أ.د. أحمد محمد وهبان

الانتخابات المصرية مكاسب ديمقراطية ومخاوف مستقبلية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله المغامس234

إميل أمين – كاتب مصري:– مع ظهور هذه السطور للنور تكون المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية المصرية في طريقها للاكتمال عبر اقتراع نحو ثمانية عشر مليونا من المصريين الذين يحق لهم الاقتراع، وبعد أن اقترعت ملايين أخرى قبل أسبوعين في المرحلة الأولى.

والشاهد أن علامة الاستفهام التي يطرحها هذا الملف “هل ستؤدي هذه الانتخابات إلى الاستقرار في مصر أم لا ؟” هي علامة جد حقيقية ومصيرية، وجديرة بالتوقف أمامها طويلا بعين فاحصة للمشهد المصري لاسيما وان هناك تطورات سريعة وإيقاع أحداث متسارعا وشبه ضبابية لجهة المستقبل الذي ينتظر مصر، لا سيما في ضوء تنازع وتشارع الأهداف وتباين وتعدد المصالح للفصائل السياسية المختلفة على الأرض.
من أين يمكن للمرء أن يبدأ منظرا للمشهد المصري؟
حكما من حالة الإقبال غير المشهودة أو المعهودة عبر العقود الأربعة المنصرمة أما السبب الذي جعل من طوابير المصريين الواقفين أمام مراكز الاقتراع تفوق طوابير العيش وأنبوبة البوتاجاز الإشكالية الأحدث في تاريخ مصر الحديث هو الشوق والرغبة الكامنة عند جموع المصريين لممارسة حياة سياسية حقيقية سليمة، بعيدة عن التزوير والغش والتدليس، المظاهر التي عرفتها الحياة السياسية المصرية ومن أسف طويلا.
كان المشهد وعن حق عرسا ديمقراطيا لكنه ومن أسف لم يكتمل فقد نغصته إشكالية اكبر وأوسع تتمحور حول علامة استفهام هل كان هناك استعداد ووعي ديمقراطي سليم وكاف لإجراء هذه الانتخابات؟
الجواب من شقين الأول يتصل بالحالة الذهنية لعوام المصريين ودرجة وعيهم السياسي بعيدا عن النخبة المتصارعة حول أجندات شتى، والثاني يتصل بالفترة الزمنية التي تجري فيها الانتخابات بعد نحو اقل من عشرة أشهر على ثورة 25 يناير.
أما فيما يتعلق بالشق الأول فواقع الحال يشير إلى أن غالبية الملايين التي خرجت للاقتراع قد خرجت للمرة الأولى بعد انقطاع عقود ليقين سابق قوامه أن تلك الانتخابات مزورة في كل الأحوال، ولا فائدة من المشاركة.
هذه المرة كان هناك يقين عال بأنها انتخابات ديمقراطية حقيقية لكن الإشكالية الأكبر هي أن خواء الحالة السياسية المصرية من أحزاب حقيقية ناجعة فاعلة على الأرض، جعل المعركة الانتخابية تمضي برسم ديني طائفي مذهبي، وهذه قضية قائمة بذاتها، وفي حاجة إلى قراءة مستقلة ربما نعمد إلى التوقف عندها لاحقا والتأمل في أسبابها.
أضف إلى ذلك أن نظام الانتخاب هذه المرة معقد إلى درجة كبيرة، فقد جرى العرف في غالبية الانتخابات السابقة أن تتم إما بالنظام الفردي أو بنظام القوائم الخالصة، ما كان يسهل الأمر على الناخب.
غير أن الاقتراع هذه المرة كان بين قوائم مختلطة وكتل وأحزاب وجماعات متباينة، ومعه حتمية اختيار عدد من النواب الأفراد التابعين كذلك للأحزاب، وهذا ما يجعل هذه الانتخابات وفقا لعدد بالغ من الدستوريين المصريين باطلة لأنها أفقدت البرلمان الثلث المستقل، أو الثلث المعطل الذي من اجله صمم الإعلان الدستوري شكل هذه الانتخابات البرلمانية، ولهذا تجمع آراء كثر على انه برلمان قصير العمر، سيحل بمجرد انتخاب رئيس جديد لمصر والمصريين في نهاية يونيو القادم، وهذا أمر قد لا يرضي أو يعجب التيار الذي سيقدر له الفوز بالأغلبية في هذا البرلمان، وقد قال المراقبون إن ما يجري هو بروفة برلمان، وليس عملية انتخاب برلمان وان جرت في أجواء شبه ديمقراطية على ما شابها من إعطاب تقنية ومشاكل إدارية وإجرائية.
