أ.د. أحمد محمد وهبان

التأصيل السياسي للصحوة الإسلامية ::: د. عبد الله النفيسي

كاتب الموضوع الأصلي: عادل القاضي 8

ثبت تاريخيًا أن الجماعات الإسلامية – من حيث هي تعبير مادي عن الصحوة الإسلامية- ترفع شعارًا ومنهجًا ناجحًا، كمحرك ومحرض للجماهير، ضد القوى الاستعمارية والاستيطانية؛ التي غزت العالم الإسلامي؛ سواء كان الغزو في مرحلة الإمبريالية التقليدية التي مضت، أم في مرحلة الإمبريالية الجديدة التي نعيشها الآن؛ هذا الشعار وهذا المنهج هو الإسلام.
لقد مُزجت روح هذه الأمة – وعبر قرون طويلة- بجوهر هذا الدين، ولن تستطيع قوة في الأرض أن تفك الاشتباك النفسي والروحي والتاريخي بين الأمة والإسلام، غير أن هذا وحده لا يكفي لتأمين الصحوة الإسلامية، مع أنه يشكل تربة نماءٍ لها، وفي تصوري – والله أعلم- أن على الصحوة الإسلامية لكي تحقق أكبر قدرٍ ممكن من الفاعلية في المستقبل، أن تتأصل وتتأهل وتتجرأ سياسيًا.
ولا يمكن أن يكون للصحوة الإسلامية أي مكانة فعلية لدى أصحاب القرار السياسي دون انخراطها في العمل السياسي والتحرك في ساحاته، ولا يمكن أن يكون للصحوة الإسلامية مصداقية وفعل إذا ظلت في لبوس الحركة الدينية المترفعة عن العمل السياسي ومتطلباته؛
إن المناداة بشاعر (الدولة الإسلامية) لن يوصل الصحوة الإسلامية إلى الهدف.
إن الدولة الإسلامية لن تهبط من السماء في المستقبل، ولم تهبط من السماء في المدينة، وإنما كانت محصلة لعمل سياسي دءوب؛ استغرق وقتًا وجهدًا ودماءً وأرواحًا، إن العمل السياسي يؤدي إلى تحديد واضح لمشاكل الجماهير، وتشخيص سليم للآلام التي تعاني منها، وقدره عملية على إيجاد الحلول الصحيحة لها، وقدرة حركية على تنظيم الجماهير، وتعبئة قواها، وتحريكها لتنفيذ الحلول.
لقد أصبح العمل السياسي علمًا له مقوماته وأسسه، وأصوله المستندة إلى التجربة والبحث، كأي عمل علمي آخر، وله كذلك منهجه؛ الذي يعتمد على الحساب الدقيق، المستند إلى الأرقام والإحصائيات، كما أصبح العمل السياسي اليوم خاضعًا للتخطيط العلمي، والمتابعة الدقيقة، والتقييم المتواصل(1)، وإذا أرادت الصحوة الإسلامية أن تكون ذات فعل وأثر على الصعيد السياسي، فلا بد لها من أن تستفيد من التجارب السياسية للغير.
إن الحديث عن (الحرية في الإسلام)، و(الشورى في الإسلام)، و(الكفاية في الإسلام) و(الدين والدولة في الإسلام)، و(النظام السياسي في الإسلام)…، إن الحدث عن هذه المواضيع في حد ذاته ليس عملا سياسيًا، وليس هذا ما أقصده، بل إنني أقصد المشاركة السياسية المباشرة، في القضايا السياسية المثارة على الساحة السياسية، واتخاذ موقف مباشر منها، يتفق مع الإطار الإسلامي.
فمثلا نحن أبناء الصحوة الإسلامية نقول بأن في الفقه الإسلامي، من الأصول والقواعد والأحكام، ما يغنينا عن الاستعانة بالقوانين الوضعية المستوردة، في الفروج والأموال والدماء، ومع أن هذا صحيح إلا أنه (الفقه الإسلامي) يحتاج إلى كثير من التقنين والتوضيح والتفسير؛ ليسهل الاستعانة به على صعيد الدولة، لا بد من (تنظير) الفقه الإسلامي، كما يقول د. يوسف القرضاوي(2).
ونعني هنا بالتنظير أن تصاغ أحكامُ الفقه الجزئية، وفروعه المتفرقة، ومسائلة المنشورة في أبوابها المختلفة من كتبه، في صورة (نظريات كلية عامة)، تصب في الأصول الجامعة، ولا بد من فتح باب الاجتهاد؛ ليستوعب الفقه الإسلامي المستجدات من المشاكل والقضايا العصرية، ولا بد من تجميع هذه الاجتهادات في موسوعة فقهية عصرية، مرتبة موادها ترتيبًا معجميًا، على نهج الموسوعات العالمية.
إن الإنسان العصري يريد كل شيء بسهولة، لا تعقيد فيها ولا صعوبة، وبسرعة لا بطء فيها ولا قعود، ولا مناص لنا من تفهم إنسان العصر، والاعتراف به، وتقديم فقهنا له بالطريقة التي يألفها، وبالصورة التي نرضاها لأنفسنا في الوقت نفسه(3).

Leave a Comment