الأحـلآف والتكتـلآت الدوليــــة ..<<
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الروقـي 1
بسم الله الرحمن الرحيم
تعريف التحالف:
تقول المقولة القديمة أنه إذا كان هناك شخص واحد بالعالم عُرِفَ السلام، وعندما يكون شخصان عُرِفَ الصراع، وعندما يكون ثلاثة عُرِفَ التحالف.
ومن هنا نجد أن التحالف هو ظاهرة قديمة قدم العصور التاريخية. والتحالف هو ظاهرة حتمية تقتضيها طبيعة البيئة الدولية القائمة على تعدُّد القوى وتعدد السياسات( ).
فما المقصود بالحلف؟ ما معنى سياسة التحالف؟ ما هي دوافع التحالف؟ ما هي أنواع التحالف؟
الحلف يُعرِّفه الدكتور” محمد بدوي” على أنه “اتفاق بين دولتين أو أكثر على تدابير معينة ولحماية أعضائه من قوةٍ أخرى، وتبدو هذه القوة مهدِدة لأمن كل من هؤلاء الأعضاء”( ).
تعريف(Osgood) : “اتفاق رسمي تتعهد بموجبه مجموعة من الدول بأن تتعاون فيما بينها في مجال الاستخدام المشترك لقدراتها العسكرية ضد دول أو دولة معينة، كما تلتزم بمقتضاه الدول الموقعة باستخدام القوة أو التشاور باستخدامها في ظل ظروف معينة”( ).
أيضاً هو مصطلح شائع أطلق على التحالف العسكري- السياسي بين فرنسا وبريطانيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة لاحقة في الحرب العالمية الأولى في وجه ألمانيا والنمسا، والذي تكرر في الحرب العالمية الثانية في وجه دول المحور بقيادة ألمانيا ومشاركة اليابان.
ففي الحرب العالمية الأولى كان الدافع لمجابهة ألمانيا ناتجاً عن معارضة الحلفاء لظهور ألمانيا كقوة أوروبية توسعية منافسة للامبرياليات المعنية( ).
وهو عمل تحالفي بين دول، أو أحزاب أو أشخاص سياسيين يتعاقدون فيما بينهم على تنفيذ التزام معين ينفقون عليه لتحقيق أهداف محددة ومتفق عليها.
وغالباً ما يقتصر استعمال القانون الدولي لكلمة حلف ” All Iance ” للدلالة على اتفاق يجمع عدة دول تحقيقاً لمصلحة مشتركة، وللأحلاف في أغلب الأحيان هدف محدد. فقد تكون أحلافاً دفاعية أو هجومية أو دفاعية وهجومية في آن واحد. ومن الميزات الأساسية لمعاهدات الأحلاف أن تنص هذه المعاهدات على الشروط والظروف التي يجري بموجبها تطبيق اتفاق الحلف، وهذا ما يسمى في المصادر اللاتينية لعلم القانون الدولي Casus Foederis ويقضي العرف المتبع بأن يُصار الإعلان عن الحرب ضد دولة أو دول عدوة بشكل إفرادي وليس كمجموعة دول متحالفة( ).
تعريف David- Edwards “التزام مشروط ذو طابع سياسي أو عسكري بين مجموعة من الدول باتخاذ التدابير التعاونية في مواجهة دولة أو مجموعة دول”( ).
من خلال هذه التعاريف السابقة وغيرها نجد أن معنى التحالف هو مُنصَب على التحالف العسكري واستخدام القوة، وإن هناك عدو مشترك يربط بين هذه الدول المتحالفة، وتخشى منه، لذلك تلجأ إلى التحالفات.
تعريف الكتلة:
“هي عصبة ايديولوجية عسكرية دائمة” تعمل في أوقات السلم والحرب على السواء، وتتزعمها دولة قطبية عملاقة”( ).
ومن خلال هذا التعريف ومقارنته بتعريفات الحلف يمكننا أن نجد عدة فروق بين الحلف والكتلة، وهي:
الكتلة: تكون اختصاصات الكتلة أعم وأشمل حيث تشمل الإشراف على السياسات الداخلية للأعضاء، وأن معاهداتها غير قابلة للنقض فضلاً عما يتصف به بُنيانها التنظيمي من حيث التدرج الهرمي تعلو قمته قوة مهيمنة.
الحلف: يغلب عليه الطابع الرضائي وتكون معاهداته قابلة للنقض ويقوم أساساً حول تنظيم الدفاع الجماعي فضلاً عن التنسيق بين التوجيهات السياسية ويميل إلى إيجاد تكافؤ بين الأعضاء. إذن الكتلة عُصبة عسكرية أيديولوجية متجانسة مذهبياً ولا يشترط هذا التجانس في الحلف.
والكتلة تمثل حلفاً عسكرياً يعمل تحت زعامة دولة قوية يأتمر بأمرها، أما الحلف فهو يميل إلى إيجاد تكافؤ بين الأعضاء وأن الكتلة تُمثل حلفاً عسكرياً دائماً، أما الحلف فيكون مؤقت.
