الحرية والديمقراطية…جدلية الفكر والممارسة
كاتب الموضوع الأصلي: عادل العتيبي1
كان وصول الرئيس المنتخب باراك أوباما كأول رئيس من أصل أفريقي مستدعياً لكتابات كثيرة تتحدث عن انتصار الحرية وفضائل الديمقراطية، التي جعلت من أقلية كانت تحت العبودية والرق قبل نصف قرن تصل إلى سدة الحكم، وكان من هذه المقالات ذلك الحديث الساخن الذي جرى في ساحتنا السعودية، والذي كان منطلقه مقال للدكتور محمد حامد الأحمري بعنوان “انتصار الديمقراطية على الوثنية في الانتخابات الأمريكية”. ومن ثم تلاحقت عليه الردود، ولم تقف الردود حتى بعد توضيح الدكتور موقفه الذي لم يكن ليخرج عن دائرة المفاهيم الإسلامية الأصيلة المبثوثة في الكتاب والسنة وعصر الخلفاء الراشدين، وكانت تلك الردود تحمل من التجني وسوء الفهم والظن الشيء الكثير.
ومع بساطة ووضوح مقال الدكتور، ولغته العاطفية المناسبة كردة فعلٍ لحدث له رمزية لا تكاد تخفى على كثير من الناس، والتي كانت دلالته واضحة في أمم الأرض التي عانت من سيادة الأبيض واستعماره، حيث ظهرت عواطفهم وفرحهم بفوز أوباما، لذا لم يكن مقال د.الأحمري تنظيرا علميا، ولا فتوى فقهية تأتي على التفاصيل، أو على القضايا محل النزاع ليبين رؤية الإسلام لها.
إن المقاربة حول موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان التي ذكرها الدكتور هو ما نحتاج إلى بحثه ومناقشته، وفتح باب الحوار حوله مع أنفسنا أولا، ومع الآخر ثانيا، وفي هذه الأوقات على وجه الخصوص، لأن عاصفة 11/9 قد هدأت بذهاب سيطرة متعصبي البيت الأبيض، الذين يعتبرون الإسلام كله شر وكله إرهاب، ولم يكونوا يتقبلون فكرة الإسلام المعتدل إلا من خلال ثرثرات المتعصبين، مثل مركز راند وما شابهه من مراكز تقوم برسم صورة الاعتدال في مقاسات ذوقية فصلوها لنا، كما أن هذه المواضيع قد بدأ تدشينها سعوديا من خلال مؤتمرات حوار الأديان على المستوى الدولي، إذ من المسلَّم به أن أول موضوع يطرح في هذه المؤتمرات هو السؤال عن موقفنا من الحريات ومن الديمقراطيات ومن المساواة والمشاركة السياسية وحرية التعبير وفصل السلطات وغير ذلك، فلغة خطاب التعمية والإجمال لا تنفع، ولغة الجدل واللعب بالعبارات لا تزيد ولا تنقص، كما أن لغة التعبير عن الأمة لا تقدم ولا تؤخر، بل الموضوع يتعلق بنا نحن السعوديين أصحاب الفكر الوهابي كما تقول الأبجديات التي أمرضتنا بها البحوث الغربية، فإشكاليتهم دوما ـ كماهي دعاية مراكز الأبحاث ـ الفكر الوهابي والتعصب الوهابي والحكم الوهابي، هذه هي حقيقة الصورة النمطية في الدراسات الغربية والإعلام الغربي، وهي لا تكاد تنفك عن بعض المبالغات والسطحيات لكثير من الأفكار المطروحة.
نحن لا نطلب رضى الغرب ولا رضى الشرق، بل نطلب رضى الله وحده، وأن نحكم بما أمرنا الله بتحكيمه وهو الوحي والميزان (العقل والنقل)، أو بعبارة أخرى الآية الكونية والآية الشرعية، وأن نعترف بالحق الذي يقول به غيرنا، وأن نعترف بالخطأ الذي نقع فيه نحن، فإذا كان يُقال “أهل الإسلام يعترفون بما لهم وما عليهم”، فجدير بنا أن نُحقق ذلك في مقالاتنا وكتاباتنا، وأن لا نكون مستهدفين لرضى أيٍّ من السلطتين، سلطة الجمهور، أو سلطة السياسي.
