أ.د. أحمد محمد وهبان

البعثات الدبلوماسيه قبل الاسلام الى العصر الحديث

كاتب الموضوع الأصلي: يوسف الفوزان 3.4

البعثات الدبلوماسية قبل الإسلام : إن من نعم الله على عبادة أن أرسل لهم الرسل وأنزل الكتب ليهتدوا ويتّبعوا الطريق السوي للنجاة، ولذلك كان الرسل عليهم السلام قبل فجر الإسلام يُرسِلون برسائلهم إلى الملوك بشتى بقاع الأرض وهو ما يطلق عليه اليوم بالبعثات الدبلوماسية، وخير مثال لنا في ذلك الزمن قصة نبي الله سليمان عليه السلام مع ملكة اليمن (سبأ) إذ بعث لها مع الهدهد رسالة النبوة (إذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَإذَا يَرْجِعُونَ) وقد بادلته سبأ بالتحية والهدية بعد أن استشارت كبار قومها في ذلك الأمر (قالت ياأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون * قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين *قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون *وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (وإن حكمة الملكة قد فاقت حكمة كبار قومها في هذا، إذ هذا ما يجب أن يتحلى ويتصف به الرجل الدبلوماسي من حكمة وفطنة وفراسة لأن المهام الملقاة على عاتقة تمس أمن الدولة وسيادتها. والقصة ذكرت بالقرآن الكريم بسورة النمل.

البعثات الدبلوماسية في الإسلام : لا ريب أن الإسلام جاء كغيره من الكتب الإلهية هاديا ومرشدا لا سيما وهو أخر الأديان وأعدلها وأكملها (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) سورة المائدة آية 3. لذلك كان النبي علية الصلاة والسلام ينشر رسالة الإسلام وكان يتخذ سفراء معينين لتلك المهمة إذ كان أول سفير في الإسلام هو الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، إذ كان سفير رسول الله في المدينة قبل الهجرة وبعد بيعة العقبة الأولى، ولما أظهر الله سبحانه وتعالى نور نبوته وصدق رسالته أصبح النبي الكريم يتخذ له سفراء ليقوموا بإيصال رسالة الإسلام إلى بقية الدول والملوك، فمنهم من أكرم سفراء النبي ورحب برسالته ومنهم من أهانهم ومنهم من قتل السفراء، وكان سفراء النبي عليه الصلاة والسلام هم (عبد الله بن حذافة السهمي كان سفيراً إلى كسرى ملك الفرس، ودحيه بن خليفة الكلبي كان سفيراً إلى هرقل ملك الروم، وحاطب بن أبي بلتعة كان سفيراً إلى المقوقس حاكم مصر، وعمرو بن أمية الضميري كان سفيراً إلى النجاشي ملك الحبشة، والعلاء بن الحضرمي إلى أمير البحرين، وعمرو بن العاص كان سفيراً إلى ملكي عُمان جيفر وعبد أبناء الجلندي. وسنتطرق لذكر بعض المواقف التي حصلت لبعض السفراء رضي الله عنهم وأرضاهم ليتبين ما لقيمة السفير لدى الدول والملوك والرسالة التي يحملها من بلاده :

– حاطب بن أبي بلتعه سفير رسول الله إلى المقوقس حاكم مصر : إذ قام باستقباله أحسن استقبال وأكرم بقية الوفد وقال له أنت حكيم جاء من عند حكيم، وقام بإهداء رسول الله جاريتين وكسوة.

– عبد الله بن حذافة السهمي سفير رسول الله إلى كسرى ملك الفرس : لما قام عبد الله بن حذافة رضي الله عنه بتسليم الرسالة إلى كسرى قام بتمزيقها، وأخبر عبد الله بن حذافة النبي بذلك فقال النبي (اللهم مزق ملكه) أو مزق الله ملكه.

– الحارث بن عمير الأزدي سفير رسول الله إلى الغساسنة : لما وصل الحارث إلى الغساسنة وقام بتسليمهم رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، قاموا بربطه وقتله ولما علم النبي بذلك أمر بإعلان الحرب عليهم وكانت معركة مؤتة التي انتصر المسلمين فيها بجيش قرابة 3000 ألاف رجل مقابل 200,000 ألف مقاتل، وكانت معركة عظيمة لم يخطر ببال المسلمين يوماً مثل هذا الانتصار العظيم، وإن ما نستفيده من هذه الحرب أنها كانت بسبب قتل سفير بُعث برسالة لملك من الملوك، ولم يُحسن الملك استقباله أو إكرامه. وهذه الأحداث تبين أن للسفراء وضع خاص في الدول المبتعثين لديها وأمام الملوك إذ أن السفير يُعتبر حلقة وصل بين دولته والدولة المبتعث لديها ومتى ما حدث هناك اختلال بتلك العلاقة الدولية يتم استدعاء وتدخل السفير لتوضيح موقف دولته وللحد من اتساع التوتر لاستمرار العلاقة وتهدئة الوضع وتطمين الدولة المبتعث لديها ولإمكانية حل الأوضاع الشائكة.

البعثات الدبلوماسية في العصر الحديث :

إن ترابط الدول وتواصلها في هذا العصر يختلف اختلافاً جذرياً عن بقية العصور السابقة ذات الإمكانيات المحدودة إذ في هذا العصر توفرت وسائل التواصل ولم تكن في تلك الأزمان متوفرة، وتوفر كذلك تحاور الدول تحت طاولة دولية واحدة تضم دول العالم ولم يكن في تلك الأزمان تحاور بين دول العالم سوى مبادرات اجتهادية، وكذلك انفتاح العالم الدولي من الناحية التجارية والاقتصاديه والنفطية وغيرها من النواحي التي تشترك وترتبط الدول بعضها ببعض مما جعل ذلك يُحتم على كل دولة أن تُنشئ قطاع أو جهة تمثلها في تلك الدول وكانت السفارات أو البعثات الدبلوماسية والبعثات القنصلية هي الجهة التي يُسند لها مثل تلك المهمة التي تتبع بذلك وزارة الخارجية للدولة. ولما كان هناك تجمع دولي ورغبة دولية في تلك الفكرة تم سن مشروع أو اتفاقية تقضي بضرورة ذلك التواصل تحت عنوان اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961م، وكانت هذه الاتفاقية تنص في بعض بنودها على ما لا يتوافق مع بعض دساتير الدول في بعض بنودها كالبند الدال على عدم فتح الحقيبة الدبلوماسية أو الحجز عليها إذ أن بعض الدول تحفظت على هذا البند لأنه قد يمس بأمنها لذلك أوجبت تفتيش تلك الحقيبة، وكذلك البند الدال على توطيد العلاقة مع كافة الدول وهذا فيه مخالفة لدستور بعض الدول العربية التي قطعت علاقتها مع إسرائيل وغيرها من البنود التي يحق للدول التحفظ عليها طالما ترى أنها تمس بأمنها أو سيادتها أو دستورها.

Leave a Comment