الإمبراطورية الأمريكية (المفكر محمد حسنين هيكل)
كاتب الموضوع الأصلي: خالد الراشد .. 1
الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق
الملخص:
يعتبر الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل من أبرز الباحثين بأسلوبه الشيق وفي توثيقه للأحداث بشكل دقيق وواضح، وهو الذي عرفناه منذ ستينات القرن العشرين بمقالاته الأسبوعية التوثيقية الشهيرة في جريدة الأهرام المصرية وإذاعة صوت العرب. وصدرت له من الكتب والمؤلفات ما غطى تاريخ العرب السياسي المعاصر بأحداثه الجسام وتحولاته وحروبه وانقلاباته وتقلباته.
واليوم يطل علينا محمد حسنين هيكل بكتاب جديد له أهميته في توضيح السياسة (الإمبراطورية الأمريكية) المستقبلية في القرن الواحد والعشرين وعلاقتها بغزو العراق واحتلاله. وقد أثرنا أن نقدم من هذا الكتاب القيم ماله علاقة بأسرار سياسة البيت الأبيض في التخطيط والتنفيذ لغزو العراق واحتلاله والدور الذي لعبه وزير الدفاع دونالد رامسفيلد في دفع الإدارة الأمريكية والحزب الجمهوري لاحتلال العراق.
يخصص محمد حسنين هيكل في كتابه حجماً كبيراً لتوضيح الأبعاد التاريخية والمستقبلية للإمبراطورية الأمريكية في خطط ساسة البيت الأبيض، ويركز على مفهوم (الحرب) في أذهان الرؤساء الأمريكان فيقول أن كل رئيس أمريكي يعرف إن مكانته بين ساسة بلاده وفي تاريخها الطويل لا تكتمل إلا بأن تكون له (حربه الخاصة) ليثبت فيها رجولته. ولذلك يقول جورج بوش الأب: ” أن الحرب هي الوسيلة التي تكتشف بها الأمم موارد قوتها الداخلية قبل قوتها الخارجية ” … ويعزز هذا القول نظرية الدكتور هارلان اولمان، وهو أحد المستشارين المسموعين في البيت الأبيض، وأستاذ العلوم السياسية في كلية الدفاع الوطني الأمريكية، والذي شرحها بمنهج كامل لكبار القادة السياسيين والعسكريين الأمريكيين في دورات في هذه الكلية، وتنعكس هذه النظرية بشكل واضح في مذكرة (الصدمة والرعب) ” آن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تستعمل أقوى شحنة من القوة المكثفة والمركزة والكاسحة، بحيث تنهار أعصاب أي عدو يقف أمامها، وتخور عزيمته قبل أن تنقض عليه الصواعق من أول ثانية في الحرب إلى آخر ثانية منها ويتم تقطيع أوصاله وتكسير عظامه و تمزيق لحمه دون فرصة يستوعب فيها ما يجري له “. ويضيف اولمان في مقابلة تلفزيونية مع قناة CBSالأمريكية أن استعمال أقصى درجات العنف من أول لحظة كفيل بتوليد أحساس بالعجز لدى العدو.
ثم ينتقل محمد حسنين هيكل في بداية كتابه إلى وصف شخصية الرئيس الأمريكي بوش الابن فيقول أن أحداً في عائلته لم يكن يعتقد أنه يصلح مرشحاً للرئاسة بما فيهم والدته (برباره بوش). وقد اعترف بوش الابن نفسه بالقول أنه كان شاباً لاهياً، عابثاً كسولاً، عازفاً عن العلم حتى تجاوز سن الخامسة والثلاثين وقد حصل بالكاد على شهادته الجامعية… وكان شديد الإدمان على شرب الخمر ليلاً ونهاراً مما كان يضايق زوجته لورا ويسبب لها حرجاً شديداً داخل بيت الزوجية وخارجه، فلم يكن يمر أسبوع إلا ودورية بوليس تستوقفه وتسحب رخصة قيادته لأنه يقود سيارته مسرعاً مخموراً, ((ووصل الحال ببعض النوادي في تكساس إلى حد منعه من دخولها لأنه في كل مرة يدخلها يثير (خناقة) لا داعي لها))…وفجأة وبعد ليلة خمر ثقيلة أصبح الصباح ليتحول بوش إلى متعصب ديني لكنيسة، بحيث أن زوجته لم تصدق في بادئ الأمر تحوله هذا.
ينتقل محمد حسنين هيكل بعد ذلك إلى مرحلة انتخاب جورج بوش الابن رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية والذي يصفه بـ (الإمبراطورـ القيصر) فيقول انه لم يكن مقنعاً في أساس شرعيته، وشعر العالم أن الولايات المتحدة الأمريكية قد سلمت مقاليد السلطة فيها لرجل لا يستحق، وفي أحسن الظروف لا يعرف أن وصوله إلى السلطة هو مشروع له أصحاب لديهم جدول أعمال جاهز يريدون طرحه. وفي مقدمتهم ديك شيني ودونالد رامسفيلد وكولن باول وهذا المشروع متفق عليه سلفاً ويمكن تلخيصه بالنقاط الثلاث الآتية:ـ
إمبراطورية أمريكية لا تقبل شراكة أو منافسة أحد.
