أ.د. أحمد محمد وهبان

التحولات الكبرى فيه السياسة الخارجية الروسية

كاتب الموضوع الأصلي: فيصل التميمي 1

لعل أهم معضلة خارجية واجهت روسيا، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في ديسمبر سنة 1991، هي كيفية صياغة سياسة خارجية جديدة في ظل حالة الانهيار الشامل لورثة الاتحاد من ناحية، وفي ظل النظام العالمي الجديد الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة من ناحية أخري. فقد انهار الاتحاد السوفيتي، وتفككت مؤسساته، أو- علي الأقل – دخلت في حالة سيولة شاملة واختراق خارجي، وأصبح من المتعين بناء أجهزة صنع سياسة خارجية جديدة، وصياغة منظور جديد للتعامل الدولي الروسي، وذلك كله في ظل الظروف والأزمة العامة التي شهدها المجتمع الروسي بسبب التفكك. فقد تراجع الأداء الاقتصادي، وظهرت قوي سياسية جديدة في المجتمع تطالب بالتحول نحو سياسات خارجية جديدة، وحدثت حالة شاملة من عدم الاستقرار السياسي، وتزايدت الحركات المطالبة بالانفصال. ومن ثم، واجهت روسيا مشكلة ‘إعادة هيكلة’ السياسة الخارجية في ظروف التفكك الشامل المحيط بها، والأزمة العامة. من ناحية ثانية، فقد ورثت روسيا التركة الدولية للاتحاد السوفيتي، بما في ذلك مقعده في مجلس الأمن وسفاراته في الخارج، وورثت أيضا ترسانته النووية وأدوات نقلها (الصواريخ عابرة القارات). ومن هنا، جاءت المعضلة الثانية، وهي كيف يمكن صياغة مركز دولي جديد لروسيا يتفق مع مقدرتها العسكرية، ويعترف بضعف اقتصادها، وبأنها قد هزمت في الحرب الباردة. كيف يمكن التوفيق بين مقتضيات عظمة روسيا كقوة كبري، والالتزامات الضخمة لتلك العظمة، والتي لا تستطيع روسيا الوفاء بها? من ناحية ثالثة، فقد تزامن مع استقلال روسيا صعود قوي دولية جديدة، كالاتحاد الأوروبي، الذي تكون بموجب معاهدة ماستريخت التي وقعت في الشهر نفسه الذي انهار فيه الاتحاد السوفيتي، والصين، التي حققت معدلات للنمو بلغت 12% في المتوسط في التسعينيات، بالإضافة إلي النمور الآسيوية. وبالتالي، أصبح من المتعين علي روسيا أن تصوغ سياسات خارجية للتعامل مع القوي الصاعدة الجديدة.

توجهان في السياسة الخارجية الروسية :
أورو – أطلنطي، وأوراسي جديد :

شهدت روسيا منذ الاستقلال سنة 1991 إعادة انبعاث الجدل التاريخي حول هوية روسيا، هل هي دولة أوروبية أم دولة آسيوية?. وهنا، ينبغي أن نذكر بالشعار الرسمي لروسيا القيصرية و الذي كان يمثل نسرا ذا رأسين، واحد ينظر في اتجاه الشرق (آسيا)، والآخر في اتجاه الغرب (أوروبا).

وقد شهدت روسيا بعد الاستقلال اعادة انبعاث الهويتين في سياستها الخارجية. فقد تراوحت السياسة الخارجية الروسية منذ سنة 1991 بين توجهين أساسيين، أولهما: توجه أوروبي – أطلنطيEuro- Atlantic ، والثاني ‘أوراسي جديد’

New Eurasian الي الحد الذي يمكن فيه تلخيص السياسة الخارحية الروسية في التقلب بين التوجهين. ولكل من التوجهين افتراضاته، ومقولاته، وسياساته ومناصروه في النخبة السياسية الروسية. فالتوجه الأول، الذي سيطر علي السياسة الخارجية الروسية منذ نهاية سنة 1991 وحتي نهاية سنة 1995 في ظل وزير الخارجية آنذاك كوزيريف، انطلق من أهمية اندماج روسيا مع الحضارة الغربية، وبالتحديد مع التكتل المتمثل في مجموعة دول حلف الاطلنطي، باعتبار أن هذا الاندماج هو وحده الطريق لتمكين روسيا من النهوض اقتصاديا. روسيا، كما يري أنصار هذا التوجه، يجب أن تنطلق بأسرع قوة في طريق ‘الاندماج غير المشروط’ مع العالم الأوروبي- الأطلنطي، لأنه وحده العالم القادر علي إخراج روسيا من محنتها، كما أن مثل هذا الاندماج من شأنه إضعاف احتمالات عودة الشيوعية إلي روسيا. من ناحية ثانية، انطلق هذا التوجه من مقولة الاعتراف بأن روسيا قد أصبحت قوة دولية ‘عادية’، أي أنها إحدي القوي الكبري في النظام العالمي، وليست أحد ركني هذا النظام. ويتطلب ذلك تخلي روسيا عن تطلعات العظمة والهيمنة، وأن تتبع سياسة تتفق مع هذا الواقع الجديد. من ناحية ثالثة، أكد أنصار هذا التوجه أهمية عدم لجوء روسيا إلي استعمال القوة أو التهديد باستعمال القوة في العلاقات الدولية، حتي ولو كان الأمر متعلقا بحماية الأقليات الروسية في الدول الجديدة التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي. وأخيرا، فقد أكد أنصار التوجه الأوروبي – الأطلنطي أن سياسة روسيا الخارجية ينبغي أن تكون سياسة مصلحية، أي ‘غير أيديولوجية’، لأن روسيا لم يعد لها أعداء في النظام العالمي ولا أيديولوجية مسيطرة علي نظامها السياسي.

