أ.د. أحمد محمد وهبان

التدخل الانساني من قبل منظمة الامم المتحدة ( ليبيا نموذجا )

كاتب الموضوع الأصلي: نايف التمران313

التدخل الانساني ، هو احد اشكال التدخل الدولي الذي تمارسه دولة معينة او مجموعة دول او هيئات او منظمات دولية او اقليمية على اساس انساني ، والتدخل الانساني ليس جديدا سواء على المستوى الفكري او التطبيقي ، فعلى المستوى الفكري نجد ان هذا المفهوم يستمد جذوره من مصادر دينية وفلسفية حيث ظهر مبدأ التدخل الانساني مرتبطا في جانب منه بما اصطلح على تسميته في الفكر القانوني والسياسي الغربي بالحرب العادلة او المشروعة ، اما على المستوى التطبيقي ، فقد مورس هذا المبدأ من قبل الدول الاوربية ولاسيما البروتستانتية وفي حقب تاريخية سابقة وتحت ذرائع شتى ، منها الدفاع عن الحقوق المنتهكة لبعض الاقليات التي تكون امتدادا اثنيا للدولة المتداخلة فيها ( دولة الاصل ) او لحماية رعاياها المتواجدين في اقليم دولة اخرى في حالة عدم انصافهم من قبل قضاء الدولة الاجنبية .
وقد اصبح موضوع التدخل الانساني يشغل بال الكثير من المفكرين وفقهاء القانون الدولي في السنوات الاخيرة وخاصة عقب انتهاء الحرب الباردة ولاسيما بعد ان اشتبك هذا المبدأ مع مبدأ السيادة ومبدأ عدم التدخل اللذين يقرهما ميثاق الامم المتحدة ، حيث لم يعد مفهوم السيادة يعني حق الدولة المطلق في التصرف بشؤونها الداخلية ، بل اخذ هذا الحق يتقلص تدريجيا كلما اتسع نطاق التدخل الانساني .
وقد تغير مفهوم التدخل الانساني بتغيير المفاهيم التي سادت في المجتمع الدولي وخاصة المتعلقة منها بمسالة حقوق الانسان وكيفية حمايتها ومدى امكانية التدخل الشرعي لحماية هذه الحقوق ، وقد ادى ذلك الى حصول اختلاف كبير بين فقهاء القانون الدولي حول مفهوم التدخل الانساني ، الا انهم يتفقون على شي واحد وهو حماية حقوق الانسان وان اختلفوا في الطرق والاساليب التي تلجأ اليها الدول لتحقيق هذه الغاية حتى ذهب بعضهم الى عدم اعطاء الاهمية لمشروعية او عدم مشروعية هذا الاسلوب او طريقة التدخل مادام الهدف من وراء هذا التدخل هو انساني او لتحقيق اغراض انسانية ، وذلك لان هذا التدخل هو للقضاء او انهاء حالة غير طبيعية وهي حصول انتهاك لحقوق الانسان .ولكي يكون أي تصرف دولي بما في ذلك التدخل انسانيا لابد ان يدخل ذلك التصرف ضمن مفهوم العمل الانساني، ولكي يكون العمل انسانيا وفقا للمفهوم المعاصر للعمل الانساني الذي تطور بتطور فكرة حقوق الانسان يجب ان يهدف العمل الى اعمال ماتقضي به مباديْ حقوق الانسان والمباديء المتصلة بها .
فالتدخل الانساني في الوقت الحاضر يحتل مكانة متميزة على صعيد العلاقات الدولية المعاصرة وذلك من خلال الاهتمام به من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة عموما ومجلس الامن خصوصا ، وبالتالي لقد ضاقت منطقة الاختصاصات الداخلية للدول حتى انه لم تعد قضية واحدة معتبرة دوليا لاتسمح بالتدخل فيها ، فقد تدخلت الامم المتحدة في ادق الامور والمسائل التي كانت الفقه التقليدي يعتبرها من المسائل الداخلية متى كان لهذه القضايا انعكاسات سلبية على السلم والامن الدوليين .
وهذا التدخل الانساني الذي تكون الغاية منه فقط هو لتحقيق اهداف انسانية ليس الا ، وبذلك يختلف عن التدخلات الاخرى التي حصلت او قد تحصل من قبل بعض الدول في الشؤون الداخلية او الخارجية للدول الاخرى كالدول العظمى او القوية مثلا في شؤون الدول الضعيفة او التدخلات التي تحصل من قبل دول دون الرجوع الى قواعد القانون الدولي او الشرعية الدولية المتمثلة في هيئة الامم المتحدة ، او التدخلات التي تحصل بالاسناد الى بعض المفاهيم كحق الدفاع الشرعي او الضرورة او لدوافع سياسية او اقتصادية او مالية او بناءا على دعوة او معاهدة او غيرها .