لذا فضّلتُ أن يكون لي وقوفٌ في هذا المعترك الساخن، لأبين وجهة نظري المتواضعة بكل اختصار وتركيز، وإلا فإن الموضوع فيه من الأبحاث الشيء الكثير، بل لا تخلو جزئية من وجود تفصيل أو كتاب يُحدد بعض الملامح.
* في البدء:
أود قبل الدخول في نقاش الموضوع ومضامينه التذكير بأن اللغة دائماً ما تشكل عائقا كبيرا في نجاح الجدال أو الحوار، لذا كان أول قادح يطرح في الاعتراضات والمناظرات ما أسماه علماء المنطق والأصول بقادح (الاستفسار)، وهذا القادح يعني الاعتبار بالمضمون والمعنى لا التركيز على اللفظ والمبنى، لذا كان شرطا قبل البدء في الحوار أن يكون من أولوياته البدء في الاستفسار عن المعنى حال وجود المشكل، وهذا من القواعد المقررة في كتب المنطق والأصول، وهي من القواعد المهمة التي خصها ابن تيمية بالبحث في العقيدة التدمرية، حيث اشترط الاستفصال في المعنى عند كل المصطلحات المحدثة والجديدة على لغة الشرع. لذا عندما تحدث المقال الأصلي في هذا السجال عن الديمقراطية وعن العبودية أو الوثنية، كان تركيز بعض الناقدين على بعض المعاني التي رأوها سلبية، رغم أنها كانت مما قد يحتمله اللفظ، ولكنها استُخدمت كمنطلق لهدم كل الأطروحة المنقودة.
تقوم ملاحظة ناقدي الدكتور الأحمري على نقد شامل عام لفكرة طويلة عريضة بدون تمييز أو توزيع أو فحص أو تحقيق، وهذه الطريقة في أسلوب النقد من الظلم في القول بل هي من الجحود الذي أمرنا بتجنبه (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلو هو أقرب للتقوى) والعدل يقتضي الاعتراف بالحق وتبيين الباطل، فكيف إذا كان مجال المدح هو في الحق الذي جاءت به نصوص الشريعة من تأسيس للحرية والكرامة الإنسانية، أما منا قشة موضوع قيم الحرية الغربية أو قيم الديقراطية الغربية على ضخامته فإن التعقيبات أظهرت قدرة أصحابها على ممارسة النقد بشكل عجيب غريب، حيث ظنوا أنهم يمارسون الطريقة الشرعية في الحوار، وهم في الحقيقة لا يعتبرون بها، لأنهم يهدرون دلالة النصوص الشرعية عندما يقولون : نحن عندنا إسلام وشريعة ونظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع تخالف الغرب، بينما هم ليست عندهم الشريعة الإسلامية بشمولها، بل عندهم ما يضادها، لذا يعتبرون كل قيم الغرب التي أُعجب بها البعض علمانية صرفة وكفر محض، هذا هو أسلوب النقاش والمعالجة عند بعض هؤلاء القوم هداهم الله، وهو أسلوب عقيم يُنقِص من مقتضيات النصوص الشرعية التي يعرفها العلماء الراسخون في العلم.