في إطار هذا التوجه، الذي قاده يلتسين ووزير خارجيته كوزيريف، ركزت روسيا علي الاتجاه غربا، واتباع سياسة الحد الأدني من التفاعل مع باقي دول كومنولث الدول المستقلة إلا بما يحفظ مصالح روسيا الحيوية. كذلك، ركزت روسيا علي التحالف مع الولايات المتحدة من منطلق القبول بالمنظور الأمريكي للعلاقات الدولية، وإعطاء التنازلات من طرف واحد. وقد كان أول تطبيق لهذا التوجه هو زيارة يلتسين للولايات المتحدة في فبراير سنة 2991. ففي تلك الزيارة، أشار يلتسين إلي أن روسيا تسعي لبناء ‘سياسة خارجية غير أيديولوجية’، وأنها ستبذل قصاري جهدها ‘للتعاون مع الغرب لإعادة بناء روسيا’، وعرض علي الولايات المتحدة بناء درع عالمية ضد الصواريخ تحمي ‘العالم الحر’ وتعتمد علي تكنولوجيا أمريكية -روسية. وأكد يلتسين أن روسيا لن تصوب صواريخها النووية صوب المدن والقواعد العسكرية الأمريكية. ‘فأمريكا لم تعد عدوا محتملا لروسيا، بعد أن تغيرت العقيدة العسكرية الروسية’. وقد جسد يلتسين هذا كله في ‘وثيقة التعاون الأمريكي – الروسي’ التي وقعت في كامب ديفيد في فبراير سنة 1992 بين الرئيس الأمريكي بوش، والرئيس الروسي يلتسين. فقد أتت الوثيقة علي أسس التحالف بين الدولتين، والذي ارتكز علي ستة جوانب:

(1) تعتبر الولايات المتحدة وروسيا أن العلاقات بينهما لم تعد علاقات الخصوم أو الأعداء المتنافسين، وإنما علاقات صداقة ومشاركة قائمة علي الثقة المتبادلة والاحترام والالتزام المشترك بالديمقراطية، والحرية الكاملة.
(2) ستعمل الدولتان علي إزالة آثار العدوان الذي ترتب علي حالة العداء الذي كان قائما بينهما، واتخاذ الإجراءات الضرورية لخفض ترسانة الأسلحة الاستراتيجية. (3) سوف تعمل الدولتان علي توفير سعادة ورفاهية الشعبين، ودعم الروابط بينهما قدر الإمكان، وعلي أساس الانفتاح والتفاهم.
(4) سوف تعمل الدولتان معا علي أسس حرية التجارة، والاستثمار، والتعاون الاقتصادي.
(5) سوف نبذل كل جهد لكي نزيد من فاعلية القيم الديمقراطية وحكم القانون، واحترام حقوق الإنسان، والأقليات، والحدود.
(6) سوف نعمل معا علي أساس
(أ) منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، ومنع انتشار الأسلحة الاستراتيجية المتقدمة.
(ب) إنهاء الصراعات الإقليمية سلميا.
(ج) مواجهة الإرهاب وانتشار المخدرات، والمحافظة علي البيئة. وأضافت وثيقة كامب ديفيد أنه اعتبارا من تاريخ توقيعها، سوف تعمل الدولتان علي إنهاء الصراع والخلاف من خلال ‘صداقة مشتركة وتحالف جديد بين شركاء يعملون معا لمواجهة الأخطار المشتركة التي نواجهها’.

سيطر هذا التوجه علي سياسة روسيا الخارجية بعد ديسمبر سنة 1991. وتطبيقا له، سعت روسيا إلي طمأنة الغرب إلي نياتها من خلال سياسة تقديم التنازلات المنفردة والنزع المنفرد للسلاح، والتعاون العسكري مع الغرب. وقد تمثل ذلك في المناورات المشتركة للأسطولين الأمريكي والروسي في البحر المتوسط في فبراير سنة 1992، وفي رصد الولايات المتحدة 400 مليون دولار لمساعدة روسيا وباقي دول الكومنولث علي تدمير أو تخفيض ترسانتها النووية، بناء علي طلب روسيا هذا، في الوقت الذي لم تلتزم فيه الولايات المتحدة بالالتزامات ذاتها. كذلك، وافقت روسيا علي فرض العقوبات علي يوجوسلافيا، والعراق، وليبيا. الأهم من ذلك أن روسيا اقترحت علي الولايات المتحدة في أبريل سنة 1993 المشاركة في نظام الدفاع الصاروخي المسمي TRUST، وهو المشروع الذي ينهض علي فكرة اطلاق اشعة البلازمويد علي المنطقة الفضائية المحيطة بالصواريخ المهاجمة، بحيث يتم إخراجها عن مسارها وتدميرها في الفضاء الخارجي قبل وصولها الي أهدافها. ومع نهاية سنة 1992، بدأت تظهر متغيرات جديدة حدت بروسيا إلي التفكير في توجه جديد لسياستها الخارجية. هذه المتغيرات هي:

1- بدأ الرئيس يلتسين يواجه معارضة سياسية قوية لتوجهه الأوروبي – الأطلنطي، تمثلت في معارضة الحزب الشيوعي الروسي، والأحزاب القومية. فقد انتقدت هذه الأحزاب سياسة يلتسين الخارجية لأنها أضعفت مكانة روسيا، وطالبت باتباع سياسة جديدة قوامها إعادة هيمنة روسيا علي الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي وحماية الروس المقيمين في تلك الدول، مع اتباع سياسة استقلالية عن الولايات المتحدة، العدو الأول لروسيا في نظرهم. كذلك، واجه يلتسين معارضة من أحزاب الوسط. فقد طالبت تلك الأحزاب باتباع سياسة متوازنة تأخذ في اعتبارها مصالح روسيا في ‘الشرق’ (وهو يشمل آسيا الوسطي، والصين، والشرق الأوسط)، وتقوية علاقات روسيا مع الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي، والتي اصطلح علي تسميتها باسم ‘الخارج القريب’ Near Abroad في الأدبيات الروسية.

2- إن روسيا بدأت تدرك أن هناك حدودا لمدي رغبة الغرب في إدماجها في حضارته ومساعدتها للخروج من أزمتها. مع بداية سنة 1993، بدأ يتضح وهم الاعتماد علي الغرب للخروج من الأزمة.

3- ظهرت متغيرات جديدة في آسيا الوسطي دعت روسيا إلي إعادة التفكير في توجه سياستها الخارجية، وهي:

أ- اندلاع التنافس التركي – الإيراني علي آسيا الوسطي، مما هدد المصالح الروسية في تلك المنطقة.

ب- تدفق الروس من دول ‘الخارج القريب’. وقد وصل هذا التدفق من كازاخستان وحدها سنة 1993 إلي نحو 200 ألف روسي، مما هدد الاقتصاد الروسي، إذ إنه لم يكن قادرا علي استيعاب تلك الأعداد.

ج- تصاعد التيارات الأصولية في آسيا الوسطي واستعمال تلك التيارات للعنف، مما هدد بالتأثير علي الأمن القومي الروسي ووحدة الأراضي الروسية.

د- إن دول آسيا الوسطي ذاتها بدأت تطالب روسيا بأن تلعب دور ضامن الأمن في تلك الدول، نظرا لعدم قدرتها علي القيام بتلك الوظيفة.

هكذا، بدأ يلتسين في تغيير توجه السياسة الخارجية الروسية اعتبارا من سنة 1994، وبدأت تبلور ملامح توجه ‘أوراسي جديد’. أساس هذا التوجه هو أن روسيا هي دولة أوروبية – آسيوية (أوراسية)، وبالتالي، فإن عليها أن توجه سياستها الخارجية نحو هذا العالم. ففي العالم الأوراسي، تقع روسيا، وتكمن مصالحها، كما أنه من هذا العالم تنبع مصادر التهديد الأساسية للأمن القومي الروسي. من ناحية أخري، فإن الغرب لن يقيل روسيا من أزمتها، لأنه حريص علي بقاء روسيا دولة ضعيفة لأطول فترة ممكنة، والدليل علي ذلك أن الغرب لم يقبل إدماج روسيا في مؤسساته، وحرص علي إهانة روسيا دوليا بإظهارها في موقف الدولة التابعة. والواقع أن هذا الشعور بالإهانة قد عبر عنه يلتسين ذاته حين قال مخاطبا الغرب، ‘إن روسيا لا توضع في غرفة الانتظار’. وأخيرا، فإن روسيا ينبغي أن تعمل علي التكامل مع دول ‘الخارج القريب’، والدول المجاورة، مثل إيران وتركيا والصين، والهند، واليابان.

وقد بدأ هذا التحول تدريجيا في عهد كوزيريف، اذ بدأ يتحدث عن أهمية التكامل مع دول الكومنولث، وحماية الأقليات الروسية فيها اعتبارا من الانتخابات الرئاسية سنة 3991. كذلك، زادت روسيا من مبيعات السلاح إلي إيران بما في ذلك الغواصات، وزار يلتسين الهند سنة 1993، حيث وقع مجموعة اتفاقيات أعادت بناء العلاقات بين الدولتين، وتضمنت تصدير كميات ضخمة من السلاح إلي الهند. وبدأت روسيا في انتقاد سياسة القصف الجوي الأمريكي للعراق، وفي الحديث عن دور روسي باعتبارها ضامن الأمن والاستقرار في دول الخارج القريب، وبدأت روسيا تتدخل في نزاعات تلك الدول كالنزاع الجورجي في أبخازيا، والنزاع الأرميني – الأذري حول ناجورنو قره باخ، والحرب الأهلية في طاجيكستان. كما اختلفت روسيا مع دول الأطلنطي حول المشكلة اليوجوسلافية.