وبما ان هدف التدخل الانساني هنا هو وقف الانتهاكات التي يتعر ض لها الانسان وانقاذ او اصلاح وضعه وبما ينسجم مع قواعد القانون الدولي ، ولكي يصل المتدخل الى غايته هذه فانه بالتأكيد سوف يلجأ الى عدة وسائل لتحقيق هذه الغاية ، وهذه الوسائل قد تكون سياسية او اقتصادية او عسكرية او غيرها ، ولاشك ان استخدام هذه الوسيلة او تلك يتوقف على مدى وحجم الانتهاكات التي يتعرض لها الانسان في بلد ما او مدى امكانية وقف تلك الانتهاكات باستخدام الوسيلة المناسبة لذلك .
ولكي تحقق المنظمة الدولية اهدافها من التدخل الانساني ، فانها قد تلجأ الى عدة صور من التدخل الانساني اهمها :
اولا: التدخل الانساني عن طريق الوكالات المتخصصة التابعة لمنظمة الامم المتحدة .
ثانيا : التدخل الانساني عن طريق قوات حفظ السلام الدولية .
ثالثا : التدخل الانساني عن طريق المحكمة الجنائية الدولية .
رابعا : التدخل الانساني من قبل منظمة الامم المتحدة وفق الفصل السابع من الميثاق .
وبما ان الصورة الاخيرة هي التي تتعلق بموضوعنا بشكل اكثر لذا فاننا سوف نتطرق اليها بشيء من التفصيل ومدى تطبيقها على الحالة الليبية .
ان المبدأ المسلم به والمتفق عليه هو عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول او عدم جواز تدخل دولة في الشؤون الداخلية لدولة اخرى ، اذ لايجوز لاية دولة ان تقوم وبارادتها المنفردة بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولة اخرى حتى ولو كان هذا التدخل لاعتبارات انسانية او بحجة حماية حقوق الانسان او حماية الاقليات او الرعايا او أي حجة اخرى ، الا اذا كان هناك انتهاك صارخ لهذه الحقوق وبموجب التقارير والاثباتات والادلة الخاصة والاكيدة وعن طريق مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة والتي تكون مهمتها تقيم الاوضاع والانتهاكات في أي دولة ومدى ما يشكل ذلك انتهاكا لقواعد القانون الدولي والتي يتوجب عندئذ على المجتمع الدولي والشرعية الدولية التحرك لوقف تلك الانتهاكات وبكافة الاجراءات الضرورية وفقا لميثاق الامم المتحدة وبموجب قرار دولي .
اذن فان ما جرى في ليبيا من تدخل عسكري من قبل المجتمع الدولي المتمثل بالامم المتحدة والتي تمثل الشرعية الدولية كان نتيجة للانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان في ليبيا والتي قام بها النظام الليبي ضد ابناء شعبه متجاهلا كافة الاعراف والمواثيق الدولية .وقد استندت المنظمة الدولية في تدخلها الانساني الى القرار ين الدوليين الصادرين من مجلس الامن الدولي وهما رقم 1970 و 1973 لسنة 2011 وذلك بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة والذي يعطي الحق او الصلاحية لمجلس الامن الدولي باتخاذ التدابير اللازمة لحفظ السلم والامن او اعادته الى نصابه ( المادة 42 ) من الميثاق ، وبناءا على طلب صريح من قبل الجامعة العربية والتي وصفت الممارسات التي يقوم بها النظام الليبي ضد ابناء شعبه من قتل وجرائم واعمال عنف وباستخدام كافة انواع الاسلحة بانها تعتبر انتهاكا خطيرا لحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني ، مما وضعت المنظمة الدولية والمجتمع الدولي امام مسؤولية انسانية واخلاقية يتحتم عليها القيام بمسؤولياتها الانسانية لغرض انقاذ الشعب الليبي من بطش وقسوة وعنجهية وجنونية النظام الليبي وانهاء اطول فترة حكم د كتاتوري في المنطقة .