يكاد يُفهمك خطاب هؤلاء بأمرين: الأول أن الشريعة الإسلامية شريعة منزلة لا علاقة لها بمعهود سابق من فطرة أو دين كتابي، بمعنى أنه عندما تتم معالجة مفهوم الديمقراطية فإن نقاش هؤلاء لا يعترف فيه بمستوى فطري أو مستوى ملِّي يقرُّ فيه بالحقوق التي ثبتت من خلال هذين المصدرين في القيم الغربية، لأن الحقوق تثبت بالعقل، ودين من قبلنا، والشريعة المنزلة المنصوصة، فالمشترك الإنساني على مستوى الفطرة أو العقل أو على مستوى الملة من أسس الاعتراف بالحقوق التي لا نغفلها دائما في مناقشة نظرية الحق أو العمل، وسواء كان موضوع النقاش اجتماعيا أو سياسيا ـ ومنه موضوعنا في الحريات والديمقراطيات ـ كان من أسس الكلام الذي نظَّر له ابن تيمية، قوله أن الحسنات والعبادات عقليّة ومليّة وشرعيّة، ويدخل في ذلك نظرية الحق أصالة، لأن الحق وتأديته لأصحابه من الحسنات والعبادات، فالحق عبادة، وكل الحقوق السياسية عبادات بنص الشرع وبنظرية الحكم الشرعي الشامل للحوادث بإجماع المسلمين إلا من شذ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق” يدل على أن الأخلاق التي منها العبادات والحسنات موجودة ـ قبل تتميمها بالإسلام ـ في الفِطر وفي الملل، فهو من المشترك الإنساني الذي نبدأ فيه ونخبر العالم أننا نشترك معكم في الأخلاق والقيم الإنسانية المشتركة التي منحنا الله إيانا بمقتضى الطبيعة والخِلقة، ثم تأتي التتميمات الشرعية التي اختص بها الإسلام، وليس هذا مجال شرح مميزات الاختصاصات الشرعية، فهي ذات فلسفة طويلة لا تكفيها هذه العجالة .
الأمر الثاني الذي يُفهمك إياه هذا الخطاب الممانع: أن الشريعة الإسلامية شريعة جاهزة بنوداً وأحكاماً وتفاصيلاً، وأنها تنتظر فقط فقهاء المذاهب (أو علماء الحق أو الربانيين) أن ينزلوها من بطون الفقه إلى أنظمة مقننة، وهذا أمر خاطئ في تصورات كثير ممن لا يعيرون اهتماماً بفلسفة العلوم وفلسفة التشريع الإسلامية، من جهة أن الشريعة جاءت ليُهدي الناس باستيعاب التجديد والتحرير في البحث عن الأصلح والأقوم من أحكام حقوق العباد، وخصوصا باب المعاملات الذي هو باب علاقة الخلق بعضهم ببعض، من ساعة خروجهم من بطون أمهاتهم وحتى دخولهم إلى بطون قبورهم.
لذا، فإن الأصل في أحكام باب المعاملات التغير والتجدد، لا البقاء وعدم التغير، ليس لأن الأصل في المعاملات الإباحة كما هي قاعدة البراءة الأصلية، بل لأن الأصل في الإسلام ـ كما هي دلالة القرآن ـ البحث عن الأقوم والأهدى والأصلح والأنفع، عن طريق سلوك شروط القرآن التي بثها الإسلام في مصادره الأساسية فيما لم يخصه النص بحكم، وهذا يدخل فيه كل الأحكام المرتبطة بالعلوم الإنسانية، وهي أحام ترتبط بالمختصين بها من أرباب العلوم، لذا لا يُشترط أن تكون الأحكام صادرة من علماء مختصين بالشريعة، وذلك لأن باب المعاملات أصله وقاعدته مرتبطة بتحقيق المناط لا باستخراجه ولا بتنقيحه، وهو ما يقوم به العامة كما هو معروف في كتب الأصول والمقاصد.
الأمر الثالث الذي يلوح لك من هذا الخطاب: هو أنه ـ أي الخطاب ـ متقوقع في زاوية الانعزال والخصوصية، لذا لا تكاد يطرح أمامه حبل الأفكار للتواصل بالأمم والمجتمعات إلا وقام ليقطعه، فرسالية الإسلام وتحقيق كونيته الإصلاحية غائبة تماماً عن فريق الممانعة والخصوصية، فيتحول الإسلام من رسالة كونية تعبّر عن نفسها بكونها رحمة للعالمين، إلى خطاب خصوصي تحتكر فيه مجموعة معينة حديث الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، ليشتغلوا بالحفاظ على ذواتهم دون أن يكونوا دعاة بقولهم وبخلقهم وحضارتهم، الذي سماه القران مفهوم الشهادة على الناس، وهو الدال على قيم الدولة والمجتمع المسلم المتميز بحضارته وخلقه وعلمه وعمله على الأمم والحضارات الأخرى، ولقد رأيت في الدول الغربية كيف يتأثر الآسيويون بالمسيحية البروتستانتية انبهارا بحاضرة الغرب في الحقوق والمساواة، بينما لا تكاد تجد أن دين المسلمين مقنعٌ لهم، وهذا ما تجده في القرآن في دلالات كثيرة، منها عندما نص على ألا تصيب المؤمنين معرَّة عند دخولهم مكة والقتال فيها، والمعرة هي السمعة الإعلامية المسيئة للإسلام وحضارته وخلقه، وتنضم إلى ذلك أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن (لولا يتحدث الناس) لعملت وعملت، فاعتبار السمعة وخشية ردة الفعل السيئة للتصرفات غير الحضارية والخلقية كانت تجتنب ولو كانت محتملة، فما بالك الآن بتصرفات تبرر ـ دون نظر ـ تشويه صورة الإسلام فيما يمكن أن نسميه بـ (المعرَّة).
