الاسس القانونيه للامتيازات والحصانات
كاتب الموضوع الأصلي: محمد المعجل
الفصل الثاني: الأسس القانونية للامتيازات والحصانات الدبلوماسية
من المبادئ التي أقرتها الأعراف والقوانين الدولية، أن تمارس الدول سيادتها على الأشخاص المقيمين على إقليمها، سواء كانوا من مواطنيها أو من الأجانب الموجودين بصورة مؤقتة أو دائمة. غير أن استثناء بعض الأشخاص، وهم الدبلوماسيين، من بعض أحكام الاختصاص القضائي للدولة المضيفة، وهو ما اتفق على تسميته بالحصانات وإعفائهم من بعض الالتزامات المادية ( كالرسوم الجمركية) وهو ما يطلق عليه تسمية الامتيازات، إنما يستهدف تحرير هذه الفئة من الأشخاص من الخضوع التام لقوانين الدولة المضيفة، وذلك بهدف تمكينهم من أداء وظائفهم بشكل صحيح ومفيد للدولتين المضيفة والموفدة.
لقد كانت الدول في البدء تتحفظ في الاعتراف بهذه الامتيازات لأن تلك الدول كانت تساورها الخشية من نشاط البعثات الدبلوماسية والتي تنسب لها دائما أعمال التجسس والنشاطات المشبوهة. وبعد ذلك وقد رأت الفوائد التي قد تحصل عليها مقابل اعترافها بالحصانات الدبلوماسية للبعثات المعتمدة لديها، وقد انفتحت إثر ذلك مجالات عديدة نحو مجموعات من الامتيازات تمنح للبعثات الدبلوماسية.
وفي عصرنا الحاضر، ونظرا للنمو الكبير للبعثات الدبلوماسية، فإن الدول أصبحت لا ترغب بأن ترى عددا كبيرا من الأشخاص لا يخضعون لنظامها القضائي ولسلطتها السياسية، ذلك أن هذا الأمر قد يخلق لها العديد من المشاكل.[25]
وهنالك اتجاه في وقتنا الحاضر لتقييد وحصر فئات الأشخاص الذي يتمتعون بالامتيازات والحصانات. ومن جهة ثانية تحديد وتقليص الامتيازات التي يمكن القبول بها وتفسيرها تفسيرا ضيقا.[26]
إن إمكانية توسيع أو حصر مجال نظام الامتيازات التي يمكن قبولها ترتبط كذلك بأساس هذا النظام. فإذا ما اعتمد مبدأ ضرورات الوظيفة، وعندما يحدد بشكل واضح مفهوم الوظيفة الدبلوماسية. فإنه من الممكن عند ذلك توضيح نظام الامتيازات الضرورية لممارسة هذه الوظيفة، وعندما يحدد أساس هذه الامتيازات القانوني فإنه يصبح سهلا تنظيم وحل الخلافات التي قد يثيرها مثل هذا النظام، إذ يوجد عند ذلك معيار واضح للتفسير، يمكن الركون إليه، لهذه الأسباب كلها يبدو مفيدا وضروريا أن نبحث مسألة المصادر القانونية للامتيازات والحصانات، ثم سرد أهم هذه الحصانات في مبحث ثان.
المبحث الأول: أهم النظريات المفسرة للامتيازات والحصانات الدبلوماسية
أهم النظريات التي حاولت أن تفسر هذه المصادر، هنالك ثلاث نظريات حاولت كل منها أن تقدم التفسير القانوني للامتيازات والحصانات [27]:
Ø النظرية الأولى: نظرية الصفة النيابية
Ø النظرية الثانية: نظرية امتداد الإقليم أو التجاوز الإقليمي
Ø النظرية الثالثة: نظرية مقتضيات الوظيفة الدبلوماسية
ولا بأس أن نشير في الختام إلى نظرية الأمان كأساس للحصانات والامتيازات الدبلوماسية العربية الإسلامية.