سرعان ما تزايدت وتيرة التوجه الأوراسي الجديد مع حلول عام 4991. فقد بدأت روسيا في تأكيد نفوذها المهيمن في دول الحزام الجنوبي في آسيا الوسطي والقوقاز. ففي قرار مهم، قررت روسيا أن تجمد، من طرف واحد، ‘معاهدة الأسلحة التقليدية في أوروبا’، والتي تضع قيودا علي نشر المعدات الحربية جنوبي روسيا، وأصدر يلتسين مرسوما يقضي بأن تسعي روسيا إلي التأكد من أن دول الكومنولث تتبع ‘سياسة صديقة’ لروسيا، ووضع قوات روسية في تلك الدول. كما بدأت تتبع سياسة الضغط علي تلك الدول من خلال التأثير في قدرتها علي تصدير النفط عبر أراضي روسيا (كازاخستان وأذربيجان). وفي ديسمبر سنة 1994، غزت روسيا جمهورية شيشنيا، بادئة بذلك عهد استعمال القوة العسكرية ضد مصادر التهديد للأمن القومي. وفي الشرق الأوسط، عقدت مع إيران صفقة بناء مفاعل نووي في بوشهر، وانتقدت علنا السياسة الأمريكية تجاه العراق، وتبادلت الزيارات مع المسئولين العراقيين، وبدأت في بناء مسافة بين سياستها وسياسة الولايات المتحدة تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي، وهو ما تمثل في الدعوة إلي عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط بعد مذبحة الفلسطينيين في الخليل في 4 فبراير سنة 1994 التي ارتكبها متطرف صهيوني.

وقد تأكد التحول نحو التوجه الجديد مع تعيين بريما كوف وزيرا لخارجية روسيا في يناير سنة 1996 كمحصلة لفترة من التغير البطئ في السياسة الخارجية نحو التوجه الثاني. ذلك أن بريماكوف هو أحد خبراء السياسة الروسية في الشرق الأوسط، وأحد أشد أنصار التيار الثاني، فضلا عن كفاءته الإدارية بالمقارنة بسلفه كوزيريف، كما أنه تولي رئاسة الوزراء في سبتمبر 1998 وحتي مايو سنة 9991. وفي هذا الاطار، بلور ماأصبح يعرف باسم ‘مبدأ بريماكوف’ في السياسة الخارحية الروسية. وتدور ملامح المبدأ حول:

1- انشاء نظام عالمي يقوم علي التعددية القطبية، واقترح انشاء تحالف أوراسي بين روسيا والصين والهند ‘كمثلث استراتيجي’ يوازن القوة الأمريكية. وفي هذا الاطار، أسهمت روسيا في انشاء منظمة شنغهاي للتعاون.

2- معارضة توسع حلف الأطلنطي في دول الكتلة السوفيتية المنتهية ولكنه وقع مع سكرتير عام الحلف ‘القانون التأسيسي حول العلاقات المتبادلة’
The Founding Act on Mutual Relations في مايو سنة 1997 والذي نص علي إنهاء حالة العداء بين روسيا و الحلف، وعلي مبادئ وآليات للعلاقات بينهما، ولكنه عارض بقوة الغزو الأطلنطي ليوجوسلافيا سنة 1991.

3- الدفاع عن تقوية دور الأمم المتحدة بعدما بدا أن دورها يتواري لحساب حلف الأطلنطي.

تحولات ‘مبدأ بوتين’ في السياسة الخارجية :

عندما جاء بوتين إلي السلطة في يناير سنة 2000، سعي إلي تعميق التوجه الأوراسي في سياسة روسيا الخارجية. ففي يونيو سنة 2000، قدم عدة مبادئ لسياسة روسيا الخارجية عرفت باسم ‘مبدأ بوتين’. وفي مقدمة تلك المبادئ التركيز علي برامج الإصلاح الداخلي علي حساب السياسة الخارجية، وهي الفكرة التي سماها بعض الدارسين بأن ‘الأهداف الداخلية تلغي أهداف السياسة الخارجية الروسية’. من ناحية أخري، فإن مبدأ بوتين ركز علي تطوير دور روسيا في عالم متعدد الأقطاب لا يخضع لهيمنة قوة عظمي واحدة، والعمل علي استعادة دور روسيا في آسيا والشرق الأوسط بشكل تدريجي، وعدم السماح للغرب بتهميش الدور الروسي في العلاقات الدولية. وقد أضاف مبدأ بوتين ثلاثة عناصر جديدة للسياسة الخارجية الروسية، أولها: إنه إذا استمر توسع حلف الأطلنطي شرقا من روسيا، فستسعي إلي دعم الترابط بين دول الاتحاد السوفيتي السابق لحماية منطقة دفاعها الأول. ثانيها: إن روسيا تعارض نظام القطبية الأحادية، ولكنها ستعمل مع الولايات المتحدة في عدة قضايا مثل الحد من التسلح وحقوق الإنسان وغيرها. وأخيرا، فإن روسيا ستعمل علي دعم بيئتها الأمنية في الشرق عن طريق تقوية علاقاتها مع الصين والهند واليابان.

لكن أحداث 11 سبتمبر سنة 2001 في الولايات المتحدة وما تلاها من تحول في الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة نحو الحرب الهجومية، واعتبار ‘الإرهاب’ بمثابة القضية المحورية للسياسة الأمريكية، أدت إلي حدوث تحول في السياسة الخارجية الروسية نحو التوجه الأورو- أطلنطي. فقد سعي بوتين إلي استثمار التحول الأمريكي بإحداث تحول مماثل نحو دعم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة من خلال تقديم روسيا علي أنها شريك في محاربة الإرهاب، أملا في الحصول علي دعم أمريكي ضد الحركة الانفصالية الشيشانية، والتخلص من النظام الأفغاني المناويء (نظام طالبان)، والحصول علي دعم اقتصادي أمريكي. وفي هذا الصدد، كتب ايجور ايفانوف، وزير خارجية روسيا، مشيرا إلي أن أحداث سبتمبر سنة 2001 جعلت توجه روسيا نحو الغرب يسير في اتجاه ‘الاندماج في الفضاء الغربي’. كما تحدث بوتين، مشيرا إلي أن جذور روسيا ترتد إلي القيم الغربية.

