الارستقراطية
كاتب الموضوع الأصلي: عامر العجمي320
الأرستقراطية aristocracy كلمة مركبة من كلمتين يونانيتين aristos وتعني الفاضل أو الجيّد و kratos وتعني القوة أو السلطة, وكانت الكلمة في مدلولها الأصلي تعني حكم أفضل المواطنين لفائدة جميع الشعب. فالأرستقراطية إِذن «حكم الأفضلين», وبهذا المعنى استخدمها أفلاطون في «الجمهورية» وأرسطو في «السياسة» وكان كلاهما يعتقد أن الحكومة الأرستقراطية أفضل أنواع الحكومات وأكثرها عدلاً, ولكنهما أبديا ارتياباً في قدرتها على الديمومة. يقول أفلاطون في الكتاب الثامن من الجمهورية « إِذا انحرفت الأرستقراطية وتحول أبناؤها إِلى إِيثار الثروة على الشرف تحولت إِلى الأوليغارشية oligarchie (حكم القلة) التي لبابها جَعْلُ الثروة أساس الجدارة وهو إِثم فظيع» ويعد أرسطو الأرستقراطية حكومة الأقلية الفاضلة العادلة, إِلا أن الأوليغارشية فساد طبيعي لها.
وتحسن الإِشارة إِلى أن مفهوم أفلاطون للروح الأرستقراطية مفهوم قيمي أكثر من كونه مفهوماً طبقياً. فالأرستقراطية حكم الأقلية الفضلى لأنها تضم المتفوقين أخلاقياً وعقلياً ويحكمون لخير الشعب.
إِلا أن كلمة الأرستقراطية استعملت بعد ذلك بتوسع واتخذت دلالة جمعية على قيادة أشخاص (شرفاء أو نبلاء أو كهنة) لدولةٍ, أو على مجموعة من «أصحاب المنزلة» متميزين في المولد أو الموهبة أو الذهن أو الغنى. ويمكن الإِشارة إِلى مدلولات ثلاثة للكلمة في استخدامها الشائع. يدل الأول على حكومة سياسية تمارس فيها السلطة العليا طبقة اجتماعية ذات امتيازات وهي وراثية في معظم الأحيان. ويدل الثاني على طبقة من النبلاء أو الأشراف أصحاب الامتيازات. أما الثالث فأدبي وعام: فلكل ميدان أرستقراطيته, وهم نفر قليل من الأشخاص يتمتعون بتفوق يميزهم في مجالهم (أرستقراطية الأدب أو الفن, الأرستقراطية الصناعية, أرستقراطية المال, الأرستقراطية العمالية « وهي الشريحة العمالية العليا التي تتكون من أكثر الفئات مهارة وأعلاها أجراً من مجموعة الطبقة العاملة, والمنفصلة عنها من حيث التكوين الأيديولوجي والنفسي»).
والمبدأ الديمقراطي نقيض للمبدأ الأرستقراطي. والواقع أن كلمة أرستقراطية أصبحت تستعمل بصورة عامة بالمعنى الاجتماعي أكثر مما تستعمل بالمعنى السياسي. ومنذ الثورة الفرنسية أسبغ المصطلح الثوري على كلمة أرستقراطية صفة انتقاصية تشير إِلى زمرة من أصحاب الامتيازات بسبب مولدهم أو أملاكهم أو نقودهم وهم بسبب ذلك «جائرون وقمعيون وأعداء للشعب وللأمة».
أنواع الأرستقراطية وتحولاتها
إِن لجميع المجتمعات التقليدية, مهما كانت الدرجة التي بلغتها من الحضارة, أرستقراطيتها ( من نبلاء وأشراف وكهنة). ولكن الكلمة تنطبق على ضروب من الواقع شديدة التنوع في الزمان والمكان بحيث يكون من الصعب رسم لوحة مقارنة لأنماط الأرستقراطية في تاريخ الإِنسانية من الطبقة البراهمانية في الهند إِلى الاوباتريد Eupatrides في اليونان القديمة إِلى الساموراي في اليابان وطبقات النبلاء المتنوعة في أوربة في العصور التالية لسقوط رومة. فقد كانت حكومات اليونان القديمة أرستقراطية عسكرية, وكانت حكومة اسبرطة أشهرها إِذ الاسبرطي وحده يتمتع بالمواطنة الكاملة بل إِن «السلطة وجميع ما للأمة كان في يد طائفة من أهلها لم تكن في البداية تزيد على عشر أسر».
وفي أثينة وجدت طائفة خاصة من الأشراف حتى في عهد ملوكها الأوائل. فقد كان الأوباتريديون, وهم أبناء القبائل البيلاجية الأولى وذرية الفاتحين الأولين من الأبوليين والإِيونيين, يعدون حكام أثينة وقادتها طوال قرون كثيرة.
ويعد الرومان من أشد الأمم أرستقراطية فقد كانت طائفة الأشراف الرومان patricien تتمتع في البداية وحدها بحق المواطنة ومن عداها محروم معظم الحقوق وخاصة الارتباط بها برابطة المصاهرة والنسب.
وفي الهند نمط آخر من الأرستقراطية الوراثية: فطبقة (البراهما) الكهنوتية التي ولد أفرادها من فم الإِله (فيشنو), في حين ولد أفراد طبقة السُّدرا (المنبوذون) من قدميه,ظلت منذ ألفي عام قبل الميلاد تحتكر مواقع الشرف والرفعة. وفي الجزيرة العربية كانت الأرستقراطية القرشية قبل الإِسلام تحكم مكة وهي يومئذ زعيمة العرب وكان بها ملأ يجتمع بدار الندوة (وهو مجلس شيوخ مصغر) لم يكن يدخله إِلا من بلغ أربعين عاماً ويختارون بحسب ثرائهم وهم سادة بطون قريش التي كانت مؤلفة من «قريش البطاح» وهي الأسر الكبيرة النازلة بجوار الكعبة وبيدها وحدها القوة العسكرية والنفوذ والغنى, ومن «قريش الظواهر» وينزلون من ورائهم وفيهم العامة وأخلاط من صعاليك العرب والعبيد.
وفي أوربة بعد زوال الامبراطورية الرومانية تكونت أرستقراطية جديدة قوامها رؤساء مجموعات أشبه بالعصابات ورومانيون بقيت لهم ثروتهم بعد زوال دولتهم.