أ.د. أحمد محمد وهبان

الحصانات ومبدأ المعاملة بالمثل

كاتب الموضوع الأصلي: فيصل التميمي 1

عندما هددت وزارة الخارجية بإعمال “مبدأ المعاملة بالمثل” لتلك الإجراءات الأمنية المشددة التي أعلنت الولايات المتحدة اتخاذها على جميع الرحلات القادمة إليها من قبل (14) بلداً من ضمنهم السودان، تبادر إلى الأذهان بعض التساؤلات، هل يمكن أن تطبق الحكومة هذا المبدأ فعلاً على جميع الرعايا الأمريكيين، دبلوماسيين ومسافرين؟.. وإن كانت الخارجية تعتبر أن مثل هذه الإجراءات تنطوي على اعتداءات جسيمة في خصوصية المسافرين، وتعكس استهانة الولايات المتحدة بحقوق الإنسان، لم إذن تتبع ذات الإجراء؟ وأين هي الحصانة التي أقرتها الاتفاقيات، وهل تختلف درجاتها من دبلوماسي لآخر؟.. كما من المعلوم أيضاً أن معظم الدول ترفع من وتيرة استعداداتها الأمنية في تلك الحالات إن حدثت تجاوزات، فهل البعثات الدبلوماسية المقيمة في السودان ملتزمة بقوانين الدولة؟ وإن حدثت انتهاكات لِمَ تبقى مستورة عكس باقي الدول؟
أهم الشخصيات التي تزور الولايات المتحدة يتعرضون لذات الإجراءات في المطارات..فلا توجد صالات لكبار الزوار.. لكن في حال كانت الشخصية الزائرة رئيس دولة فإن طائرته تحط على قاعدة عسكرية في المطار، ليتم معاملته بكرم ودون تفتيش.. وربما لا يمكن تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل في كل المسائل لاختلاف العادات والتقاليد والإمكانيات!.
وزارة الخارجية على لسان ناطقها معاوية عثمان خالد، أكدت أن مبدأ المعاملة بالمثل، حق كفلته الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، بالرغم من “أن إجراءات الولايات المتحدة تعتبر تعدياً وانتهاكاً لحقوق الإنسان”..
والمعلوم أن الولايات المتحدة بدأت تطبيق هذا الإجراء على مواطني الدول المعنية، إلا أن الحكومة لازالت تدرس كيفية تطبيقه، وعلى من تطبقه من حاملي الجنسية الأمريكية، فمدير إدارة الحصانات بوزارة الخارجية السفير محمد عيسى إسماعيل، قال في حديث مطول لـ(الأخبار) “إن تعرض موطنونا للتفتيش فسنعرض مواطنيهم للتفتيش أيضاً لكن بصورة إنسانية وليست جائرة أو مهينة حسب أعرافنا وتقاليدنا”، وأشار في هذا الموضوع إلى أنهم يتلقون معلوماتهم من بعثاتهم في الخارج، ثم يدرجونها في القوائم الخاصة المتعلقة “بالمعاملة بالمثل”.. حيث يتم تطبيق ذات المعاملة في الامتيازات، الحصانات، وحتى التعامل في المطارات.. وأضاف أنهم ينتظرون مكاتبة من قبل سفارة السودان في واشنطن فيما يتعلق بطريقة معاملة الدبلوماسيين السودانيين. مؤكداً أنهم سيصدرون توجيهات للإدارات المختصة في المطار لإخضاع الرعايا الأمريكيين لذات المعاملات الصارمة التي يعاملون بها المواطنين السودانيين ” لأنه حق تكفله المواثيق والأعراف الدبلوماسية”.