سيطرة كاملة على موارد البترول و(مواقعه) والإشراف على إدارته والتحكم في توزيع حصصه.
حملة عالمية ضد الإرهاب تواجه خطراً يعلن عن نفسه وفي الوقت ذاته توفر غطاءاً أخلاقيا للإمبراطورية الأمريكية.
إن الاتفاق على المشروع الإمبراطوري لم يمنع الخلافات والمشاكل في ترتيب الأولويات لدى إدارة بوش الابن عندما كانوا يجلسون على مائدة مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض أواخر كانون الثاني وأوائل شباط 2001م. فقد توزعت وانقسمت الآراء والمناقشات وفقاً للاتجاهات التالية:
§ كان وزير الخارجية كولن باول يرى أن بند مكافحة الإرهاب هو الذي يصح أن يتصدر قائمة الأولويات لأنه هو القادر قبل غيره على اجتذاب أوروبا واسيا والصين… ومن خلاله تكسب الولايات المتحدة أوروبا وتصل إلى تسويه للصراع العربي الإسرائيلي.
§ بينما رأى نائب الرئيس ديك شيني إن الرئيس الجديد لا يصح أن يقتفي خطوات سلفه السابق (كلينتون) ويهد روقته في مشكلة الشرق الأوسط دبلوماسيا. وإنما يدخل إليها من خلال قضية مقاومة الإرهاب وليس عن طريق قضية فلسطين، لأن الأصدقاء العرب لا تهمهم فلسطين بقدر ما يهمهم (حماية نظمهم) وهم ينسبون إلى الإرهاب وحده أسباب قلقهم كله. وأن الولايات المتحدة تستطيع آن تنفذ من خلال هذا القلق إلى مواقع البترول مباشرة دون تضييع الوقت في الصراع العربي الإسرائيلي.
§ أما وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ومساعده وولفوتيز ومدير التخطيط الإستراتيجي في وزارته (ريتشارد بيرل) فقد طرحوا ولأول مرة موضوع (العراق) كوسيلة لتحقيق أهداف الإمبراطورية الأمريكية. وهي أن الوقت مناسب لتوجيه ضربة مباشرة للعراق كمدخل لسيطرة كاملة على البترول بدلاً من ضياع الوقت في قضايا مستعصية الحل مثل الصراع العربي الإسرائيلي. وأن (تصفية) الحساب مع العراق يفتح مداخل إلى (تسوية)الحسابات القديمة مع إيران مما يمهد لخروج شرق أوسط جديد تحت قوة النيران الأمريكية في منطقة لا تفهم غير لغة (الخوف) رغم استغراقها في الكلام عن السلام.
ويضيف محمد حسنين هيكل. أنه في أجواء هذه المناقشات ذهب (كولن باول) بنفسه في آذار 2001م إلى منطقة الشرق الأوسط ليقابل حكامها برسالة من الإدارة الجديدة مؤداها أن (العراق هو الأزمة، وفلسطين هي المشكلة، والأزمة أولى بالعلاج قبل المشكلة). ولم يستطع باول إقناع أحد بمنطق هذه الرسالة، وفي الحقيقة فإنه هو نفسه لم يكن مقتنعاً بها، وكان رأيه ـ ومن تجربته السابقة في حرب الخليج الثانية أن فلسطين هي (أم الأزمات) في المنطقة.
كان الرئيس الأمريكي الجديد بوش الابن حائراً بين هذه الأفكار ولذلك فان النصف الأول من سنة 2001م قد شهد تخبطاً في السياسة الداخلية و الخارجية وكان كل مسئول يحاول أن يجعل وزارته محمية محرمة على غيره. وظهر تشيني نائب الرئيس وكأنه الرجل الأول في الإدارة الجمهورية أمام الرئيس الجديد الذي مازال (عوده أخضر) وصورته مهزوزة أمام الرأي العام في الداخل والخارج.
وفجأة وفي صباح يوم 11 أيلول 2001م وقعت الواقعة: هجوم بالطائرات المدنية على عدة أهداف في نيويورك وواشنطن وسقوط برجي التجارة العالمي هشيماً تذروهما الرياح مع مقتل ألاف العاملين و الموجودين فيه. وكذلك تدمير احد أجنحة وزارة الدفاع الأمريكية… فقامت الدنيا ولم تقعد… وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب الفعلية على الإرهاب؟
وهنا يتساءل محمد حسنين هيكل:
” كيف تحول المشروع الإمبراطوري الأمريكي من الحرب ضد الإرهاب إلى حرب ضد العراق…. وكيف انتقلت بؤرة الحوادث من نيويورك إلى كابول ثم من كابول إلى بغداد ؟ وكيف وقع استبدال الأقنعة من ملامح الشيخ أسامه بن لادن إلى ملامح الرئيس صدام حسين بهذه السرعة ؟ “
للإجابة على هذه الأسئلة يستعرض محمد حسنين هيكل محاضر اجتماعات مجلس الأمن القومي في البيت البيض فيقول أنه:
_ بعد ظهر يوم 11 أيلول استمع الرئيس الأمريكي بوش إلى رأي رئيس جهاز المخابرات (تينت) الذي ابلغه أن أسامة بن لادن و القاعدة وراء هذه العملية.