المطلب الأول: نظرية الصفة النيابية
قال بهذه النظرية مونتيسكيو وأيدها فاثيل وفوشي وغيرهم، ومفاد هذه النظرية، أن الامتيازات والحصانات التي تنمح للدبلوماسيين تستند إلى صفتهم النيابية باعتبارهم يمثلون دولهم نيابة عن رؤسائها وما يقتضيه ذلك من ضرورة احتفاظهم باستقلالهم في أداء مهامهم وتجنب أي اعتداء عليهم أو على كرامتهم صيانة لكرامة وهيبة الدولة التي يمثلونها.[28]
وقد كتب مونتسكيو في هذا الصدد شارحا معنى هذه النظرية حيث يقول: ” يقتضي قانون الشعب ( القانون الدولي العام) أن يرسل الأمراء سفراء لبعضهم البعض، والحكمة المستفادة من طبيعة الأمور، لا تسمح بأن يتبع هؤلاء السفراء الأمير الذي يوفدون إليه، أو أن يخضعوا لقضائه”، فهم صوت الأمير الذي بعث بهم، وهذا الصوت يجب أن يظل حرا، فيجب أن لا تعترض سبيل عملهم أية عقبة، إذ أنهم غالبا، لا يكنون محل رضا من الدولة التي تستضيفهم، لأنهم يتكلمون باسم شخص مستقل عن إرادة الأمير أو الملك، وقد تنسب إليهم جرائم إذا كان من الجائز عقابهم من أجل الجرائم وقد يمكن أن تفترض عليهم ديون إن كان جائزا القبض عليهم ديون إن كان جائزا القبض عليهم من أجل المديونية.[29]
وقد تعرضت هذه النظرية للنقد للأسباب التالية:
1- بسبب التغيير الذي طرأ على خصائص الدولة، فلم تعد الدلو ملكا لأمراء، بل لشعوب، وبالتالي أصبح للدولة شخصيتها المعنوية المستقلة عن شخصية الحاكم. وفقدت الصفة النيابية الشخصية للدبلوماسيين قيمتها باعتبارهم يمثلون الملوك، خاصة على الصعيد القانوني.
2- إذا كان السفير يتمتع بالحصانة الدبلوماسية، لكونه ممثلا شخصيا للملك، أو نائبا عنه، فلماذا تتمتع عائلة السفير في وقتنا الحاضر بالحصانة الدبلوماسية؟
3- إذا كانت الدولة الموفدة، والتي يتمتع ممثلوها الدبلوماسيين بالحصانات والامتيازات، ودولة ذات سيادة، فإن الدولة المضيفة عن ممارسة جزء من سيادتها، إذا كانت هناك مساواة في السيادة بين الدول، وبالتالي فإن منح الممثل الدبلوماسي الحصانات لا يكون بسبب كونه أميرا أو حاكما، أرفع منزلة وأعظم مقاما من مقام الأمير الموفد إليه[30].
المطلب الثاني: نظرية التجاوز أو الامتداد الإقليمي
وتعتبر هذه النظرية من أكثر النظريات أهمية في موضوع الحصانات الدبلوماسية وأساسها القانوني، لأنها أوجدت الصيغة القانونية الأكثر قبولا لنظام الامتيازات والحصانات، خلال فترة امتدت من القرن 17 وحتى مطلع القرن العشرين، وقد رافقت نظرية الصفة النيابية للمبعوث الدبلوماسي ، حتى قبل أن تعتمد كأساس قانوني وحيد لنظام الحصانات والامتيازات.[31]
يقول كاييه حول هذه النظرية: من سلطة الحاكم الإقليمية بنوع من الوهم، حيث يعتبر الموظف الدبلوماسي بأنه لم يغادر أبداً إقليم دولته، ويمارس وظائفه الدبلوماسية لدى الدولة المبعوث لديها وكأنه في بلده الخاص، أي انه موجود جسدياً على أرض الدولة المعتمد لديها وقانونياً غائباً عنها، وبالتالي تؤدي هذه النظرية إلى اعتبار أن السفارة يفترض بها أن تعتبر كجزء من الأقاليم الوطنية، وإقليم الدولة الموفدة، يعتبر السفير إذن كأنه لم يغادر دولته و أن إقامته في الدولة التي يباشر فيها مهمته هي في حكم الامتداد لإقامته في موطنه وبعبارة أخرى (يعتبر مقر البعثة الدبلوماسية الذي يقوم فيه بأعمال وظيفته كامتداد لإقليم الدولة التي يمثلها السفير، ومن هنا أتت تسمية نظرية امتداد الإقليم. [32]