الحصانة.. التنازل طوعاً :
من المعروف في العرف الدبلوماسي أن السفراء وأعضاء السلك الدبلوماسي ومساعديهم يتمتعون “بالحصانة الدبلوماسية” بحيث لا يمكن تقديمهم للمحاكمة بالدولة التي يعيشون بها، كما أن مقر السفارة وبيوت أعضاء السلك الدبلوماسي لا يمكن للشرطة المحلية أن تنتهكها على الإطلاق.
وتعتبر أيضاً من أهم مقتضيات العمل الدبلوماسي المعاصر، التي تشمل مختلف الحصانات والامتيازات الدبلوماسية من حصانة قضائية ( المادة 29 و 31 من اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية 1961م) والامتيازات المالية( المادة 34-36 من نفس الاتفاقية).. إلا أن السفير عيسى أشار إلى أن العضو الدبلوماسي يمكن أن يتنازل طوعاً عن هذه الحصانات خاصة في المسائل القضائية (كالشهادة مثلاً) فلا يمكن إرغامه على المثول أمام المحكمة، لأنه يتمتع بحصانة مطلقة في عدم المثول أمام أي محكمة لأي غرض سواء كان متهما أم شاهداً، “فطوعاً يمكن أن يفعل ذلك”..
وأوضح أنه في حالة حدوث جرائم جنائية أو مخالفات فإن الدولة المضيفة تطلب من رئيس البعثة أو المنظمة رفع الحصانة عن العضو لتمكين العدالة من أخذ مجراها.. ولفت إلى أنه في أغلب الأحيان لا تخضع البعثات الدبلوماسية لهذه المطالب سواء في السودان أو خارجه من قبل الدول المضيفة، وقال: “في هذه الحالات يتم الأخذ بالمبدأ الآخر الخاص بالإبعاد بإعلان الشخص أنه غير مرغوب فيه، وهو ما يعرف بـ ( persona non grata ) لأن أغلب الدول لا تقبل برفع الحصانة عن دبلوماسييها، وهو الذي يعطي الحق للدول المضيفة في إبعاده.

لبنى أفتت في ما لا تملك!!
يعتقد البعض أن الحصانات تخص أفراد البعثات الأجنبية فقط، لكن بعد حادثة لبنى ظهرت بعض المغالطات بمستوى درجة الحصانة التي يحظى بها الدبلوماسي السوداني.. السفير عيسى أقر بوجود حصانة للعضو الدبلوماسي السوداني، وقال “هناك مواطنون سودانيون يعملون في المنظمات، يتمتعون بحصانة محدودة ليست كحصانة العضو الدبلوماسي الأجنبي، وتقتصر على ما يصدر منه بالقول أو الفعل خلال تأديته لمهام عمله الرسمية” وأكد أن الدبلوماسي السوداني خارج مكان عمله لا يتمتع بأي حصانة وتنطبق عليه الولاية السيادية والقانونية.
وأشار السفير لقضية الصحفية لبنى حسين، – التي تنازلت عن حصانتها كي يأخذ القانون مجراه- قائلاً: “إنها لا تملك أي حصانة كما تدعي”.. وأكد أنها لا يمكن أن تتنازل عن شيء لا تملكه، لافتاً أن الحصانة التي تملكها تتعلق فقط بحدود تنفيذ مهامها مع البعثة أي أثناء ساعات العمل، أما خارج هذا الإطار فهي تخضع للولاية القانونية والقضائية كما قال.

