أ.د. أحمد محمد وهبان

الدبلوماسية الوقائية

كاتب الموضوع الأصلي: رشدي سليمان 1 3

عصام عبدالله

في مذكرات هنري كيسنجر‏ وزير خارجيه أمريكا الأسبق‏ ، في عصر الحرب الباردة ، العديد من الحواديت الطريفة والبذيئة أيضا‏ ، وإن كان أغلبها لا يخلو من دلالة تبرز حنكته كدبلوماسي داهية .
منها أنه اجتمع مع مستشاريه قبل بدء رحلاته المكوكية إلي الشرق الأوسط لمعرفة أفضل السبل وأسرعها لإنجاح مهمته الصعبة ، فأشار عليه أحدهم‏ ، وكان متخصصا في علم النفس‏ ، بأن ذلك سيتوقف أولا ، وقبل كل شيء ، علي فيض القبلات والأحضان التي سيغدقها علي كل من يقابله في الشرق الاوسط‏ . فإنزعج كيسنجر جدا من هذا الكلام ، لما يوحي به من معان غير سوية ، خاصة بين الرجال في الغرب‏ ، علي العكس تماما مما هو متبع في الشرق‏ . ولكنه أمتثل في النهاية ، بعد تفكير وروية ، وأصبح كيسنجر من أبرع الدبلوماسيين الغربيين في “فن القبل‏ ” . !‏

تذكرت هذه الحدوتة وأنا أقرأ الكتاب الممتع للدكتور قدري حفني أستاذ علم النفس السياسي ، والخبير في الصراع العربي الإسرائيلي ، ” لمحات من علم النفس‏..‏ صوره الحاضر وجذور المستقبل‏ ” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب .‏ اذ لم يعد بالفعل ثمة مجال من مجالات الحياة المعاصرة بعيدا عن اسهامات وتطبيقات علم النفس رغم ان الذهن ينصرف عادة عند الحديث عن تلك التطبيقات ، إلي الأمراض النفسية وفنون علاجها‏ ، وفي أفضل الأحوال فإنه قد يلمس هذه التطبيقات ، في مجالات كالتربية والتعليم والصناعة والإعلام ، وما الي ذلك من مجالات قد تدخل في مجال السياسة الداخلية ، لكنه نادرا ما يتسع المفهوم ليشمل قضايا السياسة الخارجية ، وهنا بالتحديد تكمن أهمية هذا الكتاب‏ .‏
ان فروع علم النفس المعاصر التي أصبحت تتجاوز الخمسين فرعا‏ ، تسهم بشكل أو بآخر في قضايا الصراع الدولي والسياسة الخارجية ، ويكفي أن نشير إلي فرع واحد من هذه الفروع وهو علم النفس السياسي ، وحسب المؤلف فإن له دورا في تزويد صاحب القرار بما يلزمه من بيانات موضوعية تتعلق بإتجاهات الرأي العام المحلي والعالمي‏ ،‏ الراهنة والمتوقعة . بحيث يضمن للقرار السياسي أكبر قدر ممكن من التقبل والتأثير ‏.‏
كذلك تزويد المفاوض بما يلزمه من معلومات عن فنيات التفاوض وسمات الطرف الآخر التي تؤثر في أسلوبه التفاوضي‏ ، واتجاهات الجماعات الضاغطة حيال الموضوع محل التفاوض‏…‏ الخ‏ . كما يلعب علم النفس السياسي دورا أساسيا في مجال إدارة الأزمات الدولية بما يتيحه لصاحب القرار من معلومات تتعلق برؤية الجماهير في الداخل والخارج لطبيعة الأزمة ، وتوقعاتهم لمسارها ، بما يسهم في ترشيد قرارات إدارتها‏ .‏

ويشير المؤلف إلي مستقبل علم النفس السياسي‏ ، خاصة دعوة ” جان ايلياسون ” وزير خارجية السويد‏ الأسبق ، الذي كان سفيرا للسويد في الولايات المتحدة ، كما أنه عمل لفترة في سفارة السويد بالقاهرة ، لإقامة علاقة وثيقة بين علم النفس والدبلوماسية ، مؤكدا علي أن انفجار الصراعات الداخلية أصبح السمة المميزة لعالم اليوم‏ ، وأن الدبلوماسية الوقائية تكتسب في مثل هذا الموقف معني جديدا يقتضي تطوير ما أطلق عليه ” ثقافة الوقاية ” التي ينبغي أن يتزود بها الدبلوماسي‏ ، وتشمل هذه الثقافة فيما يري ايلياسون‏ ، عدة مكونات منها‏ :‏ عيون وأذان سيكولوجية تلتقط النذر الأولي للإنفجارات المتوقعة . فهما علميا أعمق لطبيعة جذور الصراعات العرقية والحضارية والدينية ، واستراتيجيات حلها كالتفاوض والوساطة والتصالح‏ .‏ والإحاطة الدقيقة بأساليب توفير الثقة المتبادلة بين أطراف النزاع بعد إنهائه ، ضمانة لإستمرارية ورسوخ استقرار الأوضاع .

نقلا عن:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=122487

Leave a Comment