* هَمُّ أستاذ العقيدة وهَمُّ الرسالة الإسلامية:
من عيب تأخر علوم المسلمين الشرعية هو جمودها وعدم التجديد فيها من خلال النصوص المقدسة (الكتاب والسنة)، لذا كان من شعار البحوث في مدارس الجمود ليس “كم ترك الأول للآخر”، ولا حتى لم يترك الأول للآخر، بل يجب أن لا نزيد عما تركه الأول، ومع ذلك مورس استعمال الانتقاء والجمود فيما تركه الأول، ولم يُبنى أي تراكم علمي على جهود الأول، بل ولم تُفهم كثير من جهود الأوائل، ومن ذلك ما أسميته هنا بهمّ أستاذ العقيدة وهم الرسالة.
هَمُّ أستاذ العقيدة تحديد توحيد القصد، أو ما يسمى بالتوحيد الإرادي ـ الألوهية ـ والتوحيد العلمي ـ الربوبية ـ، ولا يهتم أستاذ العقيدة إلا بما يناقض هذين الأصلين، أعني ما يتعلق بالكفر والتكفير، فهو على أهمية الأصل الأول، لا يجب أن يُشركه في همُّه، وذلك بأن يعتني بتوحيد الحق حصولا واكتساباً، وهذا يشمل الحق العام في المجتمع كالحقوق السياسية والاقتصادية والتعليمية والأمنية، والحق الخاص مثل حق العبادة وحق التعبير، لكن لو جئنا لهمّ الرسالة الإسلامية، لوجدناه مختلفا عن ما يمارسه هؤلاء من تضييع معاني حقيقية للتوحيد الكامل، هي تدخل تحت توحيد كمال العبادة الواجب، أعني ما يرتبط بضرورة قيام المجتمع الموحِّد الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر من خلال الناس المصلحين الربانيين، وتوضيح ذلك من خلال بيان التالي:
حرص الإسلام في نصوص المؤسسة، كسياقات نصوص دعوة الأنبياء، حيث تكاد تجد أنها لم تخلُ من التأكيد على وحدة كلية واحدة، هي الحرص على التوحيد العبادي في تحقيق العبودية لله وحده من خلال عدم الشرك به، ومن خلال نفي جميع أنواع الوسائط والسُلَط، سواء كانت دينية أو سياسية، ويدخل في ذلك الاهتمام بالحرية ونفي الاستعباد من قبل الملوك، مثل قول فرعون (يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون)، لذا لم يكن يُسأل عما يفعل، وبناء عليه قال (أنا ربكم الأعلى)، وهو مع ذلك يؤمن بوجود الله، إلا أن الكبر والسلطة أغرته وأضلته، وقبل ذلك كان الأحبار والرهبان باتخاذهم أربابا في الطاعة كما سيأتي، أو في الاستعباد الطبقي (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ. إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنْ الْمُهْلَكِينَ)، فملأُ فرعون كانوا يستعبدون بني إسرائيل، لذا ليس مفهوم الأرباب في الآية السابقة هي العبادة المباشرة، وليس مفهوم (وقومهما لنا عابدون) العبادة المباشرة، بل التسلط عليهم ومنعهم الحريات، لذا ذكَّرهم موسى بهذه النعمة (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا) وقوله وجعلكم ملوكاً معناها وجعلكم أحرار، لذا تجد كلام المفسرين على إحدى صور الحرية وهي الحرية الاقتصادية في القدرة على امتلاك النفس والدار والمال، والحقيقة أنهم أيضا استقلوا عن الخنوع والخضوع للسلطان الزماني كما ذكر ملأ فرعون.