المطلب الثالث: نظرية مقتضيات العمل الدبلوماسي
مقومات ضرورات الوظيفة تمنح الحصانات و الامتيازات من أجل تسهيل عمل أو وظائف البعث ممثلة لشخص القانون الدولي كانت دولة أم منظمة دولية، وبهدف تحقيق مبدأ المساواة في السيادة ورفض مبدأ الخضوع والإذعان الذي يجب أن لا يسود في العلاقات الدبلوماسية و أخيراً يسمح هذا التعايش لثلاثة معاييره المعيار الوظيفي ومعيار السيادة ومعيار المعاملة وبالتالي تصبح هذه المعايير المترابطة مع بعضها البعض أساساً صالحاً لتفسير جميع أشكال الحصانات و الامتيازات والتي تمنح لأشخاص يمارسون العمل الدبلوماسي وهم من خارج السلك الدائم مثل رؤساء الدول و وزرائها.[33]
ويبدو أن أسس هذه النظرية موجودة عند فاتيل الذي يقول: ” حيث أن السفراء والوزارء المفوضين هم أدوات ضرورية لحفظ هذه المؤسسة العامة وللإتصال المتبادل بين الأمم، ولكي يتمكنوا من تحقيق الغاية المكلفين بها، فمن الضروري أن يكونوا مزودين بكل الامتيازات التي تمكنهم من تحقيق النجاح المشروع وممارسة وظائفهم بكل أمان وحرية وإخلاص.[34]
وفيما يلي نظرية الأمان التي نكاد نقول أنها خاصية الدبلوماسية العربية والإسلامية منذ زمن مبكر.
المطلب الرابع: الأمان كأساس للحصانات والامتيازات الدبلوماسية العربية الإسلامية[35]
مفهوم نظام الأمان الإسلامي:-
* البند الأول:الأمان كأساس للحصانات والامتيازات الدبلوماسية العربية الإسلامية
منذ التاريخ كانت الحاجة إلى الاتصال والاحتكاك والتفاوض كانت قد فرضت إقرار ومنح حصانة للرسل، والمبعوثين، و مع مرور الزمن تطورت الممارسة الدبلوماسية تحولت إلى هالة قدسية بشخص المبعوث حيث لا يجوز العرض له و انتهاك حرمته، وعلى هذا الأساس اعتبرت الحصانة مقدسة لا يجوز المس بها، فالسفير يعتبر كالملاك الذي يخدم كرسول بين السماء و الأرض و كان تاريخياً قتل السفير يؤدي غالباً إلى إنهاك الحرب و إلى إقامة التماثيل لمن قتل دبلوماسيين كما أن يحدث في الإمبراطورية الرومانية.
* بالنسبة للبلاد العربية – الإسلامية:
1- مارست الدول العربية الإسلامية مبدأ الحصانات من البداية على قاعدة عرفية استمدتها من التراث العربي القديم وأكدتها الشريعة الإسلامية وأقرتها قاعدة أخرى شكلت المفهوم العام للعلاقات الدولية والدبلوماسية الإسلامية.
2- حيث ساعدت على نمو و تطور علاقة الدولة الإسلامية مع الدول والشعوب والأقوام عاملة على إرساء قواعد في التعامل الدولي والتبادل الدبلوماسي انطلاقاً من مفهوم السلام والوئام والتعاهد والمودة وذلك من خلال تطبيقها لمبادئ العدل، والإنصاف والمساواة ومبدأ المعاملة بالمثل ومبدأ الحماية بكل أشكالها وأنواعها سواء أكان على صعيد مبدأ اللجوء أو مبدأ المعاملة بالمثل و مبدأ الحماية بكل أشكالها وأنواعها، سواء أكان على صعيد مبدأ اللجوء أو مبدأ الحصانة الدولية و الدبلوماسية.
3- لقد عرف العرب قبل الإسلام حصانة بيت الحرام و عرفوا عقد المؤتمرات والأحلاف لا سيما حلف الفضول كان لنصرة وحماية المظلوم إذا ظلم كما دفع العرب الظلم والجور ونبذوا الخضوع والمذلة حيث نمت وتوسعت علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها في جميع المجاملات الاقتصادية والتجارية والثقافية والعلمية.
