الاسلام والشيوعية
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله البقمي
سأحاول في هذه المقالة تحديد مدى التقارب بين الإسلام والشيوعية – أي إلى أي مدى يحضّر الإسلام المسلمين لتقبّل التعاليم الشيوعية أو نبذها (…).
وبالتالي، ينبغي أن نطرح السؤال الآتي: في ظل المنافسة الحالية بين الديموقراطيات الغربية والشيوعية السوفياتية لدعم العالم الإسلامي، ما هي العوامل أو الميزات المتوافرة في التراث الإسلامي أو في الوضع الحالي للمجتمع والرأي العام الإسلامي التي قد تحضّر الجماعات الفاعلة فكرياً وسياسياً لتستوعب مبادئ الحكم الشيوعي وأساليبه، وتحضر الآخرين لتقبلها أيضاً؟ (…).
في معظم أنحاء العالم، تنتشر الديكتاتورية وتمارَس أكثر من الديموقراطية، حتى لو كانت أقل جاذبية منها. كما أن الديكتاتورية التعسفية والمتقلبة في موسكو ليست غريبة أو منفرة بالنسبة لمعظم دول آسيا وافريقيا – بل واوروبا – كما هي بالنسبة إلينا. علينا بذل قصارى جهدنا لنشجع نمو المؤسسات الحرة أينما كان ذلك ممكناً؛ إنما في الوقت عينه، علينا أن نتذكر بأن الديموقراطية تبقى – بالنسبة إلى معظم الجنس البشري – أمراً بعيدًا، غريباً ومبهماً، مثيرا للدهشة أحياناً بل والحسد. كما أنه غالباً ما يولّد، ويا للأسف، شعوراً بالارتياب والكراهية الذي علينا الاعتراف بأنه ليس حكماً مجحفاً تماماً حين نتذكر أمثلة الديموقراطية التي عايشها البشر. وإذا أجبر المسلمون على أن يختاروا وأن يتخلوا عن عاداتهم من أجل الشيوعية أو البرلمانية، فالوضع ليس لمصلحتنا.
لكن من حسن حظ الإسلام والعالم الغربي، لا يقتصر الخيار على هذين الاحتمالين البسيطين. فما زال بإمكان المسلمين أن يلجأوا إلى تراثهم الخاص، مع تعديله بعض الشيء؛ وإلى أن يطوروا شكلا حكوميا ما زال بعيدا عن استبدادية الديكتاتورية ذات الاسلوب الاوروبي، على الرغم من تسلطه وربما اوتوقراطيته – لا أود أن أُفهَم بشكل خاطئ – فأنا أفضّل أن أرى جميع المسلمين يتمتعون بفوائد الحكومة الدستورية والحرية الديموقراطية والنمو الحر للفرد، ولا أستبعد أبدًا تحقيق هذا الإنجاز المرغوب فيه والذي بدأ بالظهور في بعض الدول المحظوظة. ولكن أود التوضيح بأنه، برأيي الخاص، من المستبعد أن يتمّ هذا الانجاز في كثير من دول العالم العربي. فالظروف الحالية والتقاليد الإسلامية القديمة، ليست في مصلحتنا بالكامل؛ بل على العكس من ذلك، تحوي الكثير مما قد يدفع الفرد أو الطبقة أو الأمة المسلمة، المستعدة للتخلي عن القيم والمعتقدات التقليدية، الى أن تختار الشيوعية على الديموقراطية.
سأختار الآن وأناقش بعض العناصر التي بدت لي الأكثر أهمية في دعمها لنجاح الشيوعية في العالم العربي، وسأصنفها نوعين: النوع الأول هو العرضيات التي تشكل جزءًا من الوضع التاريخي الحالي، والثاني هو الأساسيات الفطرية أو المتأصلة في جوهر المؤسسات والأفكار الإسلامية.
إن أول العرضيات وأهمها هو مناهضة الغرب. فالشيوعيون ضد الغرب ولهذا السبب يستطيعون الاتكال على عناصر دعم مهمة من العالم العربي، مثلما استطاع النازيون أن يتكلوا في وقتهم على عناصر الدعم عينها وللأسباب نفسها إلى حد معيّن. فالشيوعيون، مثل النازيين، يناهضون الغرب على صعيدين: فهم ضد القوى الغربية كما أنهم ضد نمط العيش والمؤسسات والأفكار الغربية. في كلتا الحالتين، يشكل الغرب عنصر جذب قوي. وقد باتت التحركات المناهضة للغرب في العالم الإسلامي واضحة ومعروفة. فبعد فترة الإعجاب والتقليد في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ثمة اليوم نفور عام ومتزايد. ويرتكز اهتمام الشعب اليوم على سلسلة احتجاجات معينة يطلقها العالم العربي ضد الغرب (كالمغرب وتونس والسويس والسودان وفلسطين وعبادان التي اعتبرت جميعها السبب الرئيسي وراء التحريض على مناهضة الغرب).
