التنظيم العالمي للإخوان .. ورؤيته الإصلاحية ..
كاتب الموضوع الأصلي: علي آل موسى 344-2
حملت هجمات الحادي عشر من سبتمبر معها رياح التغيير لتهب على منطقة الشرق الأوسط، وأحدثت رياح التغيير هذه حالة من المراجعة لكل ما هو قائم من سياسات وأيدلوجيات وإستراتيجيات لأكبر تنظيم إسلامي عالمي وهو التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين.
اليوم.. ثمة إجماع على وجود تغيرات طرأت على رؤية الحركة لما يدور حولها بفعل رياح التغيير التي تحدثنا عنها ..وهي تغييرات تبعتها إصلاحات بالضرورة، بعضها قائم بالفعل وأخرى في الطريق إلى التنفيذ..
والخلاف حول وجود هذه الإصلاحات بالفعل من عدمه قائم بين من هم داخل هذه الجماعة وبين من هم خارجها من مناصرين ومراقبين ومنتقدين، فثمة من يقول إن الإخوان المسلمين يصدرون مواقفهم ويعلنونها بناء على خطط استراتيجية غير معلنة قد تمتد إلى عشرات السنين المقبلة.
وإن إستراتيجيتهم هذه لا تعتمد على القاعدة الجماهيرية العريضة، ولا تحفل بها أو برأيها بقدر ما تستند إلى قوتهم التنظيمية ونجاحاتهم السياسية ومؤسساتهم الـ”8″ ألفا المنتشرة عبر العالم وقدرتهم على الوصول إلى أي مركز لصنع القرار أو الحكم سواء في العراق أو تركيا أو باكستان.
وأمام هذه الإستراتيجية الجديدة التي يتحدثون عنها ثمة مؤشرات إجابية على الإصلاح قائمة على الانعتاق من عباءة الخطاب الموجه والمؤدلج والانفتاح نحو العالم وتغيير السياسات وحوار الآخر …الخ ..
لكن ما هو سلبي وملفت حقا هو إسقاط الإستراتيجية الجديدة للإخوان الجماهير من حساباتها تماما بحسب ما سمعنا وقرأنا لبعض قيادات التنظيم العالمي للإخوان.
الإخوان برؤيتهم الإصلاحية الجديدة يعتقدون أنهم أقدر على إدراك المتغيرات والظروف أكثر من الجماهير، التي قد تكون أكثر وعيا من التنظيمات أحيانا، والتي تمثل سندا حقيقيا وعصبا مهما لهذا التيار. تأسيسا على ما سبق يمكن القول إن ثمة إصلاحات حقيقية وإدراك للمتغيرات في آلية عمل الإخوان المسلمين يتطلب نجاحها، إخفاؤها تماما كما هو الحال لدى المسلمين الشيعة، فيما يعرف بمبدأ “التقية”.
على الإخوان المسلمين العودة للعمل تحت الأرض كتنظيم عالمي، وإشاعة بعض مؤشرات التغيير والتجديد في الخطاب والرؤية هنا وهناك من خلال بعض أذرع هذا التنظيم كحركة حماس على سبيل المثال التي تتغير اليوم وتتبدل أسرع مما ينبغي. وما يميز الإخوان المسلمين عن غيرهم ثقتهم المطلقة بإستراتيجيتهم الجديدة بعد 11 أيلول واعتدادهم بها إلى درجة الإيمان المطلق.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل رؤية الجماعة الجديدة للمتغيرات في العالم مجرد تكتيك لحظي؟ أم أن في الأمر تحولات إستراتيجية بالفعل ورغبة بالتغيير؟
ثمة من يرى أن الإخوان خرجوا عن أصالتهم ومنهجهم وسلكوا طريقاً جديداً مخالفاً لأصالتهم وماضيهم، وقبل الدخول في صلب الموضوع أذكر بأن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين أعلن في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات عن المشروع السياسي للإخوان المسلمين للمرحلة المقبلة لم تتغير ملامح هذا المشروع منذ ذلك الوقت رغم تغير العالم بأكمله.
وتجدر الإشارة في حديثنا عن الإخوان إلى أن هذا التنظيم العالمي قرر في منتصف الثمانينات الانخراط في الأنظمة القائمة، وهو ركن أساس ضمن إستراتيجيتهم القائمة على توضيح موقفهم من ثلاث قضايا أساسية، كما ذكرنا وهي المشاركة السياسية في الأنظمة القائمة، ومشاركة المرأة في الانتخاب وفي المجالس النيابية، والتعددية السياسية.
والحقيقة أن التنظيم العالمي للإخوان كان دائما عائقا أمام الحركات الإسلامية المحلية، فحدَ من تطور خطابها ومشروعها السياسي المحلي وخرج على الناس برؤية بعيدة كل البعد عن التوازن والقسط، مغرقة في المركزية والاختلال القيادي، بشكل لم يسبق له مثيل. ولم تُقم تلك الرؤية أي وزن للتغيرات العميقة التي طرأت في البلدان العربية التي تضم تنظيمات للإخوان المسلمين.
أقول إن التنظيم العالمي يشكل قيدا على الحركات الإسلامية في طريقها نحو الإصلاح والتغيير، وثمة شواهد كثيرة، أولها تجاهله لواقع هذه الحركات الداخلي وطبيعة العلاقة مع الأنظمة فيها، أما فكرة الالتزام بـ”فهم الجماعة للإسلام المستمد من الكتاب والسنة..”، فهو ليس أكثر من مذهبية جديدة وحجر على العقل المسلم، وسد لأبواب الاجتهاد والتجديد.
أما الالتزام “بسياسات الجماعة ومواقفها العامة”، فهو تقييد لهامش المناورة السياسية الذي هو أثمن ما تملكه الحركات الإسلامية في بلدانها ووصاية لا معنى لها وفي غير موضعها
حجم المسؤولية التي يتحملها التنظيم الدولي إذا في تراجع الإخوان في الدول العربية والإسلامية كبير جدا، ومن المفترض أن يخرج هذا التنظيم برؤية جامعة واضحة للتغيير تماشيا مع ما يدور من حولنا بدل أن يقف عائقا أمام الإصلاح والتغيير.
القضية إذا أن ثمة رغبة لدى الإخوان بالتغيير والإصلاح، لكنها رغبة فاقدة لمحتواها بسبب اعتمادها على إستراتيجية غير معلنة ومعتد بها، وبسبب افتقادها للقاعدة الجماهيرية التي بات أغلبها ساخطا اليوم على التيار الإخواني في كل دول العالم تقريبا.