سياسة التحالف:
تقوم السياسات الخارجية للدول على واحدة من السياسات التالية وهي: عدم الانحياز والحياد والعزلة والتحالف التي هي محور حديثنا الآن، فما معنى سياسة التحالف وما المقصود بها.
إن سياسة التحالف تعني تجمع دولتين أو أكثر في حلف واحد لمواجهة قوة أخرى، وذلك تحقيقاً للتوازن فيما بينهما.
فسياسة التحالف تعني الاعتماد على الأحلاف كأداة من أدوات السياسة بهدف حماية الأمن القومي لهذه الدول والدفاع عن مصالحها الوطنية.
إن الدول العالمية تلجأ إلى سياسة التحالف استجابة إلى بعض المقتضيات أو الضرورات، فسياسة التحالف لا تنشأ بسبب دوافع صلاته، بل تنشأ لوجود عدة دوافع تُساهم في قيام هذه التحالفات.
ومن هنا يمكننا أن نخلُص إلى مدى أهمية سياسة التحالف على اعتبار أنها خيار سياسي مهم خصوصاً بعد فشل عصبة الأمم المتحدة ومن بعدها هيئة الأمم المتحدة في تحقيق السلام العالمي والأمن المنشودان من جراء قيام هذه المنظمات الدولية.
إلا أنه يجب مراعاة نقطة مهمة في سياسة التحالف أن لا تلجأ الدول إلى البحث عن أي حليف بأي من لأن هذا الأمر قد يعرضها إلى الابتزاز السياسي والاقتصادي، فكما قال ميكيافيلي: أن الدول التي تعرض صداقتها على الآخرين تعمل على خفض قيمة الصداقة( ).
دوافع التحالف ومبرراته:
هناك دوافع كثيرة تدفع دول العالم إلى إبرام محالفات دولية فيما بينها ومن أهم هذه الدوافع ما يلي:
أولاً: ردع الأعداء:
يُعتبر هذا الدافع والمبرر من أهم دوافع التحالفات ونشوءها، لذلك فإن الخوف من التعرض للعدوان والسعي إلى درء هذا الخطر، هو المبرر الرئيسي وراء انتهاج الدولة لسياسة التحالف.
فيما أنه لا عدو لا تحالف.
فطالما ظلت العلاقات الدولية قائمة على التعدد بين دول ذات سيادة ستبقى سياسة التحالف موجودة بسبب وجود العداوات فالخطوط الأولى من إفشاء التحالف هي تحديد العدو على نحو دقيق، إلا أنه هناك معاهدات ومحالفات لا تَقُم الإشارة بها إلى تحديد العدو وبصورة صريحة.
أما فيما يتعلق بهدف ردع العدوان، فدور الحلف ونجاحه يكمن في زيادة مستوى ومصداقية الردع من خلال حساب المخاطر والمكسب والخسارة.
فالردع يقوم على مبدأين هامين هما توفر (القوة) و (الرغبة) في استخدامها فعلاً.
ثانياً: السعي إلى زيادة القوة:
تلجأ الدول عندما تسعى إلى زيادة قوتها إلى سياسة التحالف كبديل لسياسة التسلح التي تستنزف موارد اقتصادية هائلة، ناهيك عن حاجة التسلح إلى فترة زمنية طويلة.
لذلك فإن سياسة التحالف هي أنجح في زيادة القوة من التحالف على اعتبار أنها تحقق نفس النتائج وبتكلفة أقل. ويرى بعض العلماء أن زيادة القوة تمثل الهدف الرئيسي لأي حلف وأن بقية الأهداف هي أهداف ثانوية. وهذا ما حققته الدول الأوروبية الغربية عندما تحالف مع أمريكا لكي تكفل الحماية من أي هجوم نووي روسي، وهذا ما أُطلق عليه اسم المظلة النووية الأمريكية( ).
أنواع الأحلاف الدولية:
تُعقد التصنيفات الخاصة بالأحلاف الدولية وذلك بتعدد المعايير المستخدمة في هذه التصنيفات، ومن أهم هذه التصنيفات ما يلي:
أولاً: من حيث قانونية التحالف:
أ- أحلاف رسمية: وهي تستند إلى معاهدات يتحمل الحلفاء بمقتضاها التزامات قانونية صريحة بما يتعلق بموضوع التعاون.
ب- أحلاف غير رسمية: والمقصود بها تلك التحالفات التي لا تتطلب تعهد رسمي يقوم على وجود تنسيق بين عمليات صنع القرار.
وتلجأ الدول الكبرى إلى المعاهدات غير الرسمية تجنباً لاندفاع الدول الصغرى إلى الرحب بالاعتماد عليها، أما الدول الصغرى تفضل الحصول على المعاهدات والمحالفات الرسمية( ).
ثانياً: من حيث عدد الأعضاء:
أ- أحلاف ثنائية: ويُقصد بها الأحلاف التي تقوم بين دولتين فقط. والدول التي تميل إلى الأحلاف الثنائية هي الدول ذات النظام الدكتاتوري التسلطي.