وقد عمق من هذا التحول أن دول آسيا لم تتحمس لفكرة إنشاء ائتلاف دولي آسيوي يضم روسيا علي حساب علاقاتها مع الولايات المتحدة، وهي الفكرة التي كان بريماكوف، رئيس وزراء روسيا السابق، قد طرحها في ديسمبر سنة 8991. وعلي سبيل المثال، فإن الهند لم تتحمس لمشروع انضمامها إلي منظمة شنغهاي للتعاون بناء علي اقتراح روسي، حيث إنها رأت أنه يؤدي إلي تقارب أكثر من اللازم مع روسيا علي حساب علاقاتها بالولايات المتحدة. أضف إلي ذلك أن الأزمة الاقتصادية الروسية قد تعمقت، كما أن الدول الصناعية السبع الكبري دائنة لروسية بنحو 148 مليار دولار، مما يضع روسيا دائما علي حافة الإفلاس إذا قررت تلك الدول المطالبة بديونها.

في إطار هذا التوجه، أيدت روسيا الغزو الأمريكي لأفغانستان في أكتوبر سنة 2001، بل و سهلت للولايات المتحدة – ولأول مرة- الحصول علي قواعد عسكرية في بعض دول آسيا الوسطي، كما حدث في حالة أوزبكستان، يسهل منها غزو أفغانستان، كما دعمت ‘تحالف الشمال’ للتنسيق مع الغزو الأمريكي. كذلك اقترح الرئيس بوتين علي الولايات المتحدة في 23 مايو سنة 2003 التعاون في مجال الدفاع الصاروخي، وهو الأمر الذي سبق أن اقترحه يلتسين سنة 1993 .

لكن روسيا مالبثت أن تحولت عن هذا التوجه نحو التوجه البديل في ظل بوتين أيضا. و يرجع ذلك الي عدة عوامل، أهمها السياسة الانفرادية التي اتبعتها الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبرسنة 2001، و التي همشت الدور الروسي، وهو ما تمثل في عدم اكتراثها بالمعارضة الروسية لغزو العراق في مارس سنة 2003، أو التشاور مع روسيا حول مستقبل إقليم كوسوفو. كذلك، فقد أدي ارتفاع أسعار النفط الي زيادة الناتج القومي الروسي وتقليل اعتمادها علي المساعدات الغربية، وهو ما تمثل في تحول روسيا لأول مرة لأن تكون في المرتبة الأولي بين دول رابطة الدول المستقلة في ترتيب التنمية البشرية، طبقا لإحصاءات تقرير التنمية البشرية السنوي سنة 6002. الجديد هنا هو أن بوتين حاول المزج بين التوجهين الأورو – أطلنطي والأوراسي الجديد في سبيكة سياسية جديدة تحقق لروسيا المكانة الدولية، وتنوع البدائل من ناحية، دون أن يعني ذلك الصدام مع الولايات المتحدة أو أوروبا.

ويمكن إبراز أهم ملامح التوجه الجديد في السياسة الروسية الخارجية فيما يلي:

1- العمل علي بناء القوة الذاتية الروسية بشكل مستقل عن النماذج الغربية الجاهزة، والنظر إلي تلك القوة وحدها علي أنها المحدد لوضع روسيا في السياسة الدولية، بخلاف الافتراض الفلسفي التقليدي للتوجه الأورو – أطلنطي. وقد عبر بوتين عن ذلك في خطابه أمام البرلمان الروسي في مايو سنة 2005 بقوله إن روسيا دولة تصون قيمها الخاصة وتحميها، وتلتزم بميراثها وطريقها الخاص للديمقراطية. وأضاف أنه ‘لن يتحدد وضعنا في العالم الحديث إلا بمقدار نجاحنا وقوتنا’. كما أن روسيا لن تتسامح مع أي محاولة لتغيير الحكم بالصورة التي حدثت في جمهوريات سوفيتية أخري (مثل جورجيا وأوكرانيا). وفي خطابه في 26 يوليو سنة 2007، أكد بوتين أن مهمة روسيا هي أن تتصدر ترتيب دول العالم في مجال التكنولوجيا المعلوماتية بحلول سنة 5102. وفي هذا الإطار، بدأت روسيا في تحجيم نفوذ المافيا الرأسمالية الروسية الجديدة، وتمثل ذلك في محاكمة المليونير خوردوكوفسكي، الذي كان أحد حلفاء الرئيس السابق يلتسين. وفي هذا السياق، رفضت روسيا التعليقات الأمريكية علي التطور الديمقراطي في روسيا، وجاء ذلك بمناسبة إشارة نائب الرئيس الأمريكي تشيني إلي تراجع الديمقراطية في روسيا أثناء زيارته إلي ليتوانيا في مايو سنة 6002. فقد رد بوتين بقوله ‘إن الولايات المتحدة مثل الرفيق الذئب يأكل ولا يسمع لأحد، وليس لديه نية للاستماع إلي أحد. كيف يختفي كل الكلام المبالغ فيه عن الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية حين يتعلق الأمر بالدفاع عن مصالحه الخاصة، حينها يصبح كل شئ ممكنا، ولا تعود هناك حدود’.