_ في 12 أيلول دعا بوش مجلس الأمن القومي للاجتماع، وعرض وزير الدفاع رامسفيلد أسئلة حول خطة الهجوم على أفغانستان وتنظيم القاعدة.
_ ثم تعددت الاجتماعات لمناقشة موضوع توجيه ضربة عسكرية لتنظيم القاعدة في أفغانستان ولم يرد مطلقاً ذكر العراق في هذه المناقشات.
_ ولكن وبعد أربعة أيام فقط من أحداث 11 أيلول، أي في اجتماع مجلس الأمن القومي يوم 15 أيلول طرح الرئيس الأمريكي جورج بوش على تشيني وباول ورامسفيلد سؤالاً محدداً وهو:
(هل حربنا هي ضد القاعدة أم ضد الإرهاب عموما؟)
وبدأ وزير الدفاع رامسفيلد الإجابة بالقول ” لا نستطيع أن نقيم تحالفاً مستمراً لمجرد ضرب القاعدة أنه محدود ويمكن أن يتلاشى ” وأكد نائب الرئيس تشيني هذا الرأي بشكل أوضح حين قال ” إن الجماعات الإرهابية مجرد (أشباح) وسننجح أكثر في العمل ضد (جسد) بمعنى أن نركز على الدول التي ترعى الإرهاب ” وكأنه كان يمهد لما طرحه بعد ذلك رامسفيلد وبشكل مفاجئ حين قال:-
” أليس من الضروري أن نضرب العراق أيضا وليس القاعدة فقط؟ العراق يمكن أن يكون هدفاً متجسداً أمامنا وقابلاً للضرب على أساس انه من رعاة الإرهاب….. صدام حسين ليس شبحاً وإنما بلد “
ونقل رامسفيلد رأي مجموعة البنتاغون العاملة معه من أن صدام حسين هو خطر شديد لأنه مصمم على حيازة أسلحة دمار شامل يمكن ان تصل إلى الجماعات الإرهابية و عليه فإن:
” ضرب العراق يمكن أن يبدأ بسرعة و الخطط لدينا جاهزة ” ولا حظ باول أن خطط ضرب أفغانستان لم تكن جاهزة و أنما طرح رامسفيلد في الاجتماعات السابقة مجموعة أسئلة لإعداد خطة لضرب أفغانستان بينما خطة ضرب العراق جاهزة !
يقول محمد حسنين هيكل أن بوش كان قد دعا إلى اجتماع غير رسمي يوم 15/ أيلول لمناقشة أكثر هدوءاً في منتجع كامب ديفيد وقد استفاض في الكلام فقال:-
((الشعب الأمريكي يريد عملا كبيرا، مهولاً،انفجارا عظيماً)) ” أستعمل بوش تعبير يستعمله علماء الطبيعة لوصف الإنفجارات الهائلة التي أنفجر معها خلق الكون”
_((لا أريد معركة واحدة ولكن أريد حربا ممتدة يشعر بها الشعب الأمريكي ويتأكد أننا نواصل الدفاع عنه حتى أقاصي الأرض.
_ لا يهمني اعتقال رجل واحد و لا اعتقال عدة رجال وإنما يهمني أن نتوصل إلى صيغة فعل تعطينا تفويضاً مفتوحاً للعمل حيث نشاء، لا يهمني أن يحاول أحد منا أن يضع حدوداً وهمية على فعل القوة الأمريكية، أو حدوداً مالية تقيد مجال عملها …..))
وقد روى وزير الخارجية كولن باول إلى الكاتب الصحفي الأمريكي بوب وودوارد أنه ((في هذه اللحظة أحسست أن الرئيس يريد أن يقتل أحدا. رأيت أمامي رجلاً استيقظت لديه كل غرائز القتل من إحساسه بصدمة ما جرى في نيويورك ومن تحرقه للانتقام لها مهما كان الثمن))
وخلال النقاش حول ما أورده الرئيس بوش بشان (الانفجار العظيم) قال نائب وزير الدفاع بول وولفويتز :-
” أن ما يطلبه الرئيس لا يمكن أن يتحقق إلا في حالة واحدة، هي حالة أن نوجه ضرباتنا إلى الدول الراعية للإرهاب أو الدول الإرهابية والعراق أول القائمة بوجود صدام حسين على رأسه ! “
ولقد أكد وجهة النظر هذه وزيره رامسفيلد في محضر اجتماع مجلس الأمن القومي (14-15/ أيلول 2001م) بالقول:-
” إننا كلما رفعنا منظار الغواصة فوق سطح الماء، وأدرنا البصر على عرض البحر حولنا لا نجد هدفاً أنسب من العراق “. وتأكيداً لرؤيته هذه قال رامسفيلد أن العراق منهك ومعزول و يسهل الاستفراد به و إسقاط نظامه وفيه أهداف كبيرة يمكن ضربها بعمليات مبهرة، كما إن في العراق جوائز هائلة يمكن الاستيلاء عليها بأقل تضحيات متصورة و ذريعة أسلحة الدمار الشامل تعطي المشروعية للحرب على العراق.
