الديمقراطية التي تعرفون .. مالها وماعليها ؟
كاتب الموضوع الأصلي: مهند السويلم 8
أصل الديمقراطية :
اتخذت الشعوب الغربية من الديمقراطية منهجا تسير بها حياتها، وفلسفة تنظم العلاقة بين الحكام والمحكومين بعد أن يئست من الكنيسة وتعليماتها ورؤيتها في إدارة شئون الحكم وشئون الحياة، ويرجع ذلك إلى التحريف الذي طرأ على الكتب التي اختص الله بها تلك الديانات السماوية، الأمر الذي عكس نفسه على فساد التصورات لدى رجال الدين، فحل القهر والظلم والاستبداد محل العدل والسماحة التي نزلت بها الشرائع السماوية.
جاءت الديمقراطية كحل مناسب ينظم حياة الناس السياسية، وكان خلاصة هذا المنهج- حسب مفهومهم – أن يكون الشعب هو مصدر كل السلطات والتشريعات، ولا توجد أي سلطة أعلى من سلطة الشعب ، ويجب أن يرضخ الجميع لما يقرره ويرتضيه الشعب، مع فتح المجال للحوار بين أبناء الشعب الواحد على أساس المواطنة المتساوية، وعدم تهميش أي فكرة مصدرها الشعب، وفتح المجال للرأي والرأي الآخر، المهم أن تكون الفكرة أو الرأي له رصيد جماهيري يدعمه بما يشكل الثقل الكافي لاعتماده تمهيدا للعمل به، من قبل كافة فئات الشعب وان اختلفت آراؤهم.
هذه الأفكار الديمقراطية قابلت استحسانا عند أكثر شعوب الأرض إن لم يكن كلها، ورافق ذلك الزخم الإعلامي والضغط السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تمارسه الدول الغربية صاحبة الفكرة، واعتماد سياسة التبشير بهذا الفكر البديل وفرضها على كافة شعوب الأرض،كبديل معاصر لحل مشكلات البشرية ،من وجهة نظرهم .
ودخل في ذلك الشعوب العربية والإسلامية، فصاروا يتبنون هذه الأفكار ويرجون لها ويدرسونها للنشئ، ويفتتحون المعاهد المدعومة من الغرب لإشاعة هذه الفكرة، ناهيك عن الترويج الإعلامي منقطع النظير في الدعم والتبني والتحسين والتزيين لهذه المبادئ والأفكار البديلة.
ولتطبيق هذه الأفكار كان لابد من اتخاذ بعض الإجراءات الكفيلة بممارستها كحق مشروع ومكتسب (جماهيريا) وإقناع الناس بان هذه حقوق لا يليق بأحد التخلي عنها.
من تلك الإجراءات ، حق الترشيح والانتخاب والاقتراع وتقسيم الشعب إلى دوائر انتخابية ، وتشكيل الأحزاب السياسية، ولو كانت مختلفة الأفكار متباينة الآراء، طالما وجد لها جمهور من أبناء الشعب يؤيدها ويدعمها .
هذه الإجراءات وتفاصيل أخرى متفرعة عنها، تؤدي إلى انتخاب ممثلين عن الشعب في مجلس يسمى مجلس الشعب، أو مجلس الأمة، أو مجلس النواب، أي نواب الشعب، هذا المجلس على اختلاف مسمياته يضم ممثلي الشعب أو نوابه، بحيث يكونون مفوضين من قبل الشعب يناقشون كافة القضايا التي تهم الشعب، بما فيها القضايا المصيرية مهما كان حجمها، طالما كانت تحت سقف الديمقراطية، والتزمت بالأطر الديمقراطية.
لقد كان الغرب صادقون في تبني هذه الفكرة لأنهم عانوا من قهر واستبداد الكنيسة ورجال الدين المحرف، وكانت هذه الأفكار بمثابة ثورة جاءت لترفع عن الناس عهودا من الظلم والفساد والإرهاب الفكري والقمع السياسي.