دلالات القرآن والسنة تركز دوماً على أمرين هما: تحقيق كمال توحيد الإرادة، وتحقيق كمال توحيد الطاعة، والأول تكون المخالفة فيه شركاً، بينما الثاني قد تكون المخالفة فيه محرّمة، وهذا من باب إفراد صفات الطاعة المطلقة له سبحانه، فمن هذا الباب يدخل كل أنواع الاستبداد الزماني بالحقوق الممنوحة بمقتضى الفطرة والخِلقة، ومن ذلك مخالفة شرع الله بالاستئثار بالحق والسلطة والمال من دون الناس، فقوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) فسره النبي صلى الله عليه وسلم لعدي لما سأله وقال (إنا لسنا نعبدهم)، قال له عليه السلام (أليسوا يحرِّمون ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله فتطيعونهم، قال: بلى يا رسول الله، قال: فتلك عبادتهم). هذه الآية لا تركز على حكم التكفير كما هو همّ أستاذ العقيدة، ولا حكم الأحبار والرهبان من حيث الإيمان والكفر، ولكن تهتم بما هو أشمل من عملية الشرك، لأن الموضوع هو تحقيق (رسالة الإسلام) المصلحة للمجتمع المسلم السليم من آفة عدم المساواة والطبقيّة، حيث يتساوى الجميع، لذا فمفهوم الطاعة في تفسير الرسول شاملة لمن يطيع من يأمره في فعل المحرم، سواء كان كفراً، كأن يُطلب منه السجود لصنم، أو كان دون ذلك، كمن يأمر أن يودع شيئاً من أموال الناس في حسابه الخاص، أو طاعة من يأمر بالاستثناء من المحاكمة والمحاسبة، وكذلك طاعة من يولي أقاربه في المناصب القيادية، فكل ذلك من الاتخاذ والطاعة المنهي عنها.
ولو جئت للنص الشرعي لوجدته شاملاً لذلك كله، إلا أن أستاذ العقيدة لا يهمّه أمر بنيان حرية وسلامة المجتمع، بقدر ما يهمّه مبحث الكفر والتكفير وتقسيم الناس لكفار ومسلمين، فلا يكاد يستوعب الاسترباب والاستعباد إلا في الشرك الإرادي، بينما كل هذه النصوص جاءت شاملة لرفض كل مستويات العبادة، سواء تلك التي تُخرج من الملة، أو التي لا تُخرج. ألم يُسمِّ النبي صلى الله عليه وسلم (عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد الخميصة وعبد الخميلة)، هل كان هدف النبي صلى الله عليه وسلم تثبيت أركان المجتمع السليم القائم على التوحيد والعدل والإحسان، أو كان همّه أن يقوم المجتمع على التوحيد وتكفير المخالف وقتله، مع عدم إعارة دلالات المجتمع الصالح المصلح أهمية.
هل النص يريد أن يُحدد العبادة التي تخرج من الدين فقط؟! وهل جعله المقصد الوحيد؟ وهل هو مقصد القرآن الذي تحدث عن مفاسد الاستبداد الروحي والاقتصادي والسياسي في تاريخ الأنبياء مع من أرسلوا لهم؟ أو كان محدداً لجميع أنواع العبودية، الجامعة لكل الأقوال والأعمال التي تعصف بسلامة المجتمع الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، المجتمع الحر الذي يتساوى فيه الجميع في المحاسبة، ولا يصبح هناك محتكرين للمال والسلطة، يضعونها كأولوية يعبدونها ويستعبدون بها.
النظر في مثل هذه النصوص الشرعية من منظار كفر وإسلام فقط كما هي مباحث العقائد، هي التي قتلت مفاهيم كثيرة في الإسلام، بل وأودت بمعالجة وتطوير كثير من قضايا الحقوق.
