أ.د. أحمد محمد وهبان

الاسلام والسلطه الدينيه

كاتب الموضوع الأصلي: مهند الحمزي 1

الإسلام والسلطة الدينية

1- الحق الإلهي في الحكم    2- موقف الإسلام    3- الشيعة    4- الحاكمية لله

 

1- شاعت السلطة الدينية في الحضارات القديمة تحت مسمى الحق الإلهي في الحكم، فالحاكم السياسي يحكم لأن هناك صلة تربطه بالسماء، وهو غالبا ما يكون ابن الإله وقد يكون الإله نفسه، ونجد ذلك في الحضارة المصرية القديمة، وفي الحضارة الفارسية، وفي روما القديمة في مرحلتها الوثنية حيث كان الحاكم ابن السماء ثم في مرحلتها المسيحية حيث أصبح الحاكم رئيس الكنيسة. والسلطة الدينية تعني على المستوى الواقعي تجريد الشعب تماما من أية صلاحيات، فالشعب ليس له صلاحيات تشريعية ولا تنفيذية، ويترتب على ذلك تجريده من صلاحية مساءلة الحكام ومحاسبتهم على المدى القريب وتجريده بالدرجة الأكبر من حق الثورة عليهم أو تغييرهم واستبدالهم. إذن فمسمى الحق الإلهي في الحكم هو الغطاء النظري للحكم القائم على الظلم والاستبداد.

 

2- موقف الإسلام من السلطة الدينية موقف حاسم وصريح وواضح لا لبس فيه ولا غموض وهو موقف الرفض التام، فالقول بالسلطة الدينية يعني إضفاء العصمة والقداسة على الشخصيات المتمتعة بهذه السلطة، وهذا أمر ينفيه الإسلام عن البشر جميعا إلا الرسل سلام الله عليهم، وجانب العصمة في شخصية سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعلق بجانب التبليغ عن الوحي، فعصمته تتعلق بجانب الدين، أما جانب الدنيا في إقامة الدولة وتسييس الأمة وتسيير شؤون المسلمين فكان الرسول يجتهد برأيه ويشاور أصحابه وكثيرا ما أخذ بآرائهم أو أقر بأفعالهم وفي حديثه ” ما كان من أمر دينكم فإلي، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به”. وبوفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم- أدرك الصحابة أن سلطانه الديني في التحدث باسم الوحي قد انتهى وأنه لا يحق لأحد إدعاء وراثة هذا السلطان، وكان منهج الصحابة في تسيير أمور الدنيا والسياسة هو الاجتهاد في ضوء مقاصد الإسلام وغاياته وكلياته، فتم اختيار الخلفاء بالاختيار والعقد والبيعة لا بالوراثة، وقد نبه الصديق أبو بكر المسلمين إلى الفرق الجوهري بين حكمه- وبالتالي حكم من سيليه- وحكم الرسول، فالرسول كان يعصم بالوحي وكان معه ملك، أما أبا بكر- كما يقول عن نفسه- فمعه شيطان، ويطلب أبو بكر من الناس الاضطلاع بمهتهم في مراقبة الحاكم ومحاسبته ” فان استقمت فاعينوني وإن زغت فقوموني”

 

3- على المنهج الإسلامي الواضح الرافض للسلطة الدينية سار الفكر الإسلامي في عمومه، فالمعتزلة والأشاعرة وأهل السنة والظاهرية يرون أن السلطة في الإسلام مدنية، وليست دينية.. لكن حدث في التاريخ الإسلامي بعض الممارسات الضيقة التي خرجت عن هذا الروح العام.. وبالإمكان النظر إليها على أنها استثناء يؤكد القاعدة العامة كما أنها كانت ممارسات فعلية ولا تمس الإطار النظري العام الرافض للسلطة الدينية. في المقابل يأخذ الشيعة بالنقيض تماما ويوحدون بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في نظريتهم في الإمامة، وعلى عكس كل التيارات الإسلامية اعتبر الشيعة أن الإمامة ونظام الحكم السياسي من أركان الدين، وقد وضعوا الولاية ( الإمامة) بدلا من شهادة التوحيد في أركان الإسلام الخمسة، أي أنهم جعلوا لنظريتهم أصلا في الدين نفسه، بينما التيار العام للفكر الإسلامي يرى أن أمور السياسة والحكم من الفروع وليست من أصول الدين. ويقول الشيعة إن الإمام معصوم مثله مثل النبي  كما قدموا حجة منطقية صورية وهي أن أفراد الناس غير معصومين، وباجتماعهم في أمة تكون الأمة غير معصومة لذا لابد لها من حاكم معصوم يسوسها. وقد ناقشهم المؤلف في هذه الحجة الصورية مستندا إلى تراث الفرق الإسلامية والتي أثبتت العصمة والثقة لمجموع الأمة الإسلامية، فمحال على الأمة أن تجتمع على خطأ  أو ضلال.