ب- الأحلاف الجماعية: وهي أحلاف يزيد عدد أعضائها عن دولتين وهي دول ذات طابع ديمقراطي( ).
ثالثاً: من حيث الهدف من التحالف:
أ- أحلاف دفاعية: وهي الأحلاف الغالبة على مر التاريخ وهي تنشأ بدافع الخوف من خطر مشترك يتهدد الدول المتحالفة دفاعاً عن الكيان الإقليمي للدول المتحالفة وحماية لأمنها القومي.
ب- أحلاف هجومية: وهي أحلاف تستهدف الهجوم على دولة معينة أو انتهاج سلوك عدائي موجه إلى دولة معينة، لذلك غالباً ما تكون هذه الأحلاف سرية.
رابعاً: من حيث الزمن:
أ- أحلاف مؤقتة: وهي أحلاف يكون لها مدة زمنية معينة تنقضي معها، طالت أم قصُرت.
ب- أحلاف دائمة: وهي محالفات لا يحدد لها أجل معين أو تاريخ محدد لانقضاءها( ).
حسب رأي الباحث حيث يرى أن هذا التفريق شكلي إذ لا علم لنا بنوايا صدق المتحالفين.
خامساً: من حيث العلانية:
أ- محالفات علنية: وهي تكون مُعلنة أمام العالم.
ب- محالفات سرية: وهي أحلاف تكون ذات طبيعة هجومية تتيح للدول الأعضاء الاستفادة من عنصر المفاجأة.
سادساً: من حيث البُعد الجغرافي:
أ- أحلاف بين الدول المتجاورة جغرافياً: وهي أحلاف تكون أقوى وأمتن من غيرها بسبب عنصر الجوار وعنصر وحدة الهدف.
ب- أحلاف بين دول متباعدة جغرافياً: إن البُعد عديم الأثر على الأحلاف لأنه ما يربط بين هذه الدول هو وحدة الهدف بغض النظر عن أية عوامل أخرى( ).
سلبيات الأحلاف:
تُعد الأحلاف من أبرز مسببات عدم الاستقرار الدولي إذ أنها تزيد من شعور الدولة بالخطر وعدم الأمن كما أنها تؤدي إلى زيادة حدة التوتر الدولي فضلاً عن أنها تُساهم في نقل الصراع أوقات الحرب إلى مناطق أخرى في العالم، وخير شاهد على ذلك أن ما حدث أثناء أزمة البلقان من التحالفات بين ألمانيا والدولة العثمانية وإيطاليا، والدول الحليفة لها من جهة، وبين دول الحلفاء من أثر في وقوع الحرب العالمية الأولى.
إيجابياتها:
إن الأحلاف تساعد في الحد من طموح بعض الدول العظمى في التوسع على حساب الدول المجاورة لها.
اعتبارات توازن القوى:
يمكن النظر إلى الأحلاف على اعتبار أنها إحدى أدوات أساليب تحقيق التوازن، وتمثل اعتبارات توازن القوى أكثر التفسيرات شيوعاً فيما يتعلق بنشأة وانهيار التحالفات. وتجدر الإشارة إلى أن اعتبارات توازن القوى الدولية قد تطغى على اعتبارات السياسة الوطنية، وقد يكون الهدف من قيام بعض التحالفات هو رسم وتحديد مناطق النفوذ التابعة لكل قطب من أقطاب العالم إبقاءً على توازن القوى فيما بينها( ).
الهيمنة والسيطرة على المتحالفين:
قد يكون من الوظائف الداخلية للحلف تقييد السلوك الدولي لبعض الدول الحليفة، أو بسط الهيمنة عليها من جانب الدولة زعيمة الحلف.
وتعتمد الدول القطبية في بسط هيمنتها على ما تتمتع به من نفوذ وتأثير لدى الحلفاء بحكم ما توفره لهم من ضمانات دفاعية. ويرى البعض أن الهيمنة والسيطرة تحتل المرتبة الأولى من أهداف نشوء الحلف ومجمل القول أنه كلما تزايدت حدة عدم التكافؤ بين قوى الدول الأعضاء، كلما كان ذلك دافعاً إلى زيادة الهيمنة والسيطرة على بقية أعضاء التحالف( ).
الهيبة والمكانة الدولية:
قد توجِدْ بعض الدول في تعدد العلاقات التحالفية التي تربطها بالعديد من الدول الأخرى بعيداً عن قوتها ومكانتها الدولية.
ويعتبر عدد كبير من الباحثين أن كبر عدد حلفاء الدولة مؤشراً على قوتها، وذلك بحكم كونها المستشار الذي يرجع إليه هؤلاء الحلفاء لأخذ مشورته، وكذلك أنها الملاذ الذي يلجأون إليه طلباً للأمن والحماية.
ولا نكون مغالين لو قلنا أن معظم المعاهدات والتحالفات التي أبرمها الروس والأمريكان إبان الحرب الباردة هي من قبيل الهيبة والمكانة الدولية، وكذلك إصرار أمريكا الآن على إبقاء حلف شمال الأطلسي هو من هذا القبيل.