ثمة دائما من يسعى في الغرب إلى إشعال الفتنة وإطلاق الأفكار المسبقة عبر نسبة كل الجرائم إلى أكباش الفداء المفضلة عندهم – الفرنسيين أو اليهود، الأميركيين أو البريطانيين- وسيجدون دائماً لهذا من يدعمهم دعماً فعلياً في الشرق. ويميل المسلمون إلى التركيز على أهمية مسألة معينة عبر تقدير مدى ارتباطهم بها، بينما يشدد الغربيون على أهمية المسألة عينها عبر تقدير مدى بعدهم عنها. في الواقع، تشكل كل هذه الأمور عوارض أو مظاهر نفور أساسي وعالمي من كل ما هو غربي (…).
إن الحركات الليبرالية والدستورية في الدول الإسلامية، والتي أطلقت بتفاؤل شديد في القرن التاسع عشر، كان مصيرها الفشل وخيبة الأمل والإحباط. فقد وقع جميع القادة المحليون في فخ الازدراء والانتهازية مراراً، مما أثار سخط الحس الأخلاقي لدى الذين تعهدوا بقيادتهم أو دفعهم إلى تعصب شديد، رافضين الأجانب ومدينين من غير تميز كل ما هو غربي. فقد عبروا عن الرفض الأعمى للشعوب ضد القوى الأجنبية القوية التي زعزعت نمط حياتهم التقليدي ودمرت توازنهم الاجتماعي التقليدي وأضافت مشاكل جديدة لم تقدم لها حلول ناجعة. ليس من العدل بالطبع بأن يلقي المسلمون اللوم على الغرب في ما يخص تهوّر مصلحيهم وعدم كفاية برلمانييهم وأنانيتهم. لكن علينا الاعتراف بأن سجل الغرب حول تعامله مع العالم الإسلامي وتدخله في شؤونه الداخلية، لا يدحض هذه الإدعاءات تماماً.
بالتالي، يمكن لدعاية الفكر الشيوعي ضد الغرب ان تتكل دائماً على رد فعل جاهز، لا سيما حين يلوّح بالموقف المناهض للإمبريالية. قد يبدو غريباً لنا أن تتمكن الامبراطورية السوفياتية التي ما زالت فاعلة بقوة على الرغم من فشلها في نصف اوروبا، من أن تلعب بنجاح دور بطل حقوق الشعوب المكبوتة ضد الامبرياليين، وأن الدولة التي تحكم بقبضة حديد العديد من الشعوب المسلمة تستطيع رغم ذلك أن تستمر بلعب دور البطل مع شعوب مسلمة أخرى. ولكن هذا هو الواقع؛ إذ بالنسبة إلى معظم الشعوب المسلمة، فإن مفهوم “الامبريالي” – وأتكلم هنا بالطبع عن المعنى المتداول للمفهوم – هو مفهوم محدود نوعاً ما ودقيق بشكل مدهش. فالامبريالي غربي دائماً. وفي الواقع، “الامبريالي الغربي” هو تلازم لفظي طبيعي ومعتاد، مثل الحصبة الألمانية أو الانفلونزا الاسبانية. ولا يخطر ببال العرب المناهضين للامبريالية للحظة بأن أجدادهم المفترضين – الذين هزموا امبرطورية تمتد من جبال البيرينيه إلى نهر جيحون (Oxus) – كانوا امبرياليين أيضاً. ولا يعلم الفرس بأن أمجاد سيروس وداريوس العظيمة كانت أيضاً ذات طبيعة امبريالية. حتى اليابانيون العصريون، ما عدا بالطبع ضحايا الامبريالية المباشرين، يعتبرون نوعاً ما مختلفين وينتمون بالأساس إلى الخراف لا الماعز – خراف سوداء – لكنها ما زالت خرافاً. فالامبريالي ذو النموذج السائد، أي ممثل السياسية الشيطانية المعاصرة في الشرق، هو غربي، كما أنه ملاح وتاجر دائماً. فالامبريالي شخص يعبر البحار على متن سفينة، يرسو على الشاطئ، يشتري ويبيع، يجري أعماله محلياً، وأخيراً، عبر سبل مختلفة، معظمها غير نزيهة، يفرض سلطته وحكمه.
هذا بالطبع تبسيط وبشكل ما تشويه لما مرّ به معظم شعوب آسيا وافريقيا على يد المستعمرين البرتغاليين والألمان والفرنسيين والبريطانيين منذ القرن السادس عشر. وقد شكلت هذه التجربة الاحتكاك المباشر الوحيد لمعظم هذه الدول في القرون القليلة الماضية مع ظاهرة الامبريالية. أما النوع الآخر، أي التوسع العسكري البري، فلم يُفهم بالفعل، إلا من قبل الذين اختبروه مباشرةً. فقد طورت تركيا، على سبيل المثال، استراتيجية دفاعية ضد المراحل المتوالية للتقدم الروسي البري، أولاً نحو البحر الأسود ثم عبر البلقان وبلاد القوقاز. علاوة على ذلك، تتصل تركيا عبر اللغة والأصل بشعوب التتر الذين يخضعون اليوم للنير السوفياتي. وبالتالي، يتمتع الأتراك بأكبر قدر من الوعي حول طبيعة الامبريالية السوفياتية ولديهم أكبر عدد من الآراء المتباينة حول مشاكل العالم الحالية.
