أ.د. أحمد محمد وهبان

التهديدات المحتملة للمصالح العربية والمصرية

كاتب الموضوع الأصلي: معاذ المغيري 1 3

التهديدات المحتملة للمصالح العربية والمصرية

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الوجود الإسرائيلي فى القرن الإفريقي عبر كينيا سيؤثر حتماً فى أمن المنطقة ككل، هذا بالإضافة إلى أنه سيشكل تهديدا للمصالح الاستراتيجية للعرب- أمنياً واقتصادياً- حيث إن العلاقات الإسرائيلية بكل من كينيا وإثيوبيا معا ستجعل المنطقة ساحة للصراع بين هذه القوى الثلاث.

فالوجود “الإسرائيلي” فى كينيا – الذي يرى المحللون أنه يهدف بالأساس إلى تشكيل محور ثلاثي كيني- إثيوبي- إسرائيلي- هدفه ضرب المصالح الاستراتيجية للدول العربية، خاصة فى المجالين الأمني والمائي. ويتم التدليل على ذلك من خلال محاولة إسرائيل تهديد الأمن المائي المصري، وممارسة الضغط علي مصر، وذلك عبر اختراق ما يسمى بدول (تجمع الاندوجو) تارة، وإثارة الخلافات بين دول حوض النيل بشأن الاتفاقية الإطارية لحوض نهر النيل المعروفة باتفاقية عنتيبي تارة أخري.

وهنا، ينبغي التساؤل حول جدوى تهديد الدور الإسرائيلي فى كينيا للمصالح المصرية المائية منها وغير المائية فى منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل.وقبل محاولة الإجابة على هذا السؤال، ينبغي تأكيد أن الاتفاقيات الاستعمارية بشأن نهر النيل تنظم وتضمن مسألة توزيع حصص الموارد المائية بين دول الحوض، وكذا الالتزام بالتفاوض والتشاور بين الدول المختلفة، وحتمية موافقة مصر بشأن ما يقام من مشروعات فى دول حوض النيل بما لا يؤثر فى حصص الدول الأخرى .

وقد ظل هذا الإطار القانوني والسياسي معضدا من قبل القوى الكبرى والمؤسسات الدولية، وطريقا أمثل للتعامل بين دول حوض نهر النيل. فالمؤسسات الدولية، ومنها البنك الدولي، قد رفضت جميعاً طلبات إثيوبيا المتكررة لتمويل مشروعات سدود، من شأنها التناقض مع الاتفاقيات الموقعة بين دول حوض النيل.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه فى هذا المقام هو: لماذا تتم إثارة أمر إنشاء السدود التي تعد مخالفة للاتفاقيات الدولية؟ وهل هناك مؤشرات تشير إلى قوى خارجية تحاول إثارة أو افتعال أزمات لمصر؟. للإجابة على هذا، ينبغي تأكيد حقيقة – كثيرا ما أكدها عدد من خبراء الجيولوجيا والمياه- أن دول المنابع ليست فى حاجة إلى المياه بالشكل الذي قد يؤدي للتأثير الملحوظ فى حصة مصر من المياه، أو أن حصة مصر والسودان من مياه النيل قد تؤثر سلبا فى هذه الدول. فمياه نهر النيل لا تتسم فى كميتها بالندرة، وإنما تعاني دول المنابع وفرة تحتاج إلى مشروعات لإدارتها وضبطها.

علاوة على ذلك، فإن دول المنابع لا تحتاج المياه للزراعة، حيث إنها تعتمد فى زراعتها على مياه الأمطار بصفة أساسية، وحاجتها للمياه هي لتوليد الكهرباء وليس للزراعة، وعليه فالمياه المطلوبة لهذا الغرض لن تؤثر فى الحصة المصرية.

كما أن المواقف المعلنة من قبل دول حوض النيل الداعية إلى عدم الالتزام، ورفض كافة الاتفاقيات المتعلقة بتنظيم مسألة المياه فى العلاقات بين دول حوض النيل، لا سند لها فى القانون الدولي، وذلك لأن هذه الاتفاقيات التي أبرمت طوال الفترة الاستعمارية كانت جزءا من اتفاقيات الحدود التي لا يجوز التنصل منها بموجب أحكام القانون الدولي.

وعليه، فإذا كانت دول حوض النيل ليست فى حاجة ملحة لمياه النيل أو التأثير فى حصة مصر والسودان التي لا تسبب ضررا لهذه الدول، كما سبق الذكر، وكذا اعتبار أن مشروعات بناء السدود دون موافقة مصر تعد مخالفة لتعهدات دولية بين دول حوض النيل. بمعنى آخر، إذا كان حق مصر فى مياه النيل حقا تاريخيا مكتسباومحصنا بأحكام القانون الدولي والأعراف الدولية، ومحصنا أيضا بموانع طبيعية جغرافيةوهندسية، فلماذا تتم إثارة أمر بناء السدود من آن لآخر؟

هنا، يمكن القول إنه ولعقود طويلة، ظلت منابع النيل الإثيوبية اليد التي توجع مصر، وكثيرا ما تسابق البعض على ليها وإيلامها لصالحهم أو لصالح غيرهم أو للتأثير في مواقف مصر في بعض القضايا السياسية. فعندما شرعت مصر فى إنشاء السد العالي، بمعاونة روسية- سارعت الولايات المتحدة الأمريكية فى الرد على هذا الأمر بدراسة مشروعات لإنشاء عدة سدود على منابع نهر النيل، حيث قام المكتب الأمريكي لاستصلاح الأراضي سنة 1964 بدراسة لهيدرولوجية حوض النيل الأزرق، وانتهت الدراسة بالتوصية بإنشاء أربعة سدود على النيل الأزرق، إلا أن هذه المشروعات لم تنفذ.

Leave a Comment