الأمر الثاني يتعلق بالوقت ذلك أن إجراء الانتخابات بهذه السرعة وفي هذا التوقيت أمر توجه له سهام النقد، فلم يقدر للفصائل الشبابية المختلفة التي كانت صاحبة الدعوة للثورة المصرية أن تنظم صفوفها أو تنشئ أحزابا حقيقية لها مرجعيات على الأرض وركائز شعبوية وامكانية للتعبئة البشرية تمكنها من الحصول على مقاعد في البرلمان تمارس من خلالها وبشكل رسمي مهام التشريع الأساسية للدولة.
لكن هذا الطرح مردود عليه بان المنافع المترتبة على إجراء الانتخابات في هذا التوقيت مع كل المثالب المحيطة بها،متقدمة على الخسائر التي كانت ستحل بمصر والمصريين من جراء تأخير إنشاء برلمان جديد واستمرار حالة اللغط السياسي والاضطراب وعدم الاستقرار في الشارع المصري وهي وجهة نظر وجيهة في كل الأحوال.
هل يمكن لهذه الانتخابات أن تحقق استقرار لمصر؟
علامة استفهام صعبة للغاية لا سيما وان نتائجها تتضح بشكل لا يقبل الشك، وتتمثل في فوز كاسح للتيارات الإسلامية في مواجهة الليبراليين والعلمانيين واليساريين والقوميين، وحتى الشيوعيين الذين عادوا حديثا للظهور على سطح المجتمع المصري.. لماذا كان السبق للإسلاميين؟ وهل الإسلاميون جميعهم فصيل واحد؟
حكما إن حالة انفراد الحزب الوطني الديمقراطي السابق بمقدرات الأمور ولو بالتزوير طوال العقود الثلاثة الماضية من جهة،والضغوطات الرسمية التي أدت إلى حالة “الموات السياسي” إن جاز التعبير جعلت من الاتجاه الديني البديل الوحيد المتاح على سطح الأحداث للخلاص من الضيق الممارس على ممارسي الحياة الحزبية، وباتت الأحزاب المصرية التي بلغ عددها ثلاثين حزبا بيوت للعنكبوت وكيانات كرتونية دورها لا يتجاوز تنفيذ سيناريوهات حكومية مرسومة بدقة، وكيف لا وهي تتلقى دعما وتمويلا ماليا من الحكومة والدولة.
في هذا السياق يتذكر المرء المقولة الشهيرة للكاتب البريطاني الكبير جورج برنارد شو ” عند العاصفة يلجأ المرء إلى اقرب مرفأ، وليس من مرفأ قريب مثل الدين “… فهل كان فوز الإسلاميين نوعا من المرفأ للمصريين الذين جربوا أنظمة سياسية عديدة ملكية وجمهورية، اشتراكية وقومية ناصرية وساداتية ومباركية، وعاشوا رأسمالية مغرقة في إفقار المصريين وحان الوقت الآن ليجربوا الإسلاميين ويضعوا الشعارات التي طالما نادوا بها في سنوات “الحظر” موضع التنفيذ ؟.
ربما يكون ذلك كذلك لكن هناك إشكالية أخرى في واقع الحال، وهي أن الإسلاميين بدورهم ليسوا فصيلا واحدا، بل بصورة مبسطة يمكن الحديث عن ثلاثة تيارات منهم، يختلفوا فيما بينهم اختلافات تتراوح بين الثانوي والجوهري فالأخوان المسلمون على سبيل المثال جماعة لها تاريخ طويل في العمل الدعوي والسياسي، ولها مؤسساتها الاجتماعية في كافة ربوع مصر، ما يعني أن لديها مشروعا سياسيا ما، ربما لا يكون بحجم مشروع إدارة دولة، لكنها في كل الأحوال ربما تسعى إلى تطبيق مماثل لتجربة حزب الحرية والعدالة في تركيا.
غير أن الفصيل الإسلامي الآخر والذي كان وعن حق مفاجأة في العملية الانتخابية، فقد مثله التيار السلفي والذي لم يعرف عنه حضور سياسي قبل ثورة 25 يناير لكنه استطاع في كل الأحوال تحقيق نتائج متقدمة باحتلاله المركز الثاني في المرحلة الأولى، وان كانت جولة الإعادة الخاصة بالمرحلة الأولى قد أفرزت فوزا اشد للإخوان على حساب السلفيين وربما مرد ذلك هو مخاوف المصريين من المواقف المتشددة للسلفيين، وحجر الزاوية فيها الرؤى الدينية الأكثر صرامة وغير القابلة لسياسات التفاوض أو الحلول الوسط.
هناك التيار الثالث المعروف بأحزاب الوسط الإسلامي، والتي مثلها في الانتخابات حزب الوسط، والذي حاول ولا يزال تقديم رؤية مدنية للدولة المصرية بمرجعية إسلامية، وقد حقق عددا من المقاعد في المرحلة الأولى.