ومع ذلك كله لم يفلح رامسفيلد في إقناع الرئيس بوش ومجلس الأمن القومي بنقل المعركة من أفغانستان إلى العراق خصوصاً وان الرئيس كان يخشى أن البدء بالعراق قد يفسر على انه عداء شخصي انتقاما لوالده بعد أن أصبح العراق لا يهدد أحدا لضعفه . وكان الجميع يرون وجاهة ما يطرحه رامسفيلد ولكنهم كانوا يختلفون معه في التوقيت… وهكذا بدأت الحرب على أفغانستان في 11 أيلول 2001م وانتهت في 29 كانون الثاني 2002م لتبدآ مع نهايتها خطة احتلال العراق من اجل تحقيق هدفين هذه المرة وهما الاستمرار في الحرب على الإرهاب لإثبات اقتدار أمريكا وسيطرتها على العالم والثانية تامين فوز بوش الابن في انتخابات الرئاسة القادمة.
في مطلع عام 2002م وقبيل انتهاء الحرب في أفغانستان وجد مستشار الرئيس للشؤون الداخلية ومسئول حملته الانتخابية(كارل روفي)أن أفغانستان لن تنفع الرئيس بوش الابن في الانتخابات الرئاسية القادمة، خصوصاً و أنه لا يتوقع مفاجئات سارة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الولايات المتحدة. ولذلك أجرى اتصالات ونقاشات مع رامسفيلد الذي أقنعه أن العراق هو المسرح المهيأ لتجاوز هذه الهواجس الانتخابية فقد رأى رامسفيلد أن أفغانستان ليس فيها هدف واحد يثير خيالاً أو يغري بجائزة. ففيها 9 أهداف تم ضربها و عادوا إليها مرات ومرات و أصبح التكرار أضحوكة و عليه لابد من ميدان آخر تثبت فيه أمريكا اقتدارها، والمكان هو العراق.وكان الرئيس بوش الابن مستعداً لتبني خيار الحرب على العراق في هذه المرحلة ولذلك جاء خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس الأمريكي يوم 29 كانون الثاني 2002م وهو يوم انتهاء الحرب على أفغانستان ليطلق الرئيس بوش الابن فيه شعار (محور الشر) موجهاً إصبع الاتهام بالتحديد إلى العراق وقائلاً بالنص:
” إن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح للنظام الأشد خطورة من العالم أن يهددها بواسطة أسلحة الدمار الشامل التي يملكها ويطورها ويقدر على استخدامها “
في الوقت نفسه رفعت من فوق الشاشات خارطة (أفغانستان) لتحل محلها خارطة (العراق) وغابت صورة (أسامة ابن لادن) ولمعت صورة (صدام حسين).
وفي اليوم التالي الجمعة الأول من شباط 2002م اجتمع وزير الدفاع رامسفيلد برؤساء أركان الحرب و على رأسهم رئيس الأركان الجديد الجنرال ريتشارد مايرز وبدأ حديثه بالقول:
” أن اللعبة الآن في ساحة العراق و القوات المسلحة الأمريكية، وليس أي طرف غيرها، هي اللاعب الأساسي، وعليها أن تكسب المباراة هناك وتفوز بالجائزة “. وطلب الاستعداد لحملة عسكرية على العراق الذي هو عدو ضعيف لا يملك سلاحاً فعالاً لأن ما لديه من أسلحة وعتاد عمره مابين 15- 20 سنة.
أعدت هيئة الأركان برئاسة مايرز خطة الحرب على العراق. وفي يوم 8 نيسان 2002م دخل رامسفيلد إلى اجتماع مع هيئة الأركان وعدد من كبار مستشاريه وهو يحمل ملفاً كبيراً يضم مشروع خطة غزو العراق….. وطرح رامسفيلد الخطة للنقاش معترضاً عليها كونها تطلب قوات ومعدات كثيرة في حين أن العراق لا يمتلك سوى أسلحة ضعيفة وبلا طيران و لا يمتلك قوة بحرية. كذلك فأن مناطق حضر الطيران الجوي حسب قوله قد أخرجت الجنوب من سلطة الجيش، وأصبح الشمال مستقلاً ولم يبق سوى الوسط الذي تسيطر عليه السلطة المركزية وهو منطقة فقيرة قياساً بنفط الشمال و جنوبه و الذي هو بيد الأمم المتحدة أصلاً.
و أضاف رامسفيلد: أن العراق سيكون في المعركة القادمة داخل صندوق مقفل لآن كل الدول المحيطة به هي ضده. وأستنتج قائلاً ” إذن نحن في حالة تفوق كامل بري وجوي وبحري و فضائي وسياسي… والعراقيون في حالة عجز وعزلة تامة سواء فيما عندهم أو فيما هو محيط بهم وهذه حقائق لا يصح أن تنسى…. كذلك فإن الأراضي العراقية مكشوفة و النفط العراقي مصادر و السيادة العراقية منزوعة ” وأضاف متسائلاً ” إذن لمن يحارب الجيش العراقي ولمن يضحي إنه لن يحارب إذا وجد إمامه قوة الولايات المتحدة “.
في ضوء هذا كله أقترح رامسفيلد خطة جديدة لحرب سريعة ذات تأثير نفسي (الصدمة والرعب) وأن يتم قطع رأس النظام بشكل عنيف إلى درجة ترغم جنرالات الحرس الجمهوري والجيش العراقي على الاعتقاد انه لم تعد هناك فائدة للقتال.
