التكتلات السياسية
كاتب الموضوع الأصلي: محمد عمير القحطاني
التكتلات السياسية
جماعات المصالح هى نوع من الجماعات التى يلجأُ إلى تكوينها أو الانضمام إليها بعضُ أفراد أو مجموعات من أفراد مجتمع ما بهدف التأثير على سياسته العامة بشأن موضوع أو قضية محددة، تمثل بالنسبة إلى هؤلاء الأفراد أو تلك الجماعات مصلحة جوهرية مشتركة تربط بينهم. لذلك، عادة ما ُتعرفـُها الأدبيات السياسية بأنها “تنظيمات تستهدف التأثير فى صانعى القرار”. فى هذا السياق، يأتى تعريف الرئيس الأمريكى ترومان بأنها “جماعة تشترك فى الاتجاه نحو مطالبة جماعات المجتمع الأخرى بمجموعة مطالب محددة، ويتم ذلك من خلال التأثير على مؤسـسات الحكومة”، وأيضا تعريف روى مكريدس بأنها “جماعات تجمعها مصلحة مشتركة، دائمة أو مستقرة تناضل باستمرار من أجل تعظيم مصالحها ومنافعها من خلال الضغط على الحكومة للحصول على المزايا والتنازلات والمساعدات، بل وعلى الدعم المباشر أو غير المباشر من قبل الحكومة”. فـى نفس الاتجاه، يجئ التأكيد على عنصر “استمرارية المصلحة” كشرط لقيام جماعة المصالح، فتعرف بأنها “مجموعة من الأفراد تسعى إلى تحقيق أهداف تتعلق بمصالح خاصة، عادة ما يكون لها صفة الاستمرار”. يضافُ إلى ذلك، أن تلك الجماعات “تستخدم من الوسائل ما يمكنها من التأثير على الرأى العام والحكومة، وعلى عملية صنع القرار السياسى بوجه عام فى إطار سعيها لتحقيق مصالحها الخاصة. أما دولبير وأدلمان فهما يتجهان إلى التركيز بوجه خاص على عنصرى قوة المصلحة، واستمراريتها كشرطين أساسيين لقيام “جماعة المصالح”، وطبقاً لمفهومهما فإن الأفراد عادة “ما يتجهون للانضمام إلى تلك الجماعة للتعبير عـن مصالح مستقرة وقوية بدرجة كافية”.
التمييز بين استخدامات كل من هـذه المصطلحات ُيظهرُ أن البعض مثل جان دانيل يذهب إلى استخدام تعبير “الجماعة الضاغطة Pressure Group ” عندما تعمل “جماعة المصالح على الصعيد السياسى”، بينما يذهب برايس إلى إطلاق لفظ “اللوبـى” عندما يكون هدف جماعة المصالح متمثلا فى “إغراء البرلمان للتصويت مع أو ضد مشروع قانون ما”، أو كما يضيف بلانو وجرين برج تقديم المعلومات والحقائق الهامة حول المقترحات التشريعية، أو الإدلاء بالشهادة من قبل أعضاء وممثلى اللوبى أمام اللجان أو الهيئات التشريعية، ومن هنا كان إطلاق “المجلس الثالث “The Third House” على أعضاء ومؤسسات اللوبى. أما إدجار لانى فيضيف أن اللوبى “إنما يهتم بالتركيز على امتداد أعمال اللوبى إلى المؤسسات الحكومية تشريعية وتنفيذية، بينما يقصر برايس إطلاق تسمية اللوبى عندما يتعلق النشاط “بالأعمال التشريعية فقط”. من هنا ان تفضيل بعض الأدبيات استخدام تسمية “جماعة المصالح” باعتبار أنه “لا توجد جماعة بدون مصلحة”، ومن ثم “فالمصلحة ملازمة للجماعة، بينما الضغط/اللوبى إنما يعبر عن “أحد ألوان النشاط الذى تمارسه الجماعة فى سبيل تحقيق مصلحة ما”، فضلا عن كونه- أى اللوبى- “نتاجا للثقافة الأمريكية ويمثل ميكانيزما خاصا بالنظام السياسى الأمريكى قد لا تعرفه بالضرورة الثقافات والمجتمعات الأخرى”.