وعلى الرغم من اختلاف الكثير من الكتاب والباحثين حول مشروعية التدخل الانساني في ليبيا وذهبوا بين مؤيد ومعارض لهذا التدخل ، وقد استند معارضوا هذا التدخل ( واقصد هنا التدخل باستعمال القوة العسكرية ) الى ان القرار( 1970 ) الصادر من مجلس الامن الدولي بخصوص ليبيا ينص فقط على وقف فوري لاطلاق النار اضافة الى احالة الموضوع أي مرتكبي هذه الجرائم الى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ، وكذلك القرار ( 1973 ) لم ينص بصورة واضحة وصريحة على استخدام القوة العسكرية ضد ليبيا وانما نص على فرض حظر الطيران على الاجواء الليبية بالاستناد الى المادة ( 42 ) من الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ، الا انني اذهب مع الاتجاه الذي يؤيد مشروعية التدخل الانساني في ليبيا وذلك للاسباب التالية : اولا – ان مجلس الامن الدولي الذي يعتبر الجهاز التنفيذي للامم المتحدة ، وان جميع قراراته تكون ملزمة للمجتمع الدولي ، قد استند في قراراته الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة والذي يجيز استخدام القوة العسكرية في حالة تعرض السلم والامن الدولي للخطر ، وهذا ما اشار اليه القرار ( 1973 ) صراحة من ان الحالة في ليبيا مازالت تشكل تهديدا للامن والسلم الدوليين وينص صراحة ايضا على ( واذ يرى ان الهجمات الممنهجة الواسعة النطاق التي تشن حاليا في الجماهيرية العربية الليبية على السكان المدنيين قد ترقى الى مرتبة جرائم ضد الانسانية ) . فهل ان كل هذا الوصف وكل هذه الانتهاكات لاتشكل مبررا للتدخل العسكري في ليبيا لانقاذ حياة الآف من المواطنين والناس الابرياء من بطش وقمع النظام الليبي الذي لايتردد في استخدام كافة الوسائل لقتل وابادة شعبه .
فلو نأتي الى الواقع ، فهل يليق بالمجتمع الدولي ان يقف مكتوفي الايدي امام القتل والابادة الجماعية للشعب الليبي على يد نظامه ، فلو نضع هذه الجرائم في كف والتدخل العسكري في كف آخر ايهما اصح واكثر مشروعية ؟ اليس من المنطق والواجب الانساني والاخلاقي للمجتمع الدولي أي يعمل وبكل الوسائل من اجل ايقاف نزيف الدم في ليبيا ووقف تلك الانتهاكات واعادة الحق الى اصحابها ؟
اذن فان من الواجب على المنظمة الدولية ان تقوم بالتدخل في اية حالة عندما تكون هناك انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان من شأنها ان تعرض السلم والامن الدوليين للخطر وهذا ما استند اليه مجلس الامن الدولي والذي يمتلك الصلاحية الكاملة لتقدير أية حالة او اي موقف ومدى خطورته وتهديده للسلم والامن الدوليين واستخدام كافة الوسائل والتدابير التي يراها مناسبة حتى وان تتطلب ذلك استخدام القوة العسكرية ، وهذا التدخل يمكن ان يكون من قبل الامم المتحدة نفسها او من قبل الدول الاعضاء بناءا على طلب من مجلس الامن الدولي وهذا ماقامت به دول حلف الناتو بالنيابة عن الامم المتحدة للتدخل عسكريا في ليبيا ( الفقرة 1 من المادة 43 ) ، كما ان الحفاظ على السلم والامن الدوليين يعتبر من اهم مقاصد واهداف الامم المتحدة ( المادة (1) من الفصل الاول من الميثاق ) .
كما ان احالة المرتكبين لهذه الجرائم من ازلام النظام الليبي الى المحكمة الجنائية الدولية دليل آخر على ان الجرائم التي ارتكبت في ليبيا قد وصلت الى مرتبة الجرائم ضد الانسانية التي تعتبر واحدة من اصناف الجرائم التي نصت عليها النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية ( المادة 5 ) وهذه بدون شك يبرر التدخل الانساني وبكافة الوسائل المناسبة لذلك ، مع العلم انه يحق لمجلس الامن الدولي احالة القضايا الى المحكمة الجنائية الدولية حتى وان كانت الدولة المعنية غير عضو في المحكمة ، لان ليبيا من الدول التي لم تصادق على ميثاقها وغير عضو فيها .
ونعتقد بان عدم نص قراري مجلس الامن الدولي السابق الذكر بخصوص ليبيا على استخدام القوة العسكرية صراحة يرجع ذلك الى الخلافات الموجودة والمستمرة في اغلب الاحوال بين الدول الدائمة العضوية في الامم المتحدة والتي تمتلك حق النقض ( الفيتو) وهم ( الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وروسيا وفرنسا والصين ) أي طيب خاطر للدول التي عارضت القرار والتي امتنعت اخيرا عن التصويت كروسيا والصين وهذه ايضا نتيجة لتداخل المصالح السياسية لهذه الدول وابراز قوتها وهيمنتها ومدى ثقلها في المجتمع الدولي .

Leave a Comment