2- معارضة الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 بدون ترخيص من مجلس الأمن. وفي هذا الميدان، نسقت روسيا سياستها مع مابدا لها أنه معارضة ألمانية – فرنسية للسياسة الأمريكية. وبعد اكتمال الغزو، طالب بوتين بأن تستكمل لجان التفتيش علي أسلحة الدمار الشامل أعمالها وتعلن نتائج جهودها، وهو ما أصرت الولايات المتحدة علي رفضه، وذلك بإصرارها علي إنهاء عمل تلك اللجان.

3- انتقد الرئيس بوتين السياسة الأمريكية الأحادية والانفرادية، وطالب بإنشاء نظام عالمي ديمقراطي أي متعدد الأقطاب، وبتقوية دور القانون الدولي، وذلك في مقابلة صحفية له في يناير سنة 7002. وفي خطابه أمام مؤتمر ميونخ للسياسات الأمنية في فبراير سنة 2007 ، انتقد ‘الهيمنة الاحتكارية’ الأمريكية علي السياسة الدولية وميل الولايات المتحدة إلي الاستعمال المفرط للقوة العسكرية في تلك السياسة. وأضاف أنه في ظل تلك الظروف، فإن أحدا لا يشعر بالأمن، مما يغذي من سباق التسلح. وقدم بوتين مبادرات لحظر نشر أسلحة الدمار الشامل في الفضاء الخارجي، وإنشاء مراكز دولية لتخصيب اليورانيوم. وفي مناسبة الانتصار السوفيتي في ستالينجراد علي النازية أشار بوتين إلي أن الأخطار التي شكلتها النازية لم تختف، وإنما اتخذت أشكالا جديدة. ‘فأفكار الرايخ الثالث التي تتسم باحتقار البشر، والسعي للهيمنة علي العالم مازالت قائمة’، مما كان يعد إشارة إلي أن الخطر الأمريكي يعادل الخطر النازي. وفي خطابه أمام البرلمان الروسي في مايو سنة 2006، أشار إلي أن ميزانية التسلح الأمريكية تفوق ميزانية التسلح الروسية بخمسة وعشرين مثلا، وبالتالي فإنه علي روسيا أن تبني حصنها، وأشار إلي أن سباق التسلح وصل إلي مستوي تكنولوجي جديد.

4- عارض بوتين إنشاء الولايات المتحدة للدرع الصاروخية والمحطة الرادارية في بولندا وجمهورية التشيك، حيث اعتبر أن الدرع والمحطة ليستا موجهتين ضد إيران، وإنما ضد روسيا ذاتها. وردا علي المشروع الأمريكي، أعلن في خطابه السنوي امام الجمعية الاتحادية الروسية في 26 أبريل سنة 2007 عزم روسيا تجميد عضويتها في معاهدة الأسلحة التقليدية في أوروبا سنة 1999 (وكان يلتسين قد فعل ذلك بالنسة لاتفاقية 1990 و تراجع عنه)، حتي تقوم دول حلف الأطلنطي بالتصديق عليها وتطبيقها، مشيرا إلي أن روسيا تفعل ذلك من طرف واحد. كما أن الدول الجديدة في حلف الأطلنطي لم توقع الاتفاقية، مما يهدد الأمن القومي الروسي. وفي 13 يوليو سنة 2007، وقع بوتين قانونا ينص علي أن ظروفا استثنائية تحتم تجميد تطبيق الاتفاقية. ومن الجدير بالذكر أن دول حلف الأطلنطي لم تصدق علي الاتفاقية، واشترطت أن تسحب روسيا قواتها الموجودة في ابخازيا (جورجيا)، والدنيستر (مولدوفيا) للتصديق علي المعاهدة. وفي الوقت الراهن، تعد الدرع الصاروخية الأمريكية، واتفاقية القوات التقليدية في أوروبا أهم معضلتين في علاقات روسيا بحلف الأطلنطي. وفي تطور مفاجئ، اقترح بوتين في 7 يونيو سنة 2007 علي الولايات المتحدة المشاركة في استعمال الرادار الروسي الموجود في جابالا في أذربيجان منذ العهد السوفيتي، مما يعني أن الولايات المتحدة لن تكون بحاجة إلي بناء صواريخ اعتراضية في بولندا، مع فتح الباب أمام مشاركة دول أوروبية أخري في المشروع، والهدف من الاقتراح هو اختبار النوايا الأمريكية. فإذا كان الهدف الأمريكي هو رصد واعتراض الصواريخ الإيرانية، فإن ذلك سيتم بشكل مشترك من أذربيجان. أما اذا كانت روسيا ذاتها مستهدفة، فإن الولايات المتحدة سترفض الاقتراح. وقد رد بوش علي الاقتراح الروسي بما يشبه الرفض، حينما قال إن الاقتراح ‘واقعي ومبتكر واستراتيجي، ولكن بولندا وجمهورية التشيك هما جزء لا يتجزأ من المنظومة الصاروخية’.