ويضيف محمد حسنين هيكل بأن عواصم الدول الكبرى و كذلك الصغرى لم يكن خافياً على ما يجري ولكن التفاصيل كانت غائبة عنها، فزادت الهواجس من المشروع الإمبراطوري الأمريكي الذي لن يكون العراق هدفه النهائي.
خلال هذه الفترة كانت بريطانيا تناقش موضوع المشاركة في غزو العراق، ولم يكن اتخاذ مثل هذا القرار سهلاً في مجتمع يجد في خطط السلاح و الغزو ثقيلة على الرأي العام البريطاني. بل أن وزير خارجية بريطانيا السابق وزعيم الأغلبية في مجلس العموم روبن كوك قال لصديقه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ” أنه في دهشة من مقولة أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل وأن تجريده من هذه الأسلحة المدمرة هو المبرر القانوني والأخلاقي للغزو”.
أستطلع بلير أراء عدد من الرجال والنساء المؤثرين على اتجاهات الرأي العام البريطاني وبينهم زعامات في الحركة النقابية، فلم يجد تأييدا واسعاً لحرب على العراق بالشراكة مع الولايات المتحدة، ومع ذلك قرر بلير المشاركة في الحرب اعتقاداً منه أن غزو العراق سيقع حتى وأن اقتنعت بريطانيا. وفي أوائل أيلول 2002م أبلغ توني بلير بوش أن بإمكانه الاعتماد على بريطانيا.
وفي 12 أيلول 2002م ألقى الرئيس بوش الابن خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أعلن فيه أنه ” إما أن ينصاع العراق بلا قيد ولا شرط لنزع أسلحة الدمار الشامل… أو أنها الحرب لأن هذه الأسلحة جاهزة للتشغيل خلال 45 دقيقة بأمر من صدام حسين الذي هو أخطر رجل في العالم لأنه يهدد الجميع ولذلك فأنه يعطي الآخرين الحق في الدفاع عن النفس قبل أن يداهمهم.
وبعد أربعة أيام وافق العراق على استقبال المفتشين الدوليين دون قيد أو شرط. ولكن العالم أستغرب من ردة الفعل الأمريكية للقرار العراقي. فقد جاءت بمنطق جديد يقول: ” أن العراق لم يقبل بعودة فريق المفتشين إلا بعد أن تمكن من إخفاء ما لديه من أسلحة دمار شامل ”
وكان هذا يعني أن الولايات المتحدة لم يكن لديها الوقت لتسمع لأن اهتمامها كان من الأول للأخر محصوراً في الخطط العسكرية فالقضية بالنسبة لها لم تكن وجود أو عدم وجود أسلحة الدمار الشامل وإنما القضية هي الاستيلاء على العراق وإسقاط النظام فيه واحتلال البلد.
لذلك عقد مجلس الأمن القومي برئاسة بوش اجتماعاً في البيت الأبيض يوم الاثنين 23 أيلول 2002م بحضور هيئة أركان الحرب و المستشارين لعرض الخطة العسكرية ومناقشتها وقد تم تقسيم القوات المشاركة في الحرب على العراق على النحو الآتي:
– 9 قواعد في منطقة العمليات وحولها، منها سبعة قواعد في سبع دول عربية.
– 6 حاملات طائرات في الخليج و البحر الأحمر و المحيط الهادي.
– 4 مناطق حشد للقوات المتقدمة على الأرض من ثلاث بلدان عربية.
كانت الصورة في مجلس الأمن فوضى عامة فالمعلومات الواردة من واشنطن إلى نيويورك تكشف للوفود جميعاً أنه برغم استعداد العراق لقبول عودة المفتشين إليه فإن الولايات لمتحدة وبريطانيا تقومان الآن بالتعطيل بادعاء عدم الجدوى لأن النظام في العراق لم يقبل بعودة المفتشين إلا بعد أن تمكن من أخفاء ما لديه من أسلحة دمار شامل. بينما وقفت وفود الدول الكبرى والأمانة العامة تطالب بإعطاء فرصة كما أن الرأي العام في أوربا وأمريكا يطالب بذلك. ولكن أقطاب الإمبراطورية الأمريكية الجدد كانوا صروحاً من الصخر لا تتأثر وتطل على ما ترى أمامها و تسمع دون استجابة وبدا أنه عناد تحكم في العقل وأنه غرور القوة أخذ بأصحابه إلى منتهاه. وكانت الإدارة في واشنطن تلح على امتلاكها معلومات سرية عن أسلحة الدمار الشامل العراقية. من جانبه أصدر مكتب توني بلير بيان معلومات عما تمتلكه بريطانيا من أدلة على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل (بل ادعت أن العراق بإمكانه توجيه ضربة خلال 45 دقيقة).
وفي 7 تشرين الأول 2002م أصدر بوش بيانا للأمة الأمريكية أعلن فيه ” أن صدام يستطيع مهاجمة الولايات المتحدة أو حلفاؤها الأقربين بأسلحة دمار شامل في أي يوم يختاره وأن إدارته سوف تؤدي الواجب العاجل المفروض لمواجهة أسوأ الاحتمالات “.