والثابت كذلك أن هذه التيارات بها افتراقات داخلية واضحة جدا، فعلى سبيل المثال الإخوان المسلمين لم يعودوا فصيلا سياسيا واحدا، فهناك تيار شباب الإخوان، والذي وان لم ينفصل عن كبار شيوخ الإخوان إلا أنهم أصحاب آليات ربما تختلف عن الميكانيزمات التي عرفها الشيوخ وكبار السن من قبل، وكذلك الأمر بالنسبة للسلفيين فهناك رموز من بينهم أشعلت حرائق من الخوف في قلوب عموم المصريين بتصريحاتهم العنيفة جدا، الأمر الذي دعا القائمين على الأحزاب السلفية بالفعل للتبرؤ منهم ومن مواقفهم بسبب الخسائر التي لحقت بهم في الإعادة المتعلقة بالمرحلة الأولى.
ومما لا شك فيه أيضا عن الحديث عن استقرار مصر في مرحلة ما بعد الانتخابات لا يستقيم دون التناول وبصراحة وموضوعية حضور أقباط مصر في الحال والاستقبال، ذلك أنهم وان كانوا جزءا أصيلا من النسيج الاجتماعي المصري إلا أنهم قد عزفوا في العقود الستة الأخيرة ومنذ ثورة 1952 عن المشاركة في الحياة السياسية والبرلمانية لأسباب كثر يضيق المجال الآن عن الخوض فيها، ولهذا كان من حق رئيس الجمهورية تعيين عدد منهم في مجلس الشعب من باب ذر الرماد في العيون. لكن ما جرى منذ يوم الخامس والعشرين من يناير من مشاركة الشباب الأقباط في الثورة ووقوع العشرات منهم شهداء، وإصابة المئات وصلواتهم التي أقاموها في الميدان وحراستهم لإخوانهم المسلمين إثناء تأدية الصلوات في التحرير، هذه جميعها أنهت حالة القطيعة مع الحياة السياسية وبات جليا أن شباب ورجال ونساء الأقباط قد انتهى عهد صمتهم، وان مشاركتهم باتت انطلاقا من حقوق مواطنتهم وبعيدا عن أي توجهات كنسية رسمية، فهم مصريون توجههم كمواطنين لا كمؤمنين أو ذميين حتى وان عكر صفو هذا المشهد ما جرى في ماسبيرو.
غير أن ملايين الأقباط المصريين ولا شك يشعرون الآن بحالة من الانزعاج الشديد من جراء الصعود السريع للإسلاميين والمخاوف لديهم تزداد من المتشددين بنوع خاص، ذلك انه وكان الإخوان يطلقون صيحات الطمأنة رغم مواقف البعض منهم غير المطمئنة، إلا أن مواقف السلفيين إلا ما ندر مدعاة لقلق واضطراب بالغين ولهذا رأينا كثير من وكالات الأنباء الأجنبية تتحدث عن خطط وبدائل لأقباط مصر للهجرة إلى خارجها، في حين يذهب الملايين منهم في نفس الوقت إلى القول بالبقاء في ارض الآباء والأجداد، وبالعمل والشراكة مع التيارات الإسلامية المعتدلة، بل وصل الأمر بالنظر إلى الإخوان المسلمين على أنهم الجناح الأكثر قبولا من الأقباط إذا ما قورن المشهد بالسلفيين.
وفي كل الأحوال فان هذا القطاع الحيوي من المصريين ودرجة استقراره الاجتماعي أو اضطرابه سيكون محددا رئيسيا في مستقبل مصر.
وحكما انه من المبكر القول إلى أين تمضي مصر لا سيما وان أحداث الجولتين الثانية والثالثة من الانتخابات ستكون حاسمة وقد بدأت بعض الأبواق الكارهة لمصر واستقرارها في دق الأسافين بين المصريين وبعضهم البعض، فعلى سبيل المثال تكتب صحيفة يديعوت احرونوت منذ أيام قلائل تقول: “ان الجنرالات في مصر منزعجون من المكاسب التي حققها الإسلاميون، ولهذا السبب فانه من الوارد أن تشهد المراحل الباقية ممارسات من عينة تلك التي كان يقوم بها نظام مبارك من تزوير”.
وفي كل الأحوال يمكن المرء أن يخلص إلى أن مصر تعيش تجربة ديمقراطية هي الأولى من نوعها ولكل تجربة نجاحاتها وخسائرها والأمر هنا متوقف على مدى إرادة المصريين في إنجاح الثورة دون إسقاط الدولة وعلى التوافق الشعبي دون المصالح الخاصة وعلى نقاء وصفاء الضمائر وشفافية الأهداف دون السعي وراء أي مكاسب براجماتية شخصية وهذه بالفعل محنة كبيرة للتيارات الغائرة قبل المنهزمة.
مصر في حاجة إلى عودة الروح التي تحدث عنها كاتبنا المسرحي الكبير توفيق الحكيم في روايته الشهيرة، وهي الشرط الوحيد للاستقرار وإلا خلف الباب مخاوف وهواجس وقى الله شرها مصر والمصريين

Leave a Comment