أما في سائر العالم الإسلامي، فقد تُفهم الامبريالية السوفياتية فكرياً في بعض الأوساط، لكنها تفشل بأن تستثير أي تعاطف فعلي. وما يسترعي الانتباه، هو أن الرأي العام الإسلامي يرفض عادةً أن يولي المراكز الثقافية الإسلامية القديمة، مثل بخارى وسمرقند، أي اهتمام يذكر مقارنةً بالمراكز أمثال الدار البيضاء والاسماعيلية وعبدان. بالإضافة إلى ذلك، غالباً ما يقول مناهضو الشيوعية- وقد سمع أكثرنا هذا التعليق- “على الأقل، الروس ليسوا امبرياليين”، ويعتقدون فعلاً بأن النظام السوفياتي، على الرغم من سلبياته الأخرى، يخلو نوعاً ما من هذه الوصمة المعينة التي تجعل القوى الغربية مقيتة إلى هذا الحد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الروس قد استفادوا من التمييز العرقي واللوني في الغرب وعدم ممارستهم عنصرية مماثلة. لقد شكل هذا الوضع نقطة إيجابية كبيرة لمصلحة آسيا وافريقيا، وقدم إليهما على طبق من فضة.
أما العرضية الثانية التي سأناقشها هنا، فهي النقمة الحالية في العالم الإسلامي، لا سيما النقمة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ يعتبر فقر الشعوب المدقع والاستهتار الشديد للطبقات المالكة كمصدر خطر محتمل. وبالطبع، لا يشكل التحذير من الخطر الجاثم على الحرية والممتلكات أي تهديد على الذين لا يملكون هذا أو ذاك؛ على العكس من ذلك، تشكل الأفكار الشيوعية ووعودها مركز جذب لمجموعات مهمة في مجتمع يشبه إلى حد بعيد، كما أشير مراراً، المجتمع الروسي على عتبة الثورة.
لا داعي لأن أسهب في الكلام عن هذه النقطة البديهية لأنها نوقشت كثيراً في السابق. لكني أود أن أذكر ثلاث حقائق قد تخطر على بالنا حين نتكلم عن الفقر الموغل في القدم واستهتار الشرق. الحقيقة الاولى هي أن الفقر، مهما كانت درجته في شكله الحالي، ليس قديماً. لا شك في أن الفجوة بين الغني والفقير موجودة منذ الأزل، إنما كما يتبين لنا، لم تكن في السابق واسعة وعميقة كما هي حالها اليوم.
هذه الفجوة هي إلى حد بعيد، في وضعها الحالي، نتيجة التأثير الغربي الذي كان يهدف إلى جعل الغني أغنى والفقير أفقر. فمشكلة التأثيرات الاقتصادية للغربنة والاتصال بالغرب مشكلة معقدة. أقترح هنا أن نذكر جانبين لها: الأول هو الفرصة الكبرى لجمع الأموال الناتجة عن تقنيات الغرب الصناعية والتجارية والمالية، وما يترتب على ذلك من نمو للثروات لا تعرفه الاقتصادات السابقة والبسيطة؛ أما الجانب الآخر فهو التزايد السريع في عدد السكان نتيجة للوقاية الصحية والأمن الغربيين، ولكنه ارتفاع لا يترافق مع أي زيادة في إمدادات الطعام.
بالإضافة إلى ذلك، ليس البون بين الغني والفقير أكبر من قبل فحسب، بل الأهم من ذلك، بات ظاهراً أكثر بسبب إدخال المجاملات الغربية وتدفق البضائع الاستهلاكية الغربية مما يزيد إمكانات التباهي الاجتماعي والتمتع بالثروات. وليست هذه التغييرات ناتجة عن شرور الغرب ولا حتى عن التدخل المباشر للغربيين؛ بل هي نتائج عملية الاتصال الغربي والتأثير الغربي والغربنة بشكل عام. ويتحرك الغرب اليوم لتصحيح هذه النتائج، ويمكنه أن يفعل أكثر من ذلك بكثير.