وطلب بوش تفويضاً من الكونغرس باستخدام القوة المسلحة ” وحصل على التفويض يوم 11 تشرين الأول 2002م. و في ظرف ساعات كان وزير الدفاع رامسفيلد يطلب من هيئة أركان الحرب المشتركة أن تتحرك مجموعة من الجيش الخامس و فرقة جنود المارينز الأول إلى منطقة الخليج العربي.
كان وزير الخارجية كولن باول غير مرتاح للاندفاع العسكري بدون وجود غطاء شرعي له تقف معه أوروبا وغيرها ولذلك قابل الرئيس بوش يوم 16 أكتوبر لوحده. وأوضح له أنهم بتصميمهم على المضي في حرب ضد صدام حسين دون قرار من الأمم المتحدة وفي وجه معارضة بارزة في مجلس الأمن سوف يظهر الولايات المتحدة في حالة تحدٍ لمجلس الأمن وللميثاق مما يؤثر على مشروعية عملهم في العراق ويظهره وكأنه مسالة طمع إمبراطوري في ذلك البلد وموارده. كما أن الحرب بهذه الطريقة سوف تؤثر على (أخلاقية) التصرف الأمريكي و(قانونيته)و سوف تغذي المعارضة الشعبية للسياسة الأمريكية والتي تزداد أتساعاً حتى في أقرب العواصم الأوروبية ومنها (لندن). أما من الجانب العسكري فأضاف باول أن أول درس تعلمه في الخدمة العسكرية ” أن القوة الأمريكية دائما في خدمة مبدأ وهذا المبدأ يلزمه غطاء قانوني و غطاء أخلاقي ” لأنه بدون هذا الغطاء سيتحول القتال إلى(مجرد قتل) لا يختلف فيه جنرال على كتفه أربعة نجوم عن مرتزق يمسك بيده بسكين. وهناك فرق كبير أن يكون المحارب قاتلاً وبين أن يكون مقاتلاً.
اقتنع بوش بكلام باول الذي قاد معركة سياسية في مجلس الأمن للحصول على قرار من مجلس الأمن صدر في 8 نوفمبر 2002م برقم 1441 ولم يكن هناك تفويض بالحرب لكنه كان قرار بصيغة حازمة فهم منه أنه يراد تخويف العراق لكي تمر ألازمة بسلام. لكن إدارة البيت الأبيض فهمته على أنه تفويض مفتوح تتصرف بالسلاح كما يحلو لها. ولذلك وحسب رأي هذه الإدارة لابد من غزو العراق دون النظر إلى (الشكليات) باعتبار أن النتائج في حد ذاتها تعطي للقتال ذرائعه، فحين يصحو العالم ليجدوا أن نظام صدام حسين قد سقط وأن العلم الأمريكي يرفرف فوق بغداد فإن أمريكا ستكون مأخوذة باستعراض النصر والعالم مشغول بأمر واقع له سطوته، والدول التي ترددت وتقاعست ستكون معزولة ومكسورة الخاطر.
من جانب أخر ذهب المفتشون الدوليون إلى العراق وفقا للقرار 1441 ولم يجدوا ما يثبت امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل. وكان الرئيس الأمريكي بوش يعلم بعدم وجود هذه الأسلحة. ولذلك أصدر إعلانا بعد يومين اثنين من صدور قرار مجلس الأمن 1441 قال فيه أن ” الولايات المتحدة لن تنتظر حتى يوافق مجلس الأمن على تفويضها بالعمل العسكري ضد العراق لأن الخطر الذي تمثله أسلحته داهم و مهمة التفتيش لأ ينبغي لها أن تتسبب في تعطيل إجراء تراه الولايات المتحدة واقياً من هجوم مفاجئ ” ولذلك رفعت الولايات المتحدة من وتيرة استفزازها إلى سقف جديد أعلى مع بدء عملية التفتيش في العراق. وحاول العراق احتواء التهديد الأمريكي بتقديم تقرير تفصيلي ((عن كل ما كان لديه)) من أسلحة الدمار الشامل. وكان ذلك في يوم 12 كانون الأول 2002م… إلا أن بوش طلب يوم 21 كانون الأول تمركز خمسين ألف جندي في الخليج العربي. وفي يوم 2 كانون الثاني 2003م بدأ وزير الدفاع رامسفيلد في تحريك مجموعات من هذه القوات إلى مناطق الحشد في الكويت في الوقت الذي أعلنت الحكومة البريطانية رسمياً استدعاء 1500 جندي احتياط إلى الخدمة مع تحريك حاملة طائرات. وفي اليوم نفسه 2 كانون الثاني قدم هانز بليكس ومحمد البرادعي تقريريهما. وقال كبير المفتشين بليكس في ختام تقريره أنه لم يعثروا على أسلحة دمار شامل في العراق رغم مضي أربعه أسابيع من التفتيش في مناطق شاسعة وأكد الحاجة إلى (وقت أضافي لإنجاز المهمة). وتبعه البرادعي بالمطالبة بستة أشهر للتأكد من الحقائق. وفي 28 كانون الثاني عاد بليكس إلى مجلس الأمن ليطلب منحه مدة إضافية لاستكمال عمله خصوصاً و انه (يلقى استجابة في الإجراءات من جانب العراق) فاشترط الأمريكيون ثلاثة أسابيع على أن يفتح العراق أجواءه لطائرات التجسس (يو 2) بمسح وتصوير ما تريده على أرض العراق الذي وافق على هذا الشرط، وكانت الصور تذهب إلى وزارة الدفاع لخدمة مخطط الغزو. وبدا قطار الحرب يزداد سرعة يوما بعد يوم ،وتصاعد معه رفض أعطاء فرصة للمفتشين ولم يؤيد الرئيس بوش في توجيه ضربه للعراق سوى 39% من الرأي العام الأمريكي حسب استطلاعات الرأي.
