التدخل الخارجي
كاتب الموضوع الأصلي: مهند التميمي 11
المبحث الأول : مفهوم التدخل الخارجي
سنحاول في هذا المبحث تحديد مفهوم إجرائي للتدخل الخارجي، من خلال تعريفه وعرض أهم أشكاله، وكذا إطاره القانوني.
1. تعريف التدخل الخارجي :
التدخل لغة(*): مشتق من الكلمة اللاتينية Intervenire و التي تعني حسبEppstein التموضع بين شيئين interposition (1) و يستعمل بمعنيين: معني “سلبي” interference ليشير إلى الاعتداء والتعرض لشؤون الغير، و بمعنى “إيجابي” كالتوسط في الخصومات(2).
أما اصطلاحا فيمكن التمييز بين نوعين من التعاريف، التعريف القانوني و السياسـي :
1.التعريف القانوني للتدخل الخارجي : يعتمد أنصاره على عامل الشرعية في تعريفهم للتدخل، و يمكن التفرقة في إطاره بين التعريف الجامد و المرن :
– التعريف الجامد : يعرف التدخل بأنه ” سلوك غير قانوني موجه لانتهاك سيادة الدول نظرا لتعارضه مع المادة 2 الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة “، في هذا الإطار يرى Lauterpacht أن التدخل مصطلح تقني يشير إلى كل سلوك تقوم به دولة يمس استقلال و سيادة دولة أخرى”(3).
أماOppenheim فاعتبر أن جوهر التدخل الخارجي هو الإكراه Compulsion ، لذلك يعرفه بأنه “سلوك دكتاتوري تقوم به دولة في شؤون دولة أخرى لإرغامها على فعل معين”(4).
يستبعد تعريف أبنهايم أن يكون الامتناع عن الاعتراف الدبلوماسي بحكومة ما، أو الاحتجاج على فعل خاطئ، أو قطع العلاقات الدبلوماسية أو مقاطعة منتجاتها، تدخلا خارجيا(*)، فلا يمكن اعتبار السلوك تدخلا إلا إذا كان عنصر الإكراه فيه بارزا، فكل استعمال أو تهديد باستعمال القوة في الشؤون الداخلية لدولة أخرى سواء بطريقة مباشرة أو بدعم جماعة انفصالية أو إرهابية يعتبر تدخلا وفقا للقانون الدولي.
كما اعتبرت محكمة العدل الدولية أيضا ” أن عنصر الإكراه هو أساس تعريف التدخل المحظور، خاصة إذا تم فيه استعمال القـوة”(5).
غير أن حصر التركيز على عامل الإكراه في تعريف التدخل، يفتح المجال أمام آلياته الأخرى مثل الدعاية الإعلامية التي قد يكون لها تأثير أكبر من الإكراه، فقد تقوم دولة بتحريك جماعاتها عرقية في دولة أخرى عن طريق الدعاية، والتي أصبحت آلية حساسة في عصر العولمة.
يتفق أنصار هذا التعريف حول فكرة أن التدخل الخارجي هو سلوك غير قانوني تقوم به دولة في الشؤون الداخلية لدولة أخرى و هو نشاط يهدد الأمن و الاستقرار الدولي (6) .
– التعريف المرن : حـاول البعض – على غرار Stowell –إعطاء تعريف آخر يشمل التدخلات الشرعية أو التي تتم في إطارا هيئة الأمم المتحدة ، لذلك هم يرون أن التدخل بمفهومه الواسع “هو كل سلوك خارجي يستهدف الشؤون الداخلية للدول، قد يكون شرعيا أو غير شرعيا و قد يساهم في إثارة النزاعات الدولية وتصعيدها كما قد يساهم في تسويتها(7).
فهذا التعريف يخرج التدخل من كونه سلوك غير شرعي ، فقد يكون وسيلة لحماية الشرعية الدولية في إطار ما أصطلح عليها البعض بالتدخل الإنسانيHumanitarian intervention .
غير أن موقف ثالث يرى أن الأصل في التدخل الخارجي أنه سلوك غير قانوني أما التدخل الشرعي فيبقى الاستثناء و ليس القاعدة(8).
