أ.د. أحمد محمد وهبان

الدور الإقليمي العراقي بعد الانسحاب الأمريكي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العلياني

إن حدث إحالة الهاشمي إلى القضاء العراقي بتهمة إرهابية، بعد انسحاب آخر جندي أمريكي مباشرة توقيت له دلالات كبيرة وعميقة، توحي للوهلة الأولى وكأن أمريكا والجيش الأمريكي هو من كان يحمي الهاشمي وأعوانه.
في الوقت الذي يحتاج العراق أكثر ما يحتاجه، إلى تعزيز الأمن وإثبات قدرته الذاتية على حماية نفسه، بقدراته ووعي قادته، ووحدة شعبه، كل هذا يقوم على ركيزة أساسية تتلخص بمد جسور الثقة بين السلطة والشعب، وإزالة أسباب التوتر الأهلي بعد أن مر زمن يمكن أن تبنى المصالحة عليه. فالعنف الذي شهده العراق بعد الاحتلال الأمريكي لم ينال من طرف دون آخر، ولا تتحمل مسؤوليته جهة دون أخرى، حيث إن العراق دخل في أتون حرب أهلية ساهمت في تدمير قواه، في سعي كل فئة لإضعاف الأخرى وفق مصالح خاصة، مستقوية بالقريب والبعيد، وفشلت السلطات القائمة في تطبيق القانون لكشف ومحاسبة المجرمين من خلال إحالتهم إلى محاكم عادلة كوسيلة لتخفيف الصراع، ونزع فتيل الفتنة، بل كل فئة سعت إلى إبعاد الشبهة عنها وعن مناصريها واتهمت فئات أخرى، والهدف الغلبة و الوصول إلى السلطة بل الاستئثار بها. وقد حصدت الحرب مئات الآلاف من رجال العراق ونسائها وأطفالها. واتخذ الصراع في الغالب طابع طائفي مقيت .
ما أريد قوله، أنني لا أبرأ أي قوة عراقية من الدم العراقي، لكن أن نسترخص الدم العراقي ولا ندين من قتل الآلاف وعشراتها، ولا يتم محاسبة الجناة، إلا بشكل انتقائي وغائي. ثم تخرج علينا الرئاسة العراقية، بأن رأس البلاد كان مستهدف من نائب الرأس مباشرة، إن دل هذا على شيء فإنه يدل على الصراع حتى الموت بين أجنحة السلطة العراقية، وأن الوجود الأمريكي كان سبباً في لجم الأطراف التي لم تستطع علاج خلافاتها ولم تتجاوزها. بل تماسكت لفترة من الزمن ضاغطة على الأعصاب والزناد حتى لا يمنحوا أمريكا مبرراً لتمديد وجودها العسكري في العراق. وما أن خرجت أمريكا حتى أعلنت شرارة الانقسام وعودة الصراع لإعادة ترتيب الأوراق ليس في العراق فحسب بل على صعيد المنطقة ككل. والمسألة ليست عراقية فقط، بل قضية عراقية إيرانية سورية، عربية، فالضغط الدولي على إيران ساهم في توتير العلاقات العربية الإيرانية، حيث الدول العربية على الأخص الدول الخليجية ليست محايدة بل داعمة للتصعيد الدولي ضد إيران. باستثناء سوريا ولبنان وأيضاً العراق الذي كان يبدو متوارياً، حابساً أنفاسه لينفجر في وجه الجميع، في وجه العراقيين أولاً بهدف تحويل الاستقطاب ضد السلطة الذي عبر عن نفسه بحركة الشارع ومطالبه باتجاه تعميق الديمقراطية والحرية، وتحقيق العدالة الاجتماعية. إلى الاستقطاب الطائفي الإثني. حتى يتم تفجير الوضع في العراق من جديد، في ظل عجز الأجهزة والسلطة، بما يحقق مصلحة إيرانية بالامتداد داخل العراق لدعم السلطة العاجزة عن فرض الأمن. وتقوية النفوذ الإيراني، وفتح الباب مشرعاً أما مشاريع الانقسام العراقي، بين مكوناته، نحو الفيدرالية وحتى الانفصال إن أمكن.