لم تأبه الإدارة الأمريكية لأي رأي يتقاطع مع خططها لغزو العراق وحددت ساعة الصفر للبدء بالهجوم في أخر ضوء من يوم 20 آذار 2003م. ومع ذلك فأن الرئيس الأمريكي بوش الابن وقع أمراً رئاسياً بقتل صدام حسين بضربة عاجلة ولو أدى الأمر إلى استباق ساعة الصفر وذلك على أساس معلومات قيل له أن مصدرها الآن في موقعه يتابع عن قرب تحركات الرئيس العراقي صدام حسين داخل بغداد. ولم تمض ِ ساعات حتى اتصل رئيس المخابرات (تينيت) على عجل بالبيت الأبيض ليقول أنهم يعرفون الآن بالضبط أين يوجد (صدام حسين). وأعطى (جورج بوش) موافقته لتبدأ ضربة الحرب الافتتاحية قبل موعدها بأربع وعشرين ساعة، والآمل أن يقتل (صدام حسين) بحكمة أن ” قتل رجل واحد يطمئن جيشاً كاملاً”.
وفي رغبتها الجارفة للحسم العسكري فان قيادة القوات استعملت رخصة كثافة النار بأكثر مما كان مقدراً في الخطة الأصلية، وهكذا فان ضربة الصدمة و الرعب على (بغداد) تكررت وزادت وكان الضرب في بعض الليالي مروعاً. وطبقاً لتقرير هيئة عمليات القيادة المشتركة فقد قامت الطائرات الأمريكية ب (41404) طلعة جوية و أطلقت (19948) قذيفة موجهه إلى جانب (9251) قذيفة غير موجهة تغطي بالنار دوائر واسعة دون هدف بالذات، وكان ذلك مخيفاً.
وينهي محمد حسنين هيكل كتابه القيم هذا بالحديث عن لقاء الغرباء. لقاء القوات الأمريكية مع أهل العراق وتلك الحساسية الشديدة التي غلفته مع مقولة الجنرال فرانكس وهو يرد على فشل هذا اللقاء” أن قواتي كانت تشكيلات محاربه، واجبها البحث عن العدو وقتله وليس الابتسام في وجهه وأخذه بالأحضان “
ولم تمض ِ أيام على الاحتلال حتى وجدت قوات الغزو أن جميع الذرائع القانونية والأخلاقية التي دفعت بها إلى العراق غير صحيحة بل أن القائلين بها كانوا أول من يعرف أنها (غير صحيحة). فلا توجد أسلحة دمار شامل ولم يكن للنظام في بغداد أمكانية تهديد الولايات المتحدة أو أوروبا أو جيرانه في ظرف (45) دقيقه، ولم يكن للعراق صلة بتنظيم القاعدة. وأهم من هذا كله فإن الشعب العراقي لا يبدوا سعيدا بهذه القوات التي جاءت لكي (تحرره). ولقد صدقت مقولة الجنرال مايرز إلى وزير الدفاع رامسفيلد : ” أنا اعرف أن ما نحن مقبلون عليه هو معركة بين طائرة من طراز (ف15)، وطائرة من الورق التي يلهو بها الأطفال، ولكن ذلك ليس من شأنه أن ينسينا إننا سوف ننزل من أعالي الجو إلى التراب ”
وتلك قصة أخرى ما زالت أحداثها تجري على ارض العراق إلى يومنا هذا.
مقتطفات مهمة من الكتاب
“يتصل بذلك أن الولايات المتحدة لا تعذب نفسها بلغة العواطف أو حديث الذكريات.
ومع أن قصة الإمبراطوريات علي طول التاريخ لم تعرف سخونة الغرام و دفء الحنين – إلا أن الإمبراطورية الأمريكية وصلت في إنكار العواطف و الذكريات إلي مدي غير مسبوق، فالإمبراطوريات القديمة مثلاً تحملت مرات بالتزامات أدبية و أخلاقية، كان ضمنها رعاية حليف أو حماية صديق، حتى أن جيوش ” نابليون ” وهي تنسحب من مصر بعد غزوتها الفاشلة في مطالع القرن التاسع عشر، اصطحبت معها الجنرال ” يعقوب ” الذي ساعدها ضد قوي المقاومة الوطنية، واعتبرت فرنسا أنه من العار عليها أن تتخلى عنه.
لكن الإمبراطورية الأمريكية وبدون عناء ثقيل علي الضمير – تخلت عن أهم رجالها قي الشرق الأوسط وهو شاه إيران ” محَمد رِضا بهلوي ” ورفضت أن تمنحه حق لاجئ سياسي في أمريكا، بل وكانت علي وشك تسليمه إلي الثورة الإيرانية في مقابل الإفراج عن الرهائن الأمريكيين الذين احتجزهم شباب الثورة الإسلامية في السفارة الأمريكية بطهران !”