لقد قلت آنفاً إن الفقر في الشرق، في شكله الحالي، ليس موغلاً في القدم؛ ولا حتى استهتار الطبقات الشرقية الحاكمة. فقبل تأثير الغربنة منذ أواخر القرن الثامن عشر فصاعدًا، كانت التركيبة الجمعية للمجتمع الإسلامي التقليدي – على الرغم من أنها قديمة للغاية – لا تزال قائمة، وكان النظام المعقد للالتزامات الاجتماعية والأخلاقية المرافقة له لا تزال فاعلة. ثم تحطم الترتيب القديم، ليس من قبل الامبرياليين الوضعاء، بل من قبل المصلحين المحليين – وهم الرجال التابعون لمحمد الثاني في تركيا ومحمد علي في مصر – الذين دمروا أكثر مما بنوا. ولم تحل صلات جديدة محل الصلات القديمة. هذا هو سبب الفوضوية الاجتماعية والسياسية التي فاجأت العديد من دارسي المجتمعات الاسلامية الحديثة، ألا وهو غياب كل ولاء سوى الولاء الشخصي البحت والولاء للعائلة – بما أن العائلة هي الوحدة الاجتماعية الوحيدة الباقية ذات واقعية ومعنى. وهنا يمكننا القول إن ما نعتبره إثم المحسوبية هو، بالنسبة للذين يطبقونه، فضيلة الولاء للعائلة، أي الشكل الملموس الوحيد للولاء الباقي. وقد ترك زوال القيم الاجتماعية القديمة وانهيار التماسك الاجتماعي القديم فجوة خطيرة فشلت المثل العليا الاجتماعية والمؤسسات الغربية في ملئها.
نقطتي الثالثة هي أن مركز الخطر ليس الفلاحين الجياع المذكورين بكثرة، بل الميكانيكيون الطموحون الذين يشكلون دعائم القضية الشيوعية. فالفلاحون ما زالوا، لدرجة كبيرة، مندمجين في وحداتهم الاجتماعية التقليدية الخاصة، يدعمهم ولاء العائلة وجماعة القرية وتماسكهما. إنهم العمال غير المهرة أو قليلو المهارة الذين يقتلعون من جماعاتهم القبلية والقروية ويحرمون من دعم نظامهم المعتاد للعلاقات الاجتماعية والعون المتبادل، ويوضعون في محيط غريب ومجهول. ففي الخلية الشيوعية، قد يأمل البروليتاري أو الميكانيكي المنقول إلى هذه البيئة الجديدة بأن يجد بعض التعويض عن درعه الاجتماعي الضائع، وأن يلقى بعض التشجيع عبر الطموحات والنقمة التي يكتسبها مع مهاراته الجديدة.
سأنتقل الآن من العوامل العرضية إلى العوامل الأساسية، أي إلى العوامل المنبثقة عن طبيعة المجتمع والتراث والفكر الإسلامي. أولى هذه الأساسيات هي تسلطية، وربما أيضاً استبدادية التراث السياسي الإسلامي. لقد أصبح من الواضح الآن بأن الدولة الاستبدادية، مهما كان مدى مناهضة عقيدتها المعلنة للشيوعية، تشكّل في الواقع نقطة الانطلاق لنقلة سريعة وسهلة إلى الديكتاتورية الشيوعية. فعلى الرغم من ذلك، نجح السكان الأصليون الديموقراطيون، المعزولون والمتروكون تحت رحمة روسيا في الحفاظ على حرياتهم الديموقراطية خلال سنوات طويلة وصعبة. وقد تحولت الأنظمة الفاشية إلى هذا الحد أو ذاك في اوروبا الشرقية والوسطى، بعد إجراء بعض التعديلات البسيطة عليها، إلى دول شيوعية جاهزة للتخلي عن آلية القمع وممارسيه، وأن تقلب الصفحة على إذعانها لهم. فالتجربة السياسية وعادات الإسلام، على الرغم من اختلافها الشديد عن تلك التي في اوروبا الشرقية، تحوي عناصر قد تمهّد، في ظروف معيّنة، لظهور الشيوعية.
جرى العديد من المحاولات لإثبات أن الإسلام والديموقراطية متساويان- وهي محاولات قامت عادةً على سوء فهم الإسلام أو الديموقراطية أو كليهما. ويعبّر هذا النوع من الأفكار عن حاجة ما عند المفكر المسلم المقتلع من جذوره الذي لم يعد راضياً أو قادراً على فهم القيم الإسلامية التقليدية والذي يحاول تبرير، أو بالأحرى إعادة صياغة، إيمانه الموروث وفق الايديولوجيا الرائجة في وقته. إنه مثال على التمثيل الرومنسي والاعتذاري للإسلام الذي يشكل مرحلة معروفة في موقف الفكر الإسلامي من تأثير الغرب.