فالهمّ السائد اليوم لأستاذ العقيدة هو النظر في مسألة التكفير فقط (تكفير العمل أو تكفير العامل بشروطه) لكن لا يُنظر في عموم لفظ الأرباب أو لفظ العبودية، الذي يشمل كل معاني الربوبية: استرباب الناس واستعبادهم بسلب حريتهم ومالهم وكرامتهم في أن يكونوا سواسية في المجتمع الذي يعيشون فيه، وأن تكون لهم الفرص في النجاح وتسنم جميع المناصب العملية في المجتمع بكفاءة ودون تمييز.
ولو أتينا للسنة النبوية لوجدنا فيها قوله عليه الصلاة والسلام (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، وقوله (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، فارس والروم). فهنا سنتان، سنة راشدية، وسنة كسروية قيصرية، ومحور موضوع هذه السنن هو النظام الطبقي الاجتماعي والسلطوي السياسي، كما أثبتت الدراسات تسرب هذه السنن في الأنظمة السياسية في كتب كثير من مؤرخي وكاتبي السياسة عند العرب والمسلمين، مثل ابن المقفع وعبد الحميد الكاتب والجاحظ والماوردي في الأحكام السلطانية، وهذا الأخير سلَّط عليه أبو المعالي نقده الشديد في كتابه العظيم (الغياثي).
الماوردي اعتدى على دلالات النصوص في إدماج الموروث السياسي الفارسي في القفه الإسلامي، كما قال في مقطع فارسي النزعة (فضل الله النبات على الجماد، وفضل الحيوان على النبات، وفضل الإنسان على الحيوان، وفضل الملوك على طبقات البشر، فالله أكرمهم بالصفة التي وصف بها نفسه، فسمَّاهم ملوكا، وسمّى نفسَه ملكا، كما سمّاهم رعاة تشبيها بالذين يرعون السوائم والبهائم، فسماهم الحكماءُ ساسةً، إذ كان محلهم من مسوسيهم محل السائس مما يسوسُه من البهائم والدواب العاجزة عن القيام بأمور أنفسها والقاصرة عن العلم بمصالحها). هذا النص لا يمكن أن ينتمي للإسلام بأي حال من الأحوال، بل هو موروث فارسيٌ وثنيٌ بامتياز، وقد أثبتت كل الدراسات الحديثة وشائج العلاقة المؤسَّسة في نظام الماوردي السياسي بالنظام الوثني الفارسي، بينا تجد الماوردي وكتبه في النظام السياسي هي النموذج للنظام السياسي في الإسلام في بعض الأقسام العلمية.
كثير من أخلاق النبوة والخلافة الراشدة المبثوثة في كتب أهل السنن تهتم بحماية المساواة في المجتمع، ونفي ظاهرة الطبقية السياسية والاجتماعية، منها قوله عليه السلام عندما قيل له: أنت سيدنا وابن سيدنا، قال (إنما السيد الله)، وقوله عليه السلام (إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بملك الملوك، لا ملك إلا الله). وفي صحيح مسلم أنه عليه الصلاة والسلام (خدش أو جُرِح فصلى وهو شاكٍ في بيته، فصلوا خلفه، فقاموا فأشار عليهم في صلاته أن اجلسوا فجلسوا، فلما فرغ قال: كدتم تفعلون فعل فارس والروم، يقومون على عظمائهم، وفي رواية: ملوكهم)، ومن ذلك أحاديث النهي عن القيام والانحناء للناس، فهذه هي التربية النبوية على قيم الحرية ونبذ مظاهر وأشكال العبودية الاجتماعية والتفوق الاجتماعي.
لذا فإن مظاهر التسلط، والعلو في الأرض على الناس، وسلبهم حرياتهم الدينية أو الاقتصادية أو السياسية كليا أو جزئيا، يُعتبر نوعا من الاستعباد والعبودية، بدلالة لفظ النصوص السابقة على أنها ربوبية ووثنية، وإن كان لا يلزم منها الخروج من الملة، لكن يلزم منها وجوب الامتثال لأوامر القرآن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، ومعرفة أن حريتهم وكرامتهم ومطالبتهم بحقوقهم هي الأصل وهي منة الله عليهم، لا منة لأحد من خلقه عليهم فيها.