“وعلي سبيل المثال فقد قامت تجربة بناء الدولة الأمريكية (أساس الإمبراطورية الجديدة و سندها) – فكراً و فعلاً وفي جزء كبير منها علي جهد آخرين جرى توظيفهم بأسهل الوسائل وأرخص الأثمان ، (وذلك بند آخر في منطق حساب الأرباح والخسائر).
– ففي مجال الفكر كان أمام الدولة الجديدة مخزون التراث الأدبي والعلمي وحصيلة الفكر السياسي والاقتصادي العالمي بأكمله – وهو تراث دفعت فيه ثقافات أخري دم الرواد من أبنائها ، لكن الدولة الأمريكية حصلت عليه من أوله لآخره دون مقابل – أو حقوق ملكية علمية أو أدبية أو فكرية. (و مع أن التجربة الأمريكية أبدعت في مجال التطبيق وتفوقت في مجال الإدارة – إلا أن المنابع والمناهل والمراجع الأساسية جاءت إلي أمريكا عابرة للمحيط دون عناء ومجانا – ثم وقع في مجال العمل ما وقع قبله في مجال الفكر، ذلك أن الموارد الهائلة التي كشفت غناها أمام أفواج المهاجرين أكدت لهم من أول نظرة أن استثمارها يفوق طاقة عملهم. وكانت ” العبودية هي الحل “. وراحت قوافل السفن تحمل قطعان العبيد من أفريقيا أكداساً (كالبضائع)، يموت نصفهم علي مدة الرحلة بسبب مشاق المحيط وقساوته، ثم يصل نصفهم الآخر (بمعجزة) إلي شطآن العالم الجديد مقيدين بالسلاسل معروضين في المزاد (ووثائق الدولة الأمريكية تكشف أنه من القرن السادس عشر إلي القرن الثامن عشر وصل إلي الأرض الأمريكية ما بين 25~30 مليون أفريقي أطبقت عليهم قيود العبودية). وكان هؤلاء العبيد بشهادة كل مؤرخ لنمو الاقتصاد الأمريكي – هم الذين أنشئوا القاعدة الزراعية الأولي التي نهضت عليها الدولة الأمريكية – وهم الذين وقفوا أمام أفران الحديد و الصلب ونارها اللافحة عندما توهجت الثورة الصناعية.
وأكثر من ذلك فإن المجندين السود كانوا هم الذين تحملوا بأصعب المهام في الحروب الأمريكية كلها وآخرها وأشهرها حرب فيتنام. ورغم أن نسبة السكان من الزنوج في الولايات المتحدة تقارب 12% من مجموع السكان – فإن نسبة قتلاهم في الحرب العالمية الأولي بلغت 38% وفي حرب فيتنام بلغت النسبة 50% ، حتى أن ” مارتن لوثر كنج ” الزعيم الزنجي المشهور (الحاصل على جائزة نوبل للسلام) لم يكن يكف في مواعظه عن الاستشهاد بالتعبير الذي يقول ” إن حرب فيتنام كانت مذبحة كُلف فيها الرجل الأسود بقتل الرجل الأصفر (يقصد أهل الشرق الأقصى)”. وانتهت العبودية دون تصفية آثارها، و إنما بقى بعدها تمييز عنصري مازال حتى اليوم جُرحاً غائراً في الوجدان الأمريكي – مسكوتاً عنه – لكنه حتى هذه اللحظة دون علاج ، لأن الصمت عن الوجع لا يشفيه.”
” [ وقد فقد السيناتور ” ترنت لوت ” عضو مجلس الشيوخ عن ولاية مسيسيبي وزعيم الأغلبية الجمهورية مركزه الرسمي لأنه تحسر علي ظرف ضاعت فرصته لتشديد القيود علي الزنوج ، وكانت خسارة السيناتور ” لوت ” لمركزه لا ترجع لإساءته إلي مشاعر الأمريكيين السود ، وإنما لأنه ذكر – أو أعاد التذكير – بقضية التمييز العنصري، و هي قضية لا تزال متفجرة – لكن أحداً لا يريد عود ثقاب بالقرب من مستودع البارود].
وكان انعكاس ذلك على سياسة الإمبراطورية الأمريكية شديد الوطأة، فالإمبراطوريات القديمة حاولت أن تغطى استغلالها للمستعمرات بدعاوي أخلاقية من نوع ” مسئولية الرجل الأبيض عن نشر الحضارة “، ومن نوع ” إدخال النور إلي قارات الظلام ” ، ومن نوع ” حرية البحار وحرية التجارة “، ومع أن هذه الدعاوي كانت – في معظم الأحيان – شحنات من نفاق ، فإن الدلالة الأهم لهم أن ” الأقوياء ” استشعروا حاجتهم إلي سواتر أخلاقية – ولعل هذه السواتر الأخلاقية أحياناً اعتذار تقدمه القوة بين يديها كي تبرر لنفسها وتلتمس الصفح – لكنه في النموذج الأمريكي فإن هذه السواتر الأخلاقية بدت زوائد لا تحتاجها المصالح ، وبالتالي فإنه لا حاجة إليها، اتكالاً علي الصمت أن يؤدي واجبه حتى يجئ دور النسيان ليسدل أستاره إلي الأبد.”