أ.د. أحمد محمد وهبان

الثورات العربية: الانهيارات المتتالية

كاتب الموضوع الأصلي: معاذ المغيري 1 3

لم تكن الأنظمة السياسية العربية تدرك أن واقعة إحراق الشاب محمد بوعزيزي لنفسه، احتجاجا علي مصادرة السلطات المحلية لعربته لبيع الخضار، بداية لمرحلة من الانتفاضات والثورات الشعبية في المنطقة بدأت في تونس، وانتقلت إلي مصر، ثم ليبيا، واليمن، والأردن، والبحرين، وغيرها.

ولئن استطاعت ثورتا تونس ومصر إجبار رئيسيهما علي التنحي بعد حشد شعبي متوال، وإصرار لافت علي دفع ضريبة التغيير بالشهداء في مواجهة آلة القمع الأمني الحكومية، فإن الانتفاضات الشعبية الأخري واجهت ظروفا مغايرة متأثرة، إما تارة بالمركبات القبلية والعسكرية كما في اليمن وليبيا، وتارة أخري بالمركب الطائفي، كما في البحرين.

إن الأنظمة العربية تواجه لحظة فارقة في عمرها، منذ الاستقلال عن الاستعمار، إذ بدا أنها تدفع ضريبة تباطؤ الإصلاح السياسي، واستشراء الفساد، وهيمنة الدولة البوليسية، وتهميش كيانات اجتماعية ودينية. ذلك أنه لم يعد مجديا في نظر الجماهير بقاؤها، ولذا بات الشعار الموحد لاحتجاجات العرب ‘الشعب يريد إسقاط النظام’.

لقد كشفت الانتفاضات ضد النظم العربية عن ‘عقل جمعي عربي’، تشكلت ملامحه في استنساخ آليات ومطالب الاحتجاج، ونقل الخبرات عبر الشبكات الاجتماعية علي الإنترنت (الفيس بوك، تويتر) في مواجهة هذه النظم، وهو ما سقطت معها مقولة فرادة حالة تونس، التي ما لبثت أن انتقلت عدواها إلي مصر وليبيا وغيرها.

غير أن الفرادة الحقيقية ظهرت في طبيعة استجابة كل نظام عربي لمطالب التغيير ومآلاته. فبينما بدت الدولة في مصر وتونس أكثر تماسكا، رغم سقوط قواعد اللعبة في النظامين عبر انحياز الجيش لمطالب الثورتين، فإن الانتفاضة علي الزعيم الليبي معمر القذافي تمت ‘عسكرتها’ داخليا، لاسيما مع تماهي الدولة والنظام في شخص الزعيم الليبي. وبدا العامل الخارجي أكثر بروزا مع فرض حظر طيران جوي من قبل مجلس الأمن الدولي لحماية المدنيين، إثر العنف المفرط لكتائب القذافي ضد الثوار.

وبينما لجأ النظام اليمني إلي سيناريو ‘القمع الأمني’ في ساحة التغيير ضد المحتجين، بما قد يدفع الأوضاع إلي انهيار متوقع، وتشتت مناطقي ينال من وحدة الدولة ذاتها، فإن السمت الطائفي الشيعي للانتفاضة في البحرين دفع بالعامل الخارجي، المتمثل في قوات درع الجزيرة، إلي التدخل لانقاذ الأسرة الحاكمة ‘السنية’ من السقوط.

في المقابل، فإن تفاعل النظامين الملكيين في المغرب والأردن مع الاحتجاجات انطوي علي محاولة عدم تحويلهما إلي ثورة عارمة، عبر الإعلان عن إصلاحات سياسية واقتصادية.

ورغم أن السعودية شهدت احتجاجات محدودة، فإنها سعت لتجنب توسيعها عبر حزمة من القرارات التنموية للملك عبد الله بن عبد العزيز لتلافي حالة الغضب، بينما لجأ النظام السوري الذي ظل لفترة بعيدا عن الاحتجاجات إلي ‘الأداة الأمنية الصارمة’ لمواجهة بروز الاحتجاجات في ‘درعا’ جنوبي البلاد.

إن ملف ‘السياسة الدولية’ يرصد ويحلل مرحلة مفصلية غير مسبوقة في تفجر وانهيار الأنظمة السياسية العربية من الداخل، باتجاه إعادة تشكيل مجمل الخريطة السياسية الداخلية وموازين القوي في المنطقة.

ولعل صعوبة فهم المرحلة التاريخية التي نعيشها في المنطقة تكمن في أننا نعالج لحظة راهنة تتشكل وتتطور بسرعة أكبر أحيان من قدرات التحليل السياسي ذاته علي التوقف لتفسير أبعادها ودلالاتها ومآلاتها. إذ تنشأ معادلات تغيير جديدة، ظلت غائبة عن إدراك النخبة الأكاديمية العربية التي عانت ‘تجريفا سياسيا’، مما دفعها للاستسلام لمقولات ‘قوة الأنظمة (أمنيا)())) ولامبالاة الشعوب’، الأمر الذي ثبت مع الانتفاضات العربية أنها لا تعدو سوي ‘هيبة هشة’ للأنظمة، بلغت إلي حد التساؤل عن مدي قدرة بعض الدول علي البقاء من عدمه.

إن حالة الانهيار السريع لبعض الأنظمة العربية تستدعي إعادة النظر في مناهج التحليل السياسي التي ظلت تهمل حركات التغيير الكامنة غير المنظمة في المجتمعات العربية، وتعظم في الوقت ذاته من قدرات وأدوات الأنظمة السياسية العربية علي استيعاب أي تغيير ظاهري، بما يدعم بقاءها.

Leave a Comment