الخيمياء
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد الحازمي381
عـُـرفت الكيمياء القديمة بفن السباجيريك. وتأتي كلمة “سباجيريك” نتيجة ًلضم كلمتين إغريقيتين تفيدان معني الفصل والوصل. ربما يكون باراقيلساس هو أول من اختار هذه اللفظة، والتي يتشابه معناها مع إحدى الإملاءات اللاتينية في الكيمياء: SOLVE ET COAGULA والتي تعني: قم بالفصل ثم الوصل (أو قم بالإذابة ثم التخثير).
أشهرُ الأهداف التي عرفناها عن عمل الخيميائيين: 1. تحويلُ مختلفِ المعادنِ إلى ذهب (المعروف بعلم الكريسوبويا) أو فضة (و هو علم الخيمياء النباتية أو السباجيريك، وهو أقل شهرة من العلم الأول). 2. تخليق ال”باناكيا” أو إكسير الحياة، والذي اُدعيت قدرته على منح الحياة الأبدية الخالية من الأمراض. 3. اختراع المادة المذيبة الشاملة.
لم تكن هذه الأهداف الوحيدة لعلم الخيمياء، ولكنها أهدافٌ نالت قدراً أكبر من التوثيق والشهرة. ترى بعضُ المدارس السحرية أن تحويل الرصاص إلى ذهب هو قياسٌ تمثيلي لتحويل الهيئة المادية (ككوكب زحل المُمَثل بالرصاص) إلى الطاقة الشمسية (المُمَثلةِ في الذهب)، وأن الهدف من هذا التحويل هو تحقيق الخلود. ويوصف هذه المفهوم بالخيمياء الداخلية. استثمر الخيميائيون العرب والأوربيون بدءا من العصور الوسطى الكثير من الجهد في البحث عن حجر الفلاسفة، وهي مادة أسطورية اعتقدوا أنها عنصرٌ أساسي لتحقيق أحد الهدفين أو كليهما. لقد نال الخيميائيون قدراً متناوباً من الاضطهاد والدعم خلال القرون. فعلى سبيل المثال، أصدر البابا يوحنا الثاني والعشرون مرسوماً ضد التزييف الخيميائي في عام 1317، ولذا قام السيستركيون بحظر ممارسة الخيمياء بين أعضائهم. وفي عام 1403 قام هنري الرابع ملك إنجلترا بحظر ممارسة الخيمياء، وفي أواخر ذلك القرن قام بيرس (الرجل الحارث) وشوسر برسم صور مسيئة تظهر الخيميائيين كلصوص وكذابين. على النقيض من ذلك، فإن رودولف الثاني في أواخر القرن السادس عشر، وهو إمبراطور روماني مقدس، كان يرعى عدداً من الكيميائيين لدى عملهم في بلاطه الكائن في براغ.
يفترض بعض الناس أن الخيميائيين قدموا مساهماتٍ فائقةً للصناعات “الكيميائية” الحديثة مثل تكرير العناصر الخام، وصناعة المعادن، وإنتاج البارود والحبر والأصباغ والدهانات ومواد التجميل، ودباغة الجلود، والخزف، وصناعة الزجاج، وإعداد المستخلصات والمشروبات الروحية، وما إلى ذلك. ويبدو أن إعداد ما يسمى “أكوا فايتا” (أو مياه الحياة) كان “تجربة” ذات شعبية ٍبين الخيميائيين الأوربيين. و لكن في الواقع، على الرغم من مساهمة الخيميائيين في تقديم التقطير لغرب أوروبا، فإن الخيميائين لم يقدموا الكثير لأي صناعة معروفة. فعلى سبيل المثال، كان عمال الذهب قد أجادوا معرفة جودة المشغولات الذهبية لفترة طويلة قبل وجود الخيميائيين. كما اعتمد تقدم التكنولوجيا الصناعية على عمل الحرفيين أنفسهم في هذه الصناعات أكثر مما ناله من مساعدة الخيميائين.
يسجل التاريخ أن العديد من الخيميائين المتقدمين (كزوسيموس بانوبوليس) نظروا إلى الخيمياء باعتبارها تجربة ًروحية، وأن النواحي الميتافيزيقية في الخيمياء تم اعتبارها الأساس الحقيقي لهذا الفن. أيضا، تم اعتبار الحديث ِعن المواد الكيميائية العضوية وغير العضوية والهيئات المادية وعمليات المواد الجزيئية، مجرد استعارات ٍ للحديث عن المدخلات والهيئات الروحية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى الحديث عن التحولات. وبهذا الأصل في الحسبان، فإن المعاني الحرفية للصيغ والمعادلات الخيميائية كانت عمياء ظاهرا، تخبيء ورائها فلسفة روحية باطنة تخالف كنيسة القرون الوسطى المسيحية. ولذلك كان من الضروري إخفاؤها لعدم التعرض لمحاكم التفتيش بتهمة الهرطقة. وهكذا فإن مفهوم تحويل المعادن إلى ذهب ومفهوم الباناكيا العالمية مفهومان يرمزان إلى التحول من حالة ناقصة مريضة وقابلة للفساد والزوال إلى حالة كاملة صحيحة خالدة وغير قابلة للفساد. ولذا مثــَّـل حجرُ الفيلسوف المفتاح السحري لتحقيق هذا التحول. وبتطبيق هذا على الخيميائي نفسه، فإن هذا الهدفَ المزدوج يرمز إلى التحول من الجهل إلى التطور والتنوير، بينما يمثـِـلُ الحجرُ الحقيقة أو الطاقة الروحية الخفية التي من شأنها أن تؤدي إلى هذا الهدف. ونحن نجد أن الرموز الخيميائية والرسوم التوضيحية والصور النصية الخفية في النصوص التي كتبها الخيميائيون المـتأخرون (بصياغة تتفق مع الرأي المسبق) تحتوي على طبقات متعددة من المعاني والمجازات والإشارات إلى أعمال ٍ أخرى لا تقل في إلغازها، ويجب أن “تـُــفـَـك َ شفرتـُـها” بمشقة لاكتشاف معانيها الحقيقية.
يوضح باراقيلساس بجلاء في كتابه “التعليم الخيميائي”، أن استخدامه لأسماء المعادن مجرد استخدام رمزي:
سؤال: عندما يتحدث الفلاسفة عن الذهب والفضة التي يستخرجون منها المادة، هل يفترض أن نظنهم يتحدثون عن الذهب والفضة المألوفين؟ جواب: على الإطلاق. فالفضة والذهب المألوفان ميتان، أما فضة الفلاسفة وذهبهم فملأوان بالحياة.