وفى النظم السياسية المعاصرة، فإن وجود جماعات المصالح على تنوعها وتباين توجهاتها يُعدُ من أهم خصائصها. فجماعات المصالح تُعدُ من بين أبرز مؤسسات المجتمع المدنى أو المؤسسات غير الحكومية فيها، وتتزايد فرصتها فى وجود مؤثر وفعال بتوافر مناخ أكثر ديموقراطية. وعادة ما يتجه عددها إلى الاضطراد بتزايد معدلات ومستوى التنمية. من هنا كان نموها وتقدمها أكثر وضوحاً فى المجتمعات الديموقراطية والصناعية أكثر من غيرها بوجه عام. ومع ذلك، فلا ينبغى أن ُيستنتج من ذلك اقتصار وجود جماعات المصالح على تلك المجتمعات الديموقراطية والصناعية، فتلك الجماعات توجد فى كل الدول ونظم الحكم: ديموقراطية أو ديكتاتورية، متقدمة أو نامية . أما القول بتزايد فرصة تواجد جماعات المصالح ونموها فى المجتمعات الديموقراطية، فإنه يرتبط بآفاق التنوع والاتساع التى يتيحها امتداد المصالح فى تلك المجتمعات من جانب، إضافة إلى مناخ حرية العمل ومرونة الحركة التى يتيحها المجتمع ذاته، خاصة وأنه عادة ما لا يتمتع حيالها بقدر مماثل من التحكم والسيطرة على نحو ما يحدث مع الأحزاب السياسية. هذا فضلا عن تميز المجتمعات الديموقراطية بتوافر كثير من المتطلبات الضرورية لقيام جماعات المصالح وتطورها، والتى تتضمن:
أ- وجود حكومات قوية تستوجب محاولة التأثير عليها: ذلك أن وجود الحكومة يعنى تنوعاً فى مضمون ومجالات السياسات والبرامج العامة المتنوعة. ومن ثم إتاحة الفرصة لوجود جماعات مصالح متنوعة، إن لم تكن أحيانا متباينة، فى تلك المجالات. وبالتالى فإن الدفاع عن مصلحة بذاتها أو سياسة بعينها يتطلب قيام جماعة مصالح تتولى الدفاع عنها والترويج لها. ومن هنا، يجىء الارتباط بين إنشاء جماعات المصالح وتعدد البرامج والأنشطة الحكومية.
ب- مستوى عال من التنظيم والقدرة على الاتصال بمراكز صنع واتخاذ القرارات السياسية والتأثير على الرأى العام.
ج- توافر بيئة مجتمعية مواتية تتصف بالحرية، والتنوع، والاستجابة التلقائية، والتطوعية، والاستقلال حيث تمثلُ تلك المقومات شروطاً ضرورية لقيام تلك الجماعات. الحريـة Freedom: تعنى توافر مناخ عام ييسر عمليات التنظيم والدعاية والإعلان من وجهات النظر الخاصة؛ التنـوع Diversity يفترض أن تلك الجماعات تمثل المصالح والقوى الاجتماعية المختلفة؛ قدرة الاستجابة Responsiveness بمعنى أن تلك الجماعات تنشأ لتستجيب تلقائيا لحاجات المجتمع، ولتعبر عن اهتماماته ومشكلاته المطلوب إيجاد حلول مناسبة لها؛ التطوعية Volunteerism حيث نشأة وتطور هذه الجماعات تعتمد وإلى حد كبير على الجهود التطوعية غير مدفوعة الأجر، وبمبادرة من الأفراد ذاتهم خارج الإطار الرسمى للحكومة؛ الاستقلال Independence ويعنى تمتع تلك الجماعات بالاستقلال عن بعضها البعض فى نشأتها وتطورها، كما أنها تكون أيضاً مستقلة عن الدولة.
د– وأخيراً، فإن نشأة تلك الجماعات تكتسب وضعاً خاصا فى دول العالم الثالث: فهى تتأثر بقوة المصلحة واستمراريتها، كما أنها تتأثر بالخصائص العامة لتلك المجتمعات وعادة ما تتجه نحو التمركز حول العديد من المتغيرات مثل السن، والنوع، والعرف، والقرابة الاجتماعية، والتقاليد، إلخ. أهمية ذلك تتضح عندما يُؤخذُ فى الاعتبار الوزن النسبى المتزايد لهذه المتغيرات فى تحديد مفهوم المصلحة من جانب، ومن ثم درجة قوتها واستمراريتها من جانب آخر.