أ.د. أحمد محمد وهبان

الحكام وميكافيلي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيزالحمدان

تأثر كثير من حكام اوروبا وغيرها بآراء ميكافيلي ولا سيما تلك التي وردت في الامير . وجاء تأثر هؤلاء في ظروف مختلفة ومن منطلقات متباينة. وفي كل الاحوال اختار معظم الحكام من آراء ميكافيلي ما كان يناسبهم، وهم في العادة كانوا يتجاهلون الشروط والضوابط الكثيرة التي كان نيكولو يشدد عليها بحماسة وعن ايمان مطلق، وهذه هي الميكافيلية بعينها.
من اوائل الحكام الاوروبيين الذين تأثروا بميكافيلي الملك الاسباني شارل الاول (1508 ـ 1558) الذي كان اول حاكم اوروبي قيل عنه ان الشمس لا تغيب عن ممتلكاته . وبالرغم من تعصبه للكنيسة الكاثوليكية وحمايته لها فقد شجع هو ووزراؤه توزيع الامير في اسبانيا. وتحمس توماس كرومويل (1485 ـ 1540)، السياسي الانكليزي البارز في عهد هنري الثامن، للافكار الواردة في الامير ، فقد حصل علي نسخة مخطوطة منه ومكن ملكه من اقامة حكم مطلق اصبح هو واحدا من ضحاياه فيما بعد. وقد عثر علي الكتاب في جيب كل من هنري الثالث وهنري الرابع ملكي فرنسا عند قتلهما. كما تأثرت به اليزابيث الاولي (1558 ـ 1603) التي كانت اعظم حكام انكلترا في عهد آل تيودور وحققت نجاحات مشهودة علي الصعيدين الداخلي والخارجي، والتي كانت تحاول الحفاظ علي التوازن في علاقاتها دائما. اما الوزير الاول الفرنسي ريشيليو الذي يعتبر من انجح ساسة اوروبا في النصف الاول من القرن السابع عشر فقد اعجب بميكافيلي اعجابا شديدا واعترف في وصيته السياسية بأنه اعتمد علي آراء ميكافيلي الذي دافع عنه وأكد بأنه لم يتجاوز في اعماله حد تسجيل اسلافنا بشكل صادق وأمين. وعرف نابليون بونابرت كتابي الامير و المطارحات وجعلها في مقدمة اجود الف كتاب انتقاها لتؤلف له مكتبة متنقلة، وله تعليقات عن الامير الذي يعتقد كذلك بأنه قام بترجمته. ولم يقل اعجاب نابليون الثالث بأفكار ميكافيلي عن اعجاب سلفه وقد تطرقنا فيما سبق من مواضيع الي عدد اخر من الحكام الذين تأثروا بميكافيلي وحاولوا تطبيق تعليماته في تربة غير تربة ايطاليا القرن السادس عشر، منهم هتلر الذي اعترف بذلك في كتابه المعروف كفاحي . وهناك، بالطبع، بعض الساسة الكبار الذين جاؤوا بعد ميكافيلي ولم يطلعو علي آرائه، الا ان كل واحد منهم يصلح ان يكون مثالا مشوها في الغالب للامير الذي اراده ميكافيلي!
ومع ان هناك من الكتاب من يعتبر الرئيس الفرنسي السابق ديغول الانموذج الامثل للامير الحديث، الا انه من الصعب في الواقع ان يستطيع حاكم معاصر، مهما كانت الظروف، تقمص الشخصية التي ارادها ميكافيلي بحذافيرها. وهنا يجدر بنا ان نجلب النظر الي فكرة مهمة طرحها الثوري الايطالي غرامشي بهذا الصدد. ففي رأيه ان الفرد في عالمنا المعاصر عاجز عن ان يتحول الي (امير) ميكافيلي، لذا فان الذي يستطيع، بل يجب ان يغدو الامير الحديث هو الحزب السياسي الثوري . وليست الاساليب التي يدعو الي اتباعها سانتياغو كاريللو السكرتير العام للحزب الشيوعي الاسباني في كتابه الاوروشيوعية سوي تعبير من نوع جديد لما ذهب اليه غرامشي. فهو يقول بصدد الاتجاه الجديد … قد نجد رفاقا يفكرون ان اتجاها كهذا نوع من الميكافيلية يسمح لنا في لحظة ما ان نحصل علي كل شيء، وانهم يجدون ذلك الموقف طبيعيا تماما .
كل ما سبق يبين، بشكل لا لبس فيه، الموقع البارز الذي كان، ولا يزال، يحتله ميكافيلي في الفكر السياسي العالمي وتطوره. فكان من الطبيعي ان يحتل نيكولو، مهما طال الزمن، المكانة المرموقة الجديرة به في قلوب الناس، ولا سيما الطليان.

Leave a Comment