الحصانة الدبلوماسية ..
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العليوي 35
تشكل الحصانات والامتيازات الدبلوماسية أهم الركائز الأساسية للعلاقات الدولية وهي تهدف إلى تأمين الأداء الفعال لوظائف البعثات الدبلوماسية على أكمل وجه. وهذا ما يؤمن أهداف الدبلوماسية القائمة على إدارة الشؤون الخارجية للأطراف الدولية وتعزيز علاقاتها على أسس ومبادئ المساواة وحفظ السلم والأمن الدوليين.
إن العلاقات الدبلوماسية، منذ نشوئها بين القبائل والشعوب والدول، ارتكزت على مبادئ وأسس جعلت من الدبلوماسية أسلوبا ومنهجا ومهنة ذات وظائف متنوعة. وشهدت هذه العلاقات أشكالا متنوعة من الممارسة توحدت وتمحورت جميعها على قاعدة أساسية واحدة تقوم على منح الدبلوماسيين حصانات وامتيازات معينة ومحددة، تسمح لهم بتأمين الاتصال والتبادل بين الأمم والشعوب والدول، أي تأمين العلاقات الخارجية لهم، مما أدى إلى ارتباط وثيق بين هذه الحصانات والامتيازات وبين الممارسة الدبلوماسية.
لقد عرفت المجتمعات منذ القدم مبدأ تبادل الرسل والمبعوثين وأقرت لهم حصانات وامتيازات شكلت القواعد الأولى لظهور الممارسة الدبلوماسية والتعامل بين الدول.[1]
حيث حرصت الأمم القديمة على احترام وتقديس الممثل الدبلوماسي في إطار المهمة الموكولة إليه.
وقد ورد في مجموعة القوانين الرومانية ما يلي : ” إن من يعتدي على سفير دولة أجنبية، يخرق أحكام القانون الدولي ويجب تسليمه إلى حكومة السفير وأبناء شعبه للاقتصاص منه على هذه الإهانةة”[2]
وأصدرت حكومة هولندا في عام 1651م قانونا ينص على ما يلي: ” إن القانون الدولي العام، وحتى قوانين البرابرة، تقضي باحترام وتكريم السفراء والممثلين الدبلوماسيين الموفدين من قبل الملوك والأمراء ورؤساء الجمهوريات. ولذلك يحظر على كل إنسان إهانتهم أو التعرض لهم، أو إلحاق الأذى بهم تحت طائلة الحكم عليه يجرم خرق مبادئ القانون الدولي والإخلال بالأمن العام”، وفي عام 1728م حكم في السويد على أحد الأشخاص بالإعدام لإقدامه على شتم سفير الملك لويس الرابع عشر علنا.[3]
هذه أمثلة قليلة تثبت أن للمثل الدبلوماسي الحرية والحصانة، وأن التعدي عليها يحرك المسؤولية الدولية للدولة المضيفة، إذا لم تتحرك لإزالة ما تعرض له المبعوث الدبلوماسي من إساءة.
ومع تطور العلاقات الدولية وتطور الممارسة الدبلوماسية تطورت قواعد الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، وتطورت المفاهيم النظرية التي تبرز منح هذه الحصانات والامتيازات.
وظهرت تاريخيا، ثلاث نظريات تبرز منح أو إقرار الحصانات والامتيازات الدبلوماسية.فقد سادت منذ القرن 17 وحتى الحرب العالمية الأولى نظرية الصفة التمثيلية le caractère représentatifونظرية امتداد الإقليم
l’exterritorialité .
ومنذ هذا التاريخ أي منذ العقد الثالث من القرن العشرين بدأت تسيطر نظرية جديدة هي نظرية أو ضرورات الوظيفة l’itéret de la fonction التي تبنتها جميع الاتفاقيات الدبلوماسية، واستبعدت في ذات الوقت النظريتين السابقتين. ومن ناحية أخرى، وبهدف تسليط الضوء على هذه المفاهيم النظرية، سوف نتطرق عند بحثها ومعالجتها إلى مفهوم ” عهد الأمان ” الذي ساد في المجتمع العربي الإسلامي قبل القرن الخامس عشر.[4]
وقبل البحث في أسس هذه المفاهيم النظرية، سنبحث أولا في مفهوم الحصانة الدبلوماسية، ثم الأسس القانونية للامتيازات والحصانات الدبلوماسية.