فالإسلام دين جاء للحياة والكون والمجتمع، ولا تعرف مقاصد الإسلام ما لم تتبع مقاصد القرآن، وتعرف التحريفات التي وقعت فيها الأديان الطبيعية والمنزّلة، من مستوى الشرك والكفر إلى مستوى استعباد الناس واستغلالهم في أموالهم وأرزاقهم في حياتهم الروحية العبادية وحياتهم العملية السياسية. لم يأت هذا الدين فقط لغاية تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر، بل جاء الإسلام لغاية الشهادة وظهور أخلاق العدل والمساواة على المسرح الدولي (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، وقوله (يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط )، وقوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)، لذا فقد توالت الآيات لتذكرنا بأن إقامة العدل والقسط ركيزة مقرونة بالتوحيد، لأنه أحد أركانه ودعائمه (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم)، بل ساوى عزوجل بين الكفر وقتل الأنبياء وقتل الذين يأمرون بالقسط (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشِّرْهم بعذابٍ أليم).
* عن الديمقراطية:
ثمة اتفاقٌ على أن الديمقراطية ليس لها تعريف موحد كما يكرر الباحثون، وهناك أشكال كثيرة من الديمقراطيات، وهي من أفضل الأنظمة التي عرفها الإنسان بشكل ممارس في هذه العصور، مع ذلك فإن نقد الديمقراطية أمر لم يتوقف عنه الغربيون أنفسهم فضلاً عن غيرهم، حتى غدا من أصول الديمقراطية نقد الديمقراطية وتصحيحها. ومن واجب المسلمين الذين هم أولى الناس بتحقيق المساواة بين الناس أن يستوعبوا قيم العدالة والحقوق الموجودة في النظام الديمقراطية، ثم يمارسوا بالنقد العلمي والموضوعي لهذا النظام الذي لا يُعده أحد كصنم أو وثن إما أن تأخذه كله أو تدعه كله، بل هي نظام سياسي وفكرة تهدف إلى تحقيق العدل والمساواة، لذا يجب عليهم فهم اختلاف الديمقراطيات في العالم، وتفاوتها في طريقة الحكم، وتفاوتها في مصادر القيم التي تحدد تفاصيل الحكم. لكن يبقى المحدد الرئيس للنظام الديمقراطي هو عملية الانتخاب.
وكل مثالب الديمقراطية سواء كانت أمريكية أو غير أمريكية، لا يزال كثير منها محل دراسة ونقد عند العلماء والباحثين، حيث يكتبون في تصحيحها ونقدها ما يفوق الوصف. لا شك أن فلسفة القيم الغربية تقوم على واقعية الطبيعة، مما يؤدي إلى عبادتها، وفلسفة بعض المتشددين من الإسلاميين تقوم على واقعية الشريعة (بما في ذلك أفهام الفقهاء)، مما يؤدي إلى عبادتها (تقليد اجتهادات وأفهام الفقهاء غير المعصومين)، وأنا هنا أكرر أن طرحي لا يقصد الجزء المرتبط بالشريعة المنصوصة المعصومة، بل باجتهادات الفقهاء غير المعصومين.
كلا الطرحين جاءت الرسالة بالتوسط بينهما والربط بينهما، بتنسيب علم الإنسان وعمله، لأن عجز الإنسان وعلمه بمحدودية إدراكه لوجود أشيائه (= الطبيعة) وقيمه (= الشرائع) قد سدده الوحي بوضعه حلاً لهذا العجز الإنساني، وذلك برفض الاستبداد العلمي (ديني أو دنيوي)، أو الاستبداد العملي (روحي أو سلطوي)، (لا إكراه في الدين… لست عليهم بمسيطر)، وجعل المرجع لتسديد الناس نوعان من الشروط:
النوع الأول: التسديد بالطبيعة والوحي بالتأكيد على عدم تناقضهما، وذلك لأمرين، هما توحيد المصدر المطلق المتعالي (الله سبحانه وتعالى)، ونسبية ومحدودية المتلقي للآيتين، والنوع الثاني: شرط التسديد بالناس كل الناس في ما أسماه القرآن بالتواصي أو الشورى أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو شرط الضمانة من انحراف الأفراد من خلال سياسات الاستبداد التي استخدمها البشر طوال تاريخهم.