ثمة بالطبع عناصر – بل عناصر مهمة – في الإسلام، لا سيما في الفترة الاولى التي قد نكون محقين في اعتبارها ديموقراطية. لكن بشكل عام، التوجه الذي يدعم هذه الفرضية تعادلي أكثر مما هو ديموقراطي؛ وهو توجه مختلف للغاية يتماشى مع المؤسسات الاستبدادية، على الأقل مثلما يتماشى مع المؤسسات الديموقراطية. في الواقع، كان التاريخ السياسي للإسلام اوتوقراطياً بالكامل، باستثاء الخلافة الاولى حين كانت الفردانية الفوضوية للقبلية العربية ما زالت فاعلة. لقد وصفت هذا التاريخ بالاوتوقراطية، لا بالاستبدادي، لأن الحكم كان مرتبطاً بالقانون الديني ويرجع إليه. وكان هذا القانون مقبولاً كحاكم عادل يحفظ سلطة القانون الديني (الشريعة) التي تحفظه بدورها. لكنه كان متسلطاً، وظالماً غالباً، وطغيانياً أحياناً. فليس هناك في تاريخ الإسلام أي نوع من البرلمانيين أو المجالس التمثيلية؛ لا لجان أو جمعيات، لا مجلس نبلاء أو عقارات، لا بلديات؛ لا شيء سوى سلطة الحاكم الذي ينبغي أن يرضخ لها الفرد بشكل كامل وحازم بصفتها واجباً دينياً يفرضه القانون الديني. وفي الفترة الذهبية للإسلام الكلاسيكي، كان هذا الولاء واجباً تجاه الخليفة المعيّن قانونياً، كظلّ الله على الأرض ورأس المنظومة اللاهوتية، وذلك خلال فترة حكمه فقط. إنما مع انهيار الخلافة ونمو الديكتاتورية العسكرية، كيّف رجال الدين والقانون تعاليمهم لتتناسب مع الوضع الجديد ووسعوا واجب الطاعة الدينية ليشمل كل سلطة فعالة، مهما كانت درجة عقوقها وبربريتها. وخلال القرون العشرة الماضية، غلب على الفكر السياسي للإسلام المنصرف عن هذه الدنيا، أقوال مأثورة على غرار “الظلم أفضل من الفوضى” و”ينبغي إطاعة الحاكم”. ويمكن أن نجد التركيبة الكلاسيكية للطاعة السياسية الإسلامية في مقطع يقتبس بكثرة عن الفقيه الشامي ابن جماعة الذي أصبح قاضي القضاة في القاهرة وتوفي عام 1333:
“تُفرض الطاعة الإجبارية حين ينتزع قائد ما السلطة بالقوة خلال فترة من الفتنة المدنية. ويصبح من الضروري الاعتراف به من أجل تجنب الوقوع في مزيد من المشاكل. قد لا يملك أياً من مقومات السيادة، وقد يكون أمياً، ظالماً أو شريراً، بل ربما عبدًا أو امرأة، إنما لا مشكلة في ذلك. فهو في الواقع حاكم، إلا إذا جاء شخص آخر، أقوى منه، خلعه عن العرش واستأثر بالسلطة. سينال حينها الأخير لقب حاكم، وينبغي الاعتراف به لكي لا تتفاقم الأزمة. فمن يملك السلطة الفعلية له الحق بأن يطاع وبأن يشكل حكومة، لأن أسوأ حكومة أفضل من الفوضى. فإذا خيّرت بين شرّين اختر أهون الشرين”.
ليست هذه الكلمات، كما هو واضح، صادرة عن متملق أو مادح يحاول أن ينال رضا النظام الاوتوقراطي؛ بل هي كلمات مؤمن تقي ورع، يعبر بوضوح وبحزن عن حقيقة مرّة كما يراها هو. وينبغي التذكير هنا بأن الكاتب عالم كبير في الشريعة ويتكلم استنادًا الى هذه الشريعة. فحين يفرض الاعتراف بالحاكم وطاعته، إنما يربط واجب المؤمن بالشريعة – أي يصوغ قاعدة إذا اخترقت فهي، بحسب مصطلحاتنا، خطيئة وجريمة في آن واحد، عقوبتها النار بالإضافة إلى عقوبة دنيوية يحددها الحاكم. يقول ابن جماعة “حتى عبد أو امرأة”، فلا يوجد سوى أمر واحد أسوأ – ألا وهو الحاكم الكافر. وقد بُلغت هذه المرحلة أيضاً حين اعتبر قاض مسلم من مزارا، بعد غزو النورمان صقلية من قبل المسلمين، أنه ينبغي تقبّل الحاكم وإطاعته حتى لو كان مسيحياً، بشرط أن يحترم شعائر المسلمين ومعتقداتهم. لن يتفاجأ مجتمع ترعرع على هذه المعتقدات بتجاهل الشيوعية للحرية السياسية أو حقوق الإنسان؛ بل قد ينجذب إلى نظام مماثل، يتصرّف بقوة وفاعلية همجية في خدمة قضية نبيلة – ولو ظاهرياً فقط – بدل العجز والفساد والريبة التي يعتقد، بل واختبر أيضاً، أنها جزء لا يتجزأ من الحكومة البرلمانية.