 

4- حديثا برزت دعوات سياسية تقول إنه لا حكم إلا لله وتنادي بشعار ” الحاكمية لله وحده”، ويعرض د. عمارة لها موضحا حقيقة دعواها ومفندا قضاياها مبينا أنها تقوم على أساس واه من الفهم الخطأ لنصوص قرآنية ونبوية. ويذكر أولا أن هذه الدعوات هي صدي للفكر الشيعي القديم، فيذهبون إلى أن السلطان السياسي في الأمة ليس من حق الشعوب، فالبشر ليسوا هم الحكام في مجتمعاتهم، وإنما حكم الأمة هو حكم خالص لله تعالى دونا عن البشر. والحق أن شعار الحاكمية لله وحده شعار يصادر حق التفكير وحق النقد، فمن من المسلمين ينكر حكم الله؟ ومن منهم يجادل ويماري في سلطات الأمة أمام سلطان الله عز وجل؟ يقوم د. عمارة بنقد هذا الفكر من جهتين، أولاهما ينقد فيه قولهم إن نظام الحكم الإسلامي ينتمي إلى نظم الحكم الحتمية أو اللإرادية فهو حكم تنتفي فيه إرادة البشر ولا توجد إلا إرادة الله وحده، فيرد عليهم  بأن مبدأ تقسيم نظم الحكم السياسية إلى نظم إرادية ونظم لاإراية هو مبدأ خاطئ في الأساس لأنه في حقيقة الأمر وفي الواقع الفعلي للبشر ليس هناك إلا نظم سياسية إرادية، فالسلطة في أي مجتمع من المجتمعات وفي ظل أي نظام كان وتحت أية فلسفة وبغض النظر عن الشعارات هي في يد البشر من حيث التشريع والقضاء والتنفيذ، وحتى في الحالة الإسلامية فان البشر يمارسون التشريع من خلال الاجتهاد في المسائل الفرعية والمسكوت عنها في الأدلة الشرعية. وعليه فان التقسيم الحقيقي هو وجود نظم استبدادية تتحكم فيها إرادة الحكام بمصائر شعوبهم تحت ستار من الإدعاء بالحكم باسم الله، ونظم تمارس فيها الشعوب إرادتها الحرة. ثم يوجه د. عمارة النقد لهذا الفكر من جهته الشرعية فيبين أنه قام على سوء فهم للنصوص القرآنية، فهم قد استمدوا مفهوم الحاكمية من لفظ ” حكم” الوارد في القرآن الكريم معتبرين أن هذا اللفظ له مفهوم يتعلق بالسياسة والنظام السياسي للمجتمع، وهذا هو خطأهم الأساسي، فلفظ حكم في القرآن الكريم يرد بمعنى” القضاء” والفصل في المنازعات، وقد قدم د. عمارة أمثلة قرآنية كثيرة تثبت هذا المفهوم القضائي للفظ حكم، أما المدلول السياسي لنفس اللفظ فهو مدلول حديث يرجع إلى حياتنا المعاصرة، وقام أصحاب دعوة الحاكمية لله بإسقاطه على اللفظ القرآني. كذلك يستند أصحاب هذا الفكر إلى الآيات 41- 50 من سورة المائدة التي تتحدث عن حكم الله وفيها ” ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون…. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون….. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون..” وقد فسرها أصحاب الحاكمية بضرورة قيام المجتمع المسلم على حاكمية الله وإلا لكفر هذا المجتمع، ويرد عمارة بأن بالرجوع إلى تفاسير مختلفة للقرآن وبالرجوع إلى أسباب النزول سنجد أن الآيات نزلت في أهل الكتاب وخاصة اليهود وفي تحكيم الرسول- صلى الله عليه وسلم- بينهم، بل أن الحكم بينهم يكون حسب كتابهم: التوراة أو الإنجيل، وليس المقصود هنا حكم القرآن، وبالطبع فان الحكم هنا يعني القضاء والفصل في المنازعات حسب المدلول القرآني للفظ حكم. ثم يستدل المؤلف من السنة النبوية بأمثلة متعددة على هذا  المدلول الأصلي للفظ حكم.

Leave a Comment