فجاءت والقوم متعطشون للحرية وممارسة أبسط حقوقهم في التعبير عن آرائهم، دون ملاحقة أو مضايقة، فلذلك اعتنقوها وقدسوها وتفاعلوا معها وتفانوا من اجل العمل لإنجاحها وممارستها بصدق وشغف.
وهذا يفسر لنا السر وراء الالتزام العجيب لدى كل فئات الشعب في الغرب، واستسلام عجيب لنتائج الانتخابات مع قلة في الأحزاب السياسية، وإذا حصل الاختلاف حول النتائج، فسرعان ما يتفقون عليها ويتنحى الرئيس السابق بكل سهولة ويسر ويسلم لخليفته بكل سرور.
إن المتأمل في هذا الوضع يجد أداء وراءه أسرار بعضها ما ذكرت لكم، ولاشك أن الدول في الغرب، تبذل جهودا كبيرة لتعميق مفاهيم الديمقراطية بين أبنائها، من خلال المناهج الدراسية ووسائل الإعلام وغيرها من الوسائل مما أدى إلى تشرب ثقافة الديمقراطية وتغلغلها في أعماق وجدان الشعوب منذ نعومة أظافرها.
المسلمون والديمقراطية:
هذا الأداء بهر العرب والمسلمين الذين يقبعون تحت أنظمة مستبدة وديكتاتورية لا تؤمن بحرية الشعوب ولا تعير أي اهتمام لحقوق الإنسان في التعبير عن آرائهم وممارسة حقوقهم المشروعة، فضلا عن القهر والظلم والكبت والملاحقة وممارسة الاستبداد بشتى صنوفه.
وتحت ضغط الحاجة إلى الحرية وتنفس عبيرها الذي ينفح من بلدان الغرب، وفي ظل غياب الوعي الديني، وعدم وضوح بعض التفاصيل المهمة لعقائد المسلمين، الأمر الذي أخفى وراءه جوانب دقيقة من التعارض بين الديمقراطية وبين الشريعة الإسلامية.
في ظل هذه الظروف نشأت تيارات من المسلمين تنادي بالحرية والعدالة، وحقوق الإنسان، مستشهدين بالتجارب الغربية الناجحة والكثيرة، في محاولة للتخلص من الواقع المؤلم الذي فرضته عليهم الأنظمة الحاكمة في بلدانهم.
وتجاوب بعض الحكام مع النداءات، لكنهم أيقنوا أن البساط سيسحب من تحت أقدامهم وأقدام ورثتهم من بعدهم إن هم رضوا بالخيار الديمقراطي وفق النمط الغربي، فكان لابد لهم من ركوب موجه الديمقراطية، والتمترس خلفها من اجل تحقيق أمرين:
الأول: محاولة معاصرة لإرضاء شعوبهم المتلهفة للحرية العدالة.
والثاني:التودد إلى الغرب الذي يدفع بسخاء لمن يتبنى أفكاره، ويفرض على شعبة تطبيق أحدث تجاربه.
وهكذا سارت الأمور لعدة عقود، الظلم لم يرفع، والحريات لم تطبق، وحقوق الإنسان لازالت تنتهك، لكن الجديد في الأمر أن وسائل الأعلام الرسمية بدأت تمارس الدجل والتضليل تحت شعار الخيار الديمقراطي، وانه النهج الذي لا ترتضي الشعوب بديلا عنه، وكل ذلك من اجل تحقيق الأمرين المذكورين.
ومن شدة الضجة الإعلامية، صدق بعض الناس وسائل الإعلام، وشك آخرون بأنفسهم، وأخفى البعض غيضهم من الوضع في أعماقهم ، حتى لا يتهمون بالعداء للديمقراطية منزوعة الدسم.
وحتى يستمر الحكام في أماكنهم، ويظلون في سيرتهم السابقة مع إعلان التزامهم بقواعد اللعبة الديمقراطية، كان لابد من اتخاذ وسيلة ما تضمن لهم ذلك، فلجأو