بالإضافة إلى ذلك، ليست العقيدة الشيوعية التي تعتبر أن على الدولة إدارة الحياة الاقتصادية غريبة عن المسلم كما قد يعتقد البعض؛ بل هو معتاد على التطلع إلى الدولة لتوجيهه والتحكم ببعض الجوانب الأساسية في الحياة الاقتصادية. وقد طُوّر النظام الاجتماعي الإسلامي الكلاسيكي في العراق ومصر بالتوافق مع النمط القديم للمجتمع المجاور للأنهار والوديان (river-valley society). ففي هذه الأراضي، حيث نادراً ما تمطر، كانت الزراعة مزدهرة بفضل الري الاصطناعي من مياه النهر. وتطلب هذا الأمر أعدادا هائلة من المهندسين والموظفين الذين استخدمتهم وأشرفت عليهم السلطة المركزية. وكانت مهمة الأخيرة الحفاظ على نظام الخنادق والسدود والقنوات وغيرها من متطلبات الري التي يمكن بفضلها وحدها الحفاظ على الحياة الاقتصادية في البلاد. من أجل نظام مماثل، كان من الضروري جدًا أن تتواجد سلطة مركزية قوية؛ إذ ليس على المرء أن يبحث بعيدًا ليجد أمثلة عن الإفلاس والإفقار اللذين رافقا انهيار السلطة المركزية في زمن الضعف السياسي وإهمال الري. ففي دول أنعم عليها الله بنعمة المطر، يستطيع المزارع أن يتطلّع إلى الله للحصول على الماء والحفاظ على بعض الاستقلالية في مجالات أخرى. أما في المجتمعات المحاذية للأنهار والوديان، فعلى المرء أن يتّكل على السلطة المركزية لتحافظ على النظام وتؤمن المياه، وهو يعلم تماماً بأنه تحت رحمتها. وفي مجتمعات مماثلة نجد الترتيب الاجتماعي الذي دعاه ويتفوغل (Wittfogel) بـ”المجتمع الهيدروليكي”، حيث تقدّر قوّة النظام والطبقة الحاكمة وفق كمية المياه المتوفرة للري. ويتمتع هذا المجتمع بخصائص معروفة تماماً وهي: مزارع مطيع لا حيلة له، قابع تحت رحمة السلطة المركزية والبيروقراطية، والطبقة الحاكمة المؤلفة من الموظفين ومالكي الأراضي الذين يتحكمون من غير أن يلاقوا أي مقاومة – بل ليس من الممكن أن يلاقوا مقاومة – بمصادر الحياة الاقتصادية وبالتالي بالقوة السياسية. ويتواجد هذا النوع من المجتمع في مصر والعراق، وفي المجتمعات المحاذية للأنهار والوديان في الهند والصين وروسيا. لن أدعي بأن المجتمع الروسي كان “هيدروليكياً” بهذا المعنى في الماضي؛ إنما ثمة نقاط شديدة التشابه بينهما. وتقوم الاوتوقراطية الإسلامية التقليدية على ثلاث ركائز: البيروقرطية والجيش والتراتبية الدينية. وأذكر هنا الملاحظة المثيرة للاهتمام التي قدمها السيد ألبرت حوراني أخيراً في هذه المجلة؛ إذ قال بأننا نشهد ربما عودة هذا النمط – أي الاوتوقراطية الإسلامية – من خلال التغيرات التي نشهدها أخيراً في مصر. وفي هذا النمط، لسنا بحاجة إلا الى تغيير التراتبية الدينية من أجل تمهيد الطريق لظهور الدولة الشيوعية.
ولكن هذه التراتبية مهمة للغاية. فعلماء الإسلام يختلفون للغاية عن الحزب الشيوعي. على الرغم من ذلك، إذا أمعنا النظر، نجد بعض التشابهات المقلقة. فالجماعتان تعلنان إيمانهما بعقيدة ديكتاتورية، مع تقديمهما أجوبة كاملة ونهائية لكل الأسئلة التي تدور في خلد الإنسان حول الدنيا والآخرة. لكن هذه الأجوبة متباينة على جميع الصعد، تتشابه فقط في نهائيتها وشموليتها وفي اختلاف تعاطيها مع التساؤل الأبدي حول الإنسان الغربي. وتؤمّن الجماعتان لأعضائهما وأتباعهما الشعور البهيج بالانتماء إلى مجتمع من المؤمنين المحقين دائماً، في مواجهة عالم خارجي من غير المؤمنين المخطئين على الدوام. وتشعر كلتاهما المنتمين إليهما بأنهم في مهمة هادفة وبأنهم مرتبطون بمغامرة جماعية لتسريع الانتصار المحتم تاريخياً للإيمان الحقيقي على فاعلي الشر الكفار. إن التقسيم الإسلامي التقليدي للعالم إلى دار الإسلام ودار الحرب – وهما جماعتان متناقضتان بالضرورة، حيث الجماعة الاولى ملزمة بأن تحارب باستمرار الجماعة الثانية – إنما يحمل أيضاً نقاطا مشتركة، بحسب الرأي الشيوعي، حول القضايا العالمية. فمضمون الاعتقاد مختلف تماماً، إنما التعصب العدواني للمؤمن هو نفسه. وقد وضع الفكاهي الذي اختصر العقيدة الشيوعية بعبارة “لا وجود لله وكارل ماركس نبيّه” اصبعه على تشابه فعلي. فالدعوة إلى جهاد شيوعي، أي حرب دينية للإيمان – إيمان جديد، لكن ضد العدو المسيحي الغربي نفسه – قد تلقى استجابة سريعة.