4- احترمت البلاد العربية مبدأ الحصانة الدولية والدبلوماسية واستنبطت من أحكام الشرع والفقه والاجتهاد نظرية أو مفهوماً أصيلاً للحصانات والامتيازات.
*ما هو مفهوم الأمان وما هو نظامه و ما هي المبادئ والقواعد التي قام عليها ؟؟
تشتق كلمة أمان من أمن ومعناها اطمأن وعاهد وسلم وحصن من حصين أي المنيع والمحمي.
*نظام الأمان:-
فهناك الأمان المؤيد الدائم الذي يستفيد من أهل الذمة، وأهل العهد، وأهل لحصن أي الأمان الدبلوماسي و هناك الأمان المؤقتة الذي يستفيد منه أهل الحرب والمستأمنون والأمان العرفي، أو العادي الذي ينقسم إلى أمان عام، أو أمان رسمي وأمان خاص أي أمن غير رسمي، و هناك الأمان الاتفاقي أو الأمان الموادع، وهناك الأمان الداخلي الذي يشمل جميع هذه الأشكال والأمان الخارجي الذي يمنحه المسلم خارج دار الإسلام في علاقاته مع غير المسلمين جاء أرض المسلمين طلباً للحماية في حقن بذلك دمه ويحميه من اعتداء الغير عليه.
يقول محمصاني: عن مفهوم الأمان، هو نوع من عقد يسمح فيه لغير المسلم أن يدخل دار الإسلام ويبقى فيها آمناً على نفسه وماله ليسمع كلام الله، مما يعني انه عقد مشروط يتضمن إمكانية فسخه أو إلغائه، الآية تقول في سورة التوبة:”وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ” فهذا التعريف ينطبق على بعض الأشخاص غير المسلمين الذين يلجأون لدار الإسلام طلباً للحماية، بما يتعلق فقط بمفهوم اللجوء الديني و السياسي.
*البند الثاني: أمان غير المسلمين أنواع الأمان التي يستفيد منها غير المسلمين: –
1- أمان أهل الذمة: أهل الكتاب هم أهل الذمة الذين يحصلون على أمان مؤيد و إقامة دائمة مقابل دفع الجزية حتى يكسبون حماية الشريعة الإسلامية ( أي خضوعهم للشريعة الإسلامية بهدف حماية أنفسهم وأسرهم وأموالهم مقابل دفع الجزية سنوياً وهذا الأمن هو التزام أبدي غير قابل للنقص أو النقض من جانب الدولة الإسلامية.
يقول محمصاني ينهي بأحد الأمور الثلاثة، الدخول في الإسلام، أو التحالف بدار الحرب أو التمرد على المسلمين.
2- أمان أهل العنوة أو المستأمنون:- هم أهل الحرب أو أهل العنوة أو أهل الشرك أو المخالفون، هم المحاربون الذين لا يستطيعون دخول دار الإسلام بغير أمان عرفي أو اتفاقي بموجب الأمان العرفي أو العادي تكتسب فئة المستأمنين من أهل الحرب أو أهل الشرك أماناً عاماً أو خاصاً فالأمان العام هو الذي يمنحه الإمام أو من يفوضه عنه لمصلحة مدنية أو قلعة والأمان الخاص هو الذي يمنح الفرد أو لعدد محدود من الأفراد (و يجد الخاص و العام أساسه القانون إذا ينتهي الأمان بانتهاء مدته أو نقضه من أحد الطرفين أو بارتكاب أعمال مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية.
أما بموجب الأمان الاتفاقي أمام مفهوم الموادعة و الموادعين من أهل الحرب الذين يمنحون الأمان الذي يترتب على المعاهدة والمسالمة والمصالحة على ترك القتال لقاء دفع مال أو بدونه ويشمل هذا الأمان الشخص وأمواله وأسره و إلى جانب الموادعة هناك المهادنة التي هي نوع من الهدنة ترمي إلى وقف القتال مؤقتاً.
و تعني كلمة موادعة أو توادع تعني حسب لسان العرب “شبه مصالحة و تصالح والوديع تعني العهد و كلمة توادع القوم أي أعطى بعضهم عهداً وكله من المصالحة و كلمة موادعة تعني ال