هذا الوضع سوف يساهم في الضغط على تركيا ومخاوفها من انفلات الأوضاع في العراق وحتى من مشروع فيدرالية تجمع الأكراد وتقويهم على حدودها مما يدفع بتركيا لتعيد حساباتها وتقديم تنازلات سواء في العلاقة مع إيران أو العراق أو مع سوريا.
أما النظام السوري الذي يعيش مأزقه التاريخي وأزمته الشاملة على جميع الأصعدة، تحت ضغط الشارع الثائر والحصار والضغط العربي والدولي، بعد أن فتح نافذة مع الدول العربية بالتوقيع على مبادرتها، حيث إن الأزمة في العراق وتفجير الوضع فيه سوف يلهي الأطراف العربية والدولية وتركيا حول الوضع العراقي، ويخفف العبء عنه بل أن توتر الوضع العراقي قد يعيد الأمل للنظام السوري أن يلعب بالورقة العراقية دوراً بما يقربه من تركيا ودول الخليج لتعيد حساباتها معه.
برزت مع تطور الأزمة الإيرانية والأزمة السورية ملامح حلف إيراني سوري لبناني، واليوم يصطف العراق أكثر من أي يوم مضى مع هذا الحلف معبراً عن دوره وأهميته في ساحة الصراع القائمة. ولابد من الإشارة إلى الطابع الطائفي للحلف، حيث أنه يساهم في تعميق الانقسام الطائفي داخل كل دولة من هذه الدول.
وإن كانت المسألة السورية هي قضية تتعلق أولاً وأخيراً بحسم الصراع بين النظام والشعب، في سبيل تغيير النظام الاستبدادي، إلا أن النظام أخذ بتوظيف هذه الأزمة منذ لحظة اندلاع الانتفاضة وكأنه صراع على دوره للنيل من ثبات مواقفه تجاه القضايا الوطنية، موقف النظام هذا يبرز عند كل حديث يدليه حول مواقف الدول عربية كانت أم أجنبية تجاه الثورة في سوريا، حتى في تفسيره الحراك الجماهير، خاصة بإعطائه طابعاً طائفياً.
تزامن التصعيد الدولي الأخير ضد إيران على خلفية البرنامج النووي الإيراني مع التصعيد ضد النظام السوري حيث شهدنا بعدها مناوشات على الجبهة اللبنانية، في إشارة إلى تصعيد مقابل، حتى اتخذ المشهد شكل حلف مستعد للمواجهة يتشكل من حزب الله وإيران وسوريا ويبدو أن العراق يستعد للدخول في هذا الحلف ليصبح رباعياً في حال أي تصعيد عسكري في المنطقة.
إن دور إسرائيل بدا واضحاً في مرحلة التصعيد الدولي ضد النظام السوري، حيث كانت إسرائيل تسعى إلى هدف تركيز الجهود الدولية اتجاه توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، باعتبار إيران هي من تملك القدرة العسكرية الأساسية وإن ضربة لإيران يعني إضعاف النظام السوري وحزب الله. ولاشك أن إيران هي المنافس الإقليمي الأكبر لإسرائيل.
إذن إن قضية الهاشمي قد تكون الشعرة التي قصمت ظهر البعير، والتي قد تدخل العراق في متاهات الحرب الأهلية من جديد ليدفع ثمنها العراق وشعبه دماراً وموتاً رخيصاً على درب تعزيز الجاهلية الطائفية. والحل لن يكون إلا بوعي أبناء العراق ووحدتهم لكنس القادة الطائفيين الوجه الآخر للديكتاتورية والفاشية والظلامية والاستعمار والتخلف.
http://aljadidah.com/2011/12/%D8%A7%D9% … A8-%D8%A7/

Leave a Comment