لقد أشرت آنفاً إلى الالتزامات الجماعية. وثمة هنا أيضاً احتمال وجود نقطة التقاء بين الشيوعية والإسلام، وهي الميول الجماعية التي أذهلت العديد من الدارسين. لقد كُتب الكثير عن الحركات والفرق الدينية الشيوعية العديدة التي تشكلت تقريبا منذ بداية الإسلام. سأقتبس من تقرير عربي شبه معاصر يصف نشاطات مندوب في إحدى هذه الفرق في العراق، في جوار الكوفة، حوالى أواسط القرن التاسع. هذا المندوب، كما قيل لنا، بعدما حوّل سكان قريته إلى عقيدته، فرض عليهم ضرائب ورسوماً متزايدة وأخيراً:
“واجب الألفة… وهو يقوم على جمع كل مقتنياتهم في مكان واحد يتمتعون بها جميعاً من غير أن يستأثر أي واحد منهم بملكية خاصة قد تميزه عن الآخرين. أكد لهم أنهم لا يحتاجون إلى أي ملكية لأن كل الأرض ملكهم لا لأي شخص آخر. هذا هو، كما قال لهم، الاختبار الذي نمر فيه لنعرف كيف ستتصرف. حضهم على شراء الأسلحة وتحضيرها. وقد عين التبشيريون في كل قرية رجلاً جديراً بالثقة ليجمع كل ما يملك هؤلاء الناس من خراف ومجوهرات ومؤن، إلخ… كسا العاري وأشبع كل حاجاتهم، فلم يبق فقير بينهم، ولا حتى محتاج أو معوق. قام كل فرد بواجبه بعناية وتجانس من أجل أن يستحق رتبة عالية مكافأة على الخير الذي قام به. أحضرت المرأة ما كسبته بالحياكة، أحضر الطفل ما ناله مقابل إخافة الطيور. لم يعد أحد منهم يملك أي شيء سوى سيفه وأسلحته”.
هذا بالطبع وصف تضخيمي لإجراءات هذه الجماعات، ولكنه ليس غير نموذجي. وليست هذه سوى واحدة من الحركات العديدة التي سُجلت في تاريخ الإسلام وفي بلاد فارس قبل ظهور الإسلام بكثير. كلها فشلت وأدينت كما يجب من قبل الارثوذكس باعتبارها هرطقة، ولكنها كشفت عن الميل المتكرر عند الإسلام لتشكيل مثل هذه الأفكار والجماعات، كما ساعدت في تفسير العلاقات الخفية التي تربط من وقت إلى آخر بين بعض المنظمات الإسلامية المتطرفة والشيوعية. وقد ظهرت هذه الميول الدينية الشيوعية في مثل هذه المنظمات تحديداً، أي في الأخويات الشهيرة، شبه السرية والغامضة، ذات الارثوذكسية المشبوهة والتي لا يثق بها العلماء العاديون. وليست هذه الجماعية محصورة بما قد نطلق عليه اسم “المستوى الدوني الشعبي للإسلام”؛ إذ نجدها أيضاً في نواحي عديدة من الحياة الارثوذكسية الإسلامية وفكرها، وفي موقف المجتمع والدولة الذي ذكرته آنفاً، وحتى في الأدب. ولا يُقدّم الكتاب العربي الكلاسيكي غالباً كإبداع فردي وشخصي من الكاتب، بل كصلة وصل في سلسلة التراث. فالكاتب يمحو شخصيته خلف هيبة السلطة ورتب الكتاب السابقين؛ إذ تتصف أهم مؤلفات الأدب العربي بالموضوعية والروح الجماعية مثل كاتدرائية من القرون الوسطى. وتبرز هذه الجماعية بوضوح في الفكرة المسلمة عن الإنسان المثالي والدولة المثالية، مع التطبيق الخارجي للأنماط الراسخة، حيث ينبغي للجميع نظرياً أن يمتثلوا بهذه الأنماط من خلال التقليد لا عبر تطوير إمكاناتهم الداخلية، كما هي الحال في المثال الغربي.
