة ستتواجد دائما وفق جانبين : الأول،وهو أن الفرد كعضو في المدينة سيتصرف ضمن معنى العدالة وسيكون دليلا على الفضيلة المرتبطة أساسا بطبيعته.الثاني،من الناحية الفردية، كل واحد، وحتى يكون عادلا، عليه السلوك محافظا على ثلاث مهارات أو كفاءات للروح التي يمتلكها (العقل،الشجاعة،الرغبة). فالمواطن يعيش وفق الفضيلة الخاصة “بالطبقة” التي يتبع لها،والفرد يسعى و يجهد لتناغم هذه المهارات المتعلقة بروحه

Leave a Comment