تجاوزات.. بين قانون الدولة واتفاقية فينا!!
بالرغم من وجود الحصانة للبعثات، إلا أن هناك انتهاكات تحدث، فالسفير محمد إسماعيل كشف أنه خلال العام الماضي ( 2009) حدث تجاوزان من قبل البعثات الدبلوماسية أو الأجنبية وقال: ” أسيء استخدام الحصانات والامتيازات من قبل بعض البعثات بصورة قليلة جداً، مضيفا أنهم يرصدون من حين لآخر بعض التجاوزات لبعض الأفراد في المنظمات الإقليمية والدولية، والتي تتمثل غالباً في استيراد الخمور، وقال: “نحن في السودان نمنع استيراد الخمر أو المتاجرة فيها، لكن من فترة لأخرى لا بد أن تحدث تجاوزات من بعض الدبلوماسيين على المستوى الرسمي أو الشخصي” وأشار إلى أنه يتم رصد بعض المخالفات الخاصة بإدخال مواد مخالفة للقوانين المحلية، ويكون هنالك شك أقرب إلى اليقين لدى السلطات المختصة بما يتوفر لها من آليات من حدوث مخالفة، وأضاف: “بعد ذلك يتم تفتيشها بحضور ممثل للبعثة، وللخارجية، وآخر لسلطات المطار، حيث يتم فتح الحقائب، وإن كانت مخالفة يتم تخييرهم إما بمصادرتها أو إعادتها، واعتبر أنه في غالب الأحيان توافق البعثة على إعادتها.. إلا أن دبلوماسيين سودانيين أكدوا في حديثهم لـ(الأخبار) أن السلطات ليس بإمكانها منع البعثة الدبلوماسية من استيراد الخمر لأنه حق كفلته الاتفاقية، كما أن معظم البعثات الدبلوماسية الموجودة في السودان تستورد الخمور “إلا أنها تُمنع من الدخول في حال كانت أعدادها كثيرة والقصد منها المتاجرة”.
السفير أكد أنه من خلال إمكانياتهم الشرطية استطاعوا محاصرة ظاهرة المتاجرة بالسلع في الأسواق، وقال “اتفاقية سوفا الموقعة بين السودان والأمم المتحدة أمنت على إقامة مجمعات استهلاكية في أماكن سكن ومقار البعثات”، إلا أنه أشار إلى أن السلطات كانت تخشى من تسرب بعض المواد للسوق المحلي من بعض الموظفين “صغار في الرتب” لكنه طمأن أن الأمر بات تحت السيطرة.

الحقيبة الدبلوماسية.. الحق محفوظ :
الحقيبة الدبلوماسية، تكون في العادة محملة بالوثائق والتقارير التي ترصد التوجهات الجديدة، وتستكشف المواقف المحتملة، وتنقل ما يدور في دهاليز السياسة، وهي لا تختلف عن الحقيبة العادية بالشكل الخارجي، لكنها تختلف بالمحتوى، المضمون، التسمية، التبعية أو الحماية التي تتمتع بها، كما أنه لا يجوز فتحها، وقال دبلوماسيون لـ(الأخبار) إن فتح الحقيبة قد يؤدي إلى توتر أشبه بأزمة، وأن الخلاف قد يتصاعد بين الدولتين، وربما يصل لقطيعة وإغلاق السفارة.
وأكد السفير أن جميع الحقائب التي تصل إلى الدولة لها مطلق الحصانة.
وأشار إلى أن الاحتجاج يحدث في حال قيام دولة بتجاوزات على دبلوماسي الدولة الأخرى، وقال: “نحن نحتج إن تعرض أحد دبلوماسيينا لأي نوع من المضايقات: ونبعث مذكرات احتجاج إلى الدولة المعنية” وأكد أن بعثاتهم في الخارج لم يحدث أن سُجلت عليها أية تجاوزات خارجية، طيلة السنوات الماضية، لافتاً إلى أنهم يتميزون بانضباط دبلوماسي ومهني كبير.

الامتيازات مع أمريكا.. سلم، تستلم!
عادة ما يتذكر الناس مضايقات الحكومة للسفارة الأمريكية في قضية الحاويات التي أصرت الحكومة حينها أن لا تدخل إلى الخرطوم عبر ميناء بورتسودان، إلا بدفع الجمارك، وهو الأمر الذي رفضته السفارة لأن القوانين الدولية تنص على إعفاءات في الرسوم الجمركية لمواد البعثات.
السفير قال إن الامتيازات لا تعطى جزافاً، لأن الغرض منها تمكين البعثات من استيراد مواد لأعمالها الرسمية مثل الأثاثات، المكيفات والمواد الخاصة بعملها مع إعفاءات في الرسوم الجمركية، مضيفاً أن الأمر ينطبق على الأعضاء الدبلوماسيين في (استيراد الأشياء الخاصة بأثاثاتهم ومنقولاتهم).. ثم أوضح أن القانون الدولي يعمل في إطار مبادئ تفصيلية كالمعاملة بالمثل، وأن التعامل مع السفارة الأمريكية نبع من هذا المبدأ، بحيث إن حصلت مضايقات أو تم حجز أموال أو ممتلكات للسفارة السودانية في واشنطن أو فرضت جمارك أو رسوم جزافية عليها، فإن الدولة تطبق ذات المعاملة، وهو ما حدث!.

Leave a Comment