قد يعترض البعض قائلين بأن الأمر نفسه ينطبق على أي ديانة أخرى غير الإسلام، معتبرين أن الشيوعية ديانة بحد ذاتها. وأنا أُقر بأن بعض المقارنات التي أجريتها، وليس كلها، تنطبق أيضاً على ديانات أخرى؛ بل أضيف أنه لو حافظت هذه الأديان على سلطتها التأسيسية والتقريرية أمام أتباعها مثلما يفعل الإسلام حتى اليوم، فقد تنطوي هذه الملاحظة على شيء من الحقيقة. ولكن لا أستطيع أن أعتبر الشيوعية ديانة، ولا شيء، وبرأي، يصوّر بشكل أكثر وضوحاً دولة الديانة المتداعية في عالمنا الغربي، إلا عبر إقامة مثل هذه المقارنة. في الواقع، تسترعي التشابهات الانتباه منذ النظرة الاولى. ففي الشيوعية، كما في معظم الديانات، نجد طقوساً وتراتبية، وحياً ونبوة، كتاباً مقدساً وتأويلاً، ارثوذكسية وهرطقة، عزلاً واضطهاداً. كما أن بعض أهم القوى الروحية للإيمان الديني تقوي الشيوعي المؤمن بحق. فعلى الرغم من ماديته المعلنة، إلا أن لديه أهدافاً تتخطى مصالحه الشخصية وحياته الخاصة. فهو مفعم بحماسة إنجيلية وإيمان تخليصي. هذه هي الصفات التي أعطت الشيوعية قوتها المميزة- أي البصمة العميقة التي تركتها في العديد من الدول الشرقية. إن الفاشية والنازية، بدعوتهما الصريحة إلى الجشع والكراهية والتباهي والحسد، يمكنهما على المدى الطويل التوجه فقط إلى الغرائز الشريرة في الإنسان، وهما تتشابهان في محدوديتهما. أما الشيوعية، فباستغلالها الفاشية والنازية إلى أقصى الحدود، حرفت لمصلحتها بعض أنبل غايات الجنس البشري – مثل السلام والعدالة الاجتماعية والأخوة بين البشر – واستغلتها استغلالا قاتلاً. وسنفشل في إدراك الخطر الشيوعي ومواجهته إذا لم نعترف باستقطابه لأفضل، ولكن ليس لألمع، وكذلك أسوأ النفوس. وبالتالي، فللشيوعية العديد من الصفات المشتركة مع الديانة، ولكن يبدو أن الاختلافات هي الغالبة. أود أن أقتبس مقطعاً من الكاتب الدانمركي فيلهلم غرونبيه (Vilhelm Gronbech) الذي قال: “المشكلة هي أننا نخلط بين التدين والديانة. فلأن الناس متدينون بطريقتهم الخاصة، فهم لا يستطيعون تصور ديانة تشكل روح المجتمع ونظير ما هو عملي. ديانة واقعية وفعلية، تمثّل العلاقة العملية بين البشر والله، بين الروح والأبدية. وهي ديانة تتجلى في العبادة والأعمال كقوة تبعث الحياة في السياسة والاقتصاد، في الحرف والتجارة، في الأخلاقيات كما في القانون. بهذا المعنى، ليس للدولة الحديثة ديانة”.
بهذا المعنى، يمكن المرء أن يضيف أيضاً، ليست الشيوعية ديانة ولا يمكن أن تصبح واحدة، فيما الإسلام، بالنسبة إلى أعداد المؤمنين الهائلة، ما زال ديانة. هذا هو جوهر المقاومة الإسلامية للأفكار الشيوعية. على الرغم من أن إيمان المسلمين بالحرية ضعيف جدا الى درجة عدم قدرته على مساندتهم، إلا أن ايمانهم بالله قوي بما فيه الكفاية. فالشعوب المسلمة ما زالت دينية بكل ما للكلمة من معنى. فالإسلام كديانة لا يناهض الشيوعية أكثر من مناهضة المسيحية لها؛ بل أنه في الواقع، كما أشرت سابقاً، يناهضها بدرجة أقل. ولكنه أكثر فاعلية بصفته قوة تؤثر على حياة وأفكار أتباعها. فالمسلمون الاتقياء – ومعظم المسلمون أتقياء – لن يقبلوا بعد اليوم بعقيدة ملحدة، ولا بعقيدة تنتهك مبادئهم الأخلاقية الدينية التقليدية التي غالباً ما يهملها المراقبون الغربيون لأنها لا تتلاءم مع عقائدنا. فالثورة الحالية للمسلمين ضد فساد وانتهازية بعض قادتهم وبعض القادة الغربيين هي غالباً لمصلحة الشيوعيين، مع ادعائهم التفاني الغيري لمثال أعلى؛ إنما سيكون ضد الشيوعيين حين يتوصل المسلمون إلى رؤية الحقائق القابعة خلف الدعاية. لنأمل ألا يتأخروا بالتوصل إلى هذه الحقائق.
في كل الأحوال، ليس بيدنا حيلة إزاء هذا الأمر. فسلوكنا العام والسياسي هو بلا شك أفضل من سلوك الشيوعيين، إنما الفرق ليس واسعا أو ظاهرا بشكل كافٍ ليترك أي انطباع ملحوظ على باقي العالم. فالناس الذين يمثلون الديموقراطية الغربية في تعاملها مع الإسلام هم بالطبع أناس جديرون بالاحترام والتقدير، يقومون بعمل مهم وقيم؛ إنما بصفتهم مروجّين للتجدد الأخلاقي والديني، من المستبعد أن يجمعوا المؤيدين. نحن، الغربيّون، نستطيع القيام بالكثير للترويج للخير المادي ورفع المعايير المادية لأراضي الإسلام. ويمكننا ربما القيام بأمر ما لتشجيع – أي تبرير – موقف أكثر إيجابية من أنفسنا وأفكارنا وآمالنا. ولكن في خضم الأزمة الحالية، على الإسلام أن يجد في داخله القوة الفكرية والموارد الروحية ليقاوم الهرطقة الدنيوية الكبرى في عصرنا هذا؛ إذ يمكننا أن نفعل أكثر من مجرد الامتناع عن وضع العقبات.