2.التعريف السياسي للتدخل الخارجي : إذا كان التعريف القانوني قد ركز على عامل شرعية أو عدم شرعية التدخل الخارجي ، فإن باحثي العلاقات الدولية ركزوا في تعريفهم على العامل السياسي الديناميكي للتدخل ، حيث يرى هانس مورغانتو ” بأنه مند عهد اليونان القديم إلى يومنا الحالي تجد بعض الدول منفعة في التدخل في شؤون دول أخرى غصبا عنها ، لتحقيق مصالحها الخاصة” و يتفق معهLina في ذلك حيث يرى ” بأن التدخل الخارجي هو سلوك إكراهي تقوم به دولة اتجاه دول أخرى لتفرض عليها إتباع سياسة غير التي كانت تتبعها “، وهذا ما أكده أيضا جيمس روزنو عندما قال ” إن السعي لتغيير البنايات السياسية الداخلية للدولة المستهدفة Targeted state هو أساس أي تدخل الخارجي ” (9).
و التأثير على البنايات السياسية للدولة المستهدفة قد يكون:
– إما بتغيير الوضع القائم داخل الدولة على غرار ما أكده القاموس الموسوعي الفرنسي عندما عرف التدخل بأنه “سلوك يهدف إلى قلب الوضع القائم في دولة ما”(10)،وغالبا ما يكون بدعم القوى المناهضة و الانفصالية؛
– أو بالحفاظ على الوضع القائم على غرار ما جاء في قاموس Oxford حين عرفه ” بأنه سلوك تقوم به الدولة لمنع حدوث تغيير ما في دولة أخرى ” (11) و عادة ما يكون بدعم الحكومة القائمة.
– هذا و قد يقتصر هدف الدولة المتدخلة على تغيير سلوك النظام السياسي و ليس النظام في حد ذاتـه.
أما Reagan فأضاف في تعريفه الوسيلة التي يتم بها التدخل، حيث عرفه “بأنه سلوك يتضمن نشاطات اقتصادية و عسكرية موجهة نحو الشؤون الداخلية لدولة أخرى تستهدف البنايات السياسية تسعى إلى التأثير على موازين القوى بين الحكومة و قوى المعارضة ” (12)، وهو تعريف أقرب للتدخل الخارجي الغير مباشر الذي يتم بدعم القوى المعارضة.
في حين يرى Aron Young أن ” التدخل الخارجي يشير إلى نشاطات منظمة، موجهة إلى حدود معترف بها و تهدف إلى التأثير على البنية السياسية للهدف” (13).
انطلاقا من التعاريف السابقة نستنتـج:
1. أن الأصل في التدخل الخارجي أنه سلوك غير قانوني يهدد الأمن و الاستقرار الدولي لذلك يعتبر مبدأ عدم التدخل هو القاعدة ، و التدخل الشرعي هو الاستثناء؛
2. أنه يتضمن العنصر الإكراهي ، حيث يتم من دون رضا الدولة المستهدفة و بالتالي لا يشمل هذا التعريف تدخلات هيئة الأمم المتحدة ، و التدخلات بالدعوة By invitation ؛
3. أنه سلوك موجه أساسا نحو الشؤون الداخلية لدول أخرى معترف بحدودها؛
4. أنه يستهدف إحداث تغيير داخلي في البني السياسية للدولة ، سواء بالحفاظ على الوضع القائم أو بتغييره؛
5. أنه سلوك تقوم به الدول ، و ذلك ليس نفيا لدور الفواعل الأخرى ( كالمنظمات الدولية…) بل لأنها الفاعل الأكثر تأثيرا ، فرغم كثرة الفواعل السياسية لازالت الدول تتصدر العلاقات الدولية المعاصرة؛
6. أنه وسيلة من وسائل تحقيق أهداف السياسة الخارجية ؛ و في هذا الإطار يقول هانس مورغانتو أنه “رغم كونه قديم و وسيلة مهمة من وسائل السياسة الخارجية على غرار الدبلوماسية و الحرب ، لم يستقطب التدخل نفس الاهتمام من طرف دارسي العلاقات الدولية بالمقارنة مع الوسائل الأخرى ” (14).
استنادا إلى هذه المعايير ننطلق في دراستنا من التعريف الإجرائي التالـي :
” التدخل الخارجي هو السلوك الذي تقوم به الدول في الشؤون الداخلية لدولة أخرى بلا دعوة منها ، تهدف من خلاله سواء لقلب الوضع الداخلي السائد ( وعادة بدعم الجماعات الانفصالية) أو الحفاظ عليه (بدعم الحكومة القائمة ) سعيا لتحقيق مصالحها وقد يتخذ شكلا مباشرا ، أو غير مباشر ، غالبا ما يؤدي إلى إثارة النزاعات الداخلية أو المساهمة في تصعيدها و استمرارها “.
وقد يأخذ التدخل الخارجي أشكالا مختلفة، سنوضحها في العنصر الموالي.