الدبلوماسية والأمن
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الدوسري 3
تشكل مسألة الأمن عنصراً استراتيجياً في بناء وتطور الدولة وكذلك في تفاعل المجتمع مع المحيط الإقليمي والدولي، وقد تعاملت الدولة الوطنية الحديثة مع هذه المسألة من زوايا متعددة، لكن ما يجمعها أن معظم الدول المعاصرة تلجأ إلى الدبلوماسية العامة كأداة استراتيجية في تحقيق الأمن، وعلى الأخص في بعده الإقليمي.
ويشار إلى أن دول أي إقليم لها مصلحة في تحقيق الأمن المشترك، فإنها تستند عادة إلى أنساق متعددة من الأمن الإقليمي، ومن بين هذه الأنساق؛ التاريخ المشترك الثقافة والدين المشترك العادات والأنماط والسلوكيات الاجتماعية المشتركة، والارتباط الإقتصادي على صعيد التكامل البيني وكذلك على مستوى التعاون التقني واللوجستي، إضافة إلى تشكيل قوة اقتصادية مشتركة على الصعيد الدولي، وكذلك تشابه أنماط الحكم، والحاجات المشتركة للأمن بمدلولاته المختلفة.
وتلعب عوامل عدة دورا حاسما في تحقيق الأمن الإقليمي لمجموعة من الدول من أهمها:
1- توفر الحد الأدنى من إدراك مصادر التهديد الخارجية المشتركة.
2- حاجة كل دول العملية مساعدة الدول الأخرى.
3- بناء اتفاقيات تفصيلية للتعاون الأمني على صعيد الإقليم.
4- نجاح دول الاقليم في تشكيل وضع الكتلة الأمنية الفاعلة على الصعيد الدولي.
وتعتبر الدبلوماسية الناجحة تلك التي تستخدم حراكها وعلاقاتها في سبيل حمايةمقومات الأمن للدولة والإقليم المحيط بها، ويعتبر النموذج التركي المعاصر خاصة خلال السنوات الخمس الأخيرة، من أكثر النماذج فاعلية على صعيدي الاستقرار الأمني في الإقليم وسرعة الإنجاز، وفي المقابل لم تنجح اسرائيل في تحقيق الأمن الإقليمي للدولة، وظلت تتعامل من منطلق التهديدات الخارجية المتواصلة حتى بعد توقيع ثلاثة اتفاقيات سلام مع دول الجوار العربية ما سبب استنزاف موارد الدولة وتحويلها إلى مصدر تهديد دائم لكل الإقليم، أما فيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي مثلا، برغم نجاحها النسبي في تشغيل دبلوماسية فعالة لتوفير وسائل تحقيق الأمن العام لها كإقليم، غير أنها لم تتمكن من احتواء مصادر التهديد من كل إيران والعراق طوال عقود بسبب استلاب القرار الأمني الخاص بها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، والتي لها مصلحة متحققة في بقاء مصدر التهديد الخارجي لدول المجلس قائما، وهذا لا يقلل من أهمية النجاح الذي حققته الدبلوماسية الخليجية في نزع فتيل المواجهة العسكرية بين كل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الخمس المنصرمة.
ويأتي دور الدبلوماسية الفاعل في إنشاء الأمن الإقليمي أو المحافظة عليه أو نزع فتيل أزماته بوصفه أداة حاسمة، ولذلك فإن العجز الدبلوماسي أو سوء الإدارة الدبلوماسية في أي دولة عادة ما يجعل من أمن الدولة الإقليمي حالة غير مستقرة، وتمثل الدبلوماسية العراقية على مدى الاربعين سنة الماضية أحد النماذج على هذه الدبلوماسية، ومن هنا يمكن القول إن مستوى و ومضمون الإدارة الدبلوماسية يؤثر تأثيرا بليغا على مستوى استقرار الدولة الإقليمي، ونشير للمرة الثانية إلى النجاح التركي الكبير في تصفير مستوى النزاعات في دول الجوار في كمقابل عجز الدبلوماسية الاسرائييلية المتواصل عن تحقيق ذلك الأمر، ليدفعها باستمرار إلى القيام بشن عدوان عسكري على أي من دول الجوار تحت فلسفة الضربة الاستباقية أو نقل المعركة إلى أرض العدو وفق نظرية الأمن الاستراتيجية الاسرائيلية، وأما على الصعيد الدولي فقد نجحت الدبلوماسية الأمريكية نجاحا ملفتا للانتباه في تحقيق الأمن العام للدولة في قيامها بمبادرات المشاركة مع الأمن الإقليمي لأكثر من ستة كتل إقليمية في العالم ما بين المحيط الهادي والأطلسي، وذلك رغم انها لا تكاد تجاور سوى دول ما يعرف بالنافتا NAFTA (كندا والمكسيك والولايات المتحدة).
من جهة أخرى فإن بناء الأمن الإقليمي للدولة والدول الحليفة لها وإدارته بكفاءة، يحتاج إلى قدرة متميزة لاستثمار هذه الحال لصالح التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه الدولة والذي تلعب الدبلوماسية أداة أساسية فيه حيث تقدم الدبلوماسية المصالح المشتركة بين أمن الإقليم المحيط بالدولة ودول وأقاليم العالم الأخرى، لتتمكن من جلب الاستثمارات الأجنبية والمساعدات الدولية كما يمكنها البناء على الاستقرار الأمني لجذب السياحة الدينية منها والتاريخية والطبيعية، وما يدره ذلك على الدولة من دخول اقتصادية ودور ثقافي مهم.
وخلاصة القول: أن تحقيق الأمن الإقليمي للدولة وتمتين مقوماته الأساسية والقيام على إدارته بفاعلية وتنامي القدرة على استثماره لصالح الدولة، إنما يقع في قلب أهداف واستراتيجيات الدبلوماسية العامة، والتي قدمتها دول وأقاليم العالم كحالات نجاح متميزة أو حالات فشل متميزة.