النوع الثاني: التطميع (الشراء بآيات الله ثمنا قليلا)، والتطويع (واسترهبوهم) والنهي عن خشية الناس.
والربانية في معناها الحقيقي تعني الناس الذين تحرروا من هذه السلطات المستبدة، لأن يمتثلوا آيات ربهم الشرعية، بتعلم وتعليم الوحي (بما كنتم تعلمون الكتاب)، وأن يمتثلوا نتائج دراسة آيات ربهم الكونية بدراسة الطبيعة والكون (وبما كنتم تدرسون)، وقد جاءت هاتين الطريقتين مقررة في آية قرآنية عظيمة، جمعت أنواع الناس والمجتمع المفترض البعيد عن سلطتي التطميع والتطويع، فقال سبحانه (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).
إن الاستفصال في هذه المفاهيم ـ في ظني أ أوضح وأهم وأولى من الاستفصال في الألفاظ التي وقف عندها ابن تيمية، كلفظ (الجسم، والجهة، والحيز، والعرض، والحادث، والتقسيم، والجبر)، لأن المفاهيم المعاصرة مفاهيم ملموسة ومعينة، ويترتب عليها حقوق تعيش عليها الملايين من الناس، وليست مجرد مفاهيم ذهنية تلعب فيها عوامل اللفظ والعبارة دورا كبيرا كما هي ألفاظ التراث العقدي القديمة.
الظن بأن هؤلاء الكُتاب ـ باسم الدفاع عن الشريعة ومحاربة العلمانية ـ هم الذين يمثلون الشريعة في حسم هذه المواضيع بمقال أو مقالين هو ظن خاطئ، يُسيء إليهم أولاً قبل أن يسيء إلى ما يدَّعونه من امتلاكهم لعلوم شرعية.
وما ذكرته يشير بإيجاز إلى الخلل الكبير في مفهوم الشريعة، وفي كيفية تقرير الحقوق عند بعض من يدعي تعمقه في فهم الشريعة. والغريب عند الناقدين هو الحديث عن التجديد أو الإصلاح، كما هو مشاهد في التجربة المصرية وإصلاحييها، مع أن تراث التجربة المصرية الإصلاحية فقير ومهترئ، لكن ليس عند هؤلاء سوى الاستشهاد بأقوال بعض رموزها، كما يجري أحياناً في بحوث الماجستير والدكتوراة في كلياتنا، حيث ترى غياب شخصية الباحث الخلاقة والمبدعة, حتى صارت معايير إبداع الطالب بقدر ما يجد من نصوص، لا بقدر ما يُبدع من معاني.
لذا كان ابن تيمية محقاً في أن من يُفسد الدنيا نصف فقيه ونصف متكلم ونصف طبيب ونصف نحوي، فهذا يُفسد البلدان، والثاني يُفسد الأديان، والثالث يُفسد الأبدان، والرابع يُفسد اللسان، وكذلك تعلق الفقيه بالدولة لأن الفقه يرتبط بالسلطة التشريعية (التنظيمية)، وتعلق المتكلم بالدين لأن المتكلم يرتبط بالعقائد .
ولو لاحظ هؤلاء في إبداع ابن تيمية الفقهي المرتبط بتحقيق المصالح في باب المعاملات، كما هو في كتابه (القواعد النورانية)، لكان تبين لهم ما حققه هذا العالم في مجال الإصلاح الفقهي إكمالا لمسيرة العز بن عبد السلام، لكن لم يُكمل ابن تيمية إصلاحه لباب السياسة الشرعية ليُحدد وسائل ضمانة تحديد المصلحة بدون فساد أو حيف، وإن لم يكن ابن تيمية تحدث، إلا أن القرآن تحدث عن ذلك، والفلسفات الغربية لا شك في أن لها فضلاً لا يُنكر في إثارة البحث والتنقيب في مباحث العلوم والنصوص الشرعية عند كثير من الباحثين المسلمين الملتزمين بالإسلام شريعة ومنهج حياة.