الاشكال المختلفه للحكومات عند افلاطون!
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن الزبن
الأشكال المختلفة للحكومات.
قدم أفلاطون تحليلا لمختلف الحكومات القائمة والتي كانت من قبله خاصة تلك التي عرفها من خلال تجربته الشخصية، من خلال الترجمة أو المعطيات التاريخية، وأخيرا من خلال فلسفته وتفكيره. وصف مختلف هذه الحكومات مبينا مميزاتها وعيوبها، وأخذ بالحسبان الفكرة الهامة التي ذكرها في كتابه، وهي أن تنظيما جيدا للمدينة يجعل الناس أكثر سهولة و جودة من الناس الذين يعيشون في مدينة تحكمها حكومة سيئة، وأنه لا يوجد حكومة جيدة مع الناس الذين لا يتمتعون بالفضيلة. يقسم أفلاطون الحكومات إلى أربعة أشكال رئيسة :التيموكراثية،الأوليغارشية،الديمقراطية والطاغية.
1ـ التيموكراثية.
يتصف هذا النوع من الحكومات بما يسمى “مفهوم الشرف”. فالدولة التيموكراثية تعرّف من قبل أفلاطون من خلال التحليلين التاليين: الزعماء أو القواد يستفيدون أو يحصلون على تقدير كبير من قبل الجسم الاجتماعي، أما المجتمع هو مقسوم إلى طبقات مغلقة كل منها متخصصة في ممارسة خاصة للوظيفة التي أسندت إليها. هذه الطبقات هي : المحاربون،الكهنة،المنتجون والتي تمارس باحترام مهمات القيادة و حماية المجموعة. النظام التيموكراثي الذي تحدث عنه أفلاطون وجد بشكل فعلي في عملية تنظيم السلطة في اسبرطة والتي أعجب بها كثيرا. وقد اعتبر أفلاطون هذا الشكل من الحكومات بأنه جيد بسبب ارتكازه على مبادئ يعتبرها عادلة وتحترم تخصص كل مجموعة في ممارسة وظيفة محددة.
2ـ الأوليغارشية.
وهي شكل من الحكومات مؤسس على التعداد، حيث الأغنياء يقودون و الفقراء ليس لديهم حصة في السلطة. ووفق تعريف أفلاطون فإن المعيار المحدد لهذه الحكومة هو الغنى،ضمن هذا المعنى الحكم يمارس من قبل الأشخاص الأكثر غنى و الذين سيحكمون بشكل طبيعي من أجل استخدام السلطة لزيادة غناهم بشكل أكبر. الغنى هنا يعتبر الفضيلة الاجتماعية الأساسية وهي تدخل في تناقض مع القيم الأخرى ولاسيما الفضيلة.
ومن المنطق أن نختم الحديث عن الأوليغارشية بالقول أنها لا تستطيع أن تكون نظاما أو شكلا جيدا للحكم كما رآها أفلاطون لأن الفضيلة و الممارسة الفاضلة للوظائف الموزعة هي المعيار للحكومة العادلة وهذا لا يمكن أن يتصالح مع منطق الغنى. إذا الأوليغارشية هي معتبرة من قبل أفلاطون بأنها شكل سيء للحكومة لأنها تهدد بإنهاء وحدة المجتمع وبإمكانية الحفاظ عليها. وهنا في الواقع نرى تعبيرا في غاية الأهمية عند أفلاطون وهو أساسي في فلسفته السياسية أي عندما يقول “بأن وحدة المجتمع هي الهدف الأساسي الذي يجب أن يتابع عندما نؤسس حكومة و أن القدرة على الحفاظ عليها هي معيار هام لقيمة الحكم،وكل شيء يساهم في تقسيم المجتمع هو شر، وكل شيء يساند وحدته هو خير”.
3ـ الديمقراطية.
في فكر أفلاطون الديمقراطية لها معنى مختلفا عن المعنى الذي نعطيه لها اليوم. الديمقراطية هي حكومة الفقراء ضد الأغنياء أي هي حكومة العدد الأكبر لأن الغالبية في المجتمع هم من الفقراء. ومع الديمقراطية نكون بعيدين جدا عن حكومة تهدف إلى الحرية وتحقيق المساواة الممكنة بعكس تعريف الديمقراطية اليوم. ونأخذ هنا نصا من كتابه “الجمهورية” يتحدث فيه عن الديمقراطية:” الديمقراطية تقام عندما الفقراء المنتصرون على أعدائهم يسحقون هؤلاء والآخرين ويتقاسمون من جهة أخرى مع من تبقى، الحكومة و التشريع أو القضاء”. و الديمقراطية وفق أفلاطون هي نظام مدان لعدة أسباب: أولا، الديمقراطية هي شكل سيء للحكومة حيث أنها لا تحترم التخصص الضروري لمختلف الفئات الاجتماعية في ممارستها لوظائفها المحددة. وثانيا، الديمقراطية تشكل أو تؤدي لاستمرار الصراع بين الأغنياء والفقراء،وهذا أيضا كما في النظام الأوليغارشي يهدد وحدة المجتمع. ثالثا وأخيرا،أفلاطون يدين الديمقراطية لأنها بالضرورة النظام الذي يعطي مميزات لعديمي الكفاءة والمؤهلات.
هذا النقد للديمقراطية يظهر غريبا بالنسبة لنا ولمن يحمل في ذاكرته صورة جميلة عن أثينا، أم الديمقراطية، والتي أثنى عليها كتاب عاشوا في ذاك العصر ويعيشون اليوم.أثينا كانت بحق مغامرة الديمقراطية، عاشتها عشرات السنين وحققت بفضلها أشياء كثيرة.
4ـ الطغيان.
إنها الحكومة التي يديرها شخص واحد لا يخضع ولا يحترم القانون. هذا النظام مدان بشكل كبير من قبل أفلاطون. وأكبر أخطاء هذا النظام أنه يخضع لإرادة وقيادة فرد واحد في إصدار أو توقيف القرارات إذا بعد كل هذه الصفات هو نظام بعيد عن الفضيلة. بالإضافة لذلك نظام الطغيان هو نظام خطر حيث أنه لا يترك إلا مساحو صغيرة جدا للعقل ويرتكز بشكل واسع على ممارسة العنف من أجل فرض إرادة الطاغية. ويقول أفلاطون:” إن الطاغية سيمكنه الخروج من حالة الطغيان إذا كان من حوله حكماء وفلاسفة يقودونه إلى الطريق الصحيح للحقيقة”. في الواقع ما يقوله أفلاطون هنا يذكرنا بالمشكلة الأبدية في العلاقة بين “المثقف” والسياسة، والتي وضع لها “ماكس فيبر” نظرية معروفة ومازالت موجودة و بقوة حتى اليوم. كما أن الأمثلة كثيرة على هذه العلاقة عبر التاريخ: فقد حاول أفلاطون لعب هذه الدور مع حاكم “سيراكوز”، وكذلك فعل أرسطو في محاولة تعليمه لتلميذه “الكسندر الأكبر”، وأيضا في مثل ليس بعيدا عنا وهي العلاقة بين “فولتير” و فريدريك الثاني.في النهاية، أفلاطون يعتبر الطغيان نوعا سيئا للحكم وللسلطة لأنه لا يخضع للفضيلة. ومن جهة أخرى، نظام يهدد بانقسام المجتمع وعامل للصراع في داخله.