5 – في يوليو سنة 2007 ، دخلت روسيا في منافسة مع الولايات المتحدة لتأكيد حقوق السيادة علي الموارد النفطية في أقصي شمالي المحيط المتجمد الشمالي. ففي هذا الشهر، أرسلت الولايات المتحدة بعثة علمية الي ذلك المنطقة لبحث ما سمته ‘الفوهات المائية الحرارية’ في المنطقة. وقد شككت روسيا في هذا الهدف وأرسلت بعثة أكبر الي المنطقة بدعوي تعيين حدود الجرف القاري الروسي وإثبات أنه يتصل بالأراضي الروسية. وقامت البعثة الروسية بوضع العلم الروسي في أماكن متعددة من المنطقة لإثبات سيادة روسيا عليها، وهو ما أدي الي احتجاج أمريكي . واذا تبين وجود حقول نفط وغاز طبيعي في تلك المنطقة، فانه من المؤكد أن يؤدي الي تصعيد في التوتر بين روسيا والولايات المتحدة.

6- سعت روسيا إلي تقليص النفوذ الأمريكي في آسيا الوسطي، وطالبت الولايات المتحدة بسحب قواعدها العسكرية في أوزبكستان وقيرغيزستان، وبالفعل نجحت من خلال علاقاتها الجديدة مع أوزبكستان في إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في تلك الدولة.

7 – سعت روسيا الي بناء مشاركة استراتيجية مؤسسية مع الصين في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، والتي تضم دول آسيا الوسطي، عدا تركمانستان ، وشمل ذلك مشاركة نفطية لمد خطوط نقل النفط الروسي مع سيبيريا الي الصين، مع السعي الي إعطاء المنظمة بعدا عسكريا. ففي أغسطس سنة 2007 ، أعلن الجنرال بالويفسكي ، رئيس الأركان الروسي ، ضرورة أن يتم استكمال التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون بتنسيق عسكري يشمل بلورة عقيدة عسكرية مشتركة، وهو الأمر الذي تتحفظ عليه الصين.

8- سعت روسيا إلي إعادة تقوية علاقاتها مع دول كومنولث (رابطة) الدول المستقلة، من خلال عدة أساليب، بما فيها الدبلوماسية ‘القسرية’، خاصة لدي الدول ذات التوجه الأمريكي في سياستها الخارجية، وعلي الأخص جورجيا. فقد نجحت في إعادة دول آسيا الوسطي إلي حظيرة النفوذ الروسي من خلال دعم نظمها ضد الحركات السياسية الإسلامية المحلية المعارضة، وضغطت علي جورجيا تحت حكم ساكاشفيلي ذي التوجه الأمريكي، من خلال دعم الحركة الانفصالية في أبخازيا، وطرد الجورجيين المقيمين في روسيا، ووقف الواردات من جورجيا، والإقلال من مد جورجيا بالنفط والغاز الطبيعي، هذا بالإضافة إلي مشروعات التكامل مع بعض دول الكومنولث مثل بيلاروسيا. من ناحية أخري، قامت روسيا بتقوية علاقاتها المؤسسية الأمنية والاقتصادية بدول الكومنولث. ففي 7 يوليو سنة 2002 ، تم إنشاء منظمة معاهدة الأمن الجماعي بموجب ‘ميثاق كيشناو’، وتضم روسيا، ومولدوفيا، وأوزبكستان، وأرمينيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأذربيجان. وكان قد تم إنشاء ‘الجماعة الاقتصادية الأوراسية’ في 10 أكتوبر سنة 2000، وتضم روسيا، وبيلاروسيا، وكازاخستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وقيرغيزستان، ولكل من المنظمة والجماعة أمانة عامة في موسكو. بيد أن تجارة روسيا مع دول الكومنولث تتراجع باطراد ووصلت إلي نحو 20% فقط من التجارة الخارجية الروسية، مقابل 52% مع الدول الغربية.

9- سعت روسيا إلي الاضطلاع بدور أقوي في منطقة الشرق الأوسط، وتحول بوتين من سياسة الحياد السلبي إزاء قضايا المنطقة إلي سياسة المبادرات. وتمثل ذلك في زيارة بوتين للشرق الأوسط في فبراير سنة 2007، زار خلالها السعودية، وقطر، والأردن، وأعلن من خلالها أن غزو العراق هو ‘نموذج للتصرفات الأمريكية الفردية التي تزيد الأمور سوءا’. ودعا إلي عقد مؤتمر إقليمي موسع للشرق الأوسط في إشارة إلي اشتراك سوريا وإيران في حل مشكلات المنطقة.

قلنا إن روسيا أجرت تلك التحولات دون أن تدخل في صدامات حادة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد أشار بوتين إلي أنه يسعي إلي تحقيق سياساته الجديدة من خلال الحوار القائم علي المساواة بين كل الأطراف والمصالح. كما أنه حين اقترح المشاركة مع الولايات المتحدة في القاعدة الرادارية في أذربيجان، اقترح مشاركة أوروبا أيضا. كما أن أزمة الطرد المتبادل للدبلوماسيين بين روسيا وبريطانيا في يوليو سنة 2007 لم تتصاعد إلي حد المواجهة السياسية بين الدولتين.كما استمرت روسيا في المشاركة في أعمال قمة الدول الصناعية الثماني، بل ورأست المجموعة سنة 2006 ونسقت أعمالها. كذلك، استطاعت روسيا أن تنشئ مشاركة في مجال النفط والغاز الطبيعي مع دول الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال مد أنابيب نقل السلعتين إلي دول الاتحاد، بالإضافة إلي خط مستقل مع ألمانيا. واتفق الطرفان علي حق روسيا في شراء الشركات الأوروبية العاملة في ميدان توزيع النفط والغاز الطبيعي، مقابل حق مماثل للاتحاد الأوروبي في الشركات الروسية العاملة في ميدان إنتاج النفط. كذلك، فإن روسيا لم تستعمل حق النقض في مجلس الأمن ضد مشروعات القرارات الأمريكية المدعومة أوروبيا إلا في حالة ثانوية واحدة، هي حالة مشروع القرار الأمريكي الخاص بحقوق الإنسان في ميانمار، إذ بررت روسيا اعتراضها علي أساس أن الموقف في ميانمار لا يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، بينما اكتفت بالامتناع عن التصويت عن مشروع القرار الخاص بتشكيل محكمة دولية جنائية لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، رغم انتقادها للمشروع، وقس علي ذلك كل المشروعات الأخري المدعومة أمريكيا. وأخيرا، فقد أصدرت روسيا والولايات المتحدة في 3 يوليو سنة 2007 إعلانا ينص علي التعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية بينهما ومع الدول النامية.ولذلك، يبدو أن قول المؤرخة الأمريكية آن ابلباوم عن عودة أجواء الحرب الباردة، أو المؤرخ البريطاني هاستينجز عن أن بوتين هو الوريث الروحي لستالين أو تحذير وزير الدفاع الأمريكي جيتس من أن حربا باردة واحدة تكفي – هو من باب التحذير لروسيا من الخروج من عباءة التوجه الأورو- أطلنطي، أكثر منه من باب الوصف للتحولات في السياسة الخارجية الروسية. فروسيا تتحول نحو بناء عالم متعدد الأقطاب في إطار بناء قوتها الذاتية وإعادة بناء محيطها الإقليمي، دون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

المعضلات الروسية في مجال السياسة الخارجية :

تواجه روسيا عدة معضلات في تنفيذ السياسة الخارجية الجديدة للرئيس بوتين. لعل أولي تلك المعضلات هي المعضلة السكانية والاقتصادية. وقد أشار بوتين في خطابه في مايو سنة 2006 أمام البرلمان إلي أن ‘أكبر مشكلة تواجه البلاد هي مشكلة تراجع عدد السكان’، مشيرا إلي أن عدد السكان البالغ 143 مليون نسمة يتراجع بمعدل 700 ألف نسمة سنويا. وهذا التراجع هو مؤشر عام علي نوعية الحياة في روسيا، ومدي قدرتها علي دعم سياسة خارجية نشيطة. ويتضح ذلك إذا تذكرنا أنه – حسب احصاءات سنة 2004- بلغ الناتج القومي الروسي 1.4% من الناتج القومي الاجمالي العالمي، وهو الأمر الذي لا يدعم اقتصاديا دورا روسيا خارجيا نشيطا. أما المعضلة الثانية، فهي المعضلة الأطلنطية، وبالتحديد توسع حلف الأطلنطي شرقا في مناطق النفوذ الروسية التقليدية. فقد ضم الحلف دول بحر البلطيق الثلاث التي كانت جزءا من الاتحاد السوفيتي، ويسعي لضم أوكرانيا، كما أنه يلعب أدوارا عسكرية في المحيط الخارجي لروسيا، خاصة في أفغانستان (الوجود العسكري)، وبعض دول آسيا الوسطي (مشروع المشاركة من أجل السلام)، وفي بعض دول القوقاز، فيما يشبه إعادة تطبيق لاستراتيجية الاحتواء التي طبقتها الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة.

ولكن من ناحية أخري ، فان لروسيا والرئيس بواتين عدة عناصر قوة، أهمها التحسن الواضح في الاقتصاد الروسي نتيجة ارتفاع اسعار النفط. ويوضح تقرير التنمية البشرية لسنة 2006 أن روسيا قد أصبحت اعلي دول الكومنو لث في التنمية البشرية. كذلك ، فالتوجه الأورو – أطلنطي للرئيس بوتين يحظي بدعم الرأي العام الروسي الي حد بعيد. وفي استطلاع للرأي العام الروسي، عبر 52% من الروس عن رغبتهم في عودة بوتين الي رئاسة الدولة سنة 2012 ، أي بعد انتهاء رئاسته الحالية ، وتولي آخر الرئاسة لفترة رئاسية واحدة. وسيكون الاختبار الحقيقي للقوة الروسية خلال العامين القادمين مرتبطا بموضوعي استقلال كوسوفو، والدرع الصاروخية الأمريكية. فهذان الموضوعان يمسان بشكل مباشر المصالح القومية الروسية، ذلك أن صربيا هي أقوي حليف تاريخي لروسيا في البلقان بحكم التراث السلافي – الأرثوذكسي المشترك (روسيا القيصرية دخلت الحرب العالمية الأولي من أجل صربيا)، واستقلال كوسوفو عنها إنما يعني ضربة كبري، ليس للفكرة اليوجوسلافية (التي دمرت بالفعل)، ولكن للفكرة الصربية ذاتها. فإذا صمدت روسيا أمام الضغوط الأوروبية – الأمريكية من أجل استقلال كوسوفو، فإن ذلك سيعني عهدا جديدا في السياسة الخارجية الروسية. وإن لم تصمد، فإن ذلك سيكون بمثابه بداية عهد طويل من الركود في الدور الخارجي الروسي. كذلك، فإن رد فعل روسيا تجاه مشروع الدرع الصاروخية الأمريكية سيحدد – إلي حد كبير – مستقبل الدور الروسي في